النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
ولفظ حديث ديلم عند بن أبي عاصم: سألت النبي ◌َّ# عن نبيذ يتخذ
من القمح، قال: ((هل يسكر)) قلت: نعم قال: ((فاجتنبوه)) فقلت: إن
الناس غير تاركيه، قال: ((إذا لم يتركوه فاقتلوهم))(١).
قال أبو جعفر: وما تبين أن الخمر يكون من غير عصير العنب من لفظ
رسول الله ◌َّه وأصحابه ومن اللغة والاشتقاق ما رواه أبو هريرة ﴾ قال
رسول الله وَ: ((الخمر من النخلة والعنب)) وفي لفظ: ((في هاتين
الشجرتين النخلة والعنب))(٢)، وخالف ذلك قوم فقالوا: لا تكون إلا من
العنب، ونقضوا قولهم فقالوا: نقيع التمر والزبيب خمر؛ لأنه لم يطبخ.
وقد ذكر النسائي عن النعمان بن بشير يرفعه: ((الخمر من خمسة من
الحنطة والشعير والتمر والزبيب والعسل وما خمرته فهو خمر)) (٣)، وكذا
ذكره عمر بن الخطاب على المنبر (٤)، زاد الدارقطني في حديث
النعمان: ((وأنهاكم عن كل مسکر)) (٥).
وفي لفظ: ((إن من التمر خمرًا، وإن من الزبيب خمرًا، وإن من التمر
والشعير خمرًا، وإن من العسل خمرً))(٦).
قلت: وفي الباب أيضًا حديث أم حبيبة ابنة أبي سفيان وابن مسعود،
وطلق بن علي وأبي قتادة ومعقل بن يسار وعبد الله بن مغفل ومعاذ بن
= ص٥٩: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات.
(١) رواه أبو داود (٣٦٨٣)، وأحمد ٢٣١/٤-٢٣٢ وفي ((الأشربة)) (٢٠٩، ٢١٠).
(٢) مسلم (١٩٨٥) كتاب: الأشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر.
(٣) ((السنن الكبرى)) ١٨١/٤ (٦٧٨٧).
(٤) ((سنن النسائي)) ٢٩٥/٨.
(٥) ((سنن الدار قطنى)) ٢٥٣/٤، ورواه أبو داود (٣٦٧٧).
(٦) ((سنن الدارقطني)) ٢٥٣/٤، وأبو داود (٣٦٧٦).

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
جبل ذكرها أحمد في ((الأشربة)) (١)، ومعاوية بن أبي سفيان والأشج
العصري وأبي وهب الجيشاني ووائل بن حجر وعلي بن أبي طالب
وأبي بردة بن نيار والضحاك بن النعمان ذكرها ابن أبي عاصم في
كتاب ((الأشربة)) بعضها مقوٍ لبعض.
قال أبو جعفر(٢): وفي هذه الأحاديث تصحيح قول من قال: إن
ما أسكر كثيره فقليله حرام عن رسول الله وصله والصحابة.
وعبارة أبي الليث السمرقندي في ((التنبيه)) أخبر القفيها أن كل مسكر
فهو حرام يعني: ما كان مطبوخًا أو غير مطبوخ وشارب المطبوخ
أعظم ذنبًا وإثمًا من شارب الخمر؛ لأن من شرب الخمر يكون عاصيًا
فاسقًا، ومن شرب المطبوخ يخاف أن يكون كافرًا؛ لأن شارب
الخمر مقر بأنه حرام وشارب المطبوخ معتقد حله(٣).
قال أبو جعفر: ثم كان الصحابة على ذلك وبه يفتون أشدهم فيه
علي بن أبي طالب يخاطبهم بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
ثم أن ابن عمر لما سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشي فقال
للسائل: أنهي عن قليل ما أسكر كثيره ، وإني أشهد الله عليك، فإن أهل
خيبر يشربون شرابًا يسمونه كذا وهي الخمر، وإن أهل فدك يشربون
شرابًا يسمونه كذا فهي الخمر، وإن أهل مصر يشربون شرابًا من
العسل يسمونه البتع وهى الخمر(٤)، ثم عائشة لما سئلت عن غير
عصير العنب فقالت: صدق الله ورسوله سمعت رسول الله و له يقول:
(١) أنظر: ((الأشربة)) ص ٥٧، ٧٦، ٨٧.
(٢) ((الناسخ والمنسوخ)) لأبي جعفر النحاس ٥٩٦/١ -٦٠٦.
(٣) (تنبيه الغافلين)) ص٥٣.
(٤) (سنن النسائي)) ٢٩٦/٨

