النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
والأمر للوجوب، وحصل له الفلاح إن اجتنب ذلك، وذلك يفيد
الوجوب أيضًا، وضد الفلاح الفساد، وكل شيء هو سبب لحصول
العداوة والبغض بين الإخوان واجب اجتنابه وعكس ذلك ما يؤدي
إلى الصلاح.
وقوله: ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وكل شيء يكون سببًا
للصد عن هذين ففرض اجتنابه وواجب تركه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿أَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُونَ عَن سَبِيلِ الهِ﴾ [هود: ١٨، ١٩]
ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وهو استفهام طريقه
التوبيخ والردع والزجر، وهذه اللفظة يقال إنها أبلغ لفظ للعرب في
التكبر والمنع، وقال تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ﴾ [الأعراف: ٣٣] والمراد بالإثم: الخمر، قال الشاعر:
كذاك الإثم يذهب بالعقول
شربت الإثم حتى زال عقلي
وعزي إلى امرئ القيس.
وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا﴾ [البقرة: ٢١٩] فلما جعل الغلبة
للإثم علم أن ذلك محرم
قال ابن عباس قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]
الآية، ثم نزل ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فكانوا
لا يفعلونها عند الصلاة، فإذا صلوا العشاء فعلوها فلا يصبحون حتى
تذهب عنهم، فإذا صلوا الصبح فعلوها فما يأتي الظهر حتى تذهب
عنهم، ثم إن ناسًا شربوها فقاتل بعضهم بعضًا، وتكلموا بما لا يرضى
الله فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّمَا اُلَْرُ وَالَْيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فحرم الخمر
ونهى عنها وأمر باجتنابها كما أمر باجتناب الأوقات.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما لما نزلت: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَْهُونَ﴾
[المائدة: ٩١] قال النبي وَلّى: ((حرمت))(١).
وقال عمر: أنتهينا أنتهينا إنها تذهب المال(٢). والمفسرون على أن
المحرم لها هذا، وقال جماعة من الفقهاء: المحرم لها آيتان ﴿يَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] والأخرى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اُلْفَوَحِشَ﴾ إلى ﴿وَآلْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
والميسر: القمار بالأزلام، كذا في ((الصحاح))(٣)، والمفسرون
يقولون: هو نحر الجزور، قاله ابن التين، وقد سلف في سورة
المائدة واضحًا .
والأنصاب: الأوثان، وقال النحاس في ((ناسخه)): قال جماعة من
العلماء إن قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ناسخة لما كان مباحًا
من شربه .
وقال آخرون: هي منسوخة بتحريمه بقوله: ﴿فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]
فمن قال بهذا احتج بأن المنافع التي فيها إنما كانت قبل التحريم ثم
نسخت، قاله الضحاك وعطاء، واحتج من قال أنها ناسخة بالأحاديث
المتواترة التي فيها ثبات نزول تحريمها وبغير ذلك، فمن الحجج قول
عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنْ
اٌلْخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فقال: اللهم بين لنا، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ
وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فقال: اللهم بين لنا في الخمر، فنزلت
﴿إِنََّا الْخَّرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، فقال عمر: أنتهينا انتهينا.
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١٢٠٠/٤ في تفسير سورة المائدة الآية [٩١].
(٢) المصدر السابق ٤ / ١٢٠٠.
(٣) ((الصحاح)) ٢/ ٨٥٧ مادة: (يسر).

٢٣
ـ كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
وفي حديث سعد بن أبي وقاص: لما شرب وأخذ رجل بلحيته
فأتيت النبي وَّه وأخبرته فنزلت ﴿إِنََّا الْخَفُرُ وَالْمَبْيِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وفي
حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: نزل تحريم الخمر في حيين من
قبائل الأنصار، لما ثملوا شج بعضهم بعضًا، فنزلت ﴿إِنََّ الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ﴾
[المائدة: ٩٠] فهذا بين أن الآية ناسخة، والقول الأول جائز، وأبين
منه أنها محرمة بقوله تعالى ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فإذا نهى الله عن
شيء فهو محرم، وقد يجمع بين هذا الاختلاف أن عمر سأل بيانًا
شافيًا ولم يقل فنزلت، فيجوز أن يكون سؤال عمر وافق ما كان من
سعد ومن الخبر وائتلفت الأحاديث(١).
وَالْأَزْلَمُ﴾ فيما قاله قتادة وغيره: قداح يكتب في أحدها: تأمرني
بالخروج، وعلى الآخر: لا تأمرني، والآخر منها لا يكتب عليه
شيء، فيجيلها، فإن خرج الأول خرج، وإن خرج الثاني لم يخرج،
وإن خرج الثالث رجع فأجالها(٢).
فصل :
وهذه الأحاديث المذكورة في الباب وغيرها دالة على تحريمها؛
لشدة الوعيد فيها حيث يحرمونها في الآخرة.
