النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
- كِتَابُ النَّفَقَاتِ
قال ابن حبيب: وكذلك حكم الكلية على فاطمة بالخدمة الباطنة من
خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، وقال بعض شيوخي:
لا يعرف في شيء من الأخبار الثابتة أن رسول الله مل قضى على فاطمة
بالخدمة الباطنة، وإنما كان نكاحهن على المتعارف من الإجمال وحسن
العشرة، وأما أن تجبر المرأة على شيء من الخدمة فليس له أصل في
السنة، بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها(١).
وقال الطحاوي: لم يختلفوا أن المرأة ليس عليها أن تخدم نفسها،
وأن على الزوج أن يكفيها ذَلِكَ، وأنه لو كان معها خادم لم يكن للزوج
إخراج الخادم من بيته، فوجب أن تلزمه نفقة الخادم على حسب حاجتها
إليه(٢) .
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه ليس على المرأة خدمة
زوجها(٣).
وقال الطبري: في هذا الحديث: الإبانة على أن كل من كانت به
طاقة من النساء على خدمة نفسها في خبز أو طحين وغير ذَلِكَ مما
تعانيه المرأة في بيتها ولا تحتاج فيه إلى الخروج أن ذَلِكَ موضوع عن
زوجها إذا كان معروفًا لها أن مثلها تلي ذَلِكَ بنفسها، وأن زوجها غير
مأخوذ بأن يكفيها ذلك كما هو مأخوذ في حال عجزها عنه، إما
بمرض أو زمانة أو شبه ذَلِكَ، وذلك أن فاطمة لما شكت ما تلقى في
يدها من الطحن والعجين إلى أبيها الله، وسألته خادمًا؛ ليعينها على
ذَلِكَ، لم يأمر زوجها عليًّا بأن يكفيها ذَلِكَ، ولا ألزمه وضع مؤنة
(١) أنظر تمام كلام ابن حبيب في ((شرح ابن بطال)) ٥٣٩/٧.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٧١/٢.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٦١١/٤.

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
ذَلِكَ عنها إما بإخدامها أو استئجار من يقوم بذلك، بل قد روي أنه قال:
((يا بنية، أَصبري؛ فإن خير النساء التي نفعت أهلها))(١) وفيه مِنْهُ(٢) العميل:
دليل على أن فاطمة مع قيامها بخدمة نفسها كانت تكفي عليًّا بعض مؤنه
من الخدمة، ولو كانت كفاية ذَلِكَ على عليّ لكان قد تقدم إلى عليّ في
كفائها ذَلِكَ كما تقدم إليه إذ أراد الأبتناء بها أن يسوق إليها صداقها حين
قال له: ((أين درعك الحطمية؟))(٣) وغير ذَلِكَ أنْ يُعَلَّمَ الشارعُ أمته
الجميل من محاسن الأخلاق ويترك تعليمهم الفروض التي ألزمهم الله،
ولا شك أن سوق الصداق إلى المرأة في حال إرادته الابتناء بها غير
فرض إذا رضيت بتأخيره عن زوجها .
فإن قلت: يلزم الرجل إذا كان ذا سعة كفاية زوجته الخدمة إذا كانت
المرأة ممن يخدم مثلها، قيل: حكم من كان كذلك من النساء حكم
ذوات الزمانة، والعاهة منهن اللواتي لا يقدرن على خدمة.
ولا خلاف بين أهل العلم أن على الرجل كفاية من كان منهن،
فكذلك ألزمنا الرجل كفاية التي لا تخدم نفسها مؤنة الخدمة التي
لا تصلح لها، وألزمناه مؤنة خادم إذا كان في سعة.
وبنحو الذي قلنا نزل القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن
سَعَتِةٍ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنِفِقْ مِعَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنِهَا﴾
وعليه علماء الأمة مجمعة.
وشذ أهل الظاهر عن الجماعة فقالوا: ليس عليه أن يخدمها إذا كان
موسرًا أو كانت ممن لا يخدم مثلها .
(١) رواه بنحوه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٠٠/١١ (٢٠٥٩٤).
(٢) أي من قول النبي ◌ّ في هذا الحديث.
(٣) رواه أبو داود (٢١٢٥)، النسائي ١٢٩/٦ -١٣٠.