٤٣
= كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
(يشرب قوم الخمر يسمونها بغير اسمها)) (١) فلم يزل الذين يروون هذِه
الأحاديث يحملونها على هذا عصرًا بعد عصر، حتى عرض فيها قوم
فقالوا: المحرم الشربة الأخيرة التي تسكر (٢).
وقالوا: قد قالت اللغة: الخمر المشبع والماء المروي، فإن صح
هذا في اللغة فهو عليهم لا لهم؛ لأنه لا يخلو أن يكون من أحد
جهتين: إما أن يكون معناه للجنس كله، أي صفة ذلك كذلك فيكون
هذا القليل الخمر وكثيره؛ لأنه جنس فكذا قليل ما يسكر، أو يكون
الخمر المشبع فهو لا يشبع إلا بما كان قبله وكله مشبع، فكذا قليل
المسكر وكثيره، وإن كانوا قد تأولوه على أن معنى المشبع هو الآخر
الذي يشبع وكذا الماء الذي يروي.
فيقال لهم: ما حد ذلك الماء المروي والماء الذي لا يروي؟ فإن
قالوا: لا حد له فهو كله إذن مروي، إن حدوه قيل لهم: ما البرهان
على ذلك وهل يمتنع الذي لا يروي مما حددتموه أن يكون يروي
عصفورًا وما أشبهه؟ فبطل الحد، وصار القليل مما يسكر كثيره داخل
في التحري.
وعارضوا بأن المسكر بمنزلة القاتل لا يسمى مسكرًا حتى يسكر،
كما لا يسمى القاتل قاتلًا حتى يقتل(٣). وهذا لا يشبه من هذا شيئًا؛
لأن المسكر جنس وليس كذا القاتل، ولو كان كما قالوا لوجب أن
(١) (السنن الكبرى)) للبيهقي ٢٩٥/٨- ٢٩٦، والدارمي في ((مسنده)) ١٣٣٣/٢
(١٢٤٥) وأشار ابن حجر في ((الفتح)) ٥٢/١٠ إلى رواية الدارمي ولَيَّن إسناده.
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٢٧٨، ((أحكام القرآن)) للجصاص ٤٦٣/٢ -
٤٦٤، ((تبيين الحقائق)) ٦/ ٤٧.
(٣) أنظر: ((التمهيد)) ٢٥٦/١.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لا يسمى الكثير من المسكر حتى يسكر فكان يجب أن يحلوه، وهذا
خارج عن قول الجميع.
وقالوا: معنى ((كل مسكر حرام)) على القدح الذي يسكر(١)، وهذا
خطأ من جهة اللغة وكلام العرب؛ لأن كلا معناها العموم، فالقدح الذي
يسكر مسكر والجنس كله مسكر، وقد حرم الشارع الكل ولا يجوز
الاختصاص إلا بتوقيف، وشبه بعضهم هذا بالدواء والبنج (٢) الذي
يحرم كثيره ويحل قليله، وهذا تشبيه بعيد؛ لأنه العَّه قال: ((ما أسكر
كثيره فقليله حرام)) فالمسكر هو الجنس الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَنُ﴾ الآية [المائدة: ٩١] وليس هذا في الدواء والبنج وإنما
هذا في كل شراب هو هكذا، وعارضوا بأن قالوا: فليس ما أسكر
كثيره بمنزلة الخمر في كل أحواله وهذِه مغالطة وتمويه على المنافع؛
لأنه لا يجب من هذا إباحة، وقد علمنا أنه ليس من قتل مسلمًا غير
نبي بمنزلة من قتل نبيًا، فليس يجب إذا لم يكن بمنزلته في جميع
الأحوال أن يكون مباحًا، كذا من شرب ما أسكر كثيره وإن لم يكن
بمنزلة من شرب عصير العنب الذي قد نش فليس يجب من هذا أن
يستباح له ما قد شرب ولكنه بمنزلته في أنه قد شرب محرمًا وشرب
خمرًا، وأنه يحد في القليل منه كما يحد في القليل من الخمر، وهذا
قول من لا يدفع قوله، منهم عمر وعلي.
ومعنى: (كل مسكر خمر)) يجوز أن يكون بمنزلته في التحريم، وأن
يكون المسكر كله يسمى خمرًا كما سماه رسول الله ◌َّل ومن ذكرنا من
الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة، والعجب من معارضتهم بما
(١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٢٧٨، ((فتح القدير)) لابن الهمام ٣١٣/٥.
(٢) قال في ((اللسان)) ٢١٦/٢: والبنج ضرب من النبات.

٤٥
- ڪِتَابُ الأَشْرِبَةِ
لا يسوغ مما يذكر به بعد مع أحدهم بما رواه أبو فزارة زعموا عن أبي
زيد، عن ابن مسعود حديث النبيذ(١)، وأبو زيد لا يعرف ولا ندري (٢)
من أين هو (٣) .
(٤) وقد روى إبراهيم، عن علقمة، قال: سألت عبد الله هل كنت مع
رسول الله وَ﴾ ليلة الجن فقال: لا(٥)(٦).
ويحتجون بحديثٍ رووه عن أبي إسحاق، عن ابن ذي لعوة أن عمر
حد رجلًا شرب من إداوته، فقال: أحدك على السكر. وهذا من عظيم
ما جاءوا به، وابن ذي لعوة لا يعرف به (٧) .
(١) يشير إلى ما رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤)، وأحمد
٤٤٩/١، بلفظ: لما كان ليلة الجن؛ فقال لي النبي ◌ُّيقول: ((ما في إدواتك؟)) فقلت:
نبيذ؛ فقال: ((تمرة طيبة وماء طهور)). وضعفه الترمذي وغيره وقال الجوزقاني في
((الأباطيل والمناكير)) ٣٢٨/١: باطل.
(٢) ورد بهامش (غ): (لا ندري) هو غريب، فقد قال عثمان بن أبي شيبة: كان بقَّالا
عندنا بالكوفة، وقال الجوزقاني: منهم من سماه.
(٣) ورد بهامش الأصل: في الحاشية ما لفظه: قلت: قال في ... (روى عنه أبو روق
وأبو قلابة فعينه علمت.
(٤) كما ورد بهامش (غ): قليله لم ينفرد به فقد تابعه عليه بضعة عشر من ثقات الكوفيين
وأبو حنيفة لم يقل به إلا عند العدم بل رجع عنه.
(٥) كما ورد بهامش (غ): قلت: لا يعارض الأول فإنه لم يشهد معه أمر الجن .
(٦) مسلم (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن
وهو جزء من حديث.
(٧) في هامش الأصل: في الهامش قلت: قال العجلي: كوفي ثقة، كذا ذكره
أبو العرب القيرواني في (تاريخه)) عن يحيى بن معين.
وقال الساجي: محتمل، وذكره أبو أحمد في ((معرفة الصحابة))، وقال: روي
مرسلا، وليس تصح صحبته، وقال عمر في كتاب ((طبقات الكوفيين)) أسم ذي لعوة
عامر بن مالك، وهو أبو داود بن سعيد، وذكر أبو حاتم أن الشعبي وأبا أسحاق =

