النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كِتَابُ الطَّلَاقِ وقال ابن الصباغ أيضًا في ((شامله)): قصة هلال تُبين أن الآية نزلت فيه أولًا، وقوله لعويمر: ((قد أنزل فيك وفي صاحبتك)) يعني: ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس. قال ابن أبي صفرة: وقد روى ابن القاسم، عن ابن عباس أن العجلاني قذف امرأته كما روى ابن عمر، وسهل بن سعد. وأظنه غلط من هشام بن حسان، وقد سلف ما فيه . وفي مسلم من حديث الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ذكر التلاعن عند رسول الله وَلّ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا ثم انصرف، فأتاه رجل يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلًاً(١). الحديث. فهُذِه الرواية الصحيحة عن ابن عباس ليس فيها معارضة لما رواه هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن هلالًا قذف أمرأته بشريك؛ لأنه روى القصتين جميعًا، فروى لعكرمه قصة هلال أنه قذف أمرأته بشريك. وروى القاسم بن محمد قصة عاصم ولم يعين فيها المقذوف، ويتأيد حديث هشام بما أسلفناه. وروى الشافعي عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله أن النبي ◌َّ قال ((إن جاءت به أشقر))(٢). وفي رواية ((أمعر سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أدعج جعدًا فهو للذي يتهمه)) قال: فجاءت به (٣) أدعج(٣) . (١) ((مسلم)) (١٤٩٧) كتاب اللعان. (٢) ((الأم)) ١١٢/٥. (٣) ((اختلاف الحديث)) ص ١٨٥. ٤٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : قال الشافعي: في حديث ابن أبي ذئب دليل على أن سهل بن سعد قال: فكانت سنة المتلاعنين. وفي حديث مالك وإبراهيم بن سعد كأنه قول ابن شهاب، وقد يكون هذا غير مختلف، يقوله مرة ابن شهاب ولا يذكر سهلًا، ويقوله مرة أخرى ويذكر سهلا(١). وروى ابن إسحاق وتفرد به عن ابن شهاب فيما ذكره الدارقطني عن سهل: لاعن رسول الله وَلقيم بينهما بعد العصر، فلما تلاعنا قال: يا رسول الله ظلمتها إن أمسكتها فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق. وعند مسلم: فلما فرغا طلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله وَلظله. وفي لفظ: فقال القليّا: ((ذاكم التفريق بين كل متلاعنين))(٢)، وللدار قطني بإسناد جيد ففرق النبي وَّ بينهما وقال: ((لا يجتمعان أبدًا))(٣). وقال أبو داود عن سهل: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا(٤). وفي لفظ قال الَّ لعاصم: ((أمسك المرأة عندك حتى تلد))(٥). ولأبي داود من حديث ابن عباس في قصة هلال: ففرق التَّل بينهما وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا يُرمى ولا تُرمى، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت؛ لأنهما يفترقان (١) ((الأم)) ١١٢/٥. (٢) مسلم (١٤٩٢) كتاب اللعان. (٣) ((السنن)) ٢٧٥/٣. (٤) أبو داود (٢٢٥٠). (٥) رواه أبو داود (٢٢٤٦). ٤٤٣ كِتَابُ الطَّلَاقِ من غير طلاق، ولا متوفى عنها، وقال: ((إن جاءت به أصيهب أريضخ أُثيبج(١) حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رماها به)). قال عكرمة: فكان ولدها بعد ذلك أميرًا على مصر ولا يدعى لأب(٢). قلت: ذكر ابن سعد أن المولود عاش سنتين ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيرًا، ولم يذكره الكندي وغيره في أمراء مصر (٣) فليتأمل (٣) . قال أبو عبد الله -فيما رواه الخلال- عن سفيان بن عيينة في قلة ما روى عن الزهري: أخطأ في نحو (من)(٤) أحد عشر حديثًا منها حديث المتلاعنين، يقول سفيان في حديث الزهري: ففرق بينهما، وإنما قال الزهري: هي الطلاق، إن أمسكتها فقد كذبت عليها. وصحح الترمذي من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه القليل لاعن بين رجل وامرأته وألحق الولد بأمه (٥). وقال أبو داود: قال أبو عبد الله: روى مالك عن نافع أشياء لم يروها غيره منها أن عمر ألحق ولد الملاعنة بأمه. وقال الداودي عن يحيى في اللعان وألحق الولد بأمه: ليس يقول (١) ورد بهامش الأصل: الأثييج تصغير الأثبج والثبج: أي: ما بين الكتفين والكاهل ورجل أثبج أيضا أحدب. (٢) أبو داود (٢٢٥٦). (٣) ورد بهامش الأصل: الظاهر أن مراده على مصر من الأمصار، لا البلد المعروف. والله أعلم. (٤) من (غ). (٥) مسلم (١٤٩٥) كتاب اللعان. ٤٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هُذا إلا مالك. وعند مسلم عن ابن مسعود قال: فذهبت المرأة تلتعن، فقال لها التَقال: ((مه)) فأبت فَلَعَنت(١). فصل : روى الواقدي عن الضحاك بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في حضوره العَيْف حين لاعن بين عويمر وامرأته، وأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: من ابن السحماء. وللنسائي بإسناد جيد عن ابن عباس أنه التائه أمر رجلًا حين أمر المتلاعنين أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال «إنها موجبة))(٢). وأوضحه مقاتل في ((تفسيره) وساقه أحسن سياق، وسمى المرأة، لما قرأ القَّ على المنبر يوم الجمعة هاتين الآيتين يعني: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ اُلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَلَّةَ﴾ [النور: ٤]، قال عاصم بن عدي: يا رسول الله لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلًا فيتكلم يجلد ثمانين، ولا تقبل له شهادة في المسلمين ويسمى فاسقًا (فكيف)(٣) لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فرغ الرجل من حاجته، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٤٦] الآيات الثلاث، فابتلى الله عاصمًا بذلك يوم الجمعة الأخرى؛ أتاه ابن عمه عويمر وتحته ابنة عمه أخي أبيه خولة بنت قيس فرماها بابن عمه شريك، وكلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم، (فجاء) (٤) عاصم رسول الله وَ ل فقال: يا رسول الله: أرأيت سؤالي (١) ((سنن الترمذي)) (١٢٠٣). (٢) ((المجتبى)) ١٧٥/٦. (٣) من (غ). (٤) من (غ). ٤٤٥ 13 كِتَابُ الطَّلَاقِ = عن هذه الآية، قد ابتليت بها في أهل بيتي، فأرسل العمليه إلى الزوج والخليل والمرأة، فقال لعويمر: ((اتق الله في حليلتك وابنة عمك)). فقال: أقسم بالله أني رأيته معها على بطنها وإنها لحبلى منه، وما قربتها منذ أربعة أشهر، فقال التَّ لخولة بنت قيس: ((ويحك ما يقول زوجك؟)) فقالت: أحلف بالله لكاذب ولكنه غار، ولقد رآني معه نطيل السَّمَرَ بالليل والجلوسَ بالنهار فما رأيت ذلك في وجهه ولا نهاني عنه قط، فقال التَّه للخليل: ((ويحك ما يقول ابن عمك؟)) فحداه بمثل قولها؛ فقال للزوج والمرأة: ((قوما)) وأحلفهما. فقام الزوج عند المنبر في دبر صلاة العصر يوم الجمعة فقال: أشهد بالله أن فلانة- يعني: خولة- زانية، ولقد رأيت شريكًا على بطنها، وإني لمن الصادقين .. ثم قال: أشهد أن فلانة زانية، وإني لمن الصادقين، ثم قال: أشهد بالله أن خولة زانية وإنها لحبلى من غيري، وإني لمن الصادقين. ثم قال: أشهد بالله أن خولة زانية وما قربتها من منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين. ثم قال: لعنة الله على عويمر إن كان من الكاذبين عليها في قوله. وقامت خولة بنت قيس مقام زوجها فقالت: إني أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت: أشهد بالله ما أنا بزانية ، وما رأى شريكًا على بطني، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وأن الحبل لمنه، وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وما رأى عليَّ زوجي من ريبة ولا