٤٣
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
=
وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وإذا احتاجت
إلى من يخدمها فلم يفعل لم يعاشرها بالمعروف، وقال مالك والليث
ومحمد بن الحسن: يفرض لها ولخادمين إذا كانت خطيرة (١).
وقال الكوفيون والشافعي: يفرض لها ولخادمها النفقة(٢) وقد سلف
شيء من معنى هذا الباب في النكاح في باب: الغيرة في حديث أسماء.
فصل :
وترجمته عليه خادم المرأة ظاهرة كما سلف، وعامة الفقهاء متفقون
أن الرجل إذا أعسر عن نفقة الخادم أنه لا يفرق بينه وبين امرأته، وإن
كانت ذات قدر؛ لأن عليًّا لم يلزمه الشارع إخدام فاطمة رضي الله
عنها في عسرته، ولا أمره أن يكفيها ما شكت من الرحا.
قال المهلب: وفيه من الفقه: أن المرأة الرفيعة القدر يجمل بها
الامتهان الشاق من خدمة زوجها مثل: الطحن وشبهه؛ لأنه لا أرفع
منزلة من بنت رسول الله وَّة، ولكنهم كانوا يؤثرون الآخرة
ولا يترفهون عن خدمتهم؛ إحسانًا لله؛ وتواضعًا في عبادته.
وفيه: إيثار التقلل من الدنيا والزهد فيها؛ رغبة في ثواب الآخرة،
ألا ترى إلى قوله: ((ألا أدلكما على خير مما سألتما))، فدلهما على
التسبيح والتحميد والتكبير(٣).
(١) قال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) ص (٣٠٤): الخاء والطاء والراء أصلان:
أحدهما: القدر والمكانة، ومنه قولهم: لفلان خطر، أي منزلة ومكانة تناظره
وتصلح لمثله والثاني: اضطراب وحركة ومنه: خطر البعير بذنبه خطرانا. اهـ
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٧١/٢، ((الإشراف)) ١٢٢/١.
(٣) أنظر: ((ابن بطال)) ٧/ ٥٤١.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٨- باب خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ
٥٣٦٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَم بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ
إِنْرَاهِيمَ، ٧ /٨٥ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ
صَلى اله
يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ خَرَجَ. [انظر: ٦٧٦ -
فتح: ٥٠٧/٩]
ذكر فيه حديث الأسود بن يزيد قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها :
مَا كَانَ النَّبِيُّ وَّه يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ
الأَذَانَ خَرَجَ .
هذا الحديث سلف في الصلاة (١)، ويأتي في الأدب (٢). والمِهَنَّةَ:
بكسر الميم، وحُكي الفتح قال الهروي المهنة: الخدمة بفتح الميم،
وخفضها خطأ، قاله شمر عن مشايخه.
قال المهلب: هذا من فعله على سبيل التواضع، وليُسِنَّ لأمته ذَلِكَ؛
فمن السنة أن يمتهن الإنسان نفسه في بيته فيما يحتاج إليه من أمر دنياه
وما يعينه على دينه، وليس الترفه في هذا بمحمود ولا من سبيل
الصالحين، وإنما ذَلِكَ من سير الأعاجم.
وفيه: أن شهود صلاة الجماعة من (آكد السنن)(٣)؛ لأنه لا يتخلف
عن ذَلِكَ إلا في مرضه، وكان شديد المحافظة عليها (٤).
(١) سلف برقم (٦٧٦).
(٢) سيأتي برقم (٦٠٣٩)، باب: كيف يكون الرجل في أهله.
(٣) في الأصول: أكيد النفس، والمثبت هو الصواب كما في ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٥٤٢.
(٤) انظر: ((ابن بطال)) ٧/ ٥٤٢.

