النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
= كِتَابُ الذَّبَائِجِ والضَّيْدِ
وحديث عبد الرحمن بن حسنة يدل على النهي، إذ أمر أن تُكفأ
القدور بها(١).
وحديث ميمونة أخرجه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن أبي زياد
بلفظ: ((إنكما أهل نجد تأكلونها، وإنا أهل المدينة لا نأكلها)).
ومن حديث الحارث عن علي بن أبي طالب على أنه كره أكلها(٢).
فصل :
قال ابن حزم: أكل الضب حلال ولم ير أبو حنيفة أكله.
روى أبو الزبير عن جابر أنه سئل عن الضب فقال: لا نطعمه.
قال: وحديث عبد الرحمن بن شبل ففيه ضعفاء ومجهولون، وأما حديث
عبد الرحمن بن حسنة فصحيح وحجة، إلا أنه منسوخ بلا شك؛ لأن فيه
أنه العمليه: إنما أمر بإكفاء القدور بالضباب خوف أن تكون من بقايا مسخ
الأمة السالفة، هذا نص الحديث، فإن وجدنا عنه الظّ ما يؤمن من هذا
الظن بيقين فقد ارتفعت الكراهة أو المنع في الضب فنظرنا في ذلك
فوجدنا في ((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود، قيل: يا رسول الله،
القردة والخنازير مما مسخ؟ فقال: ((إن الله لم يهلك قومًا أو يعذب
قومًا فيجعل لهم نسلًا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك))(٣) فصح
يقينًا أن تلك المخافة منه في الضباب أن تكون مما مسخ قد ارتفعت
وأنها ليس مما مسخ (ولا مما مسخ) (٤) شيء في صورتها فحلت.
(١) رواه أحمد ١٩٦/٤، والبراز كما في ((كشف الأستار)) (١٢١٧)، وأبو يعلى
٣٢١/٢ (٩٣١)، وزاد الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ٣٧ عَزْوه إلى الطبراني في
((الكبير))، وقال: ورجال الجميع رجال الصحيح.
(٢) ((المصنف)) ١٢٣/٥-١٢٤ (٢٤٣٣٦، ٢٤٣٥١).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢٦٦٣) كتاب: القدر، باب: بيان أن الآجال والأرزاق ..
(٤) من (غ).

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحديث ابن عباس في أكله بحضرة رسول الله نص على تحليله وهو
الآخر الناسخ؛ لأن ابن عباس لم يجتمع -بلا شك- مع رسول الله وَليه
بالمدينة إلا بعد أنقضاء الفتح وحنين والطائف ولم يغز بعدها إلا تبوك،
ولم تصبهم في تبوك مجاعة أصلًا، فصح يقينًا أن خبر ابن حسنة كان قبل
هذا بلا مرية فارتفع الإشكال جملة وصحت إباحة عمر وغيره (١).
قلت: قوله: لأن ابن عباس. إلى آخره. قد يحتمل أنه كان لما
تزوج ميمونة، ويحمل قوله: في بيت ميمونة، على موضع منها أي
موضع کان.
وغزوة تبوك سماها الرب تعالى بالعسرة وقد أسلفنا عن عائشة رضي
الله عنها وعبد الله بن عمر في كراهة أكلها .
وقوله في حديث ابن شبل ما سلف من الطعن يرده أن أبا داود
أخرجه عن محمد بن عوف الحمصي الإمام(٢) -وثقه الخلال ومسلمة
والجياني - عن الحكم بن نافع -وهو ثقة عند أبي حاتم الرازي(٣)
وابن معين والخليلي وابن حبان في ((ثقاته)) (٤)، وأثنى عليه غيرهم-
عن إسماعيل بن عياش -وقد قال جماعة: حديثه عن الشاميين
صحيح، منهم يحيى بن معين والبخاري (والعلاء بن)(٥) ويعقوب بن
سفيان وأبو زرعة وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي وابن حبان
وابن عدي(٦) وحديثه هنا عن الشاميين وهو ضمضم بن زرعة بن ثوب
(١) ((المحلى)) ٤٣١/٧ - ٤٣٢.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٧٩٦).
(٣) ((الجرح والتعديل)) ١٢٩/٣ (٥٨٦).
(٤) ((الثقات)) ١٩٤/٨.
(٥) في الأصل بعدها بياض وفي هامش (غ) تعليق: سقط أسم والده.
(٦) أنظر: ((المجروحين)) لابن حبان ١٢٤/١، ((الكامل)) لابن عدي ٤٧١/١ (١٢٧).