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال أبو جعفر: وهكذا قول أبي بكر بن عياش لعبد الله بن إدريس،
ثنا أبو إسحاق عن أصحابه: (أن)(١) ابن مسعود كان يشرب الشديد فقال
له ابن إدريس: استجيب لك ما نسخ من أصحابه، وأبو إسحاق إذا سمى
من حدث عنه، ولم يقل سمعت لم يكن حجة، وما هذا الشديد؟ أهو
خل أم نبيذ؟ ولكن حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن ابن عمر
وأبي هريرة أن رسول الله وَ لّه قال: ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)).
وحدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها،
عن النبي وَ لّ قال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) فأفحم أبو بكر بن
عياش، وقال الأوزاعي: قلت للثوري: إن الله لا يسألني يوم القيامة
لما لم تشرب النبيذ ويسألني: لما شربته فقال: لا أفتي به أبدًا، وقال
أبو يوسف: في أنفسنا الفتيا به أمثال الجبال ولكن عادة البلد(٢).
قال أبو عمر: عند أبي يوسف من قعد يريد السكر فالقدح الأول
عليه حرام كما أن الزنا عليه حرام، والمشي إليه حرام وإن قعد وهو
لا يريد السكر فلا بأس(٣).
قال أبو جعفر: فأما الأحاديث التي احتجوا بها فما علمت أنها
تخلوا من إحدى جهتين: إما أن تكون واهية الأسانيد، وإما أن تكون
لا حجة لهم فيها إلا التمويه، فمن ذلك ما رواه أبو إسحاق عن
عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر حين طعن، فجاءه الطبيب فقال:
= رويا عنه، وقال في ((علله)): مجهول، لا أعلم روى عنه إلا الشعبي والسبيعي،
وقال ابن حبان؛ هو شيخ دجال وقال أبو الفرج: حديثه معلل.
(١) في (س): عن.
(٢) ((المحلى)) ٤٨٧/٧.
(٣) ((الاستذكار)) ٢٤/ ٣٠٤.

٤٧
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
أي الشراب أحب إليك قال: النبيذ، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من إحدى
طعناته فكان يقول: إنما نشرب من هذا النبيذ لنقطع لحوم الإبل، قال
عمرو: وشربت من نبيذه فكان كأشد النبيذ (١)، قال ابن حزم: هُذا
خبر صحيح ولا حجة لهم فيه ؛ لأن النبيذ الحلو اللفيف الشديد للفته
الذي لا يسكر يقطع لحوم الإبل في الجوف، وأيضًا فإن عمر لم يأت
أنه شرب منه فآذاه فليس لذلك فلا متعلق لهم فيه أصلًا، قال:
ولا يصح لهم إلا هذا الخبر وخبر عتبة بن فرقد، وحديث نبيذ الطائف
ولا حجة لهم فيه(٢).
وأما ما رده به أبو جعفر فغير جيد بيانه أنه قال: هذا حديث لا تقوم
به حجة؛ لأن ابن إسحاق لم يقل: ثنا عمرو وهو مدلس فلا تقوم بحديثه
حجة حتى يقول ثنا وما أشبهه(٣) .
قلت: قد سلف عن ابن حزم تصحيحه، فرجاله ثقات عدول متصل،
ومنها حديث حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن علقمة قال: أتي عمر بنبيذ
قد أخلف واشتد فشرب منه ثم قال: إن هذا الشديد ثم أمر بماء فصب
عليه ثم شرب هو وأصحابه (٤)، وهذا الحديث فيه غير علة منها أن حبيبًا
على محله لا تقوم بحديثه حجة لمذهبه، وكان مذهبه أنه قال: إذا قال
حدثني رجل عنك بحديث ثم حدثت به عنك كنت صادقًا، ومن هذا أنه
روى عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها حديث القبلة(٥).
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٦٠٦/١ - ٦٠٧.
(٢) ((الناسخ والمنسوخ)) ٦٠٨/١.
(٣) ((الناسخ والمنسوخ)) ٦٠٨/١.
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٨/٤، والنحاس في ((ناسخ الحديث
ومنسوخه)) ٦٠٨/١.
(٥) رواه أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (٥٠٢)، وضعفه جماعة من =

