النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كِتَابُ الطَّلَاق
وعبدة -بفتح العين والباء المفتوحة أيضًا - شهد بدرًا، ووالد عبدة
مغيث بغين معجمة وثاء مثلثة كذا عند الدارقطني وابن ماكولا(١)،
وضبطه النووي بعين مهملة، ثم مثناة فوق، ثم موحدة (٢).
والجَدُّ بفتح الجيم وتشديد الدال ابن العجلاني بن حارثة -بحاء
مهملة- ابن ضبيعة البلوي العجلاني.
شهد شريك مع أبيه أحدًا، وقال الكلبي: أبوه الذي شهد أحدًا،
وأما هو فلم يشهدها .
قال ابن سعد: وكان شريك عند الناس بحال سوء بعد، ولم يبلغنا
أنه أحدث توبة ولا نزع. وقال أبو نعيم الحافظ: لم يكن أسمه شريكًا
إنما كان بينه وبين ابن السحماء شركة(٣).
فصل :
نقل القرطبي عن الشافعي أنه لا حد للرامي زوجته إذا سمى الذي
رماها به ثم التعن، ورأى أنه التعن لهما. وعند مالك أنه يحد ولا يكتفي
بالتعانه؛ لأنه إنما التعن للمرأة ولم يكن له ضرورة إلى ذكره، بخلاف
المرأة؛ فهو إذًا قاذف فيحد، قال: واعتذر بعض أصحابنا عن حديث
شريك بأنه كان يهوديًّا، وأيضًا فلم يطلب شيئًا من ذلك وهو حقه فلا
متعلق في الحديث(٤). قلت: الأول باطل كما عرفته.
قال الرازي: كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات الجلد. والدليل
عليه قوله في الحديث: ((البينة وإلا حد في ظهرك))، فثبت بذلك أن حد
(١) ((المؤتلف والمختلف)) ٢٠٧٢/٤، ((الإكمال)) ٤١٥/٧.
(٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٤٤/١.
(٣) ((معرفة الصحابة)) ١٤٧٥/٣.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٣٠٠-٣٠١.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن الأزواج الجلد
باللعان لهذا الحديث(١).
فصل :
جاء في الحديث أنها موجبة، أي: توجب العذاب، وجاء أنها
تلكأت، أي: أبطأت عن إتمام اللعان، وأنها نكصت، أي: رجعت.
فصل :
نقل أبو بكر الرازي عن ابن المسيب ومالك والحسن بن صالح
والليث والشافعي أي منهما نكل حُدَّ، إن كان الزوج للقذف، وإن
كان المرأة للزنا، وعن مكحول والضحاك والشعبي: إذا أبت رجمت.
وعن أبي حنيفة وأصحابه أيهما نكل حبس حتى يلاعن؛ لأن اسم
العذاب لا يختص بنوع من الإيلام. قال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا
شَدِيدًا﴾ [النحل: ٢١]: قالوا: بحبسه (مع)(٢) غير جنسه، وقال الطّئة:
((السفر قطعه من العذاب))(٣).
وزعم أصحاب أبي حنيفة: أن لا لعان بنفي الحمل؛ لأنه يجوز
ألا يكون حملًا؛ لأن ما يظهر من المرأة مما يوهم أنها حامل لا يعلم
أنه حمل حقيقة، إنما هو توهم، ونفي التوهم لا يوجب اللعان، وقد
سلف الرد عليهم من كلام الشافعي، قالوا: فإن قيل: قد روي أنه
التَّ لا عن بالحمل، قيل له: هذا حديث مختصرٌ اختصره راويه فغلط
فيه، وأصله حديث عويمر المذكور قبل، وهو عجيب منهم.
(١) ((أحكام القرآن)) ٤١٨/٣.
(٢) في هامش الأصل: في الأصل: (من).
(٣) ((أحكام القرآن)) ٤٣٣/٣-٤٣٤ والحديث سبق برقم (١٨٠٤).