٥٤٣
- كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
الحمصي الشامي وثقه ابن حبان(١)، وقال الأونبي (٢) في "ثقاته" : وثقه
ابن نمير وغيره.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي: لا بأس به عن
شريح بن عبيد الشامي الحمصي وهو ثقة عند النسائي ودحيم وابن حبان
والعجلي(٣) ومحمد بن عوف، وابن خلفون عن أبي راشد الحبراني وهو
ثقة عند العجلي وابن حبان (٤) والحاكم عن (شرحيل)(٥) وصحبته ثابتة
بلا شك، فهذا إسناد لا ضعيف فيه ولا مجهول.
فصل :
قال الطبري عقب حديث خالد: قال به جماعة من السلف وأحلوا
أكله، روي عن عمر وعائشة وابن مسعود.
وقال أبو سعيد الخدري: إن كان أحدنا ليهدى إليه الضب المكونة
أحب إليه من أن تهدئ له الدجاجة السمينة.
وروي عن ابن سيرين، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي، وقد
سلف عن أبي حنيفة الكراهة (٦) ونقله الطبري عن الكوفيين أن أكلها
(١) ((الثقات)) ٤٨٥/٦.
(٢) هو الحافظ المتقن العلامة أبو بكر محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون الأزدي
الأندلسي، كان بصيرًا بصناعة الحديث، حافظًا للرجال، من مصنفاته ((المنتقى في
الرجال))، ((المفهم في شيوخ البخاري ومسلم)) ((علوم الحديث))، توفي سنة ست
وثلاثين وستمائة. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٧١/٢٣ (٥١)، ((الوافي
بالوفيات)) ٢١٨/٢ (٦١١).
(٣) ((معرفة الثقات)) للعجلي ٤٥٢/١، ((الثقات)) لابن حبان ٣٥٣/٤.
(٤) ((معرفة الثقات)) ٤٠٠/٢، ((الثقات)) ٥٨٣/٥.
(٥) ورد بهامش الأصل، (غ): صوابه عن عبد الرحمن بن شبل أو عن ابن شبل.
(٦) أنظر: ((المدونة)) ٤٢٦/١، ((المنتقى)) للباجي ١٣٢/٣، ((الأم)) ٢٢٢/٢،
((المبسوط)) ٢٣١/١١-٢٣٢.

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
مكروه وليست بحرام، وروي عن أبي هريرة، وقال آخرون: حرام.
واعتلوا بحديث الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن
حسنة قال: كنا مع رسول الله وَ ل ﴿ فنزلنا أرضًا كثيرة الضباب فذبحناها
فبينما القدور تغلي .. الحديث وقد سلف، ثم ساق حديث عائشة
السالف أيضًا .
قالوا: الأخبار بالنهي عنها صحيحة، وقد روى عبد الرحمن الشامي
عن الحارث، عن علي ﴾ أنه نهى عن الضب، قال: والصواب في ذلك
قول من قال أنه حلال؛ للخبر الصحيح عنه.
وتركه عباد كما قاله عمرو، ولم يأت خبر صحيح بتحريمه بل قال له
عمر: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((لا)).
وقد روى الثوري عن علقمة بن مرئد، عن [المغيرة](١) بن عبد الله
اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن [ابن](٢) مسعود أنه التعليمية سألته أم
حبيب(٣): يا رسول الله القردة والخنازير؟ .. الحديث، وقد سلف.
قال الطحاوي: فبين في هذا الحديث أن المسوخ لا يكون لها نسل
ولا عقب فعلمنا بذلك أن الضب لو كان مسخًا لم يبق (٤).
وروي عن ابن عباس أنه قال: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم
يأكل ولم يشرب.
وأما حديث الأسود عن عائشة رضي الله عنها فلا حجة لهم فيه، ثم
(١) في الأصول: (المعرور)، والصواب ما أثبتناه.
(٢) في الأصول: (أبي)، والصواب ما أثبتناه.
(٣) ورد بهامش الأصل: هذا الكلام يحرر، فإن فيه نظرًا ولعلها أم حبيبة لكنها تابعية،
وهي بنت العرباض بن سارية، التي تقدمت.
(٤) ((شرح معاني الآثار)) ١٩٩/٤.