ومعناه عند أهل السنة: إن أنفذ عليه الوعيد، وكذا قوله: (غوت
أمتك) فإن الغي محرم، وفي هذا دليل على أن الأقدار عند الله
بشروط، متى وقعت الشروط وقعت الأقدار، ومتى لم تقع لم يوقع
على ما سبق من هدايته لغيره إلى تلك الشروط ولغيرها من الأقدار
التي أراد أن يعقدها عليه من هدئ أو ضلال.
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٥٧٥/١-٥٨٥.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٤ /٤١٥ -٤١٧.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ((أن يظهر الزنا وتشرب الخمر)) ففرق بينهما في الرتبة،
فكذلك هما في التحريم.
وأما قوله: ((لا یزني وهو مؤمن، ولا یشرب الخمر وهو مؤمن)) فهو
أشد ما جاء في شارب الخمر وقد تعلق بظاهره الخوارج، وكذا
المعتزلة: أن الفاسق المسلم لا يسمى مؤمنًا، فكفروا المؤمنين
بالذنوب، والذي عليه أهل السنة وعلماء الأمة أن المراد مستكمل
الإيمان؛ لأنهما أنقص حالًا ممن لم يأت شيئًا منها لا محالة؛ لا أنه
كافر بذلك، وسأتقصى مذاهب العلماء في تأويله في الحدود إن شاء
الله، وأبعد من حمله على الفعل مستحلًا أو عظم ذنبه حتى قارب
الكفر أو لا يكون آمنًا من العذاب.
قال ابن حزم: روينا من حديث أبي هريرة ه مسندًا: يخلع منه
الإيمان كما يخلع سرباله، وإذا رجع رجع إليه الإيمان(١) .
وفي حديث ابن عباس أنه سئل عن ذلك فشبك بين أصابعه ثم
زايلها، وفي لفظ عنه: لا يزني الزاني إلا خلع الله ربقة الإيمان منه
فإن شاء أن يرده إليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه(٢) .
وفي حديث أبي هريرة: ((ينتزع منه الإيمان ما دام على خطيئة فإذا
فارقها رجع إليه)) وفي رواية عنه: (زال الإيمان كالظل))(٣).
وعن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد مرفوعًا مثله (٤).
(١) الحديث رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٥٢/٤، وابن الجوزي في ((ذم الهوى))
١/ ٢٠٠ (٥٥٤)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٥٨٤).
(٢) رواه عبدالرزاق في ((المصنف)) ٤١٧/٧ (١٣٦٨٧).
(٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٥٢/٤.
(٤) رواه عبدالرزاق في ((المصنف) ٤١٥/٧.

٢٥
ـ كِتَابُ الأَشرِبَةِ
وفي آخره: هذا نهي يقول حين هو مؤمن فلا يفعل حتى يفعل هذِه
الأمور ويلزم من قال: الإيمان (المزيل)(١) للشارب في حال شربه
أو الزاني، وما في الحديث أنه التصديق أن يقول: إن الشارب وشبهه
قد يبطل تصديقهم، ومن بطل فهو كافر ويلزمه أن تجري عليه أحوال
الكفار وهو خلاف إجماع من يعتد به ويُعرف بضرورة الحسن أو من
واقع شيئًا من الذنوب أن تصديقه ما زال حتى يصح أن الزائل هو
الطاعة فقط، وهذا أمر مشاهد بيقين؛ لأن هذِه الأمور ليس شيء منها
طاعة فليست إيمانًا، وهذا الحديث من الحجج القاطعة على أن
الطاعات كلها إيمان وأن ترك الطاعة ليس إيمانًا(٢).
فصل :
وإنما أدخل البخاري هذِه الأحاديث في هذا الباب -والله أعلم-
بالوعيد والتشديد في الخمر ليكون عوضًا من حديث ابن عمر في
الباب في مسلم، أنه رَّر قال: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام،
ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها [و](٣) لم يتب منها لم
يشربها في الآخرة)) (٤).
وفي رواية له: (كل مسكر خمر وكل خمر حرام))(٥) .
قال ابن بطال: وإنما لم يخرجه في صحيحه؛ لأنه يروى موقوفًا
(١) كذا بالأصول، ولعلها: (المزايل)، كما في ((المحلى)).
(٢) ((المحلى)) ١١٩/١١-١٢٣ بتصرف.
(٣) غير موجودة بالأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) ((مسلم (٢٠٠٣/ ٧٣) كتاب: الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر
حرام.
(٥) مسلم (٢٠٠٣ / ٧٥).

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فلذلك تركه(١)، وسيأتي بعد الخوض في ذلك.