٤٦٣
ـ كِتَابُ الطَّلَاقِ
قالوا: فإن قيل: قوله التّ: ((إن جاءت به)) كذا فهو لزوجها وإن
جاءت به كذا فهو لفلان. دليل على أن الحمل هو المقصود بالقذف
واللعان. قالوا: قيل له: لو كان اللعان بالحمل لكان منفيًّا عن
الزوج، غير لاحق به أشبه أو لم يشبه.
ألا ترى أنها لوكانت وضعته قبل أن يقذفها نفى ولدها، فكان أشبه
الناس به أنه يلاعن بينهما ويفرق، ويلزم الولد أمه، ولا يلحق بالملاعن
لشبهه، وفي هذا دليل على أن اللعان لم يكن ينفي الولد حال كونه
حملًا، وهذا أعجب من الأول.
قالوا: وقد سلف حديث: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني
أنكره. فلما لم يرخص له في نفيه لبعد شبهه منه، وكان الشبه غير
دليل، ثبت أن جعله الكلية ولد الملاعنة من زوجها إن جاءت به على
شبهه دليل على أن اللعان لم يكن نفاه.
قلت: ذاك الحديث لا لعان فيه والفراش قائم، ثم قالوا: فإن قيل:
قوله القلّة: ((الولد للفراش)) فيه دلالة على أن نفي الولد لا يوجب
اللعان، قيل: قد سلف التفريق بينهما وإلزام الولد أمه، قالوا: وهي
سنة لا نعلم شيئًا نسخها ولا عارضها. قال: وعلى هذا إجماع
الصحابة ومن بعدهم(١).
فصل :
قوله: (فكره رسول الله ◌َ﴿ المسائل وعابها)، يحتمل أن تكون
الكراهة لكثرة المسائل، ويحتمل أن تكون لقبح هذِه المسألة، أو كره
السؤال عما لا حاجة إليه، فأما ما كان سؤالًا على وجه التبيين
(١) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ٩٩/٣-١٠٥ بتصرف.

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والتعليم من أمر الدين فلا بأس بها، وقد كان العليّه يُسأل عن الأحكام فلا
يكره ذلك. وقيل: كره قذف الرجل امرأته ورميها من غير بينة.
فصل :
وفيه: الاستفهام بـ (أرأيت) عن المسائل وكان قديمًا.
وفيه: قبول خبر الواحد.
فصل :
قوله: (أيقتله فتقتلونه). يلزم منه أنه إن قتله لم يكن فيه قصاص
ولا غيره، وقد عضده قول سعد: لو رأيته ضربته بالسيف. لم ينكر
الكفيف، بل صوبه بقوله: (تعجبون من غيرة سعد))، ولهذا قال أحمد:
يهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين(١)، واختلف أصحاب مالك في
ذلك، فقال ابن القاسم: يهدر دمه إذا قامت البينة محصنًا كان أو غير
محصن، واستحب الدية في المحصن.
وقال ابن حبيب: إن كان محصنًا فهو الذي ينجي قاتله البينة(٢). وقد
أختلف عن عمر في هدر دم من قتل هكذا، وقد سلف ما فيه، وعن علي
يقاد منه، وأما إذا لم يأت ببينة فإنه يقتل به ولا يقبل قوله عند الجمهور.
وقال الشافعي وأبو ثور: يسعه فيما بينه وبين الله إذا كان محصنًا(٣)،
والبينة أربع عدول، فيشهدون على نفس الزنا. وقيل: يجب على كل من
قتل زانيًا محصنا القصاص مالم يأمر السلطان بقتله.
(١) ((مسائل أحمد وإسحاق)) برواية الكوسج ٤٣٤/١ (١١٢٩).
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٦٤/١٤، ((المنتقى)) ٢٨٥/٥، (البيان والتحصيل))
١٦/ ٢٧٣.
(٣) ((الأم)) ٢٦/٦.

٤٦٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ
-
فصل :
اختلفوا في العبد تكون تحته الحرة، أو الحر تكون تحته الأمة هل
بينهما تلاعن؟ فقال إبراهيم والشعبي - فيما ذكره ابن أبي شيبة -: إذا
كانت أمة تحت حر فقذفها لا يُضرَب ولا يلاعن، وإذا كانت الحرة
تحت العبد فقذفها، قال الحكم وحماد: ليس بينهما تلاعن ويجلد،
وقاله أيضًا عطاء وعامر بزيادة، و(يلزم)(١) به الولد(٢)، وهو قول أبي
حنيفة.
فصل :
وإذا قذف زوجته ثم مات قبل الملاعنة، فقال عطاء وإبراهيم:
يتوارثان ما لم يلتعنا، زاد عطاء: وتجلد، وقال عكرمة: إن كذب
نفسه جُلد وورثها، وإن أقام شهودًا ورث، وإن حلف لم يرث(٣).
وقال أبو الشعثاء: إذا مات أحدهما قبل الملاعنة إن أقرت المرأة
رجمت وصار إليها الميراث وإن التعنت ورثت، وإن لم تقر بواحد
منهما فلا ميراث لها ولا عدة عليها، وعن الزهري إذا قذفها ثم ماتت
يرثها زوجها ولا ملاعنة بينهما .
وعن الشعبي: إذا قذفها ثم ماتت قبل أن يلاعنها فإن شاء أكذب
نفسه وورث، وإن شاء لاعن ولم يرث(٤) وقال الحسن: إذا قذف
امرأته وهي صغيرة فلا حد ولا لعان(٥).
(١) كذا في الأصول، وفي ابن أبي شيبة: (يلزق).
(٢) ابن أبي شيبة ٥٠٥/٥ -٥٠٦.
(٣) ابن أبي شيبة ١٩٠/٤-١٩١.
(٤) انظر هذِه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٩٠/٤-١٩١.
(٥) ((ابن أبي شيبة)) ١٩٨/٤ (١٩٢٢٨).