٥٤٥
- كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
ذكر ما أسلفناه من أنه أراد أن يكون مما يتقرب به إلى الله من خير
الطعام، كما نهى أن يتصدق بالبسر والتمر الرديء، وفي ذلك نزلت
﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وبقول مالك قال الطحاوي.
قال الطبري: وليس في الحديث أنه العنيفة قطع أن الضب من المسوخ
وإنما قال: أخشى أن تكون مسخت على صور هذِه وخلقتها، لا أنها
بعينها فكرهها؛ لشبهها في الخلقة والصورة، خلقًا غضب الله عليه
فغيره الله تعالى عن هيئته وصورته إلى صورتها، وعلى هذا التأويل
يصح معنى قوله: إن المسخ لا يعقب.
ومعنى قول ابن عباس السالف إذ لم يمسخ الله تعالى خلقًا من خلقه
على صورة دابة من الدواب إلا كره إلى نبينا وأمته أكل لحم تلك الدابة
أو حرمها كتحريمه عليهم لحوم الخنازير التي مسخت على صورتها أمة
من اليهود، وكتحريمه لحوم القردة التي مسخت على صورتها فيهم أمة
أخرى غير أن قوله: ((أخشى أن تكون هذِه)) بيان واضح أنه لم يتبين أن
الضب من نوع الأمة التي مسخت؛ ولذلك لم يحرمها (ولو) (١) تبين له
فيها ما تبين من القردة والخنازير لحرمها، ولكنه رأى خلقًا مشكلًا يشبه
المسوخ فكرهه ولم يحرمه ولم يأته وحي من الله.
فصل :
قال غيره: وفيه من الفقه أنه يجوز للمرء أن يترك أكل ما هو حلال إذ
لم يجر له بأكله عادة، ويكون في سعة من ذلك.
فصل :
معنى ((أعافه)): أكرهه، يقال: عافه الطعام يعافه عيافة وعيوفًا: إذا كرهه.
(١) من (غ)، وفي الأصل: (ولم).

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والمحنوذ: المشوي، قال تعالى ﴿جَاءَ بِعِجْلِ حَنِيدٍ﴾ [هود: ٦٩]
أي: محنوذ، حنذت اللحم حنذًا : شويته.
وقوله: (فاجتررته)، هو بالجيم والراء المكررة، وفي نسخة بالزاي.
فصل :
(الضب) بفتح الضاد: حيوان بري معروف.
قال الداودي: هو دويبة صغيرة فوق الحية في الغلظ والطول، وكان
أهل المدينة يأكلونها وكانت عند أحدهم خيرًا من دجاجة، وقد أسلفناه
عن عمر وغيره، وعبارة صاحب ((الغريبين)): هي دويبة تشبه الورل يأكله
العرب، وكذا نص عليه الجوهري أن الورل يشبه الضب أيضًا(١). وهي
لا ترد الماء، ومن عجائبه أن الذكر له ذكران والأنثى فرجان، ويشترك
معه في هذِه (الخصوصية)(٢) السقنقور وأن أسنانه لا تتبدل ولا يقلع منها
شيء، يقال: إنها قطعة واحدة.
وأفاد ابن خالويه في كتاب ((ليس)): أنه يعيش سبعمائة سنة فصاعدًا،
ويقال: إنها تبول في كل أربعين يومًا قطرة، وغير ذلك مما أوضحته في
(لغات المنهاج)) فراجعه منه.
(١) ((الصحاح)) ١٨٤١/٥ مادة (ورل).
(٢) في (غ): الخصيصة.

٥٤٧
=ِ كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
٣٤- باب إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ الجَامِدِ أَوِ الذَّائِبٍ
٥٥٣٨- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَبِي عُبَيْدُ اللهِ
بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسِ يُحَدِّثُهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ
فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ◌َِّ عَنْهَا، فَقَالَ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)). قِيلَ لِسُفْيَانَ:
فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ
الزّهْرِيَّ يَقُولُ إِلَّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَجَهَ، وَلَقَدْ
سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا. [انظر: ٢٣٥ -فتح ٩ /٦٦٧]
٥٥٣٩- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ
فِي الزَّئْتِ وَالسَّمْنِ وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ
وَ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ. عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ
اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. [انظر: ٢٣٥ -فتح ٦٦٨/٩]
٥٥٤٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَالِكُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ﴿ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ فَأْرَةِ
سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)). [انظر: ٢٣٥ -فتح ٦٦٨/٩]
ذكر فيه حديث مَيْمُونَةَ رضي الله عنها، وقد سلف في الطهارة(١)،
وهنا أطول منه فإنه ساقه عن الحُمَيْدِيِّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ، عَنْ
مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رسول اللهِوَ عَنْهَا،
فَقَالَ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)). قِيلَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ
الزُّهْرِيَّ يَقُولُه إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ
(١) سلف في الطهارة برقم (٢٣٥) باب: ما يقع من النجاسات في السمن والماء.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
النَّبِيِّ وَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا .
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ
فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهْوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: بَلَغَنَا
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ،
ثُمَّ أُكِلَ. مَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
ثم ساق من حديث مالك: عن ابن شهاب، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ
اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ وََّ عَنْ فَأُرَةِ
سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)) .
الشرح:
توقف البخاري في إسناد معمر عن الزهري، عن سعيد، عن أبي
هريرة؛ لأنه أنفرد به معمر عن الزهري.
وأما حديث الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس فرواه جماعة
أصحاب ابن شهاب عنه بهذا الإسناد، وقد صحح الذهلي الإسنادين
جميعًا عن ابن عباس، وإنما لم يدخل البخاري في الحديث ((وإن كان
مائعًا فلا تقربوه)) (١)؛ لأنه من رواية معمر عن الزهري، عن سعيد،
عن أبي هريرة واستراب انفراد معمر، قلت: وأما ابن حبان فصححه(٢).
وفي قوله القيّها: ((ألقوها وما حولها)) دلالة على أن السمن كان
جامدًا؛ لأنه لا يمكن طرح ما حولها في المائع الذائب؛ لأنه عند
الحركة يمتزج بعضه ببعض.
(١) رواه أبو داود (٣٨٤٢) كتاب: الأطعمة، باب: في الفأرة تقع في السمن،
والنسائي ١٧٨/٧ كتاب: الفرع والعتيرة، باب الفأرة في السمن، وأحمد
٢٦٥/٢، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٥٣٢): شاذ.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٤/ ٢٣٧ (١٣٩٣).

