النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ = كِتَابُ الطَّلَاقِ 13 هُذا كلامه ولا يسلم له كونه رجعيًّا، ولأنه ذكره عن الأعلام، وأما ردنا ما أخذ منها فإنما أخذه لئلا تكون في عصمته، فإذا أخذه على ما ذكر لئلا تكون في عصمته فأي رجعة له عليها؟! ثم إنا نقول: لا يخلو أن يكون هذا العقد مباحًا - يعني: أخذه منها على ألا تكون في عصمته- أو (لا)(١) يكون مباحًا، فإن كان مباحًا فقد لزم ما عقده على نفسه؛ لأن الله تعالى أباح ذلك، وإن كان غير مباح فهو منسوخ أبدًا، مردود ما أخذ منها، فبطل قوله. فصل : قال وقالت طائفة: الخلع تطليقة، منهم عثمان. روينا من طريق حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن جمهان، أن أم بكرة الأسلمية أختلعت من عبد الله بن أسيد، وكانت تحته، فندما فارتفعا إلى عثمان، فأجاز ذلك. وقال: هي واحدة إلا أن تكون سمت شيئًا فهو على ما سمته، ومن طريق ابن أبي شيبة ثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء. ومن طريق لا يصح عن علي. وبهذا يقول الحسن وابن المسيب وعطاء وشريح ومجاهد والشعبي وقبيصة بن ذؤيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح وعروة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومالك(٢). (١) من (غ). (٢) ((المحلى)) ٢٣٨/١٠. ٣٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- قلت: أثر عثمان، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه قال: خلع جمهان أمرأة ثم ندم وندمت فأتوا عثمان رضي الله عنه .. الحديث(١). وهذا أضطراب فيما روي عن عثمان، فبينما جمهان يروى صار صاحب القصة، وهو دال على عدم الضبط لاسيما عن غير ثقة ولا حافظ، وما حكاه عن ابن المسيب قد رواه وكيع بن الجراح: ثنا إبراهيم بن زيد، عن داود بن أبي عاصم، عنه أنه العقلية جعل الخلع تطليقة (٢) . والذي في ((المصنف)) عنه من قوله(٣). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعطاء، والنخعي، والزهري، ومكحول، والحسن، وشريح أنهم قالوا: الخلع تطليقة بائنة (٤). وعند أبي حنيفة: يلحقها الطلاق في العدة، ولا يلحقها مرسل الطلاق وكنايته(٥)، خلافًا للشافعي وأحمد(٦). وقال مالك: إن طلقها عقيب خلعه متصلًا به طلقت، وإن أنفصل الطلاق عن الخلع لم تطلق (٧) وقيل لأحمد كما حكاه الخلال في ((علله)): حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير (١) ابن أبي شيبة ١٢١/٤ (١٨٤٢٤). (٢) ابن أبي شيبة ١٢١/٤ (١٨٤٢٧). (٣) عبد الرزاق ٦/ ٤٨٢ (١١٧٥٧). (٤) انظر هذِه الآثار في ((المصنف)) ٦/ ٤٨٠-٤٨٣، وابن أبي شيبة ١٢١/٤-١٢٣. (٥) انظر: ((المبسوط)) ٦/ ٨٣. (٦) أنظر: ((الأم)) ١٠٢/٥، ((المغني)) ٢٧٨/١٠. (٧) ((المدونة)) ٢٣٨/٢. ٣٢٣ كِتَابُ الطَّلَاقِ = أنهما قالا: لا يلحقها طلاق. صحيح هو؟ قال: نعم صحيح. ثم قال: زوجة هي فيلحقها طلاق! وطريقة التي قال: لا تصح، أخرجها ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن علي(١). وموسى هذا هو أبو عيسى الطحان، وثقه ابن معين وغيره، وذكر أبو حاتم الرازي أن مجاهدًا أدرك عليًّا (٢)، وكذا قال الضياء: وقد أتفق رواية أيوب ووهيب عنه قال: خرج علينا علي بن أبي طالب(٣). فصل : قال ابن حزم: وروينا عن عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة، أن عليًّا رضي الله عنه قال: لا يأخذ -يعني: من المختلعة- فوق ما أعطاها. وهذا لا يصح عن علي؛ لأنه منقطع وفيه ليث(٤). وذكره ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن عطاء، وطاوس، وعكرمة، والحسن، والزهري، والشعبي، وعمرو بن شعيب، والحكم، وحماد، وقبيصة بن ذؤيب(٥). قال أبو حنيفة: فإن أخذ أكثر مما أعطاها فلیتصدق به. وقال ميمون بن مهران فيما حكاه ابن حزم: إن أخذ أكثر مما أعطاها فلم يُسرح بإحسان(٦). (١) ابن أبي شيبة ١٢٢/٤ (١٨٤٣٣). (٢) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم ص ٢٠٦. (٣) ((الأحاديث المختارة)) ٣٣٩/٢. (٤) ((المحلى)) ٢٤٠/١٠. (٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٨/٤-١٢٩. (٦) ((المحلى)) ٢٤٠/١٠. ٣٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال طاوس والزهري: لا يحل له أن يأخذ (أكثر)(١) مما أعطاها . وفي رواية عمار بن عمران عن أبيه، عن علي أنه كره أن يأخذ أكثر مما أعطى. وروي ذلك أيضًا عن الشعبي والحكم وحماد. وعن عبد الكريم الجزري: لا أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها ما يعيشها(٢). فصل : ذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه ((اختلاف العلماء)) عن سفيان وأصحاب الرأي ومالك والشافعي وأحمد: عدة المختلعة إن كانت ممن تحيض ثلاث حيض، وإن كان قد أيست فثلاثة أشهر. وقال إسحاق وأبو ثور: عدتها حيضة. ونقل في هذا الكتاب عن سفيان وأصحاب الرأي ومالك أن الخلع تطليقة بائنة. وعن أحمد وإسحاق أنه فرقة وليس بطلاق، إلا أن يسمي طلاقًا، فإن سماه فهي بائن، وإن سمی أکثر فهو ما سمى. وعن الشافعي في آخر قوله: إن نوى الخلع طلاقًا أو سماه فهو طلاق، إن سمى واحدة فهي بائنة، وإن لم ينو طلاقًا ولا شيئًا لم تقع فرقة. وقال أبو ثور: إذا نوى الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق، فإن سمى تطليقة فهي تطليقة، والزوج يملك رجعتها ما دامت في عدتها (٣). (١) من (غ). (٢) أنظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ١٢٨/٤-١٢٩. (٣) ((اختلاف الفقهاء)) ص٢٩٩-٣٠٢. ٣٢٥ - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقال الترمذي: اختلف أهل العلم في عدة المختلعة فقال أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم: عدتها عدة المطلقة. وهو قول الثوري وأهل الكوفة. وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم: عدتها حيضة. قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي(١). فرع : اختلفوا هل للأب أن يخالع عن ابنته الصغيرة بشيء من مالها، فقالوا: لا يملك ذلك، وقال مالك: يملك(٢). فصل : قول طاوس: (ولم يقل قول السفهاء: لا يحل حتى تقول: لا أغتسل لك من جنابة) أي: لم يقل طاوس قول السفهاء: لا يحل إلى آخره. ويريد أن قول السفهاء: إن الخلع لا يحل حتى تقول المرأة ذلك، أي: تمنعه من أن يطأها . وظاهر ما في البخاري أن قوله: (ولم يقل) إلى آخره، من كلام البخاري. ونقل غيره نص هذا الكلام عن ابن جريج، ويجوز أن يكون البخاري ظهر له ما قال ابن جريج فنسبه إلى نفسه، ذكره ابن التين. فصل : الحديقة: أرض ذات شجر، قاله ابن فارس(٣). وقال الهروي: كل ما كان أحاط به البناء، وهي: البستان. (١) الترمذي عقب حديث (١١٨٥). (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٦٩/٢، ((المدونة)) ٢٣٩/٢. (٣) ((مجمل اللغة)) ٢٢٢/١. ٣٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ويقال للقطعة من النخل: الحديقة. وأثر عثمان رضي الله عنه أنه يأخذ منها كل ما تملك دون العقاص، وهو الخيط الذي يعقص به أطراف الذوائب أي: يضفر به. فصل : حديث الباب يستدل به على جواز الأختلاع في الحيض؛ لأنه التعليقات لم يسأل. وخالف فيه مالك في ((المختصر)) وأشهب في ((المدونة)). فصل : قد أسلفنا أن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وولدت لثابت محمدًا، قُتل مع أخيه لأمه أمير الحرة عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم خلف عليها بعد ثابت مالك بن الدخشم، فولدت له الفريعة، ثم خلف بعده خبيب بن أساف، فولدت له أبا كثير عبد الله(١). (١) أنظر ترجمتها في: ((الطبقات)) ٣٨٢/٨-٣٨٣، ((الاستيعاب)) ٣٦٤/٤-٣٦٥، ((أسد الغابة)) ٧/ ٥١، ٥٤. ٣٢٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ = ١٣- باب الشِّقَاقِ، وَهَلْ يُشِيرُ بِالْخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٣٥]. ٥٢٧٨- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ اِشْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ بَنِي المُغِيرَةِ أَسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٍّ ابنتَهُمْ، فَلَا آذَنُ)). [انظر: ٩٢٦ - مسلم: ٢٤٤٩ - فتح ٩ /٤٠٣]. ثم ساق حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ بَنِي المُغِيرَةِ أَسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٍّ ابنتَهُمْ، فَلَا آذَنُ» . هذا الحديث سلف، ولا تظهر دلالته لما ترجم له، وحاول البخاري إدخاله في الباب بأن يجعل قوله: ((فلا آذن)). خلعا، كما ادعاه المهلب، ثم قال: ولا يقوى هذا المعنى؛ لأنه قال في الحديث: ((إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي)) (١) فدل على الطلاق. فإن أراد أن يستدل من دليل الطلاق على الخلع فهو دليل من دليل، وذلك ضعيف، وإنما فيه الشقاق والإشارة بالطلاق من خوفه، وأقره عليه ابن بطال(٢). وقال ابن المنير: قد يحتمل أن يستدل بقوله ((فلا آذن لهم))، وجه الدليل أنه أشار على عَليٍّ بعدم نكاح ابنتهم، ومنعه من ذلك إذا علم من ذلك أنه موقوف على إذنه، فلم يأذن؛ لضرورة صيانة فاطمة عن التعريض لما جبلت عليه النفوس من الغيرة، فإذا استقر جواز الإشارة بعدم التزويج التحق به جواز الإشارة بقطع النكاح للمصلحة (٣) . (١) سيأتي برقم (٥٢٣٠). . (٣) ((المتواري)) ص٢٩٣-٢٩٤. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٥/٧. ٣٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : ذكر ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق. وقال الشعبي: ما قضى الحكمان جاز. وقال أبو سلمة: الحكمان إن شاءا جمعا، وإن شاءا فرقا. وقال مجاهد نحوه. وعن الحسن: إذا اختلفا جعل غيرهما، وإن أتفقا جاز حكمهما. وقال طاوس: إذا حكم أخذ بحكمهما، ولا تتبع أثر غيرهما، وإن كان قد حكم قبلهما عليك(١). وسئل عامر عن رجل وامرأة حكما رجلًا ثم بدا لهما أن يرجعا. فقال: ذلك لهما ما لم يتكلما، فإذا تكلما فليس لهما أن يرجعا(٢). فصل : وفيه الحكم بقطع الذرائع؛ لأنه تعالى أمر ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق قبل وقوعه. فصل : قام الإجماع على أن المخاطب بالآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ٣٥]: الحكام والأمراء، وأن قوله تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا﴾ [النساء: ٣٥] يعني أن الحكمين يكونان من أهل الرجل، والثاني من أهل المرأة إلا أن لا يوجد من أهلهما من (يصلح)(٣) لذلك، فيرسل من غيرهما، وأن الحكمين إذا أختلفا لم ينفذ قولهما. وأن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين. (١) ابن أبي شيبة ١٧٤/٤، وليس فيه عن الحسن بل الكلام كلام الحكم. (٢) ابن أبي شيبة ١٩٩/٤ (١٩٢٣٣). (٣) في الأصول: (لا يصلح)، ولا يستقيم به المعنى. ٣٢٩ = ڪِتَابُ الطَّلَاقِ واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوجين أم لا ، فقال مالك والأوزاعي وإسحاق: يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل منهما، ولا إذن بينهما في ذلك. وروي هذا عن عثمان وعلي وابن عباس وعن الشعبي والنخعي. وقال الكوفيون والشافعي: ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق. وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو ثور وأحمد. واحتج أبو حنيفة بقول علي للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدل أن مذهبه: لا يفرقان إلا برضا الزوج. قالوا: والأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه، وجعله من باب طلاق السلطان على المولى والعنين. قال ابن المنذر: ولما كان المخاطبون بقوله تعالى: ﴿فَبْعَثُواْ حَكَمًا﴾ [النساء: ٣٥] الحكام، وأن ذلك إليهم، دل على أن التفريق إليهم، ولو لم يكن كذلك لما كان للبعثة معنى (١). وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثًا قال: تكون واحدة، وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة(٢). وقال ابن القاسم: تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليهما على حديث زيد. وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ، وقال ابن المواز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء(٣). ٦: (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٢٥/٧، ((الإشراف)) ٢٠٢/١-٢٠٣. (٢) ((المدونة)) ٢٥٧/٢. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٨٢/٥. ٣٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٤- باب لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ طَلَاقًا ٥٢٧٩- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ، إِحْدى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ، فَخُيَّرَتْ فِي زَوْجِهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ : ((الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِلّهِ وَالْبُزْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٌ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ، فَقَالَ: ((أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟)). قَالُوا: بَلَىَّ، ولكن ذَلِكَ لَحَمّ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. قَالَ: ((عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). [انظر: ٤٥٦- مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح ٩ / ٤٠٤]. ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة وقد سلفت. ووجه مطابقة التبويب أن عصمتها لو زالت لما خيرت. وقد اختلف العلماء فيما عقد له، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص(١) ما ترجم له، وهو مذهب كافة الفقهاء. وخالفت فيه طائفة، روي عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب، ومن التابعين سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد(٢)، واحتجوا بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٤] فحرم الله علينا المتزوجات من النساء، إلا إذا ملكتهن أيماننا فهن حلال لنا؛ لأن البيع لها حدوث ملك فيها، فوجب أن يرتفع حكم النكاح ويبطل، دليله الأمة المسبية ذات الزوج. وحجة الجماعة قصة بريرة أنها أعتقت فخيرت في زوجها، فلو كان طلاقها يقع ببيعها لم يخيرها الشارع بعد ذلك عند العتق، ويقول لها : إن (١) أنظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ١٠٦/٤. (٢) انظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ١٠٥/٤-١٠٦. ٣٣١ = ڪِتَابُ الطَّلَاقِ شئت أقمت تحته. وأيضًا فإنه عقد على منفعة، فوجب أن (لا)(١) يبطل بيع الرقبة، دليله المستأجرة(٢)؛ لأن النكاح عقد على منفعة، والإجارة كذلك، ثم إن البيع لا يبطلها، وكذا النكاح. وأيضًا فإنه أنتقال ملك رقبة أحد الزوجين من ملك إلى ملك، فوجب ألا يبطل، دليله إذا بيع الزوج، ولما لم يمنع ملك البائع صحة النكاح كان ملك المبتاع مثله؛ لأنه يقوم مقامه، وهو فرع منه. فإن قالوا: إن الأمة الحربية إذا كانت مزوجة فإنها إذا أسترقت تنتقل من ملك إلى ملك، ومع هذا ينفسخ النكاح عندكم. قلنا: إن قلنا لا ينفسخ على إحدى الروايتين كالحربية إذا سبيت، سقط سؤالهم. وإن قلنا: ينفسخ على الأخرى، فالفرق أن الحربي لا يملك و(إنما)(٣) له شبهة ملك، فإذا سبيت وملكها المسلم ملكًا صحيحًا، فليس تنتقل من ملك صحيح، وليس كذلك مسألتنا ولا حجة لهم في الآية؛ لأنها نزلت في سبي أوطاس خاصة، فتحرج بعض أصحاب رسول الله وَّ خوفًا أن يكون لهن أزواج، فسألوا رسول الله وكلية. فأنزل الله الآية. فالمراد بها المسبيات إذا حضن قبل أن يحضر أزواجهن، إذا أسلمن معًا فإنه يحل وطؤهن وإن كان لهن أزواج مشركون، فأما إن أسلمن وأسلم أزواجهن معًا فهم على نكاحهم، كما ستعلمه في موضعه. (١) من (غ). (٢) أي إذا باع رقبة مستأجرة، كