النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
13
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
القاسم عنه أكلها، والضفدع والسرطان جائز من غير ذكاة، وفي ((مختصر
الوقار)): تستحب ذكاتها؛ لأن لها في البر رعيا وقال: تلك عند محمد،
وهي برس صغير يكون صيد البراري، وأما أبو حنيفة فكره أكلها، وقال
مقاتل: إنها من المسوخ.
فائدة :
هي بفتح اللام كما ذكره في ((الصحاح)) (١) وقدم ذلك في ((المحكم))
وحكي إسكانها وحكي إسقاط الهاء، وقال: إنها من دواب الماء،
وقيل: هي الأنثى من الغيالم(٢). وحكى الرؤاسي سُلَحْفِيَةٍ مثال بُلَهْنَةٍ
وهو ملحق بالخماسي بألف، وإنما صارت ياء لكسرة ما قبلها (٣).
فصل :
وأما قول ابن عباس: (كُلْ من صيد البحر .. ) إلى آخره، فهو قول
جمهور العلماء؛ لأن طعام البحر ميتة ولا يحتاج فيه إلى ذكاة، وقال
الحسن فيما ذكره سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن عياش، عن
عبيد الله ابن عبيد الكلاعي، عن سليمان بن موسى عنه: أدرك سبعين
رجلًا من أصحاب النبي ◌ّ كلهم يأكل صيد المجوسي الحيتان،
وما (يتخلى) (٤) في صدورهم منه شيء، وروي ذلك عن عطاء
والنخعي(٥)، وهو قول الأربعة والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور،
وروى ابن أبي شيبة من حديث عيسى بن عاصم، عن علي أنه كره
(١) ((الصحاح)) ٤/ ١٣٧٧ (سلحف).
(٢) ((المحكم)) ٤٨/٤.
(٣) أنظر المصدر قبل السابق.
(٤) كذا بالأصول ولعله: يختلج.
(٥) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٢٤٧ (١٩٦٦٦).

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
صيد المجوسي للسمك، وعن عطاء وسعيد بن جبير مثله بإسناد
جيد(١)، وقول ابن عباس: (كل من صيد البحر) يؤخذ منه أن صيد
البر لا يؤكل إن صادوه وكذا هو في ((المدونة))(٢) وأجازه أشهب
في اليهودي والنصراني.
فصل :
وقول أبي الدرداء: (ذبح الخمر النينان والشمس) كذا ذكره معلقًا
بصيغة الجزم، وابن أبي شيبة أخرجه من طريق مكحول عنه، ولم
يسمع منه، وروي عن مكحول بإسناد جيد أنه كان يكره المري يجعل
فيه الخمر(٣). قال أبو ذر: إذا طرحت النينان في الخمر ذبحته وحولته
وصار مريًا، وكذلك إذا ترك في الشمس، وكذا قال ابن أبي صفرة
ومعناه أن الخمر تطرح في الحيتان حتى يصير مريًا، فكأن الحيتان
والشمس ذكاة الخمر وذبحها الذي يحللها ويحتج به من يجوز تخليل
الخمر (٤)، وقد سبق في البيوع ما فيه، وقال الحريمي: هو مري يعمل
بالشام يؤخذ الخمر فيجعل فيها الملح والسمك ويوضع في الشمس
فيغير طعمه إلى طعم المري، يقول: كما أن الميتة والخمر حرامان
والتذكية تحل الميتة بالذبح فكذلك الملح.
والنينان، بكسر النون الأولى ثم مثناة تحت ثم نون أخرى ثم ألف
ثم نون، جمع تون: وهو: الحوت، كعود وعيدان.
والمري، بضم الميم وسكون الراء. وفي ((الصحاح)): المري الذي
(١) ((المصنف)) ٤/ ٢٤٧ (١٩٦٦٨)، (١٩٦٦٩)، (١٩٦٧٠).
(٢) ((المدونة)) ١/ ٤١٧.
(٣) ((المصنف)) ٩٥/٥ (٢٤٠٤٨)، (٢٤٠٤٩).
(٤) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠١/٥-٤٠٢.