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ولما سَأَلَ حنبل أبا عبد الله عن حديث سفيان، عن خالد، عن
عكرمة، عن ابن عباس في النصرانية إذا أسلمت تحت نصراني قال:
يفرق بينهما. ولا يلاعن نصراني مسلمة، قال أبو عبد الله: اضرب
على: لا يلاعن نصراني مسلمة، فإني أراه من كلام سفيان، ليس هو
من الحديث. قلت: فالذي تراه؟ قال: أرى أنه يلاعنها؛ لأنها زوجة
وإليه ذهب أبو حنيفة.
قال أبو عمر: وله في ذلك حجج لا تقوم على ساق، منها حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: ((لا لعان بين مملوكين
ولا كافرين)) وليس دون عمرو من يحتج به(١).
فصل :
صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يحد في التعريض بالقذف، وهو
قول مالك وعنده: إذا قذف أمرأة برجل سماه ليس على الإمام أن يعلم
المقذوف، وهو أحد قولي الشافعي محتجين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُواْ﴾
[الحجرات: ١٢]؛ ولأن العجلاني رمى امرأته بشريك فلم يبعث الشارع له
ولا أعلمه(٢) .
وقد أسلفنا عن مقاتل خلاف ذلك. وقالت طائفة: عليه أن يعلمه؛
لأنه حق آدمي حكاه أبو عمر وعزاه للشافعي لقوله العَيْه: ((واغد يا أنيس
على أمرأة هذا فإن اعترفت فارجمها))، وقال مالك: إن ذكر المرمي به
في لعانه حُدّ له، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه قاذف لمن لم يكن له
ضرورة إلى قذفه.
(١) ((التمهيد)) ٦/ ١٩٢.
(٢) ((الأم)) ١١٤/٥.

٤٦٧
=
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وقال الشافعي: لا حد عليه كما سلف؛ لأن الله لم يجعل على من
رمى زوجته بالزنا إلا واحدًا ولم يفرق بين من ذكر رجلًا بعينه وبين من لم
يذكر. وقد رمى العجلاني زوجته بشريك، وكذا هلال بن أمية فلم يحدّ
أحد منهما(١).
فصل :
وفيه: أن في طباع البشر أن تكون الغيرة تحمل على سفك الدماء
إلا أن يعصم الله عن ذلك بالحلم والتثبت.
فصل :
وفيه: أن العالم إذا كره السؤال أن يعيبه ويهجنه.
وفيه: أن من لقي شيئًا من المكروه بسبب غيره أن يؤنب صاحبه
الذي لقي المكروه بسببه ويعاتبه.
وفيه: أن المحتاج إلى المسألة من مسائل العلم لا يردعه عن
تفهمها غضب العالم وكراهته لها حتى يقف على الثلج منها، وفيه أن
السؤال عما يلزمه علمه من الدين أوجب في المحافل وغيرها، فإنه
لا حياء يلزم فيه، ألا ترى إلى قوله: (فأقبل عويمر حتى أتى وسط
الناس).
فصل :
وفيه: التلاعن في المسجد الجامع، وقد ترجم له بعد، واستحب
جماعة أن يكون بعد العصر، وفي أي وقت كان في المسجد الجامع
أحرى.
وفيه: أن للعالم أن يؤخر الجواب إذا لم يحضره.
(١) ((التمهيد)) ١٨٩/٦-١٩٠.