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال الشافعي: لا يثبت بهذا حجة لانفراد حبيب به، ومنها أن نافعًا
ليس بمشهور بالرواية(١).
قلت: بلى قد ذكره ابن عبد البر في ((استيعابه)) في جملة الصحابة،
وقال: سمع رسول الله ◌َل قاله.
وقيل: إن حديثه مرسل (٢).
وفي كتاب ابن أبي حاتم يقال إنه سمع رسول الله وَّرُ وسمعت أبي
يقول: لا أعلم له صحبة(٣) وذكره المديني في ((معرفة الصحابة)) وقال:
ذكره ابن شاهين، قال أبو جعفر: ولو صح عن عمر لما كان فيه حجة؛
لأن اشتداده قد یکون من حموضته.
وقد أعترض بعضهم فقال: من أين لكم كان يمزجه كان يحمضه،
إنما تقولونه ظنًا، والظن لا يغني من الحق شيئًا. فجوابه أن نافعًا مولى
عبد الله قال: كان ذلك لتخلله، وقد روى عتبة بن فرقد قال: أتى عمر
بِعُسّ من نبيذ قد كاد يكون خلًا. الحديث.
فزال الظن بالتوقيف ممن شاهد عمر وهو من روايتهم، ثم رووا
حديثًا إن كانت فيه حجة فهي عليهم.
ثم رووا من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام بن الحارث:
أتي عمر بنبيذ فشرب منه فقطَّب، ثم قال: إنَّ نبيذ الطائف له عُرام ثم
= المحدثين القدامى، منهم البخاري ويحيى بن سعيد القطان وغيرهما، وصححه
آخرون لذاته ولم يصيبوا، ثم صححه آخرون بمتابعاته وشواهده وهذا أجود،
وانظر: ((سنن الترمذي)) ١/ ١٣٣ بتحقيق العلامة الشيخ أحمد شاكر. و((صحيح أبي
داود» (١٧٢).
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٦٠٩/١.
(٢) ((الاستيعاب)) ٤/ ٥٤.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ٤٥١/٨.

٤٩
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
ذكر شدة لا أحفظها، ثم دعا بماء فصب عليه ثم شرب(١)(٢).
قال الأثرم في ((ناسخه ومنسوخه)): فسره عبد الله بن عمر العمري
فقال: إنما كسره عمر من شدة حلاوته قال: ولذلك قال الأوزاعي
قال: وأهل العلم أولى بالتفسير(٣) .
وقال أبو جعفر: هذا لعمري إسناد مستقيم، ولا حجة لهم فيه بل
عليهم؛ لأنه إنما يقال: قطب لشدة حموضة الشيء أو معناه: خالطت
بياضه حمرة مشتق من قطبت الشيء، أقطبه إذا خلطته(٤).
قلت: (قال)(٥) أبو المعالي في ((المنتهى)): قطب بين عينيه قطوبًا
أي: جمع وقطب وجهه تقطيبًا: عبس، وقطب الشراب وأقطبه إذا :
مزجه فهو قاطب والشراب مقطوب.
وفي ((جامع القزاز)): قطب الرجل يقطب قطبًا وقطوبًا: إذا جمع بين
حاجبيه، وقطب تقطيبًا مثله، وقد قطب بين عينيه وقبط، وقطّت الخمر
بالماء: إذا مزجتها، والقطيب هو المزج في كل الأشربة ليس في الخمر
خاصة .
وقال ابن سيده في ((المحكم)): قطب يقطب قطبًا وقطوبًا وقطب،
زوى ما بين عينيه (٦) كذلك قال أبو جعفر.
وروينا من حديث ابن إسحاق عن سعيد بن ذي حدان أو ابن ذي
لعوة فذكر حديث الرجل الذي شرب من سطيحة عمر، وقول عمر:
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٢١٨/٤.
(٢)
((الناسخ والمنسوخ)) ٦١١/١.
(٣)
((الناسخ والمنسوخ)) للأثرم ص٢١٦-٢١٧.
(٤) ((الناسخ والمنسوخ)) ٦١١/١.
(٦) ((المحكم)) ١٧٦/٦ مادة: (قطب).
(٥) من (غ).

التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أنا أضربك على السكر؛ وهو من أقبح ما روي في الباب وعلته بينة لمن
لم يتبع الهوى، فمنها أن ابن ذي لعوة لا يعرف - كما سبق(١) - ولم يرو
عنه إلا هذا الحديث، ولم يرو عنه إلا أبو إسحاق، ولم يذكر أبو إسحاق
فيه سماعًا، وهو مخالف لما نقله أهل العدالة عن عمر.
ثم روي عن السائب، عن يزيد، أن عمر خرج عليهم، فقال: إني
وجدت من فلان ريح شراب، وقد زعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل
عنه، فإن كان يُسكر جلدته، قال: فجلده ثمانين، قال: فهذا إسناد
لا مطعن فيه، وقال أبو عمر: هذا الإسناد أصح ما يروى من أخبار
الآحاد، وفيه من الفقه وجوب الحد على من شرب مسكرًا، أسكر
أو لم يسكر، خمرًا كان أو نبيذًا(٢).
قال أبو عمر: والمحدود هو عبيد الله بن عمر، ذكره ابن عيينة
وغيره.
وروى علقمة أن عبد الله وجد من رجل ريح الخمر فحده، وكذا
فعلته ميمونة أم المؤمنين وعبد الله بن الزبير.
قال: وهذِه الآثار عن السلف تردُّ ما ذكره ابن قتيبة وغيره من
أصحاب أبي حنيفة أن مالكًا تفرد برأيه في حد الذي يوجد منه ريح
الخمر؛ وإنه ليس له في ذلك سلف، فهذا جهل واضح أو مكابرة (٣) .
قال أبو جعفر: والسائب رجل من الصحابة، فهل تعارض هذا بابن
ذي لعوة؟
(١) في نسخة الأصل في الحاشية: قلت: روى عنه الشعبي أيضًا.
(٢) ((الاستذكار)) ٢٤/ ٢٥٨.
(٣) ((الاستذكار)) ٢٤/ ٢٦١: ٢٦٣.