٤٠٣
= كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
يؤتدم كأنه منسوب إلى المرارة والعامة تخففه وأنشد:
وعندها المريُّ والكامَخُ(١) .
ومالك في ((المدونة))(٢) كره هذا وقال ابن حبيب: هو حرام.
وسئل الحافظ أبو موسى المديني عنه فقال: عبر عن قوة الملح
والشمس وغلبتهما على الخمر وإزالتهما طعمهما وريحها بالذبح،
وإنما ذكر النينان دون الملح؛ لأن المقصود من ذلك هي دون الملح
وغيره الذي فيها، ولا يسمى المعمول من ذلك إلا باسمها دون
ما أضيف إليها، ولم يرد به أن النينان وحدها هي التي حللته.
وذهب البخاري إلى ظاهر اللفظ وأورده في طهارة صيد البحر
وتحليله مريدًا أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى
غيره كالملح حتى تصير (الخمر)(٣) الحرام النجسة بإضافته عليها
طاهرة حلالًا، وكان أبو الدرداء ممن يفتي بتحليل تخليل الخمر (٤)،
وقال: إن السمك بالآلة التي أضيفت إليه من الملح وغيره قد غلب
على ضراوة الخمر التي كانت فيها وزال شدتها، كما أن الشمس تؤثر
في تخليلها فصار خلًا لا بأس به، فالخمر مفعول مقدم، والنينان
والشمس فاعلان(٥) له.
ومعناه أن أهل الريف بالشام وغيرها قد يعجنون المري بالخمر
وربما يجعلون فيه أيضًا السمك المري بالملح والأبزار نحو ما يسمونه
(١) ((الصحاح)) ٨١٤/٢ (مرر).
(٢) ((المدونة)) ٤ /٤١٢.
(٣) من (غ).
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩٨/٥ (٢٤٠٨٢).
(٥) ورد بهامش الأصل: فاعل ومعطوف عليه.

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(الصحناء)(١)، إذ القصد من المري وأكله هضم الطعام، فيضيفون إليه
كل ثقيف وحريف ليزيد في جلاء المعدة واستدعاء الطعام بثقافته
وحرافته، وكان أبو هريرة وأبو الدرداء وابن عباس وغيرهم من
التابعين يأكلون هذا المري المعمول بالخمر ولا يرون به بأسًا ويقول
أبو الدرداء إنما حرم الله الخمر بعينها وسكرها، وما ذبحته الشمس
والملح فنحن نأكله لا نرى به بأسًا .
فصل :
حديث العنبر سلف في المغازي(٢)، والخبط اسم ما خبط من القشر
والورق وهو من علف الإبل، وكان أميرهم أبو عبيدة كما ذكره هنا
أيضًا، وهو ثابت في مسلم(٣) وغيره، ووقع في كتاب ((الأطعمة)) لابن
أبي عاصم من حديث جابر أن الأمير عليهم يومئذٍ قيس بن سعد بن
عبادة وهو عجيب، فإنه الذي ذبح لهم عند المخمصة جزورًا بعد
جزور فقط وهو المشار إليه في البخاري: وكان فينا رجل، فلما اشتد
بنا الجوع نحر ثلاث جزائر .. إلى آخره.
فصل :
من الأحاديث الضعيفة ما أخرجه الدارقطني وضعفه عن جابر تلته
مرفوعًا: (كلوا ما حسر عنه البحر، وما ألقاه، وما وجدتموه طافيًا فوق
الماء أو ميتًا فلا تأكلوه))، ثم رواه من حديث أبي الزبير عنه مرفوعًا
((إذا طفا فلا تأكله وإذا جزر عنه فكله وإذا كان على حافتيه فكله)) ثم
(١) كذا بالأصول، ووقع في شرح الكرماني ٩٠/٢٠: الصمتى.
(٢) سلف برقم (٤٣٦١).
(٣) مسلم برقم (١٩٣٥) كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة ميتات البحر .

٤٠٥
= ڪِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
صوب وقفه(١)، وقال عبد الحق: إنما يرويه الثقات من قول جابر وإنما
أسنده من وجه ضعيف(٢) .
فصل ملحق بالطافي :
قال ابن حزم: بقي قول لبعضٍ في تحريم الطافي من السمك، روينا
(ذلك)(٣) عن جابر ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا ابن فضيل، أنا
عطاء بن السائب، عن ميسرة، عن علي # قال: ما طفا من صيد
البحر فلا تأكلوه. ولا يصح؛ لأن ابن فضيل لم يسمع من عطاء
إلا بعد اختلاطه، ومن طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأجلح،
عن عبد الله بن أبي الهذيل سمع ابن عباس وذكر صيد البحر لا تأكل
منه طافيًا. قال: والأجلح ليس بالقوي -قلت: قد وثق أيضًا-
ومن طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة،
عن ابن المسيب: ما طفا فلا تأكل. وصح عن الحسن ومحمد
وجابر بن زيد والنخعي: أنهم كرهوا الطافي من السمك، وبتحرميه
يقول الحسن بن حي .
وروي عن سفيان بن سعيد فيما في البحر مما عدا السمك قولان:
يؤكل، لا يؤكل حتى يذبح. يبطلهما حديث العنبر وليس سمكًا وهو
ميتته .
قلت: في نفس الحديث: ((فألقى البحر حوتًا لم ير مثله)) ولا يقدر
أحد أن يقول: الحوت ليس سمكًا، وعند سعيد بن منصور: حدثنا
إسماعيل بن عياش، حدثني عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن
(١) ((سنن الدارقطني)) ٢٦٧/٤-٢٦٨.
(٢) ((الأحكام الوسطى)) ١٢٤/٤.
(٣) من (غ).