فصل :
قال الطبري: وفي قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾
الآية [المائدة: ٩١] الدلالة على تحريم الله على عباده المؤمنين أن
يعادي بعضهم بعضًا، والأمر منه لهم بالألفة والتآخي والتواصل،
ودلت الآية على أن تحريم الخمر إنما كان من أجل إيجابه لشاربه
العداوة والبغضاء في الخمر والميسر بين عباده أن المعنى الذي حرم
ذلك من أجله أوكد في التحريم وأبعد من التحليل، والعداوة
والبغضاء إذًا بين المؤمنين أشد وأعظم عند الله بدلالة هذه الآية من
شرب الخمر والقمار، وكذلك التفريط في الصلاة وتضييع وقتها أعظم
عند الله من شرب الخمر والقمار. وفي ذلك دليل أن عداوة المؤمن
للمؤمن عدل بتضييع وقت الصلاة والتفريط فيها وفي ذكر الله؛ لأن
الله جمع بين جميع ذلك في تحريمه السبب الذي يوجب لأهله ذلك،
فحرم الله الخمر والميسر لمصلحة خلقه(٢) .
فصل :
أُوِّلَ أيضًا بمعنى حرمها في الآخرة أنه في وقت دون غيره كقوله: ((نساء
كاسيات عاريات)) الحديث(٣)؛ لأنه لو حرمها في الجنة أبدًا كانت عقوبة
شربها تتبعه في الجنة، وكل من دخلها فهو مغفور له، ذكره ابن التين،
قال: وقيل: فينساها فلا تجري له على بال، وقيل: تسلب شهوتها .
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٨/٦.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٣٣/٥-٣٤ بمعناه.
(٣) رواه مسلم (٢١٢٨) كتاب اللباس والزينة، باب: النساء الكاسيات العاريات
المائلات المميلات.

٢٧
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
وقال القرطبي: ظاهر الحديث تأييد التحريم، وإن دخل الجنة فيشرب
من جميع أشربتها إلا الخمر، ومع ذلك فلا يتألم لعدم شربها، ولا يحد من
شربها، ويكون حاله كحال أصحاب المنازل في الخفض والرفعة، فكما
لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة له، قال تعالى:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧] وقيل: إنه يعذب في
النار فإذا خرج منها بالرحمة أو الشفاعة ودخل الجنة لم يحرم شيئًا،
وكذا قولنا في لبس الحرير والشرب في آنية الذهب والفضة (١).
فصل :
أشراط الساعة: علاماتها، واحدها شَرَط بفتح الشين والراء.
وقوله: ((حتى يكون خمسين أمرأة قيمهن رجل واحد)) يحتمل أن
يريد نساء وسراري، وأن يريدهما وذوات محارم معهما، ذكره
ابن التين والظاهر أنه كناية عن كثرة النساء وقلة الرجال.
فصل :
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث دليل على تحريم الخمر، وأن
شربها من الكبائر؛ لأن هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخولها؛ لأن
الله تعالى أخبر أن الجنة فيها أنهار من خمر، والظاهر أن من دخلها لابد
له من شرب خمرها، ولا يخلو من حرمها في الجنة ولم يشربها فيها وقد
دخلها من أن يكون يعلم أن فيها خمرًا لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وإنه حرمها عقوبة
أو لا يكون يعلم بها، فإن يكن لا يعلم فليس في هذا شيء من الوعيد؛
لأنه إذا لم يعلم بها ولم يذكرها ولا رآها لم يجد ألم فقدها، فأي عقوبة
في هذا؟!
(١) ((المفهم)) ٢٧٠/٥-٢٧١.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ويستحيل أن يخاطب الله ورسوله بما لا معنى له، وإن كان عالمًا بها
وبموضعها ثم حرمها عقوبة إذا لم يتب قبل الموت وعلى هذا جاء
الحديث، فإن كان كذا فقد لحقه حينئذ حزن وغم وهم لما حرم من
شربها هو ويرى غيره شربها والجنة دار لا حزن فيها ولا غم، قال الله
تعالى ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾ [فاطر: ٣٤] وقال:
﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] وقال: ﴿لَا يَمَتُّهُمْ فِيهَا
نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] ولهذا والله أعلم قال بعض من تقدم: إن من
شرب الخمر ولم يتب منها لم يدخل الجنة. وهو مذهب غير مرضٍ
عندنا إذا كان على القطع في إبعاد الوعيد، ومحمله عندنا أنه لا يدخل
الجنة إلا أن يغفر الله له إذا مات غير تائب منها، كسائر الكبائر.
وكذلك قولهم: لم يشربها في الآخرة، معناه عندنا إلا أن يغفر الله له
فيدخل الجنة ويشربها، وهو عندنا في المشيئة؛ إن شاء غفر له وإن شاء
عذبه بذنبه، فإن عذبه بذنبه ثم أدخله الجنة برحمته لم يحرمها إن شاء
الله، وإن غفر له فهو أحرى أن لا يحرمها .
وعلى هذا التأويل يكون معنى حرمها في الآخرة أي: جزاؤه
وعقوبته أن يحرمها في الآخرة، ولله جل وعز أن يجازي عبده
المذنب على ذنبه وأن يعفو عنه فهو أهله، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]
وهذا الذي عليه عقد أهل السنة، أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ما عدا
الشرك ولا ينفذ الوعيد على أحد من أهل القبلة، وجائز أن يدخل الجنة
إذا غفر الله له فلا يشرب فيها خمرًا ولا كرهًا ولا يراها ولا تشتهيها
(١)
.