فاحشة، وإنه لمن الكاذبين. ٤٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثم قالت: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله. ففرق النبي رَّ بينهما، وكان الخليل رجلًا أسود ابن حبشية، وقال الَّيْ: ((إذا ولدت فلا ترضع ولدها حتى تأتوني به)) فأتوه بولدها فإذا هو أشبه الناس بالخليل. فقال: ((لولا ما قد مضى لكان لي ولها أمر)). قال مقاتل: إن صدقت المرأة زوجها لم يلاعنها، وإن كان زوجها جامعها رجمت ويرثها زوجها، وإن كان لم يجامعها جُلدت مائة جلدة، وهي امرأته، وإن رجع الزوج عن قوله قبل أن يفرغا من الملاعنة جلد ثمانين جلدة وكانت امرأته كما هي. فائدة : خولة هذِه قد صرح مقاتل بأنها الملاعنة، وسماها بنت قيس، وأما ابن منده وأبو نعيم فقالا: إن (الذي)(١) لا عنها هلالٌ خولةُ بنت عاصم(٢)، وخولةُ بنت قيس لم أجد أحدًا ممن ألف في الصحابة ولا المبهمات ذكرها . فصل : في (المستدرك)) على شرط البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان شريك أخا البراء بن مالك- أخي أنس بن مالك- لأمه، وكانت أمهما أمةً سوداء، كان شريك يأوي إلى منزل هلال بن أمية ويكون عنده(٣) . (١) كذا في الأصل، والجادة التي والله أعلم. (٢) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٣٣١٤/٦ (٣٨٥٠). (٣) ((المستدرك)) ٢٠٢/٢. ٤٤٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ = فصل : في ((تفسير ابن مردويه)) من حديث ابن إسحاق، عن العباس بن سهل، عن أبيه: لما تلاعنا قال التَّ لعاصم: ((اقبضها حتى تلد، فإن جاءت به أحيمر مثل النبقة فهو الذي أنتفى منه، وإن تلده قطيط الشعر أسود اللسان فهو الذي رمیت به)). قال عاصم: فلما ولدته أتت به، والله لكأن رأسه فروة جمل أسود، فأخذت بفقميه فاستقبلني لسانه مثل التمرة السوداء، فقلت: صدق الله ورسوله. وفي حديث أنس: ((إن جاءت به آدم جعدًا حمش الساقين فهو لشريك، وإن جاءت به أبيض قصير العرنين سبط الشعر فهو لهلال)). وفي حديث محمد بن علقمة، عن الهيثم بن حميد، عن ثور بن يزيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلاً من بني زريق قذف أمرأته، فأتى النبي بََّ، فرد ذلك على رسول الله، وَل أربع مرات، فأنزل الله آية الملاعنة، فقال التقنيه: ((أين السائل، فقد نزل فيك من الله أمر عظيم؟)) فأبى الرجل إلا أن يلاعنها، وأبت هي إلا أن تدرأ عن نفسها العذاب، فتلاعنا، فقال التقنية: ((إن جاءت به أصفر أخنس (منسول)(١) العظام فهو للملاعن، وإن جاءت به أسود كالجمل الأورق فهو لغيره)). فجاءت به أورق، فدعا به العليا فجعله لعصبة أمه(٢) . (١) في الأصول: منشور، والمثبت من مصادر التخريج غير أنه في النسائي قال: منشول. (٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٧٨/٤ (٦٣٦٢)، والطبراني في ((مسند الشاميين))١/ ٢٨٨ (٥٠١)، والدار قطني ٢٧٥/٣. ٤٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : في ((علل الخلال)) عن ابن إسحاق قال: ذكر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قضى رسول الله وَّل في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه، ويرثه ورثة أمه، ومن نفاها جلد ثمانين. قال أبو عبد الله(١): هذا حديث مرسل. وقال في موضع آخر: ابن إسحاق إذا قال: وذُكِرَ، فلم يسمعه. فصل : ذكر ابن عساكر في كتاب ((من وافقت كنيته كنية زوجته)) من حديث الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق قال: قيل لأبي ثابت سعد بن عبادة حين نزلت الحدود، وكان رجلًا غيورًا: أرأيت لو رأيت مع أم ثابت رجلًا أيش كنت تصنع؟ قال: كنت ضاربها بالسيف، أنتظر حتى آتي بأربعة شهداء، أو أقول: رأيت كذا فتضربوني الحد ولا تقبلوا لي شهادة أبدًا؟! قال: فذكر ذلك للنبي وَله فقال: ((كفى بالسيف شاهدًا))، ثم قال: ((لا إني أخاف أن يتتابع في ذلك السكران والغيران))(٢). (١) يعني: الإمام أحمد رحمه الله. (٢) رواه أبو داود (٤٤١٧)، وابن ماجه (٢٦٠٦) من طريق الفضل بن دلهم عن الحسن، زاد ابن ماجه عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٥/٦: رواه الطبراني، وفيه الفضل بن دلهم وهو ثقة، وأنكر عليه هذا الحديث من هذه الطريق فقط، وبقية رجاله ثقات. اهـ. وقال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٣٥٢ (٨٧٢): إسناد حديث سلمة بن المحبق فيه مقال، قبيصة بن حريث أو حريث بن قبيصة قال البخاري: في حديثه نظر، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وباقي رجال الإسناد موثقون. اهـ. والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٥٦٨). ٤٤٩ = كِتَابُ الطَّلَاقِ وروى أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عاصم بن عدي قال: كنا عند رسول الله وَله فنزلت ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدََّ﴾ [النور: ٤] قلت: يا رسول الله: إلى أن أجيء بالأربعة، خرج الرجل. فما قام من مكانه حتى أتى ابن عمه وامرأته، معها صبي تحمله، يقول: ليس هو مني. وتقول: هو منه. فنزلت آية الملاعنة. قال عاصم: فأنا أول من تكلم وأول من ابتلي به. وأخرجه الحاكم، وقال: على شرط مسلم من حديث أبي هريرة سمع النبي ◌ِّ حين نزلت آية الملاعنة. الحديث(١). وأخرجه البزار من حديث حذيفة، قال رسول الله وقال: ((لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلاً به؟)) قال: كنت والله فاعلًا به شرًّا قال: ((فأنت يا عمر)) قال: والله كنت قاتله. فنزلت الآية. وهذا والذي قبله نمط آخر. قال البزار: لا أعلم أحدًا أسنده الأَ النضر بن شميل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يُثيع، عن حذيفة. ثم ساقه بإسقاط حذيفة (٢). وروى الواحدي من حديث علقمة عن عبد الله قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد إذ دخل رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا؛ فإن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله وَّل، فلما كان من الغد أتى رسول الله ◌َّ فسأله فقال: ((اللهم افتح)) وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان الحديث(٣). وهو في ((صحيح مسلم)) أيضًا (٤). (١) ((المستدرك)) ٢٠٣/٢. (٢) ((البحر الزخار)) ٣٤٣/٧ -٣٤٤. (٣) ((أسباب النزول)) ص٣٢٨ (٦٣٤). (٤) مسلم (١٤٩٥) كتاب اللعان. ٤٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال مهنا: سألت أحمد عنه أنه التعليه لاعن من رجل وامرأته، وقال: ((عسى أن تأتي به أسود جعدًا)) فجاءت به أسود جعدًا. فقال أحمد: ليس بصحيح، إنما هو عن عبد الله مرسلًا ليس فيه عن رسول الله ◌َ له . قال البيهقي في ((معرفته)): وهذا الحديث وإن كان مختصرًا رواه عبدة، وغيره عن سليمان في قصة المتلاعنين، ففي مبسوطها دليل على أنه قصد به نفي الحمل خلاف قول من زعم أنه لم يقصده(١). وذكر الفراء في ((معانيه)) أنها نزلت في عاصم بن عدي لما أنزل الله الشهود الأربعة قالوا: يا رسول الله إن دخل أحدنا فرأى على بطنها -يعني: أمرأته- رجلًا أحتاج إلى أن يخرج فيأتي بأربعة، فابتلي بها عاصم من بين الناس، فدخل على امرأته وعلى بطنها رجل، فلاعن رسول الله وَله بينهما وذلك أنها كذبته الحديث(٢). وروى ابن ماجه من حديث ابن إسحاق ذكر طلحة بن نافع، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تزوج رجل من الأنصار أمرأة فبات عندها، فلما أصبح قال: ما وجدتها عذراء، فرفع (شأنها)(٣) إلى رسول الله وَلقوله (فدعا الجارية) (٤) فسألها فقالت: بلى قد كنت عذراء، فأمر بهما فتلاعنا وأعطاها المهر(٥). (١) ((معرفة