٤٥
كِتَابُ النّفَقَاتِ
==
٩- باب إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ
فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا
وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ
٥٣٦٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنْ
عائِشَةَ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُثْبَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٍ، وَلَيْسَ
يَغْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: ((خُذِي مَا يَكْفِيك
وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)). [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٥٠٧/٩]
ذكر فيه حديث هند (١) السالف.
وهو ظاهر فيما ترجم له، وهو حجة لمن قال: تلزمه نفقة ولده وإن
كان كبيرًا، وخالف فيه مالك؛ لأنها واقعة عين، ولا عموم في الأفعال،
ولعله كان صغيرًا أو كبيرًا زَمِنًا، وبعض المالكية قال: تلزمه إذا كان زَمِنَا
مطلقًا. وبعضهم قال بسقوطها إذا بلغ مطلقا، ومذهبه: إن بلغ زَمِنًا بقيت
نفقته .
وفيه: أيضًا مسألة الظفر السالفة، وهي جواز الأخذ لمن منع من
حقه بقدر ماله عنده ولا إثم عليه فيه؛ لأنه العلئها أجاز لهند ما أخذت
من مال زوجها بالمعروف.
وأصل هذا الحديث في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِّ﴾ وقد سلف في المظالم اختلافهم في جاحد الوديعة
ثم يوجد له مال هل يأخذ عوض حقه أم لا؟
(١) ورد في هامش الأصل: فيه تجوز وإنما هو حديث عائشة، لكن فيه هند وهذا مثل
قولهم: حديث هرقل، وحديث زيد بن عمرو بن نفيل، وحديث أبرص وأقرع
وأعمى وأشباه ذَلِكَ.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: أن وصف الإنسان بما فيه من النقص على سبيل التظلم منه
والضرورة إلى طلب الانتصاف من حق عليه أنه جائز وليس بغيبة؛
لأنه الَّ لم ينكر عليها قولها. واختلف العلماء في مقدار ما يفرض
السلطان الزوجة على زوجها: فقال مالك: يفرض لها بقدر كفايتها
في اليسر والعسر، ويعتبر حالها من حاله(١). وبه قال أبو حنيفة،
وليست مقدرة.
وقال الشافعي: هي مقدرة باجتهاد الحاكم فيها، وهي معتبر بحاله
دونها، فإن كان موسرًا فمدان لكل يوم، فإن كان متوسطًا فمد ونصف،
وإن كان معسرًا فمد، فيجب لبنت الخليفة ما يجب لبنت الحارس (٢).
حجة مالك والكوفيين في قوله تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُوَ سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾
الآية [الطلاق: ٧] ولم يذكر لها تقديرًا وقال لهند: ((خذي ما يكفيك
وولدك بالمعروف)) فلم يُقَدِّر لها ما تأخذه لولدها وبنتها، فثبت أنها
غير مقدرة وأنها على قدر كفايتها، وإنما يجب ذَلِكَ كله بالعقد
والتمكين، وهو عوض عن الاستمتاع عند العلماء.
(١) ((المدونة)) ١٩٢/٢.
(٢) ((مختصر المزني)) ٦٩/٥-٧٢ بتصرف.

٤٧
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
=
١٠- باب حِفْظِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ
٥٣٦٥- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابن طَاؤُسِ عَنْ أَبِهِ، وَأَبُو
الزّنَادِ عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ
نِسَاءُ قُرَيْشٍ - وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشِ - أَحْتَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ،
وَأَرْعَاهُ عَلَىَ زَوْج فِي ذَاتِ يَدِهِ). وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
[انظر: ٣٤٣٤ - مسلّم: ٢٥٢٧ - فتح: ٩ / ٥١١]
ذكر فيه حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ، وَأَبي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَج، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ -
وَقَالَ الآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَّى
زَوْجِ فِي ذَاتِ يَدِهِ». وَيُذْكَرُ عَنَّ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ.
هذا الحديث سلف في أوائل النكاح من حديث أبي الزناد، وأخرجه
مسلم عنهما قال أحدهما: ((صالح نساء قريش)). وقال الآخر: ((نساء
قريش أحناه على يتيم في صغره)). وفي حديث ابن المسيب عنه، وفي
آخره يقول أبو هريرة على إثر ذَلِكَ ولم تركب ابنة عمران بعيرًا قط
والنبي وَّ قال: ((خير نساءٍ ركبن الإبل))(١).
وذكر صاحب ((النجم الثاقب فيما ورد في قريش من المناقب))(٢) من
(١) مسلم (٢٥٢٧) كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل نساء قريس.
(٢): صنفه بدر الدين، حسن بن عمر بن حبيب الحلبي أبو محمد، الشافعي دمشقي
الأصل، حلبي المولد والدار، وتوفي سنة تسع وسبعين وسبعمائة له من
التصانيف: ((أخبار الدول وتذكار الأول))، ((إرشاد السامع والقاري))، ((المنتقى من
صحيح البخاري))، و((تذكرة النيبه في أيام المنصور وبنيه))، ((شنف السامع في
وصف الجامع))، ((النجم الثاقب في أشرف المناقب)).
انظر ترجمته في: ((هداية العارفين)» ص١٥٢.