٥٤٩
كِتَابُ الذِّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
13
وقام الإجماع على أن هذا حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة فتلقى
وما حولها ويؤكل سائره؛ لأنه العليّفي حكم للسمن الملاصق للفأرة بحكم
الفأرة، لتحريم الله تعالى الميتة، فأمر بإلقاء ما مسها منه، وأما السمن
المائع والزيت والخل والمري والعسل وسائر المائعات تقع فيه الميتة،
ولا خلاف أيضًا بين أئمة الفتوى أنه لا يؤكل منها شيء.
واختلفوا في بيعه والانتفاع به، فقالت طائفة: لا يباع ولا ينتفع
بشيء منه كما لا يؤكل، هذا قول الحسن بن صالح وأحمد، واحتجوا
بحديث أبي هريرة السالف وبقوله: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم
الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها)) (١).
وقال آخرون: يجوز الاستصباح به والانتفاع به في الصابون وغيره،
ولا يجوز بيعه وأكله، هذا قول مالك والثوري والشافعي، واحتجوا
برواية عبد الواحد بن زياد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن
أبي هريرة أن النبي وَّ قال: ((وإن كان مائعًا فاستصبحوا به))(٢) قالوا:
وقد روي عن علي وابن عمر وعمران بن حصين: أنهم أجازوا
الاستصباح به، وأمر ابن عمر أن يدهن به الأدم، وذكر الطبري عن
ابن عباس مثله، وذكر ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري
وعطاء مثله (٣).
(١) سلف برقم (٢٢٢٤) كتاب: البيوع، باب: لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه،
ورواه مسلم برقم (١٥٨٣) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة
والخنزير والأصنام.
(٢) رواه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٢٧٣/١ (٢٥٠) من
طريق الحسن بن الربيع، عن عبد الواحد، به. وانظر ((البدر المنير)) ٢٣/٥.
(٣) ((الأوسط)) ٢٨٦/٢.

٥٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واحتجوا في منع بيعه بقوله العَيْ في الخمر: ((إن الله تعالى حرم
شربها وحرم بيعها))(١) وبحديث النهي عن بيع الشحوم(٢)، وأيضًا فإنه
قد ينتفع بما لا يجوز بيعه، ألا ترى أنّا ننتفع بأم الولد ولا يجوز
بيعها، وننتفع بكلب الصيد ونمنع من بيعه، ويطفأ الحريق بالماء
النجس والخمر ولا يجوز بيعه، وهذا كله انتفاع.
وقال آخرون: ينتفع بالزيت الذي تقع فيه الميتة بالبيع وكل شيء
ما عدا الأكل، قالوا: ويجوز أن يبيعه ويبين؛ لأن كل ما جاز
الانتفاع به جاز بيعه، والبيع من الانتفاع وهو قول أبي حنيفة
وأصحابه والليث.
وروي عن أبي موسى أنه قال: بيعوه وبينوا لمن تبيعونه عيبه
ولا تبيعوه من مسلم(٣)، وروى ابن وهب عن القاسم وسالم أنهما
أجازا بيعه وأكل ثمنه بعد البيان.
قال الكوفيون: ويحمل ما روى معمر من قوله الَّئر: ((وإن كان مائعًا
فلا تقربوه)) أي: للأكل، وليس في تحريم الشحوم على اليهود وتحريم
ثمنها حجة لمن منع بيع الزيت تقع فيه الميتة؛ لأن الحديث خرج على
تحريم شحوم الميتة وهي نجسة الذات فلا يجوز بيعها ولا أكلها
ولا الانتفاع بها، والزيت والسمن الذي تقع فيه الميتة إنما ينجس
بالجوار، ولا ينجس بالذات كالثوب الذي يصيبه الدم، ولذلك رأی
(١) رواه مسلم (١٥٧٩) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر، من حديث ابن
عباس بلفظ: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها)).
(٢) سلف برقم (٢٢٣٦) كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ورواه مسلم
(١٥٨١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر، كلاهما من حديث جابر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٢٧/٥ (٢٤٣٨٥).