السنن والآثار)) ١٥٥/١١. (٢) ((معاني القرآن)) ٢٤٦/٢. (٣) من (غ). (٤) من (غ). (٥) ابن ماجه (٢٠٧٠) قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٢٩٠ (٦٩٠): هذا إسناد ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق. اهـ والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٤٤٨). ٤٥١ كِتَابُ الطَّلَاقِ - فصل : في قول عويمر المقالة السالفة، وسكوت الشارع على ذلك ولم يقل له: لا تقتله دليل على أن من قتل رجلًا وجد مع أمرأته أنه يقتل به إن لم يأت ببينة تشهد بزناه بها، وبه حكم علي أيضًا، إن لم يعط بأربعة شهداء فليعط برمته(١) . فإن قلت: قد روي عن عمر وعثمان أنهما أهدرا دمه. قيل: إن صح عنهما ذلك، فإنهما أهدرا دمه؛ لأن البينة قامت عندهما بصحة ما ادعاه القاتل على الذي قتله، وستأتي أقوال العلماء فيه. فصل : فيه: أن التلاعن لا يكون إلا عند السلطان، أو عند من استخلفه من الحكام، وليس كالطلاق، وهو إجماع. فصل : في قول عويمر: (أرأيت رجلًا وجد مع أمرأته رجلًا) دلالة أن اللعان يجري بين كلٍّ من الزوجين؛ لأنه لم يخص رجلًا من رجل ولا امرأة من أمرأة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم يخص زوجًا من زوج، ففي هذا حجة للشافعي ومالك في أن العبد كالحر في قذفه ولعانه، غير أنه لاحد على من قذف مملوكًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] وهن الحرائر المسلمات، والأمة المسلمة والحرة اليهودية أو النصرانية تلاعن الحر المسلم، وكذلك للعبد وإن تزوج الحرة المسلمة أو الأمة المسلمة أو الحرة (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٤٥٩ - ٤٦٠، وابن أبي شيبة ٤٤٧/٥-٤٤٨ (٢٧٨٧٠). ٤٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == اليهودية أو النصرانية لاعنها (١). وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة والثوري إذا كان أحد الزوجين مملوكًا أو ذميًّا، أو كانت المرأة مما لا يجب على قاذفها الحد، فلا لعان بينهما إذا قذفها(٢). فصل : واختلف العلماء في صفة الرمي الموجب للعان، فقال مالك في المشهور عنه: أن اللعان لا يكون حتى يقول الرجل لامرأته: رأيتها تزني أو ينفي حملانها أو ولدانها، وحديث سهل هذا وإن لم يكن فيه تصريح بالرؤية فإنه قد جاء التصريح بذلك في حديث ابن عباس وغيره في قصة هلال بن أمية، أنه وجد مع امرأته رجلًا فقال: يا رسول الله رأيت بعيني، وسمعت بأذني؛ فنزلت آية اللعان، ذكره الطبري وغيره(٣). وقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود وأصحابه، وهو قول جمهور العلماء وعامة الفقهاء وجماعة أصحاب الحديث أنه من قال لزوجته: يا زانية، وجب اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء، وسواء قال لها: يا زانية، أو: زنيت ولم يدَّع رؤية. وقد روي هذا القول عن مالك أيضًا، وحجته عموم ﴿يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ كما قال ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] فأوجب بمجرد القذف الحد على الأجنبي إن لم يأت بأربعة شهداء وأوجب على الزوج اللعان إن لم (١) ((الموطأ)) ص٣٥١، ((الأم)) ٢٧٣/٥. (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠٠/٢، ((الإشراف)) ٢٤٠/١. (٣) الطبري ٩/ ٢٧٢، ورواه أيضا أبو داود (٢٢٥٦)، وأحمد ٢٣٨/١، أبو يعلى ١٢٤/٥-١٢٥ من حديث ابن عباس. ٤٥٣ = كِتَابُ الطَّلَاقِ يأت بأربعة شهداء، فسوى بين الذميين بلفظ واحد. وقد أجمعوا أن الأعمى يلاعن، ولا تصح منه الرؤية، وإنما يصح لعانه من حيث يصح وطؤه لزوجته(١). وذكر ابن القصار عن مالك أن لعانه لا يصح إلا أن يقول: لمست فرجه في فرجها(٢). فصل : ذهب جمهور العلماء إلى أن بتمام اللعان منهما تقع الفرقة بينهما، منهم مالك