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
صهيب، عن وهب بن كيسان، عن نعيم [بن](١) المجمر، عن جابر مثله،
قال ابن حزم: هذا ضعيف(٢). لأن في إسناده ابن عياش وهو ضعيف،
وللدار قطني بإسناد جيد أن أبا أيوب سئل عن سمكة طافية على الماء
فقال: أطيبة هي لم تتغير؟ قالوا: نعم. قال: فكلوها وارفعوا لي
نصيبي وكان صائمًا، وبنحوه قال أبو طلحة الأنصاري؟ وفي سنده
ضعف(٣) .
وسلك الطحاوي مسلكًا ليس بجيد فطعن في حديث أبي هريرة
السالف ((الحل ميتته)) فقال: ذهب الشافعي ومالك إليه وهو حديث قد
أضطرب في إسناده اضطرابًا لا يصلح الاحتجاج به .
كذا قال، وقد بينت في تخريجي لأحاديث الرافعي أنه لا يقدح (٤)،
قال: ولو صححناه لم يكن فيه ما يخالف حديث جابر، لأن الذي فيه من
الميتة يحتمل أن يكون من الميتة التي أباحها في حديث جابر، فيلتئم
الحديثان فيكون ما في حديث جابر من الطافي زيادة على ما في
الحديث الآخر من تحليل الميتة، وأما ما سلف عن أبي طلحة وغيره
فقد خالفهما فيه علي وجابر، والأولى بما أختلف من الصحابة
ما وافق ما روي عن رسول الله وَّليل وهو النهي لا الإباحة.
قلت: لا نسلمه.
قال: وقد روي عن ابن عباس أنه سئل آتي البحر فأجده قد حمل
سمكًا ميتًا؟ فقال: لا تأكل الميتة. فقد عاد قول ابن عباس إلى كراهة
(١) ليست في بالأصول، والمثبت من ((المحلى)).
(٢٠) ((المحلى)) ٣٩٤/٧-٣٩٦.
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٢٧٠/٤-٢٧١.
(٤) (البدر المنير)) ٣٤٨/١-٣٨١.

٤٠٧
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
أكل طافي السمك(١).
قال ابن رشد: والصواب في هذا ما ذهب إليه مالك، ويحمل
ما روي عن رسول الله ﴿ من النهي عن أكل الطافي وعمن روى
ذلك عنه من الصحابة على الكراهة دون التحريم، فتتفق الأقوال.
قلت: الحق حله فإن الله تعالى قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾
[المائدة: ٩٦] وقد فسر عمر بن الخطاب وابن عباس بأن طعامه: ما رمى
به، وهما من أهل اللسان، وقال رسوله: ((الحل ميتته)) وأقرهم على أكل
العنبر وأكل منه بالمدينة ولا معدل عن ذلك، واسم الميتة شرعًا: ما زال
عنه الحياة لا بذكاة شرعية، وقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾
[المائدة: ٣] ومن القياس سمك لو مات في البر حل، وكذا البحر
أصله إذا مات بسبب حر أو برد أو نضب الماء عنه أو قتلته سمكة
أخرى أو يوخذ فيموت، وقد وافق أبو حنيفة على كل ذلك.
فصل :
قوله في حديث جابر (نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ) هو بفتح النون من نرصد
أي: نرقب، وأرصد: رباعي إذا أعد شيئًا .
وقوله: (نحر ثلاث جزائر) هو جمع جزور.
(١) ((شرح مشكل الآثار)) ٢١٠/١٠-٢١٤.