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حديث ابن سيرين وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وكأنّ
أبا هريرة فهم أن البعير من الإبل فقط، وليس كذلك بل تكون أيضًا
حمارًا قال تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَأْ بِهِ، زَعِيمٌ﴾ [يوسف:
٧٢] قال ابن خالويه: لم يكن إخوة يوسف ركبانًا إلا على أحمرة، لم
يكن عندهم إبل تحملهم في أسفارهم وشبهها على الأحمرة. وكذا
قال مجاهد: البعير هنا الحمار (١)، وهي لغة، حكاه الكواشي(٢).
ومراد أبي هريرة أن هذا الحديث لا يؤخذ منه أن القريشات أفضل
من مريم؛ لأنها لم تركب بعيرًا قط، والشارع قال: ((خير نساء ركبن
الإبل)) ذكره ابن التين.
وفي هذا الحديث تفضيل نساء قريش على سائر العرب المعنيين:
أحدهما: الحنو على الولد والتهمم بأمره وحسن تربيته واللطافة به.
ثانيهما: حفظ ذات اليد وعون الزوج على دهره، وبهما تفضل
المرأة عند الله وعند رسوله. وكذلك يروى عن عمر أنه مدح المرأة
التي تعين على الدهر ولا تعين الدهر عليك(٣) وقال الحسن في تفسير
هذا الحديث: الحانية: التي لا تتزوج ولها ولد، وهو من الحنو
والعطف والشفقة.
(١) ((تفسير مجاهد)) ٣١٨/١.
(٢) هو أحمد بن يوسف بن الحسين بن الحسن بن رافع الكواشي ، أبو العباس موفق
الدين الضرير الموصلي الشافعي توفي سنة ثمانين وستمائة من تصانيفه: ((تبصرة
المتذكر وتذكرة المتبصر في تفسير القرآن))، ((تلخيص التفسير))، ((روضة الناضر
وجنة المناظر))، ((كتاب الوقوف)).
انظر ترجمته في: ((هداية العارفين)) ص ٥١.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٥٤ (١٧١٤١).

٤٩
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
=
وعند أهل اللغة كما قال ابن التين: هي التي تقيم على ولدها،
فلا تتزوج، يقال: حَنَت تحنو، وأحنى يحني، وحنى يحنى إذا أشفق،
فإن تزوجت فليست بحانية ((وأرعاه)) من الرعاية.

٥
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١- باب كِسْوَةِ المَرْأَةِ بِالْمَعْرُوفِ
٥٣٦٦- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِ عَبْدُ الَلِكِ بْنُ
مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيُّ رضي الله عنه قَالَ: آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِهـ
حُلَّةَ سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. [انظر: ٢٦١٤ -
مسلم: ٢٠٧١ - فتح: ٩/ ٥١٢].
ذكر فيه حديث علي رضي الله عنه قال: آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ وَ حُلَّةً سِيَرَاءَ
فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي خمرًا .
هذا الحديث سلف في الهبة، وهو مطابق لما ترجم له، وقام
الإجماع أن للمرأة نفقتها وكسوتها بالمعروف، وأنه واجبٌ عليه، وقد
ذكر بعض أهل العلم أنه يلزمه أن يكسو ثياب بلد كذا، والصحيح
ألا يحمل أهل البلدان على كسوة واحدة، وأن يؤمر أهل كل بلد من
الكسوة بما يجري في عرف بلدتهم بقدر ما يطيقه المأمور على قدر
الكفاية لهم، أو ما يصلح لمثلها، وعلى قدر عسره ويسره، ألا ترى
أن عليًّا رضي الله عنه شق الحلة بين نسائه حين لم يقدر على أن
يكسو كل واحدة منهن حلة حلة. قلت: لم يكن له إذ ذاك غير
فاطمة، وإن كان ظاهر قوله: (بين نسائي). يقتضي خلافه، وكذا
قوله: شققتها خُمرًا بين الفواطم، ولذلك قال القفيها: ((خذي ما يكفيك
وولدك بالمعروف)) ولو كان في ذَلِكَ حد معلوم لأمرها به، فينبغي
للحاكم أن يجتهد في ذَلِكَ بقدر ما يراه.
قال ابن التين: وسيرا بالقصر(١).
(١) ورد في هامش الأصل: لعله الألف. أما أنا فلا أعرف في السيراء إلا المد، غير أن
الحلة السيراء تقال بالإضافة وبالصفة وقد ذكر شيخنا المؤلف السيراء في الجمعة،
فذكره البخاري واستوعب الكلام عليه، ولم يذكر إلا المد فاعلمه.