نفسه
(١) ((التمهيد)) ٥/١٥-٨

٢٩
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
قلت: لكن في ((صحيح الحاكم)) وقال: صحيح من حديث أبي
سعيد الخدري م قال: قال رسول الله وَ ﴾ ((من لبس الحرير في الدنيا
لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو))(١).
وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه))(٢)، وقبلهما أبو داود
الطيالسي في ((مسنده))(٣)، والظاهر أن هذِه الزيادة: ((وإن دخل الجنة))
إلى آخره من بقية كلامه وَّ، ولئن كانت من كلام الراوي فكذلك؛
لأنه أعلم بالمقال، فيقوي الاحتمال (السابق) (٤) وهو نسيانه له
أو سلب شهوته .
فصل :
قد أسلفنا أن الإثم المراد بها هنا الخمر وهو أحد أسمائها، وحكاه
الرازي قولًا بعد أن قال: الإثم هو الذنب والجرم، وقد حرم الله الإثم
كما سلف، فإذا كان الإثم حرامًا فما حصل فيه الإثم فهو حرام، وسميت
إثمًا لأنها سببت الإثم(٥).
وأما أبو جعفر النحاس فقال في ((ناسخه)): وأما قول من قال: إن
الخمر يقال لها: الإثم، فغير معروف من حديث ولا لغة (٦).
(١) ((المستدرك)) ١٩١/٤ وقال: حديث صحيح، وهُذِه اللفظة تعلل الأحاديث
المختصرة أن من لبسها لم يدخل الجنة. اهـ
(٢) (صحيح ابن حبان)) ١٢/ ٢٥٣ -٢٥٤ (٥٤٣٧).
(٣) ((مسند الطيالسي)) ٦٦٧/٣ (٢٣٣١) وقال الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(١٢٥١): منكر.
(٤) من (غ).
(٥) ((التفسير الكبير)) ٤٤/٦ بتصرف.
(٦) (الناسخ والمنسوخ)) ٥٧٩/١.

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلت: لكن القزاز في ((جامعه)) وصاحب ((الواعي)) وآخرون صرحوا
بأنه الخمر، قال أبو عبد الله: الإثم في هذِه الآية أكثر (الناس)(١) على
أنه الخمر، وأنها أوجبت تحريمه.
فصل :
قد أسلفنا أن الرجس، ولا عين توصف بذلك، فإنها محرمة (٢).
يدل على ذلك الميتة والدم والبول، والرجس قد ورد مرة، والمراد
به : الكفر.
قال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] يعني:
الكفر، ولا يصح أن يكون مرادًا هنا؛ لأن الأعيان لا تصح أن تكون
إيمانًا ولا كفرًا، ولأن الخمر لو كانت كفرًا لوجب أن يكون العصير
قبل أن يصير خمرًا إيمانًا، إذ الكفر والإيمان طريقهما الاعتقاد والقول.
قال ابن عبد البر: الرجس ذكره الله تعالى مقرونًا بالميتة والدم
وقال: ﴿فَاجْتَكِبُواْ الْرِّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠] وقال: فإنه
رجس وهذا أقوى في التحريم وأوكد عند العلماء(٣).
فصل :
جاء في أحاديث أن الذي حرم شربها حرم بيعها فمن جوز بيعها
لأهل الذمة فقد خالفها، روينا من حديث حماد بن أبي حنيفة، عن
أبيه، عن محمد بن قيس، عن أبي عامر الثقفي: أنه كان يهدي
(١) طمس بالأصل والمثبت من (غ).
(٢) كذا جاءت بالأصول والمعنى: أن الخمر نعتت بأنها رجس أي: نجسة وقذرة
ولا عين توصف بذلك إلا وهي محرمة.
(٣) ((التمهيد)) ٢٤٦/١.

٣١
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
لرسول الله كل عام راوية خمر فأهدى له راوية في العام الذي حرمت فيه
الخمر، فقال له العليا: ((قد حرمت الخمر فلا حاجة في خمرك)) فقال:
أفأبيعها وأستعين بثمنها؟ فقال له العليا: "إن الذي حرم شربها حرم
بيعها))(١) وروي أن تميمًا هو المهدي، وفي آخره: (لعن الله اليهود))
فذكر قصة الشحوم، والخمر حرام وثمنها حرام(٢) .
وبه إلى محمد بن قيس قال: سألت ابن عمر، أو سأله أبو كثير عن
بيع الخمر، فقال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحرموا أكلها ،
واستحلوا بيعها وأكل ثمنها وإن الذي حرم الخمر حرم بيعها وأكل ثمنها
وروينا في ((سنن أبي داود)) من حديث جابر مرفوعًا: ((إن الله حرم بيع
الخمر والميتة)) (٣) .