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣- باب الجَرَادِ
٥٤٩٥- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورِ قَالَ: سَمِعْتُ ابن أَبِي أَوْفَى
رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ سَبْعَ غَزَوَاتِ - أَوْ سِتًّا- كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ
الَجَرَادَ. قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورِ، عَنِ ابن أَبِي أَوْفَىْ: سَبْعَ
غَزَوَاتٍ. [مسلم: ١٩٥٢ - فتح: ٩ / ٦٢٠].
ذكر فيه حديث شعبة: عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن أَبِي أَوْفَى
رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِّ وَلَّهَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - أَوْ سِنَّا- كُنَّا
تَأْكُلُ مَعَهُ الجَرَادَ. قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ،
عَنِ ابن أَبِي أَوْفَى: سَبْعَ غَزَوَاتٍ .
الشرح :
هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (١).
وأبو يعفور: هو بالفاء واسمه واقد، ولقبه: وقدان عبدي تابعي،
وهو أبو يعفور الكبير، والصغير: اسمه عبد الرحمن بن عبيد بن
نسطاس عامري بكائي، ونسطاس: يكنى أبا صفية روى عن أبي
الضحى مسلم بن صُبيح والوليد بن عيزار، وعنه: ابن عيينة ومروان بن
معاوية، وهما متفق عليهما .
وأبو عوانة اسمه: الوضاح.
وعند ابن حبان من حديث أبي الوليد كما في البخاري: سبعًا
أو ستًّا- شك شعبة(٢). ورواه الترمذي صحيحًا من حديث سفيان عن
أبي يعفور، فقال: ست غزوات، ثم قال: كذا روى ابن عيينة، عن
(١) أبو داود (٣٨١٢)، والترمذي (١٨٢١)، والنسائي ٢١٠/٧.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٦٠/١٢ (٥٢٥٧).

٤٠٩
كِتَابُ الذِّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
أبي يعفور فقال: ستًّا، وروى الثوري، عن أبي يعفور هذا الحديث
فقال: سبعًا. قال: وروى شعبة هذا الحديث عن أبي يعفور بلفظ:
غزونا مع رسول الله مر غزوات نأكل الجراد. ثنا بذلك بندار أنا
غندر عنه ولم يذكر عددًا (١). وفي ((مسند الحميدي)) عبد الله بن الزبير
رواه ابن عيينة - و[هو](٢) أخص الناس به (٣) - ثنا سفيان، ثنا أبو يعفور
قال: أتيت ابن أبي أوفى، فسألته عن أكل الجراد، فقال: غزوت مع
رسول الله وَّ ست غزوات أو سبع غزوات، فكنا نأكل الجراد(٤).
وروى ابن أبي عاصم في كتابه عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن
أبي يعفور عن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله صل سبع غزوات نأكل
الجراد(٥).
وأخرجه مسلم من حديث أبي كامل عن أبي عوانة عن أبي
يعفور(٦)، وأخرجه البزار عن ابن عبد الملك القرشي عنه (٧) ثم قال:
حدثنا الحسن بن مدرك، ثنا يحيى بن حماد وحدثنا أبو عوانة، عن
الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله وَخلال سبع
غزوات نأكل الجراد.
(١) ((سنن الترمذي)) ٢٦٨/٤-٢٦٩ (١٨٢١-١٨٢٢).
(٢) زيادة يقتضيها السياق، وانظر التعليق الآتي.
(٣) هُذِه العبارة من مداخلات الشارح؛ يشير إلى أن سفيان تابع شعبة على رواية
الشك، فيندفع بذلك نسبة الشك إلى شعبة. ثم ساق إسناد الحميدي عن سفيان.
والله أعلم.
(٤) ((مسند الحميدي)) ٥٦٦/١ (٧٣٠).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٤٣/٥ (٢٤٥٥١).
(٦) مسلم (١٩٥٢) كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الجراد.
(٧) أي: عن أبي عوانة.

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال: وحديث الشيباني لم أسمع أحدًا يحدث به إلا ابن مدرك، عن
يحيى، وعند حديث أبي يعفور. وأما عند أبي عوانة، عن أبي يعفور:
حدثنا غير واحد، وابن مدرك ذكر هذا أيضًا عن يحيى بن حماد، عن
أبي عوانة، عن الشيباني وعن أبي يعفور، عن ابن أبي أوفي.
فصل :
الجراد - بفتح الجيم -: اسم جنس، واحدته جرادة يطلق على الذكر
والأنثى، وجردت الأرض فهي مجرودة، أي: أكل الجراد نبتها .
قال ابن دريد: سمي جرادًا؛ لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها(١)،
وأطال الجاحظ في تعريفه، ونقل عن الأصمعي أنه إذا خرج من بيضه
فهو دبا والواحدة دباة ثم قال: ولعابه سم على الأشجار لا يقع على
شيء إلا أحرقه(٢) .
وفي ((الغريب المصنف)) للأصمعي الذكر من الجراد: هو الحنطب،
والعنطب زاد الكسائي: والعنطوب.
وقال أبو حاتم في ((كتاب الطير)): قالت العرب الذكر والأنثى
كذلك، وهو نثرة حوت يؤكل ولا يذبح قال (أبو المعاني)(٣):
والجندب ضرب منه.
وقال أبو حاتم: أبو جحادب شيخ الجنادب وسيدهم.
قال ابن خالويه: وليس في كلام العرب اسم للجراد إذا غرب من
العصفور، وللجراد نيف وستون اسمًا فذكرها.
(١) ((جمهرة اللغة)) ٤٤٦/١.
(٢) ((الحيوان)) ٥٤٢/٥ -٥٦٨.
(٣) كذا بالأصل، وتقدم أنه (أبو المعالي) بلام بدل النون.