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: أن القرآن لم ينزل جملة، وأما نزوله إلى السماء الدنيا فنزل
کله(١).
فصل :
اختلف هل للزوج أن يلاعن مع شهوده؟
فقال مالك والشافعي: يلاعن كان له شهود أم لا؛ لأن الشهود ليس
لهم عمل في غير درء الحد، وأما رفع الفراش لنفي الولد فلا بد فيه من
اللعان .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنما جعل اللعان للزوج إذا لم يكن له
شهود غیر نفسه(٢).
فصل :
قال ابن القاسم عن مالك: إن كيفية اللعان أن يحلف أربع مرات،
يقول: أشهد بالله لرأيتها تزني وإن نفى حملها يقول: ولقد استبرأتها
وما الحمل مني. والخامسة يذكر فيها اللعنة. وتقوم هي فتقول: بالله
ما رآني أزني، وإن حملي لمنه .. إلى آخر اللعان(٣).
وقال الشافعي: يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به
زوجتي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن كانت حاضرة، يقول ذلك أربع
مرات، ثم يعظه الإمام، فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه
ويقول: إن اللعنة موجبة (٤).
(١) أنظر ما سبق في ((التمهيد)) ٦/ ١٩٠-١٩١.
(٢) أنظر: ((المبسوط)) ٥٤/٧-٥٥، ((التمهيد)) ١٩٩/٦.
(٣) ((المدونة)) ٣٣٦/٢.
(٤) ((الأم)) ٢٧٩/٥.

٤٦٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
قال أبو عمر: وكان مالك يقول: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك
تزني، أو ينفي حملًا أو ولدًا منها، ووافقه يحيى بن سعيد وأبو الزناد
والليث وعثمان البتي أنها لا تجب إلا بالرؤية أو نفي الحمل مع
دعوى الاستبراء، وعندهم إذا قال لزوجته: يا زانية جلد الحد،
وحجتهم قائمة من الآثار، منها قوله: (أرأيت رجلا وجد مع أمرأته
رجلًا). ومنها حديث أبي داود عن هلال: يا رسول الله: رأيت بعيني
وسمعت بأذني(١). فلا يجوز تعدي ذلك(٢).
(١) أبو داود (٢٢٥٦). وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٨٨).
(٢) ((التمهيد)) ٢٠٤/٦-٢٠٥.

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٠- باب التَّلَاعُنِ في المَسْجِدِ
٥٣٠٩- حَدَّثَنَا يَخْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن
شِهَابٍ عَنِ الملَاعَنَةِ وَعَنِ السُّنَّةِ فِيهَا، عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ أَنَّ
رَجُلًا مِنَ الأَنَّصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ بَلّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَنْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ
أَمْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِي شَأْنِهِ مَا ذَكَّرَ فِي القُرْآنِ مِنْ أَمْرِ
المُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((قَدْ قَضَى اللهُ فِيَكَ وَفِي أَمْرَأَتِكَ)). قَالَ: فَتَلَاعَنَا في
المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا
ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ لَيهِ حِينَ فَرَغَا مِنَ التَّلَاعُنِ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ وَّه
فَقَالَ: ((ذَاَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ)).
قَالَ ابن ◌ُرَيْجٍ: قَالَ ابن شِهَابٍ: فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المَلَاعِنَيْنِ،
وَكَانَتْ حَامِلًا، وَكَانَ ابنهَا يُدْعَى لأُمَّهِ. قَالَ: ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَبَرِثُ
مِنْهَا مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ. قَالَ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ في
هذا الحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا
أُرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا
أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا)). فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى المَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ. [انظر: ٤٢٣- مسلم:
١٤٩٢ - فتح: ٩ / ٤٥٢]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ
جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ
رَجُلًا .. الحديث، وفيه: فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ، فَلَمَّا فَرَغَا
قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ
يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ حِينَ فَرَغَا مِنَ التَّلَاعُنِ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ رسول الله
وِِّ، فَقَالَ: ((ذَاَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنٍ)). قَالَ ابن جُرَيْجِ: قَالَ ابن
شِهَابٍ: فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ كل مُتَلَاعِنَيْنٍ، وَكَانَتْ