والشافعي إلا أن مالكًا يقول بلعانهما جميعًا. والشافعي وسحنون بلعان الرجل وحده(٣). وقال أبو حنيفة ومحمد وعبيد الله بن الحسن: هو واحد. وحكاه ابن أبي شيبة عن ابن المسيب وإبراهيم(٤). وقال مالك والشافعي: هو فسخ(٥)، لنا أنها تحصل بغير لفظ، فأشبهت الفرقة بالرضاع والردة، وتظهر فائدة الخلاف بيننا وبينه كما قال المتولي فيما إذا علق طلاق أمرأة أخرى، بوقوع طلاق هذِه، ولاعن هذِه. وشذ قوم من أهل البصرة منهم عثمان البتي فقالوا: لا تقع الفرقة ولا تأثير للعان فيها وإنما يسقط النسب والحد وهما على الزوجة كما كانا حتى يطلق الزوج(٦). (١) أنظر ما سبق في ((الاستذكار)) ٢٠٨/١٧ بتصرف. (٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٦٦/٧. (٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٢١٥، ((الاستذكار)) ٢٢٣/١٧. (٤) ابن أبي شيبة ١١٦/٤. (٥) أنظر: ((عيون المجالس)) ١٣١٣/٣، ((روضة الطالبين)) ٣٥٦/٨. (٦) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠٥/٢. ٤٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وذكر الطبري: أنه قول أبي الشعثاء جابر بن زيد، واحتج أهل هذِه المقالة بقول عويمر: (كذبت عليها إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا). (قالوا)(١): ولم ينكر النبي ◌ّ ذلك عليه، ولم يقل له: لم قلت وأنت لا تحتاج إليه؟ لأنها باللعان قد طلقت. فقال لهم مخالفوهم: لا حجة لكم في حديث عويمر؛ لأن قوله ذلك وطلاقه إنما كان منه؛ لأنه لم يظن أن الفرقة تحصل باللعان، ولو كان عنده أن الفرقة تحصل بها لم يقل هذا، وقد جاء في حديث ابن عمر وابن عباس بيان هذا أنه الصّ فرق بينهما. وقال: ((لا سبيل لك عليها)) فطلاق عويمر لها لغو، ولم ينكر ذلك الشارع؛ لأنه يحتمل أن يكون العجلاني أراد التأكيد، أي أنها لو لم تقع الفرقة وأمسكها فهي طالق ثلاثًا . فإن قال من يذهب إلى قول البتي قول ابن عمر وابن عباس أنه التعليقات فرق بين المتلاعنين إنما كان في قصة عويمر، وكان طلاقها بعد اللعان فكذلك فرق بينهما . وقد روى ابن شهاب عن سهل بن سعد قال: فطلقها العجلاني ثلاث تطليقات، فأنفذه رسول الله جلچ . قال الطبري: يحتمل أنه فرق بينهما بعد اللعان ثم طلقها ثلاثًا حتى يكون تفريقه التَّ واقعًا موقعه على ما روى ابن عمر، وقد قال الأكثرون: لا يجوز أن يمسكها ويفرق بينهما، وقد أُستحب الشارع الطلاق بعد اللعان ولم يستحبه قبله، فعلم أن اللعان قد أحدث حكمًا . (١) من (غ). ٤٥٥ كِتَابُ الطَّلَاقِ 13 فصل : وقد احتج من قال: إن الثلاث لا بدعة فيها بقصة عويمر، ولم ينكر الشارع عليه، ولو كانت بدعة لبينه وأنكره، وقال: لا يجوز ذلك. فصل : ذكر في حديث سهل في الباب بعده: ((إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة)) إلى آخره. وذكر فيه أوصافا أُخر بعد. وفي لفظ: ((إن جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ))، وهو بالسين والحاء المهملتين، وهو الأسود كلون الغراب، يقال لليل: أسحم، وللسحاب الأسود: أسحم. ومنها أدعج وهو شديد سواد الحدقة. قال أبو موسى المديني: هو عند العرب السواد في العين وغيرها، وعند العامة سواد الحدقة فقط. والأديعج تصغير أدعج، والدعجاء الليلة الثامنة والعشرون سميت بذلك لشدة سوادها (١) والخدلج: العظيم الساقين، وامرأة خدلجة ضخمة الساقين والذراعين، والأحيمر تصغير أحمر، والأحمر: الأبيض لأن الحمرة تبدو في البياض، ولا تبدو في السواد، ومنه الحديث ((بُعثتُ إلى الأسودِ والأحمرِ))(٢). قال أبو موسى المديني: سُئل ثعلب: لم خص الأحمر دون الأبيض، قال: لأن العرب لا تقول رجل أبيض من بياض اللون، إنما الأبيض عندهم الطاهر النقي من العيوب(٣). (١) ((المجموع المغيث)) ١/ ٦٥٧ - ٦٥٨. (٢) رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ٣٠١/١، وجابر ٣٠٤/٣، وأبي موسى ٤١٦/٤، وأبي ذر ١٤٥/٥، ١٤٧ ، (٣) ((المجموع المغيث)) ٤٩٦/١. ٤٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - والوحرة بفتح الواو والحاء المهملة، والمراد دويبة حمراء كالعظاءة تلزق بالأرض، وقيل: هي الوزغة، وقيل: نوع من الوزغ يكون في الصحاري(١). فصل : ينعطف على ما مضى في عدم بدعة الثلاث؛ قال الشافعي: يحتمل طلاقه ثلاثًا أن يكون بما وجد في نفسه لعلمه بصدقه وكذبها وجرائتها على اليمين طلقها ثلاثًا جاهلًا بأن اللعان فرقةٌ، فكان كمن طلق من طلق عليه بغير طلاقه، وكمن شرط العهدة في البيع والضمان في السلف، وهو يلزمه شرط أو لم يشرط، وتفريق الشارع غير فرقة الزوج إنما هو تفريق حكم. فصل : وقوله التليفون: ((أحدكما كاذب)) هو من باب الحكم بالظاهر والله ولي ما غاب عنه(٢). فصل : قال بعض الناس: لا يلاعن بالحمل، ولعله ريح، وزعم أنه لا ينفي الولد بعد الولادة يعني: إذا لاعن وهي حامل(٣)، وقد سلف الحديث الوارد فيه بما فيه وستعمله أيضًا . فصل : قال الشافعي: فلما تلاعنا حكم التَّ على الصادق والكاذب حكمًا واحدًا فأخرجهما من الحد. (١) انظر: ((لسان العرب)) ٨/ ٤٧٨٣. (٣) انظر: ((معرفة السنن والآثار) ١١/ ١٥٢. (٢) ((الأم)) ١١٥/٥. ٤٥٧ = ڪِتَابُ الطَّلَاقِ وقال في رواية ابن عباس: ((لولا، ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)) فأخبر بصفتين في إحداهما دلالة صدق الزوج، ولم يستعمل الدلالة، وأنفذ عليها ظاهر حكم الله، ولو جاءت دلالة كذب الزوج لكان لا يستعمل الدلالة أيضًا وأنفذ ظاهر الحكم، لكنه - والله أعلم- ذكر غلبة الأشباه الدالة على صدق أحدهما حتى إذا لم تكن حجة أقوى منها يستدل بها في إلحاق الولد بأحد المتلاعنين عند الاشتباه، وأخبر بأنه إنما منعه من استعمالها هنا ما هو أقوى بها، وهو حكم الله باللعان؛ لا أنها أتت به على الصفة الأولى كان يلحقه بالزوج. وكيف يجوز أن يسوي الأخبار على مذهبه وهو ذا لا يسوي أن يستدل بهذا على أنه لم يكن مقصود الزوج نفي الحمل. وفيما ذكرنا من الأخبار أنها كانت حاملا وأنه أنكر حملها، وأن الشارع لاعن بينهما قبل وضع الحمل، ثم ألحقه بأمه ونفاه عنه، وعنده الولد في مثل هذا يلحق به لكل حال، أشبهه أولم يشبهه، ونحن لا نرى خلافًا للحديث أبين من هذا، والله المستعان(١). فصل : فيه دليل أيضًا على أن الزوج إذا التعن لم يكن للرجل الذي رماه بامرأته علیه حد. قال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبدًا بحال، وإن أكذب نفسه لم تعد إليه، وإنما قلت هذا؛ لأن سيدنا رسول الله وَل قال: ((الولد للفراش)) فلا يكون فراشًا (١) أنظر: ((معرفة السنن والآثار)) ١٥٤/١١. ٤٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أبدًا (١)، وكان معقولًا في حكم رسول الله وَيقول إذا ألحق الولد بأمه أنه نفاه عن أبيه، وأن نفيه عن أبيه بيمينه والتعانه لا بيمين أمه على كذبه بنفيه(٢). ولما قال له التَّ: ((لا سبيل لك عليها)) استدللنا به على أن (المتلاعنين)(٣) لا يتناكحان (٤) أبدًا إذ لم يقل: إلا أن يكذب نفسه أو يفعل كذا، كما قال في المطلق الثالثة ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وروى الذين خالفونا في هذا حديثًا عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قالوا في المتلاعنين: لا يجتمعان أبدًا، ورجع بعضهم إلى قولنا، وفيه أبى بعضهم الرجوع إليه وقال: لا (يجتمعان)(٥) أبدًا ما داما على لعانهما . قال الشافعي: فقلت له: أَو تعلم حديثًا لا يحتمل أن يوجه وجوهًا إلا قليلًا، وإنما الأحاديث على ظاهرها حتى تأتي دلالة تخبر عن الذي حمل الحديث عنه، أو إجماع من الناس على توجيهها، وظاهر السنة