النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كِتَابُ الطَّلَاقِ = قال: واختلف قوله إذا عرض عليها الإسلام وأبت. ففي ((المدونة)) يفرق بينهما(١). وعند محمد يعرض عليها اليومين والثلاث(٢). قال: واختلف إذا غفل عنها بعرض الإسلام ثم أسلمت: ففي ((المدونة)) الشهر وأكثر منه قليل قريب(٣) وقال محمد: (إذا)(٤) غفل عنها شهرًا برئ منها (٥). 6 (١) ((المدونة)) ٢١٢/٢. (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٩١/٤. (٣) ((المدونة)) ٢١٢/٢. (٤) من (غ). (٥) لم أقف عليه إلا من قول ابن القاسم كما في ((النوادر والزيادات)) ٥٩١/٤، ((المنتقى)) ٣٤٦/٣. ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢١- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦- ٢٢٧] فَاءُوا: رَجَعُوا . ٥٢٨٩- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ هُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: آَلَى رَسُولُ اللهِ وَلَهَ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ آَنْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)). [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح ٢٥/٩]. ٥٢٩٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَقُولُ فِي الإِيلَاءِ الذِي سَمَّى اللهُ: لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعدَّ الأَجَلِ إِلَّ أَنْ يُمْسِكَ بِالْغْرُوفِ، أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلَاقِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ رَتْ. [فتح ٤٢٦/٩]. ٥٢٩١- وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلَّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِيِ الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ. ساق فيه عن حميد، عن أنس رضي الله عنه أنه سمعه يَقُولُ: آَلَى رَسُولُ اللهِّهِ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ أَنْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)). وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كَانَ يَقُولُ فِي الإِيلَاءِ الذِي سَمَّى اللهُ تعالى: لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يَعْزِمَ إِلطَّلَاقَ، كَمَا أَمَرَ اللهُ رَتْ . وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله ٣٦٣ - كِتَابُ الطَّلَاقِ عنه: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ رضي الله عنهم. الشرح : هذا باب الإيلاء، وقد ترجم به كذلك ابن بطال في ((شرحه))(١)، وهو في اللغة: الحَلِف يقال: آلى يؤلي إيلاء وألية: حلف. وفي قراءة أبي وابن عباس: ﴿لَلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ﴾ قالا: (يقسمون). وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعًا فهي إيلاء(٢). وقال ابن المنذر: وهو قول كل من أحفظ عنه من أهل العلم(٣)، واختلف في الإيلاء المذكور في القرآن كما سيأتي. وحديث إيلائه سلف مطولًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وليس هو مما عقد له الباب. وقوله: (وقال لي إسماعيل). هو مما أخذه عنه في حال المذاكرة كما سلف غير مرة. وقد أخرجه في ((الموطأ)) من رواية يحيى وغيره عن مالك(٤). وفي رواية معن والقعنبي: إذا مضت الأربعة الأشهر وقف حتى يفيء أو يطلق، ولا يقع عليه الطلاق إذا مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف. وكذا رواه مَعْمر، عن أيوب، عن نافع، عنه. (١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٤٢. (٢) رواه البيهقي ٣٨١/٧. (٣) ((الإشراف)) ٢٠٤/١. (٤) ((الموطأ)) برواية يحيى (٣٤٤). ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي ((الغرائب)) للدارقطني -من حديث بكر بن الشرود- قال: وتفرد به عن مالك -وليس بالقوي- عن نافع، عن ابن عمر أنه العليا آلى من نسائه، فدخل على عائشة رضي الله عنها فقالت: إنما كنت أقسمت شهرًا فقال: ((إذا مضى من الشهر تسع وعشرون يومًا فقد مضى الشهر)). وما ذكره عن عثمان فمن بعده بصيغة تمريض (أسانيدهم)(١) جيدة أخرجها ابن أبي شيبة، قال في الأول: حدثنا ابن علية، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن عثمان، وطاوس أدرك زمن عثمان(٢). ورواه أيضًا بإسناد جيد عنه. وعن زيد بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وهي أملك بنفسها(٣) . قال ابن عبد البر: وهذا هو الصحيح عن عثمان (٤). وأثر علي أخرجه(٥)، عن ابن عيينة، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة، عنه. وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه (٦). وقال ابن عبد البر: هذا حدیث صحیح(٧) . (١) في هامش الأصل: الوجه أسانيدها أو أسانيدهن. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ١٣٣ (١٨٥٥٧). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣١/٤ (١٨٥٣٦). (٤) ((الاستذكار)) ٨٦/١٧. (٥) يعني: ابن أبي شيبة. (٦) ابن أبي شيبة ١٣٢/٤ (١٨٥٥٣، ١٨٥٥٤) وفيه: عن الشيباني عن عمرو بن سلمة بن حرب أن عليًّا ... (٧) ((الاستذكار)) ١٧/ ٨٦. ٣٦٥ كِتَابُ الطَّلَاقِ = وأثر أبي الدرداء أخرجه، عن عبيد الله بن موسى، عن أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عنه. وأثر عائشة أخرجه عن وكيع، عن حسن بن فرات، عن ابن أبي مليكة، عنها(١) . والتعليق عن الآثني عشر سلف منه ما تقدم عن زيد بن ثابت. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب قال: سألت سعيدًا أمير مكة عن الإيلاء؛ فقال: كان ابن عباس يقول: إذا مضت أربعة أشهر ملكت نفسها، وكان ابن عمر يقول ذلك. وحدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة أن النعمان بن بشير آلى من أمرأته؛ فقال ابن مسعود: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بطلقة (٢) . وذكره ابن المنذر عن عمر، وابنه، وعثمان، وعلي، وعائشة، وأبي الدرداء. وعنه أيضًا عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت أثني عشر رجلًا من أصحاب رسول الله بَلّ عن المؤلي، .. الحديث(٣). وفي ((جامع الترمذي)) من حديث الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها: آلى العَيْ من نسائه، وحرم فجعل الحرام حلالًا وجعل في اليمين كفارة. قال وهو عن الشعبي أن النبي (وَّر .. أصح (٤). قال: وروي عن عائشة أنها قالت: أقسم رسول الله وَ له من نسائه(٥). (١) ابن أبي شيبة ٤/ ١٣٣، ١٣٤ (١٨٥٦٣، ١٨٥٧٢). (٢) ابن أبي شيبة ١٣١/٤ (١٨٥٣٧، ١٨٥٤٠). (٤) الترمذي (١٢٠١). (٣) ((الإشراف)) ٢٠٨/١. (٥) السياق يدل على أنه عند الترمذي هذا اللفظ، وليس كذلك، فقد رواه بهذا اللفظ النسائي ١٣٦/٤ -١٣٧، وابن ماجه (٢٠٥٩). ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أنه القَّه آلى من بعض نسائه شهرًا، فلما كان تسعة وعشرين راح أو غدا، فقيل: يا رسول الله، إنما مضى تسع وعشرون؛ فقال. ((الشهر تسع وعشرون))(١). وعبارة أبي محمد ابن حزم: صح أنه القّ آلى من نسائه شهرًا، فهجرهن كلهن شهرًا، ثم راجعهن(٢). إذا تقرر ذلك؛ فقد أسلفنا مدلول الإيلاء وقراءةَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ قالا : (٣) (يقسمون). أي: على الأمتناع من نسائهم؛ لأنه لا يقال: آليت من كذا، إنما يقال: آليت على كذا، وآليت لأفعلن كذا، لكنه [لما كان] (٤) معناه: آلى ليمتنعن من أمرأته، وكثر استعماله، حذف ذلك لدلالة الكلام(٥) عليه. وقيل: آلى من امرأته، حكى هذا الفضل ابن سلمة عن بعض النحاة فيما ذكره الباجي في ((منتقاه)) عنه(٦). والفراء قال: إن (من) هنا بمعنى (على)، معناه: يُؤلون على نسائهم. واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن، قال ابن المنذر: فروي عن ابن عباس: لا يكون موليًا حتى يحلف ألا