٥١
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
-
ومعنى: آتاه(١) جاءه أو أرسل إليه، ولأبي الحسن: أهدى إليَّ قال:
وأبين منه أتاني النبي بحلة. وسقطت الياء فتعدى الفعل فقط، قال
الداودي: والسيراء منتقلة كالشعرى. قال أبو عبيد: لا تسمى حلة
حتَّى تکون من ثوبین .
١٥٦
رقم
(١) ورد في هامش الأصل: الحديث آتى إليَّ النبي ◌َّ. قال ابن قرقول: آتى هذا
ممدود لأنه بمعنى أعطى، وإليَّ مشددة الياء وبقية الحديث يدل عليه. وفي رواية
النسفي قال بعضهم: بَعث إليّ، وقال بعضهم: هو ردّ. قال ابن قرقول: بل له وجه
في العربية. وفي كتاب ابن عبدوس: أهدى إليَّ النبي ◌َّر .

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٢- باب عَوْنِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي وَلَدِهِ
٥٣٦٧- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
رضي الله عنهما قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتِ - أَوْ تِسْعَ بَنَاتِ - فَتَزَوَّجْتُ أَمْرَأَةً
ثَيِّبَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ مَله: («تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: ((بِكْرًا أَمْ
ثَيًِّا)). قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبَا. قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا
وَتُضَاحِكُكَ!)). قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنَّ كَرِهْتُ أَنْ
أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ أَمْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. فَقَالَ: ((بَارََكَ اللهُ [لَكَ])).
أَوْ [قَالَ] خَيْرًا. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧٥١ - فتح: ٩ / ٥١٣]
ذكر فيه حديث جابر: رضي الله عنه أن عبد الله هَلَكَ وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ
- أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ - وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيتَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ
عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. فَقَالَ: ((بَارََكَ اللهُ لَكَ)). أَوْ قَالَ ((خَيْرًا)).
وقد سلف، وعون المرأة زوجها في (ولده من غيرها)(١) ليس
بواجب عليها، وإنما هو من حسن الصحبة وجميل المعاشرة، ومن
سير صالحات النساء وذوي الفضل منهن مع أزواجهن، وقد سلف
هل تلزم المرأة خدمة زوجها قبل، فراجعه.
(١) في الأصل: (ولدها من غيره) والمثبت من (غ).

٥٣
- كِتَابُ النَّفَقَاتِ
١٣- باب نَفَقَةِ المُعْسِرِ عَلَى أَهْلِهِ
٥٣٦٨- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ
مُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َ رَجُلٌ فَقَالَ:
هَلَكْتُ. قَالَ: ((وَلِمَ؟)). قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: ((فَأَعْتِقْ رَقَبَةً). قَالَ:
لَيْسَ عِنْدِي. قَالَ: ((فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ)). قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: ((فَأَطْعِمْ سِتِّينَ
مِسْكِينًا)). قَالَ: لَا أَجِدُ. فَأْتِ النَّبِيُّ نَّه بِعَرَقٍ فِيهِ ثَمْرٌ، فَقَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟)). قَالَ:
هَا أَنَا ذَا. قَالَ: (تَصَدَّقْ بهذا)). قَالَ: عَلَى أَخْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟!، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ
بِالْحَقٌّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتِ أَحْوَجُ مِنَّ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ:
(فَأَنْتُمْ إِذَا)). [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح: ٥١٣/٩].
ذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في المجامع في رمضان.
وقد سلف أخذًا من قوله لما أمره بالتصدق بالعرق. وقوله: (على
أحوج منا).
وقوله: ( ((فأنتم إذًا))). وجاء في موضع آخر: ((فأطعمه أهلك)) وأراد
البخاري به إثبات نفقة المعسر على أهله، ووجوبها عليه، وذلك أنه العلياهي:
أباح له إطعام أهله بوجود العرق من التمر، ولم يقل له أن ذَلِكَ يجزئك
عن الكفارة؛ لأنه قد تعين عليه فرض النفقة على أهله بوجود العرق وهو
ألزم من الكفارة.
وزعم الطبري أن قياس قول أبي حنيفة والثوري أن الكفارة دين عليه
لا يسقطها عنه عسره، وهو قول مالك وعامة العلماء، وأصلهم أن كل
ما لزم أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة. واحتج بعضهم بقوله:
هلكت. على أنه كان متعمدًا؛ لأنه لو كان ناسيًا لم يقل: هلكت،
وقيل: إنه لما دفع إليه العرق كان محتاجًا لم يجز له أن يتصدق به؛