٥١
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
قلت: قال الدارقطني: إنه حديث لا يثبت(١). وعمر يجيز بحضرة
الصحابة أنه يجلد في الرائحة من غير سكر؛ لأنه لو كان سكرانًا لما
أحتاج أن يسأل عما يشرب، فرووا عن عمر ما لا يحل لأحد أن يحكيه
عنه من غير جهة لوهاء الحديث، وإنه شرب من سطيحته، وإنه يحد على
السكر وذلك ظلم؛ لأن السكر ليس من فعل الإنسان وإنما هو شيء
يحدث عن الشراب وإنما الضرب على الشرب كما أن الحد في الزنا
إنما هو على الفعل لا على اللذة، ولهذا قيل لهم: تحريم السكر محال؛
لأن الله تعالى إنما يأمر وينهى بما في الطاقة، وقد يشرب الإنسان يريد
السكر فلا يسكر، ويريد أن لا يسكر فيسكر؛ لتباين طباع الناس.
قال: ثم تعلقوا بما رويناه من حديث أبي نعيم عن مسعر، عن أبي
عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، أنه قال: حرمت الخمر
بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب(٢)، وهذا الحديث رواه
شعبة - على إتقانه وحفظه- على غير ملأ عن مسعر عن أبي عون،
عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس: حرمت الخمر بعينها، والمسكر
من كل شراب(٣)، أي بالميم.
(١) ((سنن الدار قطني)) ٢٦١/٤.
(٢) كذا رواه أبو جعفر النحاس في ((ناسخه ومنسوخه)) ١/ ٦١٧، من طريق أبي نعيم
المذكور، وكذا رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٤/٤، والطبراني
٣٣٨/١٠، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٢٤/٧، ووقع في المطبوع منه ((المسكر من
كل شراب)) وهو خطأ، والصواب: ((السكر من كل شراب)).
(٣) رواية شعبة أخرجها أحمد في ((الأشربة)) ص٥٨ برقم (١٠٩)، عن محمد بن
جعفر، عن شعبة، به. ومن طريقه النسائي ٣٢١/٨، والطبراني ٣٣٨/١٠،
والدراقطني ٢٥٦/٤، والبيهقي ٢٩٧/٨، ووقع في المطبوع من ((سنن النسائي)):
والسكر بدلا من المسكر.

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وصححه ابن حزم(١)، وفيه علة.
قال الأصيلي: لم يسمع عبد الله هذا الحديث من ابن عباس قاله
أحمد (٢)، وفيه: بينه هشيم فقال: أخبرني الثقة عن ابن عباس(٣)،
ورواه ابن شبرمة، عن ابن شداد متابعًا لأبي نعيم وليس متصلاً .
قال النسائي: لم يسمعه ابن شبرمة من ابن شداد(٤).
ورواه ابن أبي عاصم، عن محمد بن بشر، عن مسعر كرواية أبي
نعيم، قال ابن أبي عاصم ثبت عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ في
تحريم السكر، ورواه عن ابن عباس جماعة من قوله أيضًا .
ورواه أحمد في ((الأشربة)) عن إبراهيم بن أبي العباس، ثنا شريك،
عن عباس العامري، عن ابن شداد، عن ابن عباس قال: الخمر حرام
بعينها قليلها وكثيرها وما أسكر من كل شراب. قال أبو عبد الله :
ربما حذف المسكر وربما حذف السكر(٥).
ثنا محبوب، ثنا خالد عن عكرمة أن ابن عباس قال: حرمت الخمر
(١) ((المحلى)) ٧/ ٤٨١.
(٢) كذا ذكر المصنف عن الأصيلي قول أحمد بأن عبدالله لم يسمع هذا الحديث من
ابن عباس، وهو خطأ؛ فإن الإمام أحمد قال في ((العلل)) ١/ ٣٧٧: ابن شبرمة لم
یسمع من ابن شداد.
(٣) كذا قال المصنف: عن ابن عباس، وهو خطأ وصوابه أن ابن شبرمة قال: أخبرني
الثقة، عن ابن شداد، بهذا يتصل الحديث.
وهُذِه الطريق ذكرها النسائي في ((السنن)) ٣٢١/٨، وانظر: ((العلل)) للإمام أحمد
٣٧٩/١-٣٧٧ (٧٢٣).
(٤) ((سنن النسائي)) ٣٢١/٨.
(٥) الحديث رواه في ((الأشربة)) ص٣٥ (٣٥)، وقوله؛ رواه أبو القاسم عنه ص٥٨ بعد
حديث (١٠٩).