=
٥٥١
كِتَابُ النَّبَائِجِ والصَّيْدِ
بعض العلماء غسله ويجوز عندهم الاستصباح به، ولا يجوز بشحوم
الميتة .
وقال أهل الظاهر فيما نقله ابن القصار: لا يجوز بيع السمن
ولا الانتفاع به إذا سقطت فيه الفأرة، ويجوز بيع الزيت والخل
والمري وجميع المائعات تقع فيها الفأرة؛ لأن النهي إنما ورد في
السمن فقط وهذا إبطال للمعقول؛ لأنه الله لما نص على السمن
وهو مما يؤكل ويشرب وهو من المائعات الطاهرات كان فيه تنبيه
على كل ما هو طاهر مثله؛ لأنه يثقل عليه أن يقول السمن والزيت
والشيرج والخل والمري والدهن والمرق والعصير وكل مائع لأنه أوتي
جوامع الكلم، وهذا كما قال تعالى ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]
فنبه بذلك على أن كل ما كان في معناه من الانتهار والسب فما فوقه
مثله في التحريم، وكذلك كل مائع وقعت فيه نجاسة هو مثل السمن.
ومما يبطل به مذهبهم أن يقال لهم: ما تقولون في السمن تموت فيه
وزغة أو حية أو سائر الحيوان؟ فإن طردوا أصلهم وقالوا: لا ينجس
السمن بموت شيء من الحيوان فيه غير الفأرة التي ورد النص فيها
خرجوا من قول الأمة ومن المعقول، وإن سووا بين جميع ما يموت
في السمن من سائر الحيوان لزمهم ترك مذهبهم.
وذكر ابن التين في ((شرحه)) سؤالًا وجوابًا فقال: هلا طرح ما قابل
فم الفأرة خاصة؛ لأن نفسها خاصة نجس وهي دهنية توجد عند فيها .
قيل: إذا خرجت النفس غرقت الفأرة فيتنجس ما حولها، ومعنى
ذلك إذا لم يخص بهنّ للجامد يذوب فيها، قاله سحنون.

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٥- باب الوَسْمِ وَالْعَلَمِ فِي الصُّورَةِ
٥٥٤١- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالمُ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ
أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َِّ أَنْ تُضْرَبَ. تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا
العَنْقَزِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ: تُضْرَبُ الصُّورَةُ. [فتح ٩ / ٦٧٠]
٥٥٤٢- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ بَّهَ بِأَخْ لِي يُحَنِّكُهُ وَهُوَ فِي مِزْبَدٍ لَهُ، فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ:
في آذَانِهَا. [انظر: ١٥٠٢ -مسلم: ٢١١٩ - فتح ٩/ ٦٧٠]
حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَىْ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ. وَقَالَ ابن غُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ
وَلِّ أَنْ تُضْرَبَ. تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ، ثَنَا العَنْقَزِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ: تُضْرَبُ
الصُّورَةُ. ثم ساق حديث أَنَسِ ﴾: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَّهُ بِأَخٍ لِي
يُخَنِّكُهُ وَهْوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ، يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا .
الشرح :
(العنقزي) نسبة إلى العنقز وهو المرزنجوش واسمه عمرو بن محمد
القرشي مولاهم، مات سنة تسع وتسعين ومائة، انفرد به مسلم. وعلق له
البخاري كما ترى.
والصورة: الوجه، والمربد: الموضع الذي تحبس فيه الإبل
وغيرها، وهو اسم الموضع الذي يجفف فيه التمر عند أهل المدينة
وهو المسطح والجرين في لغة أهل نجد.
والوسم في الصورة مكروه عند العلماء كما قاله ابن بطال(١) وعندنا
أنه حرام.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٥٣/٥.

٥٥٣
كِتَابُ الذّبَائِحِ والصَّيْدِ
وفي أفراد مسلم من حديث جابر أنه التَّ مر على حمار وقد وسم
في وجهه فقال: ((لعن الله الذي وسمه)) (١) وإنما كرهوه لشرف الوجه
وحصول الشَّيْن فيه وتغيير خلق الله.
وأما الوسم في غير الوجه للعلامة والمنفعة بذلك فلا بأس به إذا كان
يسيرًا غير شائن، ألا ترى أنه يجوز في الضحايا وغيرها، والدليل على
أنه لا يجوز الشائن من ذلك أنه القلي حكم أن من شان عبدًا ومثل به
باستئصال أنف أو أذن أو جارحة عتق عليه، وليس يعتق إن جرحه
أو شق أذنه، وقد وسم الشارع إبل الصدقة وهو حجة ما لا يشين منه،
وقد سلف حيث يجوز الوسم من البهائم في باب وسم الإمام إبل
الصدقة في كتاب الزكاة (٢).
فائدة :
هذا الأخ هو عبد الله بن أبي طلحة كما فسر في موضع آخر منه،
وقوله: (حسبته قال: في آذانها)، الظاهر أنه من قول شعبة إذ في
الصحيح أيضًا، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها (٣).
وفي رواية لأحمد وابن ماجه: يسم غنمًا في آذانها (٤).
(١) ((صحيح مسلم)) (٢١١٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: النهي عن ضرب الحيوان
في وجهه ووسمه فيه.
(٢) سلف برقم (١٥٠٢).
(٣) رواه مسلم (١١٠/٢١١٩) كتاب: اللباس والزينة، باب: جواز وسم الحيوان.
(٤) ابن ماجه (٣٥٦٥)، وأحمد ١٦٩/٣، وصححه الألبانى فى ((صحيح ابن ماجه))
(٢٨٦٨).

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٦- باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ
غَنَمَا أَوْ إِبِلَا بِغَيْ أَمْرٍ أَصْحَابِهِمْ، لَمْ تُؤْكَلْ؛
حَدله
لِحَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النّبِيّ
وَقَالَ طَاؤُسٌ وَعِكْرِمَةُ فِي ذَبِيحَةِ السَّارِقِ: أَظْرَحُوهُ.
٥٥٤٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةً
بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ بَّهِ: إِنَّنَا نَلْقَى العَدُوَّ
غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىُ. فَقَالَ: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ
سِنٌّ وَلَا ظُفُرٌ، وَسَأُحَدَّتُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّ الظَّفْرُ فَمُدى
الحَبَشَةِ)). وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الغَنَائِمِ وَالنَّبِيُّ بَ فِي آخِرِ النَّاسِ،
فَنَصَبُوا قُدُورًا، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهِ، ثُمَّ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ
أَوَائِلِ القَوْمِ، وَلْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ. فَقَالَ: ((إِنَّ لهذِه
البَهَائِم أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا، فَافْعَلُوا مِثْلَ هذا)). [انظر:
٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٩ / ٦٧٢]
ثم ساق حديث رافع بطوله، وفيه: (وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا
مِنَ الغَنَائِمِ) وسرعان الناس: أخفاؤهم وهم المستعجلون منهم، كذا
رواه المتقنون وهو قول الكسائي وهو الوجه، وضبطه بعضهم بسكون
الراء وله وجه، وضبطه الأصيلي وغيره: سُرعان والأول أوجه، لكن
يكون جمع سريع كقفيز وقُفْزان.
وحكى الخطابي عن بعضهم سُرعان قال: وهو: خطأ: وأما قولهم
سرعان ما فعلت بالفتح والضم والكسر(١) .
(١) ((معالم السنن)) ٢٠٢/١.