٤١١
كِتَابُ الذِّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
فصل :
الجراد حلال بالإجماع، قال الكوفيون والشافعي: يؤكل كيفما
مات(١)، وقال مالك: إن وجده ميتًا لم يأكله حتى يقطع رءوسه
أو يطرح في النار وهو حي من غير أن يقطف رءوسه فهو حلال.
وعنه: إن أخذ حيًّا ثم قطع رأسه أو شواه فلا بأس بأكله، فإن أخذ
حيًّا فغفل عنه حتى مات فلا يؤكل (٢)، وإنما هو بمنزلة ما أخذه ميتًا
قبل أن يصاد؛ لأنه من صيد البر، وذكاته قتله، ومن أجاز أكله ميتًا
جعله من صيد البحر كطافي الحيتان يجوز أكلها، وذكر الطبري عن
ابن عباس أنه قال: الجراد ذكي حيه وميته، وذكر عبد الرزاق أن ابن
عباس قال: كان عمر ﴾ يأكل الجراد ويقول: لا بأس به لا يذبح،
وعن علي أنه قال: الجراد مثل صيد البحر(٣).
وهو قول عطاء (٤)، وأما مالك فهو عنده من صيد البر ولا يجوز أكله
إلا بذكاة وهو قول ابن شهاب وربيعة(٥)، وكان علقمة يكره الجراد
ولا يأكله(٦).
وقال ابن التين: مشهور مذهب مالك افتقاره إلى الذكاة، وعند ابن
حبيب: أنه يؤكل إذا وجد ميتًا، وبه قال محمد بن عبد الحكم قال:
واختلف في ذكاته فقال ابن وهب: ذكاته أخذه.
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢١٠/٣.
(٢) ((المدونة)) ٤١٩/١.
(٣) ((المصنف)) ٥٣٢/٤ (٨٧٥٨).
(٤) رواه عنه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥٠٨/٤ (٨٦٦٩).
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٧/٤.
(٦) رواه عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٤٥/٥ (٢٤٥٦٧).

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال مالك: قطع أجنحتها وأرجلها ذكاته(١)، وقال أشهب
وسحنون: لا تؤكل إلا بقطع رءوسها وأرجلها من أفخاذها، وإن
ألقيت في ماء جاز أكلها، ومنعه سحنون، واختلف إذا سلقت الأحياء
مع الأموات، فقال سحنون: تؤكل الأحياء ومنعه أشهب -قال ابن
عبد الحكم -: وعلي.
فرع :
أخذها: التسمية عند قطع رءوسها أو أجنحتها أو غير ذلك مما
يقتلها، قال الأبهري: والدليل على أنه (من)(٢) صيد البر أن المحرم
يجوز له صيد البحر وهو ممنوع من صيد الجراد؛ وذلك لئلا يقتله
فعلم أنه من صيد البر وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج إلى ذكاة إلا أن
ذكاته حسب ما تيسر كما يكون في الصيد ذكاته على حسب ما يقدر
عليه من الرمي وإرسال الكلب، لأنه لا يمكن من ذبحه بين الحلق
واللبة، فكذلك الجراد تُذَكيهِ كيف تيسر لا حلق له ولا لبة، فلما كان
يعيش في البر وجب أن يفارق السمك فلا يستباح إلا بما يقوم مقام
الذكاة من أخذه كيف تيسر؛ لأن صيد البر لم يسامح فيه بغير ذكاة
كما سومح في صيد البحر (٣).
فرع
لو صاده مجوسي أكل عندنا ولم يؤكل عند مالك(٤)، وعلى قول
مطرف يؤكل كالحوت(٥).
(١) ((المدونة)) ٤١٩/١.
(٢) من (غ).
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠٣/٥.
(٤) انظر: ((النوادر)) ٣٥٧/٤.
(٥) ((المنتقى)) ١٢٩/٣.