وما رويتم عن عمر وصاحبيه على ما قلنا (٦). وممن قال: إنه إذا أكذب نفسه له أن يتزوجها. ابن المسيب والشعبي وحماد، ذكره ابن أبي شيبة بأسانيد جيدة(٧). (١) كذا في الأصول، والكلام ناقص وتمامه بعد قول النبي ◌ّ: ((الولد للفراش)). وكانت فراشًا فلم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش فلا يكون فراشًا أبدًا. اهـ (٢) ((الأم)) ٢٨٠/٥. (٣) في الأصول: (المتناكحين)، والمثبت من ((معرفة السنن)). (٤) في الأصول: يجتمعان، والمثبت من ((معرفة السنن)). (٥) في الأصول: يمنعان، والمثبت من ((معرفة السنن)). (٦) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ١٦٥/١١. (٧) ((ابن أبي شيبة)) ٤/ ٢٠، ٢١. ٤٥٩ 13 كِتَابُ الطَّلَاقِ = زاد أبو عمر ابن عبد البر إبراهيم وابن شهاب على اختلاف عنهما، والحسن والضحاك(١)، فإن قلت: في الحديث: ((لا سبيل لك عليها)). قيل: ظن الملاعن أن له المطالبة بالمهر، يدل عليه قوله بعد: يا رسول الله، مالي. قال: ((لا مال لك)) قال ابن عبد البر: ومن حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فلما لم يجمعوا على تحريمها دخلت تحت عموم هُذِه الآية. ومن جهة النظر لما لحق الولد وجب أن يعود الفراش؛ لأن كل واحد منهما يقتضيه عقد النكاح ويوجبه(٢). فصل : تأول ابن نافع المالكي قوله: (فكانت سنة المتلاعنين) على استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان، والجمهور على أن معناه حصول الفرقة بنفس اللعان. وقوله: ذلكم التفريق بين كل متلاعنين، تأوله مالك والشافعي وغيرهما، على أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بينهما(٣)، وقيل: معناه تحريمها على التأبيد. وأبو حنيفة ومن تابعه - وهو مذهب الثوري وأحمد (٤) استدلوا على أن الفرقة (لا تقع)(٥) إلا بحكم حاكم، لقوله: إنه العليا فرق بينهما، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان لاستحال التفريق بعدها، وبقوله: (كذبت عليها إن أمسكتها) لأن فيه إخبارًا بأنه ممسك لها بعد اللعان، (١) ((الاستذكار)) ٢٣٦/١٧. (٢) ((التمهيد)) ٢٠٢/٦. (٣) ((المدونة)) ٣٣٧/٢، ((الأم)) ٢٨٠/٥. (٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠٥/٢، ((الاستذكار)) ٢٢٣/١٧. (٥) من (غ). ٤٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إذ لو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك لاستحال قوله: (كذبت عليها). وهو غير ممسك لها بحضرة الشارع، ولم ینکر علیه. قال الرازي: فدل على أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان، إذ غير جائز أن يقره على الكذب ولا على استباحة نكاح بطل(١). فصل : قوله في الباب الآتي: (ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث عنها ما فرض الله لها) أي: وهو الثلث في حالة عند عدم الفرع والإخوة، والسدس أحرى عند وجود ذلك. ثم إذا دفع إلى أمه فرضها أو إلى أصحاب الفروض وبقي شيء فهو الموالي أمه؛ فإن لم يكن لها موالي فلبيت المال، قاله الشافعي ومالك وأبو ثور، وقبلهم الزهري وجماعة الفقهاء. وقال الحكم وحماد: يرثه ورثة أمه، وقال آخرون: عصبته عصبة أمه، روي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد، قال أحمد: فإن أنفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة. وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع، الثلث بالفرض والباقي بالرد على قاعدته(٢). فصل : قد أسلفنا أن المرمي به شريك بن سحماء، وهو ابن عبدة بن (مغيث بن الجد)(٣) بن العجلاني(٤). (١) ((أحكام القرآن)) ٣/ ٤٣٧. (٢) انظر: ((الاستذكار)) ٥١٠/١٥-٥١١. (٣) في الأصول: (الجد بن مغيث)، والمثبت من مصادر التخريج. (٤) انظر: ترجمته في ((أسد الغابة)) ٥٢٢/٢، ((الإصابة)) ١٥٠/٢.