(١) لم أقف عليه من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه وهو في ((مسند أبي حنيفة)) برواية
الإمام الحصكفي ص ١٥٢ وفيه تحريف، وأشار المحقق إلى ذلك في الهامش
وصوب التحريف.
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) ٢٢٧/٤ من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن
حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، ورواه الطبراني ١/ ٥٧ (١٢٧٥) من طريق
عبد الحميد بن جعفر، عن شهر، به.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٨٨/٤: رواه أحمد هكذا وفيه: شهر، وحديثه حسن،
وفيه كلام، ثم قال: ورواه الطبراني فذكر نحوه باختصار، وإسناده متصل حسن.
اهـ بتصرف.
وعند الطبراني في ((الأوسط)) من طريق أشعث بن سوار، عن أبي هبيرة، عن
يحيى بن عباد قال سمعت تميمًا، فذكر نحوه وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨٩/٤:
فيه أشعث بن سوار، وهو ثقة وفيه كلام.
وقال الحافظ في ((المطالب العالية)) ٦١٦/٨ (١٨٠٥): هذا حديث حسن.
(٣) (سنن أبو داود)) (٣٤٨٦) قلت: وقد سلف في ((صحيح البخاري)) برقم (٢٢٣٦)
كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام بمتنه وإسناده سواء.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومن حديث أبي هريرة أنه العليا حرم بيع الخمر وثمنها(١).
وقال عمر بن الخطاب: لا تحل التجارة في شيء لا يحل أكله(٢)،
وروينا في ((الأوسط)) للطبراني من حديث (عبد الله بن عمر)(٣)، عن
زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن
ربيعة، عن أبيه أن رجلًا من ثقيف يكنى أبا تمام قال: يا رسول الله
وذكر الخمر أستنفق بثمنها؟ فقال له النبي وَ ل﴾ (إن الذي حرم شربها
حرم ثمنها))(٤) قال أبو موسى المديني في كتابه ((معرفة الصحابة)):
يصحف هذا بأبي عامر أو لم يحدد الراوي كنيته.
وروينا في ((سنن أبي داود)) من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن
رسول الله وَ﴾ لعن في الخمر عشرة منها: بائعها ومبتاعها(٥). وفي إسناده
عبد الرحمن الغافقي، قال ابن معين: لا أعرفه(٦)، وذكره ابن يونس في
((تاريخه)) وأوضح أنه معروف، وذكره الحاكم في ((مستدركه)) شاهدًا
لحديث ابن عباس مثله، ثم قال في حديث ابن عباس: إنه صحيح
الإسناد(٧) .
(١) (سنن أبي داود)) (٣٤٨٥) وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٣٥٨) و((صحيح الجامع)) (١٧٤٦).
(٢) رواه محمد بن نصر المروزي كما في ((التمهيد)) ١٥٠/٤ والبيهقي في ((سننه))
١٤/٦.
(٣) كذا بالأصل والصواب عبيد الله بن عمرو الذي يروى عن زيد بن أبي أنيسه.
(٤) ((الأوسط)) ١٣٨/١ (٤٣٦) وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨٩/٤: رجاله رجال
الصحیح.
(٥) ((سنن أبو داود)) (٣٦٧٤).
(٦) ((تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي)) ١٤٣/١ (٤٨١).
(٧) ((المستدرك)) ٣١/٢-٣٢.

٣٣
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
وكذا صححه ابن حبان(١) وهو حجة على كراهة بيع العصير فيمن
يتخذه خمرًا، وفيه حديث نص فيه ضعيف.
قال ابن عبد البر: وروي عن أنس أنها لما حرمت جاء رجل إلى
رسول الله، فقال: كان عندي مال اليتيم فاشتريت به خمرًا أفتأذن لي
أن أبيعها فقال: ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها
وأكلوا ثمنها)) ولم يأذن له في بيع الخمر (٢).
قال: والمسلم لا يثبت له على الخمر ملك لحال، كما لا يثبت على
الميتة والدم والخنزير والصنم.
وقوله: ((إن الذي حرم شربها)) فيه إجماع من المسلمين كافة عن كافة
لا يحل لمسلم بيعها ولا التجارة فيها(٣)، روى عبد الله بن عمر أنه التقليئي
قال: ((الخمر حرام وبيعها وثمنها حرام)) (٤).
وعن ابن عباس: أن جبريل قال: يا محمد، إن الله لعن الخمر
وبائعها ومبتاعها. الحديث(٥).
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٧٨/١٢ -١٧٩ (٥٣٥٦).
(٢) رواه أبو يعلى ٦/ ١٦٠، وابن حبان ٣٢٠/١١ (٤٩٤٥).
(٣) ((التمهيد)) ١٤٩/٤، ((الاستذكار)) ٢٤/ ٣١٦.
(٤) رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((زوائد مسند الحارث)) ١٤٠/١ -
١٤١ (٤٣١).