٤١٣
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
وقال ابن وهب: سألت مالكًا وغيره من أهل العلم عما يصيده
المجوسي من الجراد فيموت عنده فقالوا: لا يؤكل.
قال ابن وهب: إذا أخذه حيًّا ثم مات فلا بأس بأكله.
فصل :
وردت أحاديث بأكله وبالوقف، ففي ابن ماجه من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله وَ ل قال: ((أحلت لنا ميتتان: الحوت
والجراد))(١)، وإسناده ضعيف لأجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم،
وإن كان الحاكم قال في ((مستدركه)) في حديث هو في سنده: هذا
حديث صحيح الإسناد (٢)، قال البيهقي: وقفه أصح وهو في معنى
المسند (٣)، ورواه الدارقطني من حديث عبد الله وعبد الرحمن ابني
زيد بن أسلم عن أبيهما، عن ابن عمر أيضًا أنه الكلية قال: ((أحلت لنا
ميتتان: الحوت والجراد)) (٤) ، وروى ابن عدي من حديث ثابت بن
زهير قال -وهو يخالف الثقات- عن نافع عن ابن عمر: أن رجلًا
سأل النبي و 1 عن الضب فقال: ((لست آكله ولا أحرمه)) قال:
والجراد؟ فقال ((مثل ذلك))(٥).
وعند الدارمي، عن ابن عمر: كنا (نقتله)(٦) بالسمن والزيت، وعند
أبي داود عن سلمان : سئل رسول الله وَّله عن الجراد فقال: ((لا آكله
(١) ابن ماجه (٣٢٢١).
(٢) ((المستدرك)) ٦١٥/٢.
(٣) ((معرفة السنن والآثار)) ٤٦٦/١٣.
(٤) ((سنن الداقطني)) ٢٧١/٤ - ٢٧٢.
(٥) ((الكامل)) ٢٩٦/٢.
(٦) كذا بالأصول، ولعله: نقليه.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ولا أحرمه)) قال: وروي مرسلًا(١).
وعند ابن ماجه من حديث أبي المهزم -وهو متروك- عن أبي هريرة
ظُ أنه الَّ قال في الجراد: ((كلوه فإنه من صيد البحر))(٢) وكذا ذكره
أبو علي الحسن بن أحمد البنا في ((أحكام الجراد)) أن النجار روى
بسند له عن أبي سعيد الخدري: الجراد من صيد البحر.
ومن حديث موسى بن محمد بن إبراهيم - وله مناكير- عن أبيه، عن
جابر وأنس بن مالك أنه التشيئا كان إذا دعا على الجراد قال: ((اللهم أهلك
كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن
معاشنا، وارزقنا إنك سميع الدعاء)) فقال رجل: يا رسول الله كيف
تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال: ((إنه نثرة حوت في
البحر)). زاد ابن ماجه: قال زياد: وحدثني من رأى الحوت ينثره(٣).
ومن حديث سعيد بن المرزبان -وهو منكر الحديث- عن أنس :
كان أزواج النبي ◌َّه يتهادين الجراد على الأطباق(٤). وعند الدارقطني
من حديث زينب [بنت منخل](6) ويقال: بنت منجل، عن عائشة رضي
الله عنها أنه العليّا زجر صبياننا عن الجراد وكانوا يأكلونه(٦). قال
أبو الحسن: الصواب موقوف(٧).
(١) أبو داود (٣٨١٣).
(٢) ابن ماجه (٣٢٢٢).
(٣) رواه الترمذي (١٨٢٣)، وابن ماجه (٣٢٢١).
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥٣٣/٤ (٨٧٦٣).
(٥) وقع بالأصول: آمنخل. ولعل الصواب ما أثبتناه، كما في مصادر التخريج.
(٦) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٣٥/٢.
(٧) ((علل الدارقطني)) ٤٤٦/١٤.

٤١٥
= ڪِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
وعند ابن أبي عاصم، عن إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة،
عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميرى -ويقال: أبو الأزهر، وله
صحبة- قال القلبيئة: ((لا تقتلوا الجراد، فإنه جند الله الأعظم)) (١)، ومن
حديث بقية: حدثني نمير بن يزيد: حدثني أبي أنه سمع صُدَي بن
عجلان يحدث أن النبي ◌ّ﴾ قال: ((إن مريم بنت عمران سألت ربها
أن يطعمها لحمًا لا دم له فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أنعشه بغير
رضاع وتابع بينه بغير شياع)) -يعني الصوت(٢). وهذا من أفراد بقية
كما أنفرد بحديث السلام في العيد، ومن حديث محمد بن عيسى
الهذلي، عن ابن المنكدر، عن جابر عنه قال: قال عمر : سمعت
رسول الله وَلّه يقول: ((إن الله خلق ألف أمة ستمائة في البحر،
وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمة الجراد فإذا هلك
الجراد تتابعت الأمم مثل سلك النظام»(٣).
فصل :
ذكر الطحاوي في كتاب ((الصيد)) أن أبا حنيفة قيل له: أرأيت الجراد هو
عندك بمنزلة السمك من أصاب منه شيئًا أكله، سمى أو لم يسم وإن وجدته
ميتًا على الأرض؟ قال: نعم. قلت: فإن أصابه مطر فيقتله؟ قال: نعم
لا يحرم الجراد شيئًا على حال ولا بأس بأكله أينما وجدته وكيف
أخذته، ولا يضرك أمينًا وجدته أم حيًّا، وأينما وجدته فكله. قال: ولم
يحكِ محمد في ذلك خلافًا بين أحد بينه وبين أبي يوسف لأبي حنيفة.
(١) ((الآحاد والمثاني)) ١١٨/٣ (١٤٤٠) وفيه: ((فإنه جند من جنود الله تعالى)).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٤١/٨ (٧٦٣١)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٥٨/٩.
(٣) رواه نعيم بن حماد في ((الفتن)) ٢٣٨/١ (٦٧٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ٢٣٤/٧
(١٠١٣٤).