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
لأن أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، فلما أكل منه قوت يومه فنقص
فلم يُجْزِه فأكله. وثبتت الكفارة عليه. واختلف فيمن أتى أهله ناسيًا فقال
مالك والشافعي: لا كفارة عليه(١) وقال عنه ابن نافع وابن الماجشون
عليه كفارة(٢) واحتج بالحديث؛ إذ لم يتبين هل هو عمد أو نسيان.
وقوله: ( ((فأعتق رقبة)) قال: ليس عندي. قال: ((فصم شهرين
متتابعين)) ) ظاهره أنه على الترتيب، وهو مذهب الشافعي(٣)، وبه قال
ابن حبيب، وقال مالك على التخيير واستحب الإطعام (٤).
وقوله: ( ((فأطعم ستين مسكينًا)) ) هو عند مالك لكل واحد مد(٥)
ككفارة اليمين، وعند أبي حنيفة نصف صاع من بر (٦).
والعرَق بفتح الراء على الأشهر هو الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا
إلى عشرين. وقد فسره في الحديث بالمكتل وهو نحو منه، والمكتل
كالقفة والزَّنبيل، وضبطه بعضهم بالسكون وصحح وأنكر، والأشهر
الأول جمع عرقه، وهي الضفيرة التي يماط منها القفة، وأما بالسكون
فهو العظم عليه بقية اللحم، يقال: عرقته مجتمعًا. واعترقته وتعرقته:
إذا أكلت ما عليه بأسنانك، وقال ابن فارس: هو المضفور بالخوص
قبل أن يصير زنبيلًا.
(١) ((المدونة)) ١٨٥/١ ((الأم)) ٨٥/٢.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٩/٢.
(٣) أنظر ((البيان)) ٥٢٠/٣.
(٤) انظر: ((التفريع)) ٣٠٧/١.
(٥) انظر: ((المدونة)) ١٩١/١.
(٦) أنظر: ((المبسوط)) ١٦/٧.