(٥) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣١٦/١، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ٥٨٢/١
(٦٨٥)، وابن حبان (٥٣٥٦) والحاكم ١٤٥/٤ وصححه ووافقه الذهبي، وصحح
إسناده الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢٥٠/٣ وأقره الزيلعي في ((نصب
الراية)) ٢٦٤/٤ وابن حجر العسقلاني في ((الدراية)) ٢٣٥/٢ والحديث صححه
الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٨٣٩).

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فائدة :
ينعطف على ما مضى في لبس الحرير في ((مسند عبد بن حميد)) من
حديث شريك، عن جابر، عن خالته أم عثمان، عن الطفيل ابن أخي
جويرية، عن جويرية، قالت: سمعت النبي وَل يقول: ((من لبس ثوبًا
من حرير في الدنيا ألبسه الله ثوبًا من نار يوم القيامة))(١).
فصل :
[اختلف](٢) أهل اللغة في اشتقاق أسم الخمر على ألفاظ قريبة
(المعاني) (٣)، متداخلة كلها موجودة المعنى في الخمر إما لأنها تخمر
العقل أي: تغطيه وتستره أو الدماغ، ومنه الخمار؛ لأنه يغطي
الرأس، قال النحاس: وهو أصح ما فيه وأجله إسنادًا، قاله الفاروق
على المنبر بحضرة الصحابة (٤).
وفي ((الأشربة)) لأحمد عنه: ما خمرته وعتقته فهو خمر (٥).
وفي لفظ: ما عتقت وخمرت فهي خمر، وإما لأنها صعد صفوها
ورسب كدرها، (كما)(٦) قاله سعيد بن المسيب(٧)، وإما لأنها من
المخامرة وهي المخالطة؛ لمخالطتها العقل، أو لأنها تركت حتى
أدركت، يقال: خمر العجين إذا بلغ إدراكه.
(١) ((المنتخب)) ٢٥٥/٣.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) من (غ).
(٤) ((الناسخ والمنسوخ)) ٥٩٤/١.
(٥) ((الأشربة)) ص ٦٩ (١٥٧).
(٦) من (غ).
(٧) أخرجه النسائي ٣٣٤/٨.

٣٥
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
فصل :
وهي مؤنثة، وقد تذكر، ونعوتها موبقات كما قال الفراء، ولها
أسماء كثيرة وكنى، ذكر ابن المعتز مائة وعشرة، وزاد عليه أبو القاسم
اللغوي مائتين وأربعين أسمًا، وذكرت في ((لغات المنهاج)) منها مائة
وتسعين لابن دحية، ومن كناها: أم ليلى، ومن أسمائها: الدم والسلان
والمأذى والمزة وأم زنبق والساهرة والمفتاح والمنومة والديانة وعبد
النور. وفي كتاب أبي حنيفة الدينوري من أسمائها: الفضيخ والطلاء
والباذق ونصيف والبتع.
فصل :
قال ابن قتيبة في كتاب ((الأشربة))(١): حرم الله بالكتاب الخمر
وبالسنة السكر، وعوضًا منها صنوف الشراب من اللبن والعسل وحلال
النبيذ، وليس في شيء مما وقع فيه الحظر والإطلاق شيء اختلف فيه
الناس اختلافهم في الأشربة وكل ما حل فيها وما يحرم على قديم
الأيام مع قرب العهد بالرسول وَي وعليه وتواتر الصحابة وكثرة
العلماء المأخوذ عنهم المقتدى بهم، حتى يحتاج ابن سيرين مع بارع
علمه وثاقب فهمه إلى أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ، حتى يقول
عبيدة - وقد لحق خيار الصحابة وعلماءهم منهم، علي وابن مسعود -:
اختلف علينا في النبيذ. وفي رواية: أحدث الناس أشربة (كثيرة)(٢)
فمالي شراب منذ عشرين سنة إلا لبن أو ماء وعسل(٣) .
(١) (كتاب الأشربة)) ص١٦ -١٧.
(٢) من (غ).
(٣) أخرجها النسائي في ((الكبرى)) ٣/ ٢٤٧ وعبد الرزاق ٢٢٦/٩ وابن أبي شيبة ٦٨/٥،
وابن أبي الدنيا في ((ذم المسكر)) ص ٣٤ (٣٧).

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وإن شيئًا وقع الاختلاف فيه في ذلك العصر بين أولئك الأئمة لحري
أن يشكل على من بعدهم وتختلف فيه آراؤهم ويكثر فيه تنازعهم، وقد
ثبت من مذاهب الناس وحجة كل فريق منهم لمذهبه وموضع الاختيار من
ذلك السبب الذي أوجبه، والعلة التي غلبت عليه ما حضرنى بمبلغ العلم
ومقدار الطاعة، فنقول: أجمع الناس على تحريم الخمر(١) إلا قومًا من
مجان أصحاب الكلام وفساقهم ممن لا يعبأ الله بهم فإنهم، قالوا: ليست
محرمة وإنما نهى الله عن شربها تأديبًا، كما أمر في الكتاب بأشياء ونهى
فيه عن أشياء على جهة التأديب وليس منها ما هو فرض كقوله: ﴿فَكَاِبُهُمْ﴾
[النور: ٣٣] وقوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]
وكقوله: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩].