٥٣
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
وهو الفضيخ، وفي لفظ : حرمت يوم حرمت وما هي إلا فضيخكم
هذا (١).
وثنا أبو أحمد، ثنا سفيان عن علي بن بذيمة قال: حدثني قيس بن
حبتر قال: قال ابن عباس، قال رسول الله وَيّ: ((كل مسكر حرام))(٢)،
وفي ((مسند البزار)): هذا أصح إسناد في هذا(٣).
وفي ((أحكام عبد الحق))، وقد روي عن أنس مرفوعًا وأبي سعيد
وعلي وكلهم ما بين ضعيف ومجهول، والصحيح هو الموقوف (٤).
وقال ابن حزم في ((محلاه)): شعبة بلا خلاف أضبط (وأحفظ)(٥) من
أبي نعيم.
وقد روى زيادة على رواية أبي نعيم وزيادة العدل لا يحل تركها
وليس في رواية أبي نعيم ما يمنع من تحريم غير ما ذكر تحريمه إذا
جاء بتحريمه نص صحيح، وقد صح من طريق ابن عباس تحريم
المسكر كله وصح عنه كما ذكرنا من تحريم نبيذ البُسر (٦)، وعاب
الحديث وضعفه بعلي بن بذيمة (٧) ولا يصلح ذلك؛ لأنه ممن أتفق
(١) ((الأشربة)) ص ٧٠ (١٦١)، ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٣٥١/١١، وقال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٥٥/٥: ورجاله رجال الصحيح.
(٢) ((الأشربة)) ص٧٩ (١٩٤).
(٣) ((مسند البزار)) ١٠٠/١١-١٠١ (٤٨١٧) لكن دون قوله: هذا أصح إسناد في هذا،
ثم وقفت على هذا القول في ((الأحكام الوسطى)) لعبدالحق ١٦٦/٤.
(٤) ((الأحكام الوسطى)) ١٦٦/٤، ١٦٧.
(٥) من (غ).
(٦) ((المحلى)) ٧/ ٤٨١.
(٧) كذا قال المصنف أن ابن حزم أعله بابن بذيمة ولكن ابن حزم أعله بقيس بن حبتر،
وقال: مجهول. انظر: ((المحلى)) ٤٨٥/٧.

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عليه الشيخان (١)، ووثقه غير واحد، وإن سلمنا له قوله فقد رويناه عند
أحمد من حديثه عن [زكريا بن عدي](٢)، عن عبيد الله، [عن](٣)
عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس بلفظ: أنه الكليفي قال:
((إن الله حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام)) (٤)
وفي ((سنن الدارقطني)): قال موسى بن هارون الحمال: هذا هو
الصواب عن ابن عباس، يعني: بالميم؛ لأنه روى عن رسول الله
وَ ل: (كل مسكر حرام)) وروي عن طاوس وعطاء ومجاهد: ما أسكر
كثيره فقليله حرام(٥)، ولأبي داود: ((كل مخمر فهو خمر، وكل مسكر
حرام، ومن شرب مسكرًا بخس صلاته أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله
عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال،
ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقًّا على الله أن
يسقيه من طينة الخبال))(٦)، وهي صديد أهل النار.
(١) كذا قال، وليس كذلك؛ فإن عليًّا هُذا روى له الأربعة دون الشيخين، وانظر
ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٣٢٨/٢٠.
(٢) في الأصول: زكريا بن أبي عدي، وهو خطأ، والمثبت من كتاب ((الأشربة))
ص٣١ (١٤).، ومصادر ترجمته.
وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٩/ ٣٦٤.
(٣) في الأصل: بن، وهو خطأ والمثبت من ((المسند)) ١/ ٣٥٠ و((الأشربة)) ص٣٢.
(٤) ((المسند) ١/ ٣٥٠، وفي ((الأشربة)) ص٣١ (١٤)، قال الألباني في تعليقه على
((المشكاة)) (٤٥٠٣): رواه أحمد في ((المسند)) و((الأشربة)) بسند صحيح.
(٥) ((سنن الدارقطني)) ٢٥٦/٤.
(٦) ((سنن أبي داود)) (٣٦٨٠)، ومن طريقه البيهقي في ((سننه)) ٢٨٨/٨، وابن عبدالبر
في ((التمهيد)) ٢٥٥/١، وسكت عبد الحق في ((أحكامه)) ١٦٤/٤، وتعقبه ابن
القطان في ذلك، ثم صحح الحديث. ((بيان الوهم والإيهام)) ٤١١/٥ (٢٥٧٨)،
وضعفه الألباني كما في ((الضعيفة)) (٦٣٢٨).

كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
ولما ذكره أبو حاتم في ((علله)) قال: هذا حديث منكر (١).
فصل :
وقد استدل بعض من جوز شرب النبيذ بأحاديث:
أحدها: حديث النسائي: عن الحسن بن إسماعيل بن سليمان، عن
يحيى بن يمان، عن سفيان عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي
مسعود الأنصاري، قال: عطش النبي ◌َّلر حول الكعبة فاستسقى،
فأتي بنبيذ من نبيذ السقاية فشمه فقطب فصب عليه من ماء زمزم ثم
شربه، فقال رجل: أحرام هو؟ قال: ((لا)). وهو حديث ضعيف
باتفاق الحفاظ .
قال النسائي: خبر ضعيف، أنفرد به يحيى بن يمان دون أصحاب
سفيان، ويحيى لا يحتج به؛ لسوء حفظه وكثرة خطئه(٢) .
وقال أبو القاسم بن عساكر: رواه الأشجعي وغيره عن سفيان، عن
الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب، قال: أتي النبي ◌َّل بنبيذ، نحو
هذا .
وقال يحيى بن سعيد عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن
خالد بن سعد، عن أبي مسعود، فعله. قال منصور: ثم حدثني
خالد بن سعد، يعني به.
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن أبي مسعود نقله.
وقال أبو جعفر النحاس: هذا الحديث لا يحل لأحد من أهل العلم
أن يحتج به؛ لأن ابن يمان أنفرد به عن الثوري دون أصحابه وليس
(١) ((العلل)) ٣٦/٢.
(٢) (سنن النسائي)) ٣٢٥/٨.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بحجة، وأصل هذا الحديث أنه من رواية الكلبي، فغلط يحيى، فنقل متن
حديث إلى حديث آخر، وقد سكت العلماء عن كل ما رواه الكلبي، فلم
يحتجوا بشيء منه (١) .
والشراب الذي بمكة لم يزل في الجاهلية والإسلام لا يطبخ بنار،
وقد أجمع العلماء، منهم أبو حنيفة وصاحباه (٢) أن ما نقع ولم يطبخ
بالنار وكان كثيره مسكرًا؛ فهو خمر، والخمر إذا صب فيها الماء
أو صبت على الماء، فلا اختلاف بين المسلمين أنها قد نجست الماء
إذا كان قليلًا، فقد صار هذا حكم الخمر إذا أسكر كثيره فقليله حرام
بالإجماع فزالت الحجة به لو صح(٣) .
ولما رواه ابن أبي عاصم بلفظ: فقال رجل: أحرام هو يا رسول الله؟
قال: (بل حلال)). قال: لا خلاف بين أهل الحديث والمعرفة أن هذا
حديث منكر، ثم خالد بن سعد مجهول عندي لا يروي عنه إلا منصور
ومن لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول، حدث عن أبي مسعود في
النهاية، وعن أم ولد لأبي مسعود أنها كانت تنبذ له في جر أخضر،
ولم يقل: سمعت أبا مسعود، ولا: ثنا، فأراني أن يكون بينهما
إنسان، فيوقف حتى يصرح بالتحديث. وقد ذكروا أن الثوري رواه
عن أبان، عن الضحاك، عن ابن عباس. وقالوا: الوهم من ابن يمان،
ولا اختلاف بين المسلمين في أن نبيذ السقاية زبيب ينقع، ونقيع
الزبيب عند من أحل المسكر إذا صار في هذِه الحالة فهو مسكر،
ولا اختلاف بينهم في أن الخمر لا يحلها المزاج بالماء قل أو كثر.
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٦٢٤/١.
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٢٧٧ -٢٧٨.
(٣) ((الناسخ والمنسوخ)) ١/ ٦٢٢.

٥٧
= كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
قلت: وروى أحمد عن أبي عبد الرحمن الحنفي: شهدت عطاء
سُئل عن النبيذ، فقال: قال رسول الله وَّليه: ((كل مسكر حرام)) فقلت:
يا ابن أبي رباح إن هؤلاء يسقون في المسجد نبيذًا شديدًا، فقال
لهم: والله لقد أدركتها وإن الرجل ليشرب منها فتلتزق شفتاه من
حلاوتها(١).
وروى أحمد أيضًا في كتاب ((الأشربة)) من حديث الحسن عن نافع،
عن أم إياس بنت عمرو بن سبرة أنها سألت عائشة رضي الله عنها فقالت:
إن أهلي ينتبذون لي في جرٍ غدوة فأشربه عشية، وينتبذون لي عشية
فأشربه غدوة، فقالت: حلوه وحامضه حرام(٢).
وفي رواية عن عبد الله بن الأحمر العبدي عن أمرأة منهم،
فذكره(٣)، وقال ابن عبد البر: آثار أهل الحجاز في تحريم المسكر
أصح مخرجًا وأكثر تواترًا عن رسول الله وَّهِ، وأكثر أصحابه (٤).
وقال النسائي: أول من أحل المسكر إبراهيم، قال ابن عبد البر:
يصحح هذا قول ابن سيرين: لقيت بخباء أصحاب ابن مسعود علقمة
وشريحًا ومسروقًا وعبيدة، فلم أرهم يشربون نبيذًا بجرٍ فلا أدري أين
غاص هؤلاء على هذا الحديث (٥)؟
قلت: وقول ابن أبي عاصم: خالد بن سعد مجهول، لم يرو عنه غير
منصور؛ ليس كما ذكر، فقد روى عنه إبراهيم النخعي وأبو حصين
(١) ((الأشربة)) ص ٦٧ (١٥١).
(٢) المصدر السابق ص ٣٨ (٣١). وقع في المطبوع منه: الحسن بن نافع.
(٣) ((الأشربة)) ص٤٤ (٥١).
(٤) أنظر: ((الاستذكار)) ٣٠٧/٢٤.
(٥) المصدر السابق.