٥٥
كِتَابُ النّفَقَاتِ
=
وقوله: (فيه تمر) قد سلف أنه خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، وهو
ما في ((الموطأ))(١) ورواه ابن حبيب عن مالك، وروت عائشة: عشرون
صاعًا (٢). وقيل: إنه كلمة حزر وتقدير، والظاهر أنه خمسة عشر صاعًا
فقط .
وقوله: (فضحك حَتَّى بدت أنيابه). أي: ظهرت، ولعل سببه أنه
وجبت عليه الكفارة ليخرجها فأخذها فحملها، وهو مع ذَلِكَ غير آثم،
وهذا من تطول(٣) ربِّنَا وامتنانه.
وهل يكون أكله له يجزئ عن كفارته؟ قال الزهري: إنه خصوص
له، وقيل: لا.
وإنما يتبلغ به من الحاجة وتبقى في ذمته، وهو الأظهر عندنا،
وقيل: لما دفعه إليه كان محتاجًا فلم يجز له أن يتصدق به؛ لأن
أفضل الصدقة ما كان على ظهر غنى، فلما أكل منه قوت يومه نقص
كما سلف فلم يُجْزه فأكله وثبتت في الذمة، وهذا كله سلف فلا بأس
بإعادته؛ لبعد العهد به .
(١) ((الموطأ)) ص ١٩٨.
(٢) رواه أبو داود (٢٣٩٥).
(٣) الطّوْل: المَنُّ، وقيل: الفضل والعلو على الأعداء.
انظر: ((مجمل اللغة)) ٥٩٠/١، ((النهاية في غريب الحديث)) ١٤٥/٣.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٤- باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وهَّلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْهُ شَىء؟ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا
أَبْكَمُ﴾ الآية
٥٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
زَيْنَبَ ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي
سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، لَكِ
[انظر: ١٤٦٧ - مسلم: ١٠٠١ - فتح: ٩ / ٥١٤]
۵
عَلَيْهم
.((
أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ
٥٣٧٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: قَالَتْ هِنْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ،
فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آَخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: ((خُذِي بِالْمَعْرُوفِ)).
[انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٥١٤/٩]
ثم ساق حديث أم سلمة رضي الله عنهما: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ
لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا
وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ)).
وقد سلف في الزكاة، وحديث هند (١) السالف.
اختلف العلماء في تأويل قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ فعن
ابن عباس عليه أن لايضار، وهو قول الشعبي ومجاهد والضحاك
ومالك، قالوا: عليه أن لايضار، ولا غرم عليه (٢).
وقالت طائفة: ما كان على الوارث من أجرة الرضاع إذا كان الولد
لا مال له. ثم اختلفت هذِه الطائفة في مَن الوارث الذي عناه الله تعالى
(١) ورد بهامش الأصل: تقدم في حاشية الورقة التي قبل هذِه أن فيه تجوزًا.
(٢) أنظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ١٨٩/٤، ١٩٠، وانظر: ((المدونة)) ٢٥٢/٢.
44

٥٧
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
في الآية على أقوال: فقالت طائفة: هو كل وارث للأب، أخًا كان
أو عمَّا أو ابن عمَّ أو ابن أخ،
روي هذا عن الحسن البصري قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكُ﴾ على
الرجال دون النساء(١). وقال آخرون: هو مِن ورثته مَن كان ذا رحم
محرم للمولود، فأما مَن كان ذا رحم وليس بمحرم كابن العم والمولى
فليس ممن عناه الله بالآية، هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال
آخرون: هو المولود نفسه.
روي عن قبيصة بن ذؤيب والضحاك وتأولوا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾:
المولود، ما كان على المولود له. (٢) وقال آخرون: الباقي من والدي
المولود بعد وفاة الآخر منهما، وهذا يوجب أن تدخل الأم في الورثة
الذين عليهم أجر الرضاع، فيكون عليها رضاع ولدها واجبًا إن لم
يترك أبوه مالًا، روي هذا عن زيد بن ثابت قال: إذا خلف أُمَّا أو عمَّا
فعلى كل واحد منهما رضاعة بقدر ميراثه. وهو قول الثوري(٣)، وإلى رد
هذا القول أشار البخاري بقوله: وهل على المرأة منه شيء؟
وتلا الآية الكريمة يعني: من رضاع الصبي ومؤنته، فذكر قوله
تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾،
وشبه منزلة المرأة من الوارث بمنزلة الأبكم الذي لا يقدر على النطق
من المتكلم وجعلها كلا على من يعولها .
وذكر حديث أم سلمة، والمعنى فيه أن أم سلمة كانت لها أبناء من
أبي سلمة ولم يكن لهم نفقة، فسألت رسول الله و ﴿ إن كان لها أجر في
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٩٠/٤ (١٩١٥٣).
(٢) رواه عنهما ابن جرير في ((تفسيره)) ٥١٥/٢ (٥٠١٠- ٥٠١١).
(٣) رواه ابن جرير ٥١٥/٢-٥١٦.