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن وهب: وسمعت مالكًا وسئل عن الجراد يوجد ميتًا فيؤكل
قال: جعله عمر بن الخطاب صيدًا، فأما إذا أخذه حيًّا ومات فلا بأس
بأكله؛ لأن أخذه ذكاته وقال ابن القاسم في جواباته لأسد: أرأيت
الجراد وجدته ميتًا يتوطأه غيري أو أتواطأه أنا فيموت، أيؤكل أم
لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا يؤكل.
قلت: فإن (أفردت)(١) الجراد فجعلته في غرارة فمات فيها أيؤكل؟
قال: قال مالك: لا يؤكل إلا ما قطعت رأسه فتركته حتى تطبخه أو تقليه
فإن أنت طرحته في النار أو سلقته وهو حي من غير أن تقطع رأسه فذلك
حلال أيضًا عند مالك، ولا يؤكل الجراد إلا بما ذكرت لك من هذا.
قلت: أرأيت إن أخذ فقطع أجنحتها وأرجلها ورفعها حتى يسلقها
فماتت أنأكلها أم لا؟ قال: لم أسمع من مالك في هذا شيئًا، إلا أنه
قال: إذا قطع أرجلها وأجنحتها فماتت فلا بأس بأكلها .
قلت: فحين أدخلها في الغرارة أليس أنها ماتت من فعله؟ قال: لم
أر عند مالك القتلة إلا بشيء يقتلها بها حالمًا وصفت لك(٢). وسئل
الليث عن الجراد الذي يرمي به البحر فيوجد مجتمعًا كبيرًا في أصل
شجره ميتًا، فقال: أكره أكل الجراد ميتًا، فأما إذا أخذه وهو حي ثم
مات، فلا أرى بأكله بأسًا وإنما كرهته؛ لأن عمر وداه وجعله
صيدًا(٣). قيل له: فما أخذته حيًّا فطرحته في القدر وهي تغلي بالنار؟
فقال: أحب ذلك إليَّ أن يترك حتى تسكن وتذهب منه الخثلة ثم
(١) كذا بالأصول، وفي ((المدونة)): صدت.
(٢) ((المدونة)) ٤١٩/١.
(٣) ((الإشراف)) ٢٢٤/٣.

٤١٧
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
يطرح في الماء. قال: وسألته عن الجراد الميت في البحر هل يصلح
أكله؟ فقال: هو على كل حال بمنزلة الحيتان. وزعم أنه ينقى منه إذا
لم يصد حيًّا، والذي يصاد حيًّا لا يصلح أكله حتى يموت، وروى
عبيد الله بن الحسن أن ميت الجراد غير حرام في البحر والبر وأنا
أقذره. وعن الشافعي في رواية الربيع قال: ذوات الأرواح التي يحل
أكلها صنفان: صنف لا يحل إلا بأن تذكيه من محل ذكاته، وصنف
يحل بلا ذكاة ميتة أو مقتولة إن شاء، وهو الحوت والجراد(١).
وعند ابن أبي شيبة ذكر لعمر # جراد بالربذة فقال: وددت أن
عندنا منه قفعة (٢) أو قفعتين، وقال إبراهيم: كان أمهات المؤمنين
يتهادين الجراد. وقد سلف. وعن الحسن بن سعد عن أبيه أنه
كان يبغي لعلي بن أبي طالب الجراد فيأكله، وفي لفظ: هو طيب
كصيد البحر.
وقال سعيد بن المسيب: أكله عُمر والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن
عمر وصهيب. وقال جابر بن زيد: لقصعة جراد أحبُّ إليّ من قصعة
تريد، وقال جعفر بن محمد: (لا نرىُ)(٣) بأكله بأسًا، وقالت زينب
(بنت)(٤) أبي سعيد: كان أبي يرانا نأكله فلا ينهانا ولا يأكله فلا أدري
تقذرًا منه أو يكرهه، وقيل لابن عمر: لِمَ لَمْ تأكلِه؟ قال: أستصغره،
وفي رواية: تقذره. وكان علقمة لا يأكله، وعن أبي عثمان النهدي
رفعه: ((لا آكله ولا أنهى عنه))، وقال كعب الحبر: هو حوت.
(١) ((الأم)) ١٩٧/٢.
(٢) ورد بهامش الأصل: القفعة: شيء شبيه بالزنبيل بلا عروة يعمل من ( ... ).
(٣) ليست في الأصل.
(٤) كذا بالأصل، والذي في ((المصنف)): زوجة.