٤٧١
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
حَامِلًا، وَكَانَ ابنهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ. قَالَ: ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَائِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ
وَيَرِثُ مِنْهَا بقدر مَا فَرَضَ اللهُ لَها. قَالَ ابن جُرَيْجِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ فِي هُذا الحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((إِنْ جَاءَتْ
بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ
جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إِلَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا)). فَجَاءَتْ
بِهِ عَلَى المَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ.
فيه: ما ترجم له أن سنة اللعان أن يكون في المسجد كما أسلفت
الحدیث قبله.
وفيه: دلالة على أنه ينبغي لكل حاكم من المسلمين أن يستخلف من
أراد استخلافه على عظيم من الأمر كالقسامة على الدين، وعلى المال
ذي القدر، والخطر العظيم، ونحو ذلك في المساجد العظام، وإن كانا
بالمدينة فعند منبرها، وإن كانا بمكة فبين الركن والمقام، وإن كانا ببيت
المقدس ففي مسجدها ثم في موضع الصخرة، وإن كانا ببلدٍ غيرها ففي
جامعها وحيث يعظم منها .
وإنما أمرهما الَّ باللعان في مسجده لعلمه أنهما يعظمانه فأراد
التعظيم عليهما ليرجع المبطل منهما إلى الحق، (وينحجز)(١) عن
الأيمان الكاذبة، وكذلك أيضًا إذا كان لعانهما بعد العصر لعظم
اليمين الكاذبة في ذلك الوقت.
وقال الشافعي: يلاعن في المسجد إلا أن تكون حائضًا فعلى باب
المسجد(٢).
(١) من (غ).
(٢) ((الأم)) ٢٧٦/٥-٢٧٧.

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال الطبري: ولست أقول إن لاعن بينهما في مجلس نظره أو حيث
كان من الأماكن وفي أي الأوقات: إنه مضيع فرضًا، أو مدخل بذلك من
فعله في اللعان فسادًا (١)، وعن أبي حنيفة يجوز أن يكون في غير
المجلس. وقال عبد الملك: يكون عند الإمام.
فصل :
وقوله: (وكانت حاملًا) ظاهر في اللعان عليه، وقد سلف اختلافهم فيه .
قال ابن بطال: اختلفوا في الرجل ينتفي من حمل زوجته، فقالت
طائفة: له أن يلاعن إذا قال: ليس هو مني، وقد استبرأتها قبل
الحمل. وينتفي عنه الولد. وهو قول مالك.
وقال ابن أبي ليلى: يجوز اللعان بنفي الحمل، وبه قال الشافعي،
ولم يراع أستبراء، وزعم أن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم وتلد مع
الاستبراء. وقال أبو حنيفة والثوري وزفر: إذا قال لامرأته: ليس هذا
الحمل مني سواء كان استبرأها أم لا لم يكن قاذفًا. وبه قال ابن
الماجشون.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن جاءت بالولد بعد ما قال لستة أشهر
لا عن أو لأكثر فلا(٢)، أحتج من لم يوجب اللعان عليه أنه لا يقطع به
لجواز أن يكون ريحًا، فلا لعان إلا بيقين، حجة المجيز حديث
الباب: (وكانت حاملًا). ألا ترى قوله: ((إن جاءت به)) كذا إلى
آخره، وقول الكوفيين يخالفه فلا يلتفت إليه.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٧ /٤٦٩.
(٢) أنظر هذه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥١٠/٢، ((المبسوط)) ٤٤/٧-
٤٥، ((الاستذكار)) ٢٢٠/١٧، ابن بطال ٤٦٩/٧، ((الأم)) ١١٧/٥، ((الإشراف))
٢٣٤/١.

٤٧٣
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وأما فساده من جهة النظر فإن اللعان وضع بين الزوجين
لمعنى، وهو أن لا يلحق به ولد ليس منه، فالضرورة داعية إلى
حصول اللعان في هذِه الحال، وقد جعل اللعان لدفع العار عما
يلحقه فهو محتاج إليه.
وقد زعم أبو حنيفة أن رجلًا لو اشترى جارية فوجدها حاملًا أن
ذلك عيب ترد به، فإن كان الحمل لا يوقف عليه فكيف يرد لانتفاء
العلم به، وإن كان يوقف عليه فيلاعن.
فصل :
قوله: ( ((إن جاءت به أحمر))) إلى آخره فيه المنع من الحكم على
عباده بالظنون والتهم كما سلف، وأنه جعل الأحكام بينهم على ما ظهر
دون ما بطن، وأنه وكل الحكم في سرائرهم وما خفي من أمورهم إليه
دون سائر خلقه، وأنه لو كان لأحد من ذي سلطان أو غيره أخذ أحد
بغير الظاهر لكان أولى الناس بذلك سيد الأمة، لعلمه بكثير من
سرائرهم، ولكنه كان لا يأخذ أحدًا إلا بما ظهر من أمره وتبين للناس
منه، وكذلك كان يقبل ظاهر ما يبديه المنافقون ولا يأخذهم بما
يبطنون مع علمه بكذبهم، وكان يجعل لهم بظاهر ما يظهرونه من
الإقرار بتصديقه والإيمان بما جاء به من عند الله حكم الله في
المناكحة والميراث والصلاة عليهم إذا ماتوا وغير ذلك من الأمور،
فكذلك الواجب على كل ذي سلطان أن يعمل في رعيته مثل الذي
عمل به الشارع فيمن وصفت ممن كان يظهر قولًا وفعلًا من أخذ بما
يظهر من القول والعمل، دون أخذه بالظنون والتهم التي يجوز أن
تكون حقًّا، ويجوز أن تكون باطلًا.