قالوا: لو أراد تحريمها لقال: حرمت عليكم الخمر كما ذكر في
الميتة وغيرها. وليس للشغل بهؤلاء وجه ولا تشقيق الكلام بالحجج
عليهم معنى، إذ كانوا ممن لا يجعل حجة على إجماع، وإذ كان
ما ذهبوا إليه لا يخيل على عاقل ولا جاهل؛ لأن الناس أجمعوا على
أن ما غلى وقذف بالزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار
خمر، وأنه لا يزال خمرًا حتى يصير خلًّا وأنها ليست محرمة العين
كالخنزير، وإنما حرمت بعَرَضٍ دخلها، فإذا زايلها حلت كما كانت
قبل الغليان حلالاً؛ كالمسك كان دمًا عبيطًا ثم جف، وحديث رائحته
فيه خل وطاب، وكان جماعة من الصحابة يحرمونها على أنفسهم في
الجاهلية لعلمهم بسوء مصرعها وكثرة جناياتها، قالت عائشة رضي الله
عنها: ما شرب أبو بكر ﴾ خمرًا في جاهلية ولا إسلام.
وقال عثمان # كذلك، وكان عبد الرحمن بن عوف ممن ترك
(١) ((الإقناع)) لابن القطان ٩٩١/٢ (١٨٦٤).

٣٧
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
شربها، وقيل للعباس بن مرداس في جاهليته: لما لا تشرب الخمر فإنها
تزيد في جرأتك؟ قال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي،
وأصبح سيد قومي وأمسي سفيههم(١) .
وكان قيس بن عاصم يأتيه تاجر خمر فيشتري منه، فشرب يومًا فسكر
سكرًا قبيحًا فجذب ابنته وتناول ثوبها ورأى القمر فتكلم (بشيء)(٢) ثم أنه
أنهب ماله ومال الخمار وأنشأ شعرًا، فلما صحى خبرته ابنته بما صنع
قال: لا أذوق الخمر أبدًا، وكان عثمان بن مظعون حرمها في الجاهلية
وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويضحك بي من هو دوني، فبينا هو
بالعوالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر قد حرمت؟ وتلا عليه آية
المائدة، فقال: تبًا لها لقد كان بصري فيها نافذًا .
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق في كتاب
((قطب السرور)) جماعة كثيرة فعلت ذلك، تركناهم اختصارًا .
فصل :
وذكر أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه ((اختلاف
العلماء)): أن سفيان قال: أشرب العصير ما لم يغل، وغليانه أن
يقذف بالزبد فإذا غلا فهو خمر، وكذلك قال أصحاب الرأي(٣)، وهو
قول الشافعي(٤) .
وقال أحمد وإسحاق(٥): يشرب العصير ما لم يغل، أو يأتي عليه
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم المسكر)) ص٤١ (٥٢).
(٢) من (غ).
(٣) أنظر: ((المبسوط)) ١٢/٢٤.
(٤) أنظر: ((روضة الطالبين) ١٦٨/١٠.
(٥) انظر: ((المغني)) ٣٤٠/١٠.

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثلاثة أيام، فإذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يشرب غلا أو لم يغل، واحتجوا
بحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أشرب العصير ما لم يأخذ شيطانه
قال: ومتى يأخذ شيطانه، قال في ثلاثة أيام(١).
وقال الشافعي (٢): ما دام العصير حلوًا لم يشتد فهو حلال وسواء
أتى عليه ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر إذا لم يتغير عن حاله وكان حلوًا
مثل أول عصره(٣).
فصل :
قال النحاس(٤): أوقع قوم شبهه فقالوا: الخمر هى المجمع عليها
ولا يدخل فيها ما اختلف فيه وهذا ظلم من عظيم القول يجب على
قائله [أن](٥) لا يحرم شيئًا اختلف فيه، واحتجوا أيضًا بأن من
قال: الخمر التي لا اختلاف فيها محلها كافر -كما مر - وليس
كذلك غيرها. وهذان الاحتجاجان أشد ما لهما، فأما الأحاديث
التي جاءوا بها فلا حجة فيها، لضعف أسانيدها، ولتأويله إياها على
غير الحق.
وقد قال ابن المبارك: ما صح تحليل النبيذ الذي يسكر كثيره عن أحد
من الصحابة ولا التابعين إلا عن إبراهيم النخعي، فأما الاحتجاجان
الأولان اللذان يعتمدون عليهما فقد بينا الرد في أحدهما وسنذكر
الآخر، فالخمرة المحرمة تنقسم قسمين؛ مجمع عليه: وهي عصير
(١) أخرجه عبد الرزاق ٩/ ٢١٧ (١٦٩٩٠)، وابن أبي شيبة ٥/ ٧٨.