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال عروة: هو نثرة حوت(١)، وعند الطبري، عن ابن عباس: هو
ذكي حيه وميته، وقد سلف وقال عطاء: هو مثل صيد البحر (٢).
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٤٣/٥-١٤٥.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٥٠٨/٤-٥٠٩ (٨٦٦٩)، (٨٦٧٠).

٤١٩
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
١٤- باب آنِيَةِ المَجُوسِ وَالْمَيْتَةِ
٥٤٩٦- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحِ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ
الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِذُرِيسَ الَوْلَانُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ثَغْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ:
أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّرِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَتَأْكُلُ في آنِيَتِهِمْ،
وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّم، وَبِكَلْبِي الذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ،
إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا بُدَّا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدَّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ
بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرٍ أَسْمَ اللهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ
المُعَلَّم فَاذْكُرٍ اسْمَ اللهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمْ فَأَدْرَكْتَ
ذَكَاتَهُ، فَكُلْهُ)). [انظر: ٥٤٧٨- مسلم: ١٩٣٠ - فتح: ٩/ ٦٢٢].
٥٤٩٧- حَدَّثْنَا الَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
الأكْوَعِ قَالَ: لَا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيَانَ، قَالَ النَّبِيُّ بَهِ: ((عَلَى مَا
أَوْقَدْتُمْ هذِهِ النِّيرَانَ؟)). قَالُوا: لُومِ الخُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. قَالَ: ((أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا،
وَاْسِرُوا قُدُورَهَا)). فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ
وَالَ: ((أَوْ ذَاَكَ)). [انظر: ٢٤٧٧ - مسلم: ١٨٠٢ - فتح: ٦٢٢/٩].
ذكر فيه حديث أبي ثعلبة وقد سلف قريبًا .
وحديث سلمة بن الأكوع سلف في المظالم.
ونبه البخاري بقوله: (والميتة) على أنَّ الخمر لما كانت محرمةً لم
تؤثر فيها الذكاة.
وحديث أبي ثعلبة فيه ذكر الكتاب ولعله يرى أنهم أهل كتاب، وهو
أحد القولين عندنا وعند المالكية، ومشهور مذهب مالك أنه لا كتاب
لهم.

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قلت: روى عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن علي أنه كان لهم كتاب.
قال ابن حزم: وصح أنه العَّلا أخذ منهم الجزية ولا تؤخذ إلا من كتابيٍّ؛
لقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]، وحديث:
((لا تؤكل لهم ذبيحة))(١) مرسل، وقد سئل ابن المسيب عن مريض أمر
مجوسيًّا أن يذبح ويسمي الله. فقال سعيد: لا بأس بذلك(٢). وهو قول
أبي قتادة وأبي ثور وأصحابنا .
قال المهلب: معنى ذكر آنية المجوسي في هذه الترجمة، وذكر
سؤال أبي ثعلبة رسول الله ور عن آنية أهل الكتاب من أجل أنهم
لا يتحرزون من الميتة والخنزير والخمر ويخلصون أعناق الحيوان
وذلك ميتة كطعام المجوس.
وقد جاء هذا المعنى مبينًا في حديث أبي ثعلبة من رواية معمر عن
أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة قلت: يا رسول الله، إن أرضنا
أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف
نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: ((إن لم تجدوا غيرها فارحضوها
واطبخوا فيها واشربوا)) (٣)، فأباح غسل ما جعل فيه الخنزير والخمر
واستعمال الأواني.
وقام الإجماع على أن الماء مطهر لكل نجاسة من جميع أواني
الشراب وغيرها، إلا ما روى أشهب عن مالك في زقاق الخمر أنها
لا تطهر بالغسل؛ لأنها تشرب الخمر وذلك مخالف لجميع الظروف.
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٦٩/٦ (١٠٠٢٨)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه))
٤٣٢/٦ (٣٢٦٣٥).
(٢) ((المحلى)) ٤٤٨/٩-٤٤٩.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٩٣-١٩٤.