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وفيه : - كما قال المهلب- أن الحاكم إذا حكم (بالسنة المخصوصة)(١)
ثم تبين له بدليل غيرُ ما ظهر إليه فيما حكم به أنه لا يرد ما حكم فيه
إلا بالنص، لا بما قام له من الدليل، ألا تراه بعد إن جاءت به على
المكروه لم يَحدَّها، وكذلك قام له الدليل من الشبه في ابن وليدة
زمعة، فلم يقض به لسعد بن أبي وقاص ولكن أمر سودة بالاحتجاب
منه، فحكم للشبه في عين الحكم المنصوص، ولم يعرض لحكم الله
بفسخ من أجل الدليل.
(وفيها أيضًا: أنه من أقتطع شيئًا من الحقوق بيمين كاذبة أن الله يلعنه
ويغضب عليه، كما جاء في الحديث، ألا ترى أنه قام الدليل على كذب
المرأة بعد يمينها بوضعها الصفة (المكروهة)(٢)، فكان ذلك هتك سترها
في الدنيا، وفضحها بين قومها التي عنها فرت، وهذا من العقوبات في
الدنيا، فكيف في الآخرة؟!)(٣).
فصل :
قوله: ( ((كأنه وحرة))) قد سلف بيانه في الباب قبله وأنها دويبة حمراء
كالعظاءة وكسام أبرص يلزق بالأرض، قال ابن فارس: هي دابة إذا دبت
على اللحم وحر(٤). أي: فسد، ومنه قيل: وحر الصدر يوحر وحرًا،
ذهبوا إلى لزوم الحقد بالصدر فشبهوه بإلزاق الوحرة بالأرض(٥).
وقوله: ( ((أحمر))) أي شديد الشقرة، والآلية بفتح الهمزة: العجز.
(١) كذا في الأصول: وفي ابن بطال: البينة المنصوصة.
(٢) كذا في الأصول، ولعل صوابها: المذكورة.
(٣) من (غ) وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٧٠ -٤٧١.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٩١٨/٢.
(٥) انظر: ((تاج العروس)) ٥٨٦/٧.

٤٧٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
٣١ - باب قَوْلِ النّبِيّ
(لَوْ كُنْتُ رَاحِمًا بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ))
٥٣١٠- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّهُ ذُكِرَ الَّلَاعُنُ عِنْدَ
النَّبِيِّ وَّةِ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٌّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ
يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ أَمْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمُ: مَا أَبْتُلِيتُ بهذا إِلَّ لِقَوْلِي.
فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ آَمْرَأَتَهُ - وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُضْفَرًّا
قَلِيلَ اللَّحْم سَبْطَ الشَّعَرِ ، وَكَانَ الذِي أَدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلَا آدَمَ كَثِيرَ
اللَّهُم - فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((اللَّهُمَّ بَيِّنْ)). فَجَاءَتْ شَبِيهَا بِالرَّجُلِ الذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ
وَجَدَهُ، فَلَاعَنَ النَّبِيُّ ◌َِّ بَيْتَهُمَا. قَالَ رَجُلٌ لايْنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ: هِيَ التِي قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِه؟)). فَقَالَ: لَا، تِلْكَ أَمْرَأَةٌ
كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ السُّوءَ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: خَدِلًا. [٥٣١٦،
٦٨٥٥، ٦٨٥٦، ٧٢٣٨ - مسلم: ١٤٩٧ - فتح: ٩/ ٤٥٤]
ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ
رسول الله وَلَّ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ أَنْصَرَفَ،
فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ
عَاصِمٌ: مَا أَبْتُلِيتُ بهذا إِلَّا لِقَوْلِي. فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِّ وََّ فَأَخْبَرَهُ
بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ أَمْرَأَتَهُ -وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْم سَبْطَ
الشَّعَرِ، وَكَانَ الذِي أُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ
اللَّحْم - فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((اللَّهُمَّ بَيِّنْ)). فَجَاءَتْ شَبِيهَا بِالرَّجُلِ الذِي
ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ، فَلَ عَنَ النَّبِيُّ بَّهِ بَيْنَهُمَا. قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ
فِي المَجْلِسِ: هِيَ التِي قَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ

٤٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
رَجَمْتُ هذِه؟)). فَقَالَ: لَا، تِلْكَ أَمْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ السُّوءَ.
قَالَ أَبُو صَالِحِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: خَدِلًا .
وترجم عليه أيضًا بعد باب: اللهم بين. فيه: أنه يبتلى الإنسان
بقوله، وذلك أن عاصم بن عدي كان قد قال عند رسول الله وَالّ أنه
لو وجد مع امرأته رجلًا لضربه بالسيف حتى يقتله، فابتلي بقوله برجل
من قومه ليريه الله كيف حكمه في ذلك، وليعرفه أن التسليط في
الدماء لا يسوغ بالدعوى ولا يكون إلا بحكم من الله ليرفع أمر الجاهلية.
فصل :
فيه: ما ترجم له وهو قوله: (لو كنت راجمًا بغير بينة)) في المرأة
التي كانت تعلن بالسوء، أي: لو كنت متعديًا حق الله فيها إلى ما قام
من الدلالة عليها لرجمتها؛ لبيان الدلائل على فسقها، ولكن ليس
لأحد أن يرجم بغير بينة فيتعدى الحدود، والرب جل جلاله أمر أن
لا تتعدى حدوده لِمَا أراد تعالى من ستر عباده.
فصل :
معنى قول: ((اللهم بين)) الحرص على أن يعلم من باطن المسألة
ما يقف به على حقيقتها، وإن كانت شريعة قد أحكمها الله في القضاء
بالظاهر، وإنما صارت شرائع الأنبياء يقضى فيها بالظاهر؛ لأنها
تكون سنة لمن بعدهم من آمِّيهم ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به
بواطن الأمور.
فصل :
الخدل: بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة: الغليظ
الممتلئ الساقين، وقوله: ((خدلج الساقين)) أي عظيمهما، وقد سلف

٤٧٧
كِتَابُ الطَلَاقِ
أيضًا، وهو ضد الحمش يقال: رجل حمشٍ الساقين إذا كان رفيعهما .
وقوله: ( ((آدم خدلًا كثير اللحم)) ) قال ابن التين: ضبط في بعض
الكتب بكسر الدال وتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديد اللام، وفي
بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب أهل اللغة، وكذا ضبط في
روايه أبي صالح وابن يوسف.
وقوله: ( ((كثير اللحم)) ) أي: ممتلئ. وعبارة ابن فارس: الخدلة:
الممتلئة الأعضاء(١). وعبارة الهروي: الخدل الممتلئ الساق (٢)،
وكذلك قال أبو عبد الملك.
فصل :
أخذ بهذا الحديث الشافعي على أن من رمى امرأته برجل سماه أنه
يلاعن، ولا يحد الرجل بذلك.
قال الداودي: لم يبلغ مالكًا هُذا ولو بلغه لقال به؛ لأنه أتبع الناس
للأثر، وانفصل لمالك بأن الرجل لم يأت رسولَ الله وَّ ولم يقم بحقه،
وقول مالك وأبي حنيفة: إنه يحد له، وإن لم يسم لم يحد له عند مالك
وأبي حنيفة، وللشافعي قول أنه يحد له.
فصل :
وقول ابن عباس: (تلك أمراة كانت تظهر السوء). قال الداودي:
فيه جواز الغيبة ممن يظهر السوء، وقد لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يذكرها
ولم يعينها، وفي الحديث: ((لا غيبة لمجاهر))(٣).
(١) ((المجمل)) ٢٧٩/١.
(٢) ((غريب الحديث)) ٢٦١/١.
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وقد روي ما يدل على معناه منها:
=