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الإنفاق عليهم مما يعطيها رسول الله ﴿ ﴿، فأخبرها أن لها أجرًا في ذَلِكَ،
فدل أن نفقة بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل له: ولست
بتاركتهم، لبَيّن لها أن نفقتهم واجبة عليها سواء تركتهم أو لم تتركهم.
وأما حديث هند فإنه القيمة أطلقها على أخذ نفقة بنيها من مال الأب،
ولم يوجبها كما أوجبها على الأب. فاستدل البخاري أنه لم يلزم
الأمهات نفقة الأبناء في حياة الآباء، فكذلك لا يلزمهن بموت الآباء.
وحجة أخرى: وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَُّ رِزْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُهُنَّ﴾
بين أكل ورضاع الأبناء، فكيف يعطين بأول الآية وتجب عليهن نفقة
الأبناء في آخرها .
وأما من قال ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ هو الولد فيقال له: لو أريد
بذلك الولد لقال تعالى: وعلى المولود مثل ذلك، فلما قال ﴿وَعَلَى
اُلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ وكان الوارث اسمًا عامًّا يقع على جماعة غير الولد
لم يجز أن يخص به الولد ويقتصر عليه دون غيره إلا بدلالة بينة
وحجة واضحة.
وأما قول أبي حنيفة في إيجابه رضاع الصبي ونفقته على كل ذي
رحم مَحْرم مثل أن يكون له ابن أخت صغير محتاج، وابن عم
كذلك، وهو وارثه، فإن النفقة تجب على الخال لابن أخته الذي
لا يرثه، ويسقط عن ابن العم لابن عمه الذي يرثه.
قال إسماعيل بن إسحاق: فقالوا قولًا ليس في كتاب الله، ولا يعلم
أحد قاله، وإنما أوجب بعضهم الرضاعة على الوارث؛ لما تأول من
القرآن، وأسقط بعضهم ذلك عنه لما تأول أيضًا، وهم الذين قالوا:
على الوارث ألا يضار ولا غرم عليه، فأخذ النفقة على كل رحم

٥٩
للَّفَقَاتِ
كِتَابُ النّهَ
=
محرم، فليس في قولهم تأويل للقرآن، ولا أتباع الحديث، ولا قياس
على أصل يرجع إليه، ومذهب مالك في هذا الباب: أنه لا تجب
نفقة الصغير إلا على الأب خاصة، وهو المذكور في قوله: ﴿وَعَلَى
الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾، وقوله: ﴿فَاثُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فلما وجب على الأب
الإنفاق على من يرضع أنه وجب عليه النفقة على ولده إذا خرج من
الرضاع ما دام صغيرًا، ووجب أن يغذى بالطعام كما كان يغذى
بالرضاع، ولم تجب النفقة على الوارث لما في تأويل الآية من
الاختلاف، وليس مجراهم في النظر مجرى الأب؛ لأن الأب وجب
عليه رضاع ولده حين وُلِدَ، ولم يجب على غيره من ورثته، فلا يرجع
ذَلِكَ عليهم بعد، إن لم يكن واجبًا في الأصل إلا بحجة، وكان يجب
على قولهم: إذا مات الرجل عن امرأته وهي حامل ولم يخلف مالًا
أن يلزموا العصب النفقة على المرأة من أجل ما في بطنها، وكان
يجب على مذهب أبي حنيفة أن يُلْزِموا كل ذي رحم مَحْرم النفقة على
هُذِهِ الأم؛ من أجل ما في بطنها كما يُلزمون أجر رضاعه إذا وضعته
أمه؛ لأنهم إنما كانوا يلزمون الرحم النفقة على الأم التي ترضع
المولود؛ من أجل المولود (١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٥٤٨/٧-٥٤٩.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
١٥- باب قَوْلُ النَّبِيّ
عَالَله:
وسلم
((مَنْ تَرَكَ كَلَّا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ)
٥٣٧١- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى
عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ ((هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟)). فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءَ صَلَّى، وَإِلَّ
قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)). فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ القُتُوحَ قَالَ: ((أَنَا
أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرََكَ دَيْنَا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ،
وَمَنْ تَرََكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ)). [انظر: ٢٢٩٨ - مسلم: ١٦١٩- فتح: ٩/ ٥١٥]
ذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ كَانَ يُؤْتَی
بِالرَّجُلِ المُتَوَقَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، .. الحديث. وفي آخره: (فمن توفي من
المؤمنين وترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته).
هذا الحديث سلف في الكفالة.
والكَلُّ في اللغة: بفتح الكاف: العيال والثقل، قاله ابن فارس(١)،
والضياع: بفتح الضاد مصدر ضاع الشيء يضيع ضياعًا إذا ذهب(٢).
(١) ((المجمل)) ٢/ ٧٦٥.
(٢) ((المجمل)) ٥٧٠/١.