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
عثمان بن عاصم، ووثقه ابن معين وابن حبان(١) واحتج به البخاري مع
قوله في ((تاريخه الأوسط»: وقال يحيى بن يمان عن سفيان، عن
منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود: أنه التّ أتي بنبيذ
فصب عليه الماء. ولا يصح(٢)، وقال أبو أحمد الجرجاني: الذي
ينكر على خالد حديث النبيذ، وحديث ((لا يتم على عبد نعمة
إلا بالجنة)).
وفي موضع آخر: يروى عن أبي مسعود في النبيذ، ولا يصح، هو
موقوف(٣)، وقال الدارقطني: هذا الحديث معروف بيحيى بن يمان،
ويقال: أنقلب عليه الإسناد واختلط عليه، بحديث الكلبي عن أبي
صالح، وهذا سلف، قال: ورواه اليسع بن إسماعيل عن زيد بن
حباب عن الثوري، واليسع ضعيف، ولا يصح عن زيد (٤).
قال ابن أبي حاتم في ((علله)): قال أبو زرعة: هذا إسناد باطل عن
الثوري، عن منصور، ووهم فيه يحيى، وإنما ذاكرهم سفيان، عن
الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة، مرسل، ولعل
الثوري إنما ذكره تعجبًا من الكلبي حين حدث بهذا الحديث، ومنكرًا
عليه .
قال: وقال أبي: أخطأ ابن يمان في إسناده، والذي عندي أن يحيى
دخل له حديث في حديث رواية الثوري عن منصور عن خالد مولى أبي
مسعود أنه كان يشرب نبيذ الجر، وعن الكلبي عن أبي صالح عن
(١) ((الثقات)) ١٩٧/٤-١٩٨.
(٢) ((التاريخ)) ٥٤/٢-٥٥.
(٣) ((الكامل)) ٤٥٤/٣ ترجمة خالد بن سعد كوفي.
(٤) ((سنن الدارقطني)) ٤ / ٢٦٤.

٥٩
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
المطلب عن رسول الله : أنه كان يطوف بالبيت .. الحديث(١).
فسقط عنه [إسناد](٢) الكلبي وجعل إسناده منصور عن خالد، عن أبي
مسعود لمتن حديث الكلبي (٣).
وقال الدارقطني: متروك وأبو صالح أسمه باذان وهو ضعيف (٤).
وقال الأثرم في ((ناسخه ومنسوخه)): هذا حديث يحتج به من لا فهم
له في العلم ولا معرفة له بأصوله، وقد سمعت من أبي عبد الله و(من)(٥)
غيره من أئمة الحديث كلامًا كثيرًا وبعضهم سيزيد على بعض في
(تفسير)(٦) قصته، فقال بعضهم: هذا حديث لا أصل له ولا فرع،
قال: وإنما أصله الكلبي وهو متروك.
وكان ابن يمان عندهم ممن لا يحفظ الحديث ولا يكتبه، فكان
يحدث من حفظه بإعادته وهذا من أنكر ما روي، وإنما الذي رواه
عنه فقد غير عليه ما هو أعظم من الغلط مما قد كتبنا عنه لصعوبته
وسماجة ذكره.
وفي الحديث بيان عند أهل المعرفة أجمعين لضعفه؛ لأنه زعم أنه
شرب من نبيذ السقاية نبيذًا شديدًا فجعلوه حجة في تحليل السكر وإنه
لا يقطب إلا من شدة وإنه لا يكون شديدًا غير مسكر، فرجعوا إلى
الأخذ بالتأويل فيما تشابه، فيقال لهم: أيكون من النقيع ما يشتد وهو
حلو قبل غليانه؟ فيقولان له: لا، فيقال لهم: أرأيتم نبيذ السقاية
أنقيع هو أو مطبوخ؟ فيقولون: نقيع فإذا هم قد تكلموا بالكفر أو شبهه
(١) ((علل الحديث)) ٢٥/٢-٢٦.
(٢) في الأصل: إسقاط، والمثبت من ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٦/٢.
(٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم ٢٥١/٢-٢٥٢. (٤) ((السنن)) ٢٦٢/٤.
(٦) من (غ).
(٥) من (غ).

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حين زعموا أنه التَّ شرب نقيعًا شديدًا وإنه لا يشتد حتى يغلي وإنه إذا
غلا النقيع فهو خمر، فهم يرون بأنه خمر ويزعمون بأنه الكليه قد شربه، ثم
يحتجون بذلك في غيره ولا يأخذون به بعينه، وتفسير هذا الكلام أنهم
احتجوا بشرب الشارع، زعموا أن النقيع الشديد في تحليل المسكر
الممزوج ولا يرون شرب المسكر الشديد من النقيع، فأي معاندة
للعلم أبين من هذِه(١)؟
وقال ابن حزم: رواه يحيى بن يمان وعبد العزيز بن أبان وكلاهما
متفق على ضعفه(٢)، قلت: یحیی قال فيه: يحيى ليس به بأس.
وقال ابن المديني : صدوق.
وقال يعقوب بن شيبة في ((مسنده)): ثقة، أحد أصحاب سفيان، ولما
ذكره ابن شاهين في ((ثقاته)) قال: قال عثمان بن أبي شيبة: كان صدوقًا
ثقة (٣)، وقال الخليلي: ثقة(٤)، وذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٥)، وقال
العجلي: كان ثقة جائز الحديث معروفًا بالحديث صدوقًا(٦).
الحديث الثاني: حديث ابن عباس ، قال ◌َ: ((الظروف لا تحل
شيئًا ولا تحرمه ولا لتسكروا)) قال عمر بن الخطاب ﴾: يا رسول الله
فما قولك: ((كل مسكر حرام)) قال: ((اشرب فإذا خفت فدع))(٧) .
(١) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) للأثرم ص٢٠٩ -٢١٠.
(٢) ((المحلى) ٧/ ٤٨٤.
(٣) ((تاريخ أسماء الثقات)) (١٦٠٦).
(٤) ((الإرشاد)) ٢٨٥/١.
(٥) ((الثقات)) لابن حبان ٢٥٥/٩.
(٦) ((معرفة الثقات)) ٣٦٠/٢ ترجمة رقم (٢٠٠٢).
(٧) لم أقف عليه إلا عند ابن حزم في ((محلاه)) ٧/ ٤٨٢.