يمسها أبدًا . وقالت طائفة: الإيلاء إنما هو آلى؛ حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر. هذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليًا، وكان هذا عندهم يمينًا (٢) ((المحلى)) ٤٣/١٠. (١) ابن ماجه (٢٠٦١). (٣) أي: أُبي بن كعب، وابن عباس كما سبق. (٤) زيادة يقتضيها السياق لإتمام المعنى، من ((المنتقى)). (٥) ((الاستذكار)) ١٧/ ٨٦. (٦) ((المنتقى) ٢٦/٤. ٣٦٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ = محضًا، لو وطئ في هذِه اليمين حنث ولزمت الكفارة. وإن لم يطأُ حتى انقضت المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان. وقال الثوري، والكوفيون: هو أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدًا وهو قول عطاء. وقالت طائفة: إذا حلف ألا يقرب أمرأته يومًا أو أقل أو أكثر لم يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، روي هذا عن ابن مسعود، والنخعي، وابن أبي ليلى، والحكم، وبه قال إسحاق(١). واعتل أهل هُذِهِ المقالة؛ فقالوا إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر فقد صار موليًا ولزمه أن يفيء بعد التربص أو يطلق؛ لأنه قصد الإضرار باليمين. وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول أكثر أهل العلم؛ وقالوا: لا يكون الإيلاء أقل من أربعة أشهر(٢). قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر، فَوَقَّتَ اللهُ لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء(٣). وفي ((الاستذكار)) عن القاسم: أن رجلًا كان يولي من أمرأته سنة. وفي رواية أن عائشة رضي الله عنها أمرت رجلًا بعد عشرين شهرًا أن يفيء أو يطلق. (١) أنظر: ((الاستذكار)) ١٠٤/١٧-١٠٥، ((الإشراف)) ٢٠٤/١، ((مختصر أختلاف العلماء)» ٢/ ٤٧٣. (٢) ((الإشراف)) ٢٠٤/١. (٣) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) ٢٧/٢، الطبراني في ((الكبير)) ١٥٨/١١-١٥٩، البيهقي في ((السنن)) ٣٨١/٧. ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وليس في حديث أنس إيلاء بأربعة أشهر، وإنما فيه أنه حلف أن لا يجامع نساءه شهرًا فبرَّ يمينه وترك إتمامه. واحتج الكوفيون فقالوا: جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر، كما جعل في عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، وفي عدة الطلاق ثلاثة قروء بلا تربص بعدها. قالوا: فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء، ولا يسقط إلا بالفيء، وهو الجماع في داخل المدة. والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر. واحتج أصحاب مالك فقالوا: جعل الله للمولي تربص أربعة أشهر؛ فهي له بكمالها لا اعتراض للزوجة عليه. كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل(١). وتقدير الكوفيين للآية: فإن (فاءوا فيهن)(٢). وتقدير المدنيين: فإن فاءوا بعدهن. قال إسماعيل: ولا يخلو التخيير الذي جعل للمولي في الفيء أو الطلاق أن يكون في الأربعة أشهر أو بعدها، فإن كان فيها فقد بعضوه من الأجل الذي ضربه الله له، وإن قالوا: بعدها -وهو ظاهر القرآن- صاروا إلى قولنا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. فليس يجوز لها أن تعمل في نفسها شيئًا بالمعروف -وهو التزويج- إلا بعد تمام الأجل المضروب لها. وكل من أجل له أجل فلا سبيل عليه في الأجل وإنما عليه السبيل بعده، فنحن وهم مجمعون على صاحب الدين أنه كذلك. وعلى العنين إذا ضُرب له أجل سنة أنه لا سبيل عليه قبل تقضيها، فإن وطئ (١) أنظر: ((الاستذكار)) ١٠٥/١٧-١٠٦. (٢) في الأصل، (غ): فارقهن، والمثبت هو الصواب. ٣٦٩ = كِتَابُ الطَّلَاقِ من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه حكم العنة، وإلا فيفرق بينه وبينها، فكذلك المولي لا سبيل عليه في المدة. فإن وطئ فيها من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه الإيلاء، وإن لم يطأ حتى أنقضت أخذه الحاكم بالطلاق، فإن لم يطلق فرق بينهما الحاكم (١). قال ابن المنذر: وأجمع كل من نحفظ عنه العلم أن الفيء هو الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر فيجزئه فيئه بلسانه وقلبه. وقال بعضهم: إذا أشهد على فيئه في حال العذر أجزأه(٢)، وخالف الجماعة سعيد بن جبير؛ فقال: الفيء الجماع، لا عذر له إلا أن يجامع وإن كان في سفر أو بحر(٣). فصل : وأوجب أكثر أهل العلم الكفارة عليه إذا فاء بجماع امرأته، روي هُذا عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وهو قول النخعي، وابن سيرين، ومالك والثوري، والكوفيين، والشافعي، وعامة الفقهاء. وقالت طائفة: إذا فاء فلا كفارة عليه، هذا قول الحسن. وقال النخعي: كانوا يقولون: إذا فاء فلا كفارة عليه (٤). وقال إسحاق بن راهويه: قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿فَإِن فَآءُو﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦] يعني: اليمين التي حنثوا فيها. وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر وتقوى وباب من الخير (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٧ /٤٤٤. (٢) ((الإشراف)) ٢٠٧/١. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٦/ ٤٦٢ (١١٦٧٨) وفيه: أو (سجن) بدلا من أو (بحر). (٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢/ ٤٨٠، ((الإشراف)) ٢٠٨/١. ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ألا يفعله، فإنه يفعله ولا كفارة عليه، وهو ضعيف ترده السنة الثابتة عن رسول الله وَلير: ((فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير))(١). فصل : وما ذكره البخاري عن ابن عمر أن المولي يوقف حتى يطلق، وذكره عن أثني عشر رجلًا من الصحابة، وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلًا من أصحاب محمد بَّه يوقفون في الإيلاء(٢). قال مالك: وذلك الأمر عندنا(٣) وبه قال الليث، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور. فإن طلق فهي واحدة رجعية، إلا أن مالكًا قال: لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة، ولا أعلم أحدًا قاله غيره. وقالت طائفة: إذا مضت للمولي أربعة أشهر بانت منه أمرأته دون توقف بطلقة بائنة لا يملك فيها الرجعة. وروي عن ابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت، ورواية عن عثمان وعلي، وابن عمر ذكرها ابن المنذر، وهو قول عطاء والنخعي ومسروق والحسن وابن سيرين، وإليه ذهب الأوزاعي والليث وجماعة الكوفيين، وحكاه عبد الملك عن مالك. وقالت طائفة: هي طلقة يملك فيها الرجعة إذا مضت الأربعة الأشهر. روي عن ابن المسيب -قال ابن حزم: ولم يصح عنه-(٤) وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري(٥). (١) رواه مسلم (١٦٥٠) كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها من حديث أبي هريرة، ورواه من حديث عدي بن حاتم برقم (١٦٥١). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١٣٣/٤ (١٨٥٥٨). (٣) ((الموطأ)) ص٣٤٣. (٤) ((المحلى)) ٤٦/١٠. (٥) أنظر هذه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٧٣/٢-٤٧٤، (الاستذكار)) ١٧- ٨٩، ((الإشراف)) ٢٠٨/١. ٣٧١ كِتَابُ الطَّلَاقِ = والصواب أن يوقف المولي؛ لأن الله تعالى جعل له تربص أربعة أشهر لا يطالب فيها بالوطء، وجعله بعدها مُخيرًا في الفيء بالجماع، أو إيقاع الطلاق؛ لأنه من خيره الله في أمر، فلا سبيل للافتئات عليه ورفع ما جعله الله له منه دون إذنه. واحتج لقول مالك: أنه إذا لم يطأ في العدة فلا تصح رجعته أن الطلاق إنما أوقع لرفع الضرر، فمتى لم يطأ فالضرر قائم، فلا معنى للرجعة، ومتى أرتجع كانت رجعته معتبرة بالوطء، فإن وطئ ولا علم أنه لم يكن له رجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته؛ لأن الضرر قد زال، وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر، وإنما هو من أجل العذر. فصل : قال القاضي بكر في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]: المغفرة والرحمة لا يكونان إلا بعد ذنب، والله تعالى أباح الأربعة أشهر فيها فيئه بعد ذلك، وهي المدة التي يغفر له بتأخيرها. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] يدل على أنه لا يسمع إلا ما نطق به. فرع : قال مالك في كتاب المدنيين: إذا تم الأجل الذي جعله الله له، وقفه الإمام، فلم يرَ أن يزاد شيئًا، فقال ابن القاسم عنه: يؤخر المرة بعد المرة. ويكون ذلك قريبًا بعضه من بعض، فإن فاء وإلا طلق عليه. وروى عنه ابن وهب: يؤخر، وإن أقام في الاختيار أكثر من ثلاث حيض فإنه يوقف أيضًا، فإن قال: أنا أفيء خُلِّي بينه وبينها، إلا أن يكثر ذلك فتطلق عليه وروى عنه أشهب: يخلى بينه وبينها فإن لم يَفِئُ ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= أنقضت عدتها من يوم قال: أنا أفيء. طُلِّقت عليه طلقة بائنة(١). ومذهب الشافعي أن الحاكم لا يطلق عليه كذا حكاه ابن التين ثم قال: دليلنا أنه طلاق لإزالة الضرر، فجاز أن يليه الحاكم عند أمتناعه منه، أصله طلاق المعسر بالنفقة. قال: واختلف في المدة التي إذا حلف عليها يكون موليًا، فقال مالك: إذا زاد على الأربعة أشهر يومًا ونحوه(٢)، وقال القاضي في ((تلقينه)): حتى يزيد على الأربعة زيادة مؤثرة(٣). وقال ابن عباس: لا يكون موليًا حتى يحلف على وطء الأبدِ (٤). وقال الحسن: لوحلف على ساعة لكان موليًا. وقد أسلفنا ذلك أول الكلام. فصل : أوضح أبو محمد ابن حزم الإيلاء على طريقته حيث قال: من حَلَف بالله أو باسم من أسمائه أن لا يطأ أمرأته، أو أن يسوءها، أو لا يجمعه هو وإياها فراش أو بيتٌ سواء، قال ذلك في غضب، أو في رضى لصلاح رضيعها أو لغير ذلك أستثنى في نفسه أو لم يستثن فسواء وقت ساعة فأكثر إلى جميع عُمره أو لم يؤقت فالحكم في ذلك واحد، فيلزم الحاكم بأن يوقف ويأمره بوطئها ويؤجل له في ذلك أربعة أشهر من حين يحلف سواء طلبت المرأه ذلك أو لم تطلب، رضيت ذلك أو لم ترضْ. فإن فاء في داخل الأربعة الأشهر فلا سبيل · عليه، وإن أبى لم يعترض عليه حتى تنقضي الأربعة الأشهر، فإذا (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣١٩/٥-٣٢٠. (٣) ((التلقين)) ٣٣٥/١. (٢) ((المدونة)) ٣٢٠/٢. (٤) رواه عبد الرازق ٦/ ٤٤٧ (١١٦٠٨)، وسعيد بن منصور ٢٦/٢. ٣٧٣ كِتَابُ الطَّلَاقِ = تمت جبره الحاكم بالسوط على أن يفيء فَيُجامع أو يطلق حتى يفعل أحدهما كما أمره الله، إلا أن يكون عاجزًا عن الجماع لا يقدر عليه أصلًا، فلا يجوز تكليفه ما لا يطيق، لكن يكلف أن يفيء بلسانه، ولا يجوز أن يطلق عليه الحاكم، فإن فعله لم يلزمه طلاق غيره. ومن حلف في ذلك بطلاق، أو عتق، أو صدقة، أو مشي أو غير ذلك فليس موليًا وعليه الأدب؛ لأنه حلف بما لا يجوز الحلف به؛ لما صح عن رسول الله وَل﴿ من قوله: ((من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله)). وقال أبو حنيفة: إن حلف بطلاق أو عتق أو حج أو عمرة أو صيام فهو إيلاء، فإن حلف بنذر صلاة، أو بأن يطوف أسبوعًا، أو بأن يُسبح مائة مرة فليس موليًا. ورأى قوم أن الهجر بلا يمين له حكم الإيلاء. قال ابن عباس ليزيد بن الأصم: ما فعلت أهلُك، عهدي بها لَسِنَةً سيئة الخلق قال: أجل، والله لقد خرجت وما أكلمها. فقال له عبد الله: عَجل السير، أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقة. وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الإيلاء هو أن يحلف أن لا يأتيها أبدًا. وصح عن عطاء أنه قال: الإيلاء إنما هو أن يحلف بالله على الجماع أربعة أشهر فأكثر، فإن لم يحلف فليس بإيلاء، فإن قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي إن قربتك. فقال حماد: ليس بشيء، وقال أبو الشعثاء: هو إيلاء. وقال رجل لعلي بن أبي طالب: تزوجت أمرأة أخي وهي ترضع ابن أخي، فقلت: هي طالق إن قربتها حتى تفطمه. فقال علي: إنما أردت (الإصلاح لك)(١) ولابن أخيك فلا إيلاء عليك، إنما الإيلاء ما كان في (١) في الأصل: ألا جناح عليك، والمثبت من (غ). ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - غضب. وممن لم يراع ذلك إبراهيم وابن سيرين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأبي سليمان، وأصحابهم(١). وقال ابن عبد البر: وعن مالك: من قال لامرأته: والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك. لم يكن مولیًا. وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد(٢). قال ابن حزم: وممن صح عنه أن: بمضيِّ أربعة أشهر تبين بطلقة بائنة الحسنُ، وإبراهيم، وقبيصة بن ذؤيب، وعكرمة، وعلقمة، والشعبي، وهو قول أبي حنيفة. وتعتد بعد انقضاء الأربعة الأشهر. وقال مسروق، وشريح، وعطاء: تعتد بثلاث حيض(٣). قال ابن عبد البر: كل الفقهاء -فيما علمت- يقولون: إنها تعتد بعد الطلاق عدة المطلقة إلا جابر بن زيد فإنه يقول: لا تعتد، يعني: إذا كانت قد حاضت ثلاث حيض في الأربعة الأشهر. وقال بقوله طائفة، وكان الشافعي يقول به في القديم، ثم رجع عنه، وقد روي عن ابن عباس مثله(٤). فصل : قال ابن حزم: والحرُّ والعبد في الإيلاء كل واحد منهما من زوجته الحرة والأمة المسلمة أو الذمية الكبيرة أو الصغيرة سواء في كل ما ذكرناه؛ لأن الله تعالى عمَّ ولم يخص، وما كان ربك نسيًّا . ٠ (١) ((المحلى)) ٤٢/١٠، ٤٣، ٤٤، ٤٥. (٢) ((الاستذكار)) ١٠٨/١٧. (٣) (المحلى) ٤٦/١٠. (٤) ((الاستذكار)) ١٧/ ٩١. ٣٧٥ كِتَابُ الطَّلَاقِ = وروينا عن عمر رضي الله عنه -ولم يصح عنه- أنه قال: إيلاء العبد شهران. وروينا عنه أيضًا أنه قال: إيلاء الأمة شهران، ولا يصح؛ لأنه من حديث حبان بن علي، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم(١). وقال أحمد فيما حكاه عنه الخلال في ((علله)): يروى عن الزهري أنه كان يقول: إيلاء العبد شهران، ولا أعلمه عن أحدٍ غير الزهري. قال ابن حزم: وصح عن عطاء أنه قال: لا إيلاء للعبد دون سيده، وهو شهران، وبه يقول الأوزاعي، والليث، ومالك، وإسحاق. وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء؛ فإن كانت حرة فإيلاء زوجها الحر والعبد أربعة أشهر؛ وإن كانت أمة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها شهران، وهو قول إبراهيم وقتادة والحسن والحكم والشعبي وحماد والضحاك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وقالت طائفة: إيلاء الحرّ والعبد من الزوجة الحرة والأمة سواء، وهو أربعة أشهر، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابهم. فصل : قال: ومن آلى من أربع نسوة له بيمين واحدة وقف لهن كلهن من حين يحلف، فإن فاء إلى واحدة سقط حكمها وبقي حكم البواقي، فلا يزال يوقف لمن لم يفئ إليها حتى يفيء أو يطلق، وليس عليه في كل ذلك إلا كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة على أشياء متغايرة، ولكل واحدة حكمها، وهو مولٍ من كل واحدة منهن، ومن آلى من أمته فلا توقيف عليه؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] (١) ((الاستذكار)) ١٠٨/١٧. ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصح أن حكم الإيلاء إنما هو فيمن يلزمه فيها الفيئة أو الطلاق وليس في المملوكة طلاق أصلًا(١). فصل : قال ابن عبد البر: اختلف العلماء فيمن طلق ثلاثًا بعد الإيلاء ثم تزوجها بعد زوج، فقال مالك: يكون مولیًا، وهو قول حماد وزفر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يكون موليًا، وإن قربها كَفَّر يمينه، وهو قول الثوري (وقال)(٢) الشافعي في موضع: إذا بانت المرأة ثم تزوجها كان موليًا، وفي موضع: لا يكون موليًا، واختاره المزني؛ لأنها صارت في حال لو طلقها لم يقع طلاقه عليها . فصل : قال ابن القاسم: إذا آلى وهي صغيرة لا يجامَع مثلُهَا لم يكن موليًا حتى تبلغ الوطء، ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر منذ بلغت الوطء، قال: ولا يوقف الخصي إنما يوقف من قدر على الجماع. وقال الشافعي: إذا لم يبق من الخصي ما ينال به المرأة ما يناله الصحيح؛ بمغيب الحشفة فهو كالمجبوب فاء بلسانه، ولا شيء عليه؛ لأنه ممن (يجامع)(٣) مثله. وقال في موضع آخر: لا إيلاء عن مجبوب، واختاره المزني. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا آلى وهو مريض بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر، أو كانت رتقاء، أو صغيرة ففيئه الرضا بالقول إذا دام به العذر قالوا : (١) ((المحلى)) ٤٨/١٠، ٤٩. (٢) في الأصل: ومالك، والمثبت من (غ). (٣) كذا في الأصل ولعله سقط: لا. ٣٧٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ = ولو كان أحدهما محرمًا بالحج وبينه وبين وقت الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا بالجماع، وكذ المحبوس وقال زفر: فيئته بالقول. وقال الثوري: إذا كان له عذر من مرض، أو كبر، أو حبس، أو كانت حائضًا، أو نفساء فليفئ بلسانه، وهو قول ابن حي. وقال الأوزاعي: إذا آلى، ثم مرض أو سافر فأشهد على الفيء من غير جماع وكان لا يقدر على الجماع فليكفر عن يمينه، وهي أمرأته. وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر، أو حاضت، أو طرده السلطان فإنه يشهد على الفيء ولا إيلاء عليه. وقال الليث: إذا مرض بعد الإيلاء ثم مضت أربعة أشهر [فإنه](١) يوقف كما يوقف الصحيح، ولا يؤخر إلى أن يصح. قال الشافعي: ولو آلى وهي بكر، وقال: لا أقدر على اقتضاضها أُجّلَ أَجَل العنين. قال: وإذا كان ممن [لا](٢) يقدر على الجماع وفاء بلسانه، ثم قدر وقف حتى يفيء أو يطلق. قال: وإذا حُبس أستأنف أربعة أشهر، وإن كان بينهما مسيرة أربعة أشهر وطالبه الوكيل فاء بلسانه وسار إليها كيفما أمكنه وإلا طلقت (٣) عليه(٣) . فإذا آلى من أمرأته ثم مات؛ فعن الشعبي فيما ذكره ابن أبي شيبة بإسناد جيد: تعتد أحد عشر شهرًا(٤). (١) من (غ). (٢) زيادة يقتضيها السياق، من ((الاستذكار)) ١٠١/١٧. (٣) ((الاستذكار)) ٩٨/١٧-١٠١. (٤) ((المصنف)) ٤/ ١٩٧ (١٩٢٢٠). ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٢- باب حُكْمِ المَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ ابنِ المُسَيَّبِ: إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ القِتَالِ تَرَبَّصُ أَمْرَأَتْهُ سَنَةً. وَاشْتَرى ابن مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ وَعَلَيَّ، وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللَّقَطَّةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ أمْرَأَتُهُ، وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا أَنْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَتُهُ سُنَّةُ المَفْقُودِ. ٥٢٩٢- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ- مَوْلَى المُنْبَعِثِ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ: ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ)). وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَغَضِبَ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَقَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا الحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ، تَشْرَبُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)). وَسُئِلَ عَنِ اللَّقَطَةِ، فَقَالَ: ((اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، وَعَرِّنْهَا سَنَّةً، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا، وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ)). قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ سُفْيَانُ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هذا - فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ فِي أَهْرِ الضَّالَّةِ، هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ يَخْيَى: وَيَقُولُ رَبِيعَةُ: عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ. [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٩ / ٤٣٠]. (وقال ابن المُسَيَّبِ: إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ القِتَالِ تَرَبَّصُ أَمْرَأَتُهُ سَنَّةً) كذا هو في الأصول وعليه جرى ابن بطال(١) وغيره وعند ابن التين ستة أشهر. والأول هو ما ذكره ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر وحفص، عن داود، عن سعيد تعتد أمرأته سنة. (١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٤٧. ٣٧٩ كِتَابُ الطَّلَاق = وحدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قالا في أمرأة المفقود: تتربص أربع سنين، وتعتد أربعة أشهر وعشرًا(١). قال المهلب: تبع سعيد في هذا حكمه العلي بتعريف اللقطة سنة. قال ابن المنذر: وعند سعيد إذا فُقِد في غير صف فأربع سنين. وقال الأوزاعي: إذا فُقِد ولم يثبت عن أحد منهم أنهم قتلوا ولا أُسروا (فعليهن)(٢) عدة المتوفى (عنهن)(٣) ثم يتزوجن. وقال مالك: ليس في انتظار من فُقِد عند القتال وقت. وجعل أبو عبيد حكمه حكم امرأة المفقود، وبه قال أبو الزناد. والجواب في هذا عند الثوري والشافعي وأصحاب الرأي كجوابهم عن أمرأة المفقود (٤). فائدة : قوله: (تربص) أصله تتربص فحذف إحدى التائين كقوله تعالى: ﴿نارا تلظى﴾ [الليل: ١٤]. ثم قال البخاري: (وَاشْتَرى ابن مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَاٍ، فإن أتى فلي وعليَّ وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَّةِ)، وقال: (عن ابن عباس نحوه). (١) ((المصنف)) ٥١٤/٣ (٢٠٧٦٩). (٢) في الأصل، (غ): (عنهم)، والمثبت هو الصواب. (٣) في الأصل، (غ): (عنهم)، والمثبت هو الصواب. (٤) أنظر: ((الإشراف)) ٨٦/١-٨٧. ٣٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - أثر ابن مسعود - رضي الله عنه- أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد، عن شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل: أشترى عبد الله جارية بسبعمائة درهم. فغاب صاحبها، فأنشده حولًا أو قال: سنة، ثم خرج إلى المسجد فجعل يتصدق ويقول: اللهم فله فإن أتى فعلي. ثم قال: هكذا فافعلوا باللقطة وبالضالة(١). ثم قال البخاري: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ أَمْرَأَتُهُ، وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا أَنْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَتُهُ سُنَّةُ المَفْقُودِ). وهو كما قال، فقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن زوجة الأسير لا تُنكح حتى يعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام. وهذا قول النخعي والزهري ومكحول ويحيى الأنصاري، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور وأبي عُبيد وبه نقول(٢). ثم ذكر البخاري حديث زيد بن خالد الجهني السالف في باب اللقطة(٣) وإدخال البخاري له في الباب من دقة نظره، كما نبه عليه ابن المنير، وذلك أنه وجد الأحاديث متعارضة بالنسبة إلى المفقود؛ فحديث ضالة الغنم يدل على جواز التصرف في ماله في الجملة، وإن لم تتحقق وفاته. وينقاس عليه تصرف المرأة في نفسها بعد إيقاف الحاكم وتطليقه بشروطه. والحديث عن ابن مسعود وما معه يؤيده، ويقابل هذا على المعارضة حديث ضالة الإبل، فمقتضاه بقاء تمليكه أبدًا حتى تتحقق وفاته بالتعمير أو غيره، وبحسب هذا التعارض اختلف العلماء في (١) ((المصنف)) ٣/ ٣٤٠ (٢٠٧٦٩). (٢) ((الإشراف)) ٨٨/١. (٣) برقم: (٢٤٢٧).