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقول عاصم: (ما ابتليت بهذا إلا لقولي). قال الداودي: لأنه
(قال)(١) لو وجدت لفعلت أو عيَّر فابتلي ذكر أن ابن سيرين عير رجلًا
بفلس ثم ندم، وانتظر العقوبة أربعين سنة ثم نزل به .
= ما رواه مؤمل بن إيهاب في ((جزئه)) ص ٩٩ (٢٧)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم
الأخلاق)) ٢٢ (١٠٢)، وابن حبان في ((المجروحين)) ١٥٧/٣، والقضاعي في
(مسند الشهاب)) ٢٦٣/١-٢٦٤ (٤٢٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) ٢١٠/١٠،
و((الشعب)) ١٠٨/٧-١٠٩ (٩٦٦٤)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٤٣٨/٨ من
طريق رواد عن أبي سعد، عن أنس مرفوعًا: ((من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له)).
قال مؤمل: فلما اختلط رواد رفع هذا الحديث ودلسوا علیه. اهـ
وقال البيهقي في ((الكبرى)): ليس بالقوي، وفي ((الشعب)): إسناده ضعيف. اهـ
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٥٨٥): ضعيف جدًا. اهـ
ورواه أيضًا ابن عدي في ((الكامل)) ٦٥/٢ (٢٠٣)، والخطيب في ((تاريخه))
١٧١/٤، وابن الجوزي في (العلل المتناهية)) ٢٩٥/٢-٢٩٦ (١٣٠١) من طريق
الربيع بن بدر عن أبان، عن أنس به.
قال ابن الجوزي: حديث باطل، فيه متروكان: الربيع وأبان. اهـ
ومنها ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الصمت)) ص ١٤٢ عن إبراهيم النخعي أنه
قال: ثلاث كانوا لا يعدونهن من الغيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق
المجاهر بفسقه.
وما رواه أيضًا ص١٤٦ عن الحسن: ثلاثة لا تحرم عليك أعراضهم: المجاهر
بالفسق، والإمام الجائر، والمبتدع.
وروي أيضًا ص ١٤٦ عن الحسن: إذا ظهر فجوره فلا غيبة له. وأيضًا ص ١٤٢ عن
زيد بن أسلم: إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي.
(١) من (غ).

٤٧٩
=
كِتَابُ الطَّلَاقِ
19
٣٢- باب صَدَاقِ المُلَاعَنَةِ
٥٣١١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ
قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ آَمْرَأَتَهُ فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ رَّ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي
العَجْلَانِ، وَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا، وَقَالَ:
(اللّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا. فَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ
أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)) فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي
عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الَحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالٍِ؟ قَالَ:
قِيلَ: ((لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ
مِنْكَ)). [٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠- مسلم: ١٤٩٣ - فتح: ٩/ ٤٥٦]
ذكر فيه حديث سعيد بن جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ
امْرَأَتَهُ فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ بَّهِ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: ((اللهُ
يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا، وَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ
أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). فَأَبَيَا. فَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ
أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)) فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ لِي
عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي الحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ قَالَ: قَالَ
الرَّجُلُ: مَالِي؟ قَالَ: قِيلَ: ((لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ
بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ)).
ثم ترجم له :

٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٣- باب قَوْلِ الإِمَامِ لِلْمُتَلَاعِنَيْ:
إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌّ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌّ؟
٥٣١٢- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرُو: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ
◌ُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عُمَرَ، عَنِ المُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ:
((حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)). قَالَ: مَالٍِ؟ قَالَ: ((لَا
مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهْوَ بِمَا أَسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ
كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاَكَ أَبْعَدُ لَكَ)). قَالَ سُفْيَانُ: حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍوٍ. وَقَالَ أَيُّوبُ: سَمِعْتُ
سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ لَعَنَ آَمْرَأَتَهُ، فَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ - وَفَرَّقَ سُفْيَانٌ
بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى -: فَرَّقَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: ((اللهُ
يَعْلَمُ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ سُفْيَانُ: حَفِظْتُهُ
مِنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ كَمَا أَخْبَرْتُكَ. [انظر: ٥٣١١- مسلم: ١٤٩٣ - فتح: ٩/ ٤٥٧]
ثم ساق من حديث سعيد بن جبير أيضًا قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ، عَنِ
المُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: ((حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ،
أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)). قَالَ: مَالِيٍ؟ قَالَ: (لَا مَالَ لَكَ،
إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهْوَ بِمَا أَسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ
عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ)).
قال سفيان الراوي عن عمرو بن دينار الراوي عن سعيد: حَفِظْتُهُ مِنْ
عَمْرٍو. وَقَالَ أَيُّوبُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ
لَا عَنَ امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ - وَفَرَّقَ سُفْيَانُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى-
: فَرَّقَ النَّبِيُّ وَّهِ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: ((اللهُ يَعْلَمُ إِنَّ أَحَدَكُمَا
كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)). ثلاث مرات. قال سفيان: حفظته من عمي
وأيوب -كما أخبرتك. والإجماع قائم على وجوب الصداق للملاعنة؛