(٢) أنظر: ((نهاية المحتاج)) ١١/٨-١٢، و((روضة الطالبين)) ١٦٨/١٠.
(٣) ((اختلاف العلماء)) ٤٧٢ - ٤٧٣.
(٤) ((الناسخ والمنسوخ)) لأبي جعفر النحاس ٥٨٢/١-٥٨٨.
(٥) ليست في الأصل، والمثبت من ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس.

٣٩
=
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
العنب إذا رغا وأزبد فهُذِه التي من أحلها كفر، والأخرى التي لا يكفر
من أحلها، وهي التي جاء بها التوقيف عن رسول الله أنه الخمر،
وعن أصحابه بالأسانيد التي لا يدفعها إلا حادٍ عن الحق أو جاهل،
إذ [قد صح)(١) عنه تسميتها خمرًا وتحريمها، فمن ذلك حديث
عائشة: سئل رسول الله وَلجر عن البتع (٢)؛ فقال: ((كل شراب أسكر
فهو حرام»(٣).
قال أبو جعفر: فلو لم يكن في هذا الباب إلا هذا الحديث لكفى؛
لصحة إسناده واستقامة طريقه، وقد أجمع الجميع أن الآخر لا يسكر
إلا بالأول فقد حرم الجميع بتوقيف الشارع، وفي هذا الباب بما
لا يدفع حديث ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه: ((كل مسكر خمر
وكل مسكر حرام)) (٤). قال أحمد: هذا إسناد صحيح (٥).
وعن أبي موسى وأبي هريرة مرفوعًا: ((كل مسكر حرام)) (٦)، قال
أبو جعفر: فهُذِه الأسانيد المتفق على صحتها. وفي حديث ابن عمر
رضي الله عنهما مرفوعًا: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)»(٧) فهذا تحريم
ما أسكر كثيره نصًا، بهذا الإسناد المستقيم.
(١) في الأصل: يوضح، والمثبت من ((الناسخ والمنسوخ)).
(٢) البتع، بكسر الباء الموحدة، كعنب: نبيذ العسل المشتد أو سلالة العنب، أنظر:
((القاموس المحيط)) مادة: بتع. ص ٩٠٥.
(٣) سلف برقم (٢٤٢) كتاب: الوضوء، باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر.
(٤) ((مسلم)) (٢٠٠٣) كتاب: الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر.
(٥) ((الناسخ والمنسوخ)) ٥٨٤/١-٥٨٥.
(٦) سلف برقم (٤٣٤٣) كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى.
(٧) رواه ابن ماجه (٣٣٩٢) وأحمد ٩١/٢، والبيهقي ٢٩٦/٨ قال الألباني في
((الإرواء)» (٢٣٧٥) وقال: صحيح.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال البزار: وقد روي التحريم عن عائشة رضي الله عنها، قال
يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر: هو أصح حديث روي عن
رسول الله وَير في تحريم المسكر (١).
وعن سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعمر وابنه وابن عباس
وأنس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وخَوَّات بن
جبير وقرة بن إياس وأبي موسى الأشعري والديلم بن الهوسع وبريدة
الأسلمي وأم سلمة وميمونة وقيس بن سعد.
وحديث عائشة وابن عمر صحيح، وسائر الأحاديث يؤيد بعضها
بعضًا(٢).
قلت: وحديث ابن عباس إسناده في غاية الصحة، وحديث أبي هريرة
على شرط الشيخين، ولفظ ابن أبي عاصم في حديث أم سلمة رضي الله
عنها : نهى رسول الله ټ﴾ عن كل مسكر ومفتر. وفي سنده شهر.
وعند أحمد، قال جنادة: سألت عطاء بن أبي رباح عما أسكر
أو خذَّر، قال: حرام(٣).
ولفظ حديث قيس بن سعد بن عبادة من حديث ابن زحر، عن بكر
ابن سوادة، عن قيس مرفوعًا: ((إن الله حرم الخمرة والكوبة وإياكم
والغبيراء فإنها ثلث خمر العالم)) (٤).
(١) ((الاستذكار)) ٢٤/ ٢٩٤، ٢٩٥.
(٢) ((الناسخ والمنسوخ)) ٥٨٦/١ - ٥٨٩.
(٣) ((الأشربة)) ص٣١ (١٣).
(٤) رواه أحمد ٤٢٢/٣، وابن أبي شيبة في ٩٧/٥ وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
٥٤/٥ وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه: عبيد الله بن زحر، وثقه أبو زرعة
والنسائي وضعفه الجمهور. وللحديث طريق عن قيس بن سعد رواه البيهقي
١٠/ ٢٢٢ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبدة، عن قيس بن
سعد، به. ولكن دون ((فإنها ثلث العالم)). قال الألباني في ((تحريم آلات الطرب)) =