٥٥٥
كِتَابُ الذّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
وقال ابن التين: ضبط بضم السين، والذي في ((الصحاح)): سَرَعان
الناس -بالتحريك- أوائلهم؛ قال: وهنا يلزم الإعراب نونه من كل
وجه(١) .
قال: وقول طاوس وعكرمة لعله يريد على التنزه وإلا فإذا ضمنه
صاحبها أو رضي أخذها فأكلها جائز، وقوله في الترجمة: (فذبح
بعضهم إبلًا أو غنمًا بغير أمر أصحابهم) هم سرعان الناس الذين
فعلوه دون اتفاق من أصحابهم، وقد سلف في الجهاد أيضًا(٢)، وكذا
معنى أمره بإكفاء القدور في الذبائح قريبًا .
وأما ذبيحة السارق فقال ابن بطال: لا أعلم من تابع طاوسًا وعكرمة
على كراهة أكلها غير إسحاق بن راهويه، وجماعة الفقهاء على إجازتها،
وأظن أن البخاري أراد نصر قول طاوس وعكرمة لحديث رافع وجعل
أمره بإكفاء القدور حجة لمن كره ذبيحة السارق، ورأى الذين ذبحوا
الغنائم بغير أمر أصحابهم في معنى ذبيحة السارق حين ذبحوا ما ليس
لهم؛ لأنهم إنما ذبحوا في بلاد الإسلام بذي الحليفة قرب المدينة،
كذا وقع وفيه نظر، وقد خرجوا من أرض العدو فلم يكن لبعضهم أن
يستأثر بشيء منها دون أصحابه وليس في ذلك حجة قاطعة؛ لأنه قد
اختلف في معنى أمره بإكفائها، وقيل: إنها كانت نهبة ولا تقطع على
وجه من ذلك، واختلف أيضًا في قطع من سرق من المغنم(٣).
(١) ((الصحاح)) ١٢٢٨/٣ مادة (سرع).
(٢) سلف في الجهاد برقم (٣٠٧٥) باب: ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٥٤/٥-٤٥٥.

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٧- باب إِذَا نَذَّ بَعِيْرٌ لِقَوْمِ
فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ
فَهْوَ جَائِزٌ
لِخَبَرِ رَافِع عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ.
٥٥٤٤- حَدَّثْنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ◌َّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌ِّ في
سَفَرٍ فَنَذَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ - قَالَ :- فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ لَهَا
أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي الَغَازِي وَالأَسْفَارِ، فَتُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ مُدىُ. قَالَ: ((أَرِنْ، مَا
نَهَرَ - أَوْ أَنْهَرَ - الدَّمَ وَذُكِرَ أَسْمُ اللهِ فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظَّفُرِ، فَإِنَّ السَّنَّ عَظْمٌ،
وَالظُّفُرَ مُدى الحَبَشَةِ)). [انظر: ٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٩/ ٦٧٣]
ثم ساقه أيضًا.
ومعنى أراد إصلاحهم كما قاله المهلب، يعني: إذا علم مرادهم
فأراد حبسه على أربابه ولم يرد إفساده عليهم، فلذلك لم يضمن البعير
وحل أكله؛ لأن هذا الحبس الذي حبسه بالسهم قد يكون فيه هلاكه
من غير ذبح ولا نحر مشروع، وقد سلف اختلاف العلماء في ذلك
قريبًا، وأما من قتل بعيرًا لقوم بغير إذنهم فعليه ضمانه إلا أن يقيم بينة
بأنه صال علیه.
وقال ابن التين: تأول البخاري مثل ما تقدم عن أبي حنيفة وليس في
الخبر دليل بين، وقوله: ( ((أرن ما نهر - أو أنهر - الدم)) ) قال ابن التين:
صحيحه (أنهر))، وكذلك في أكثر الروايات رباعي، وإنما يقال: نهر إذا
جرى وأنهرته أنا .

٥٥٧
كِتَابُ الذِّبَائِحِ والصَّيْدِ
-
وقال عياض: ((ما أنهر الدم)) أي: ما أساله وصبه بمرة كصب
النهر (١)، كذا الرواية فيه في الأمهات، ووقع الأصيلي في كتاب
الصيد ((ما نهر الدم)) وليس بشيء، والصواب ((أنهر)) كما في سائر
المواضع.
(١) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ٤١٦/٦.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٨- باب أَثْلِ المُضْطَرِّ
لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقُّنَكُمْ﴾
إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاخِ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:
١٧٢ - ١٧٣]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ﴾
[المائدة: ٣]. وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله:
﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨-
١١٩] ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ
يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا﴾ قال ابن عباس مهرافًا ﴿أَوْ لَحْمَ
خِزِزِيرٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاِخْ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾(١)
الآية [المائدة: ٨٨]. [فتح ٩ / ٦٧٣].
الشرح :
أصل البغي: قصد الفساد، وأصل العدوان: الظلم، واختلف
المفسرون فيها فقيل: معنى ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾ أي: في أكلها ولا متعد فيه
من غير ضرورة، وعبارة ابن عباس: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في الميتة ﴿وَلَا
عَادٍ﴾ في الأكل. وقال الحسن: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ فيها ولا متعد بأكلها
وهو غني عنها، وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾ غير مستحل لها ﴿وَلَا عَادٍ﴾
متزود منها، وقيل: ﴿غَيّرَ بَاغٍ﴾ في أكله شهوة بأكلها متلذذًا، ﴿وَلَا
عَادٍ﴾ يأكل حتى يشبع ولكن يأكل ليمسك رمقه، وقيل ﴿عَادٍ﴾
معناه: عائد، فهو من المقلوب كشاکي السلاح أصله شائك، وهارٍ:
أصله هائر، ولاتٍ أصله لائت ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾ على الأئمة ﴿وَلَا عَادٍ﴾
(١) في الأصل: (كلوا مما رزقناكم). والمثبت موافق للتلاوة، وهو في اليونينية.

٥٥٩
13
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
قاطع سبيل المسلمين في طريقهم، فإن خرج على الأئمة أو قطع الطريق
فلا رخصة له في الأكل، وقيل: يأكل مع العصيان في سفره فلا يعصي
بقتل نفسه (١)، وإليه ذهب أبو حنيفة وقيل: هو قادر على التوبة فلا يأكل
حتى يتوب فيقال له تب كل.
والمخمصة: ضمور البطن من الجوع، وقال قتادة: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾
[المائدة: ٣] غير معتقد (٢)، والمعروف أن الجنف الميل، ومعنى الإثم
هنا : أن يأكل منها فوق الشبع، واختلف في الشبع وسد الرمق والتزود.
وقال مالك: أحسن ما سمعت في المضطر أنه يشبع ويتزود فإذا
وجد غنى عنها طرحها وهو قول ابن شهاب وربيعة، وقال أبو حنيفة
والشافعي في أحد قوليه: لا تأكل منها إلا مقدار ما يمسك الرمق
والنفس، والحجة له أن الإباحة إذا خاف الموت على نفسه فإذا أكل
منها ما يزيل الخوف فقد زالت الضرورة وارتفعت الإباحة فلا يحل
أكلها، وحجة مالك أن المضطر قد أباح الله له الميتة فقال: ﴿غَيْرَ
بَاغْ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي: إذا أكل منها ولم يفرق
بين القليل والكثير فإذا حلت له الميتة أكل منها ما شاء(٣).
وحكى الداودي قولًا أنه يأكل منها ثلاث لقم، وقيل: إن تغد لم
یتعش، وإن تعش لم يتغد.
فإن أحتج الكوفيون والشافعي بتفسير ابن عباس أمتنع الشبع
والتزود، قيل: قد فسر مجاهد وغيره بما سلف، وإنما معنى قول ابن
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) ٩٢/٢-٣٩.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١٧٩/١ (٦٧٩)، والطبري ٤٢٥/٤ (١١١٢٤)،
(١١١٢٥) بلفظ: (غير متعمد)، (غير متعرض لإثم).
(٣) أنظر ((المنتقى)) ١٣٨/٣، ((الأم)) ٢٢٥/١، ((الأشباه والنظائر)) ١٠٧/١.

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عباس: أن الباغي والمتعدي لا يأكلها وهو غني عنها غير مضطر إليها،
فإذا أضطر إليها لم يكن متعديًا في شبعه؛ لأنه لا يقدر على سفره وتصرفه
إلا بشبع نفسه والتزود أولى في حفظ النفس وحياطتها؛ لأنه لا يأمن أن
لا يجد ما يمسك رمقه من الطعام، ولا ميتة ولعله أن يطول سفره فتهلك
نفسه، والله قد حرم على الإنسان أن يتعرض لإهلاك نفسه، وسيأتي
اختلاف العلماء في شرب الخمر والبول عند الضرورة في كتاب
الأشربة قريبًا .
قال مسروق: بلغني أنه من أضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتى مات
دخل النار(١).
فائدة :
قوله: (مهراقًا) إن قرأته بفتح الهاء فهو من أراق يريق وزيدت الهاء
على ما تقدم ويكون تقديره مهفعلا، وإن قرأته بإسكانها فقد سلف أن
الجوهري قال: لا يمكن النطق بتقديره؛ لأن الهاء والفاء ساكنان (٢)
يريد إنك إنما تقدر على الأصل (قبل)(٣) دخول الهاء والأصل: هريق
على وزن مكرم فإذا دخلت هاء ساكنة على مفعل فلا يصح أن تنطق
به لاجتماع ساكنين.
آخر الصيد والذبائح ولله الحمد
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤١٣/١٠ (١٩٥٣٦)، ومن طريقه البيهقي في
«السنن) ٣٥٧/٩-٣٥٨.
(٢) ((الصحاح)) ٤/ ١٥٧٠ مادة [هرق].
(٣) في الأصل: قد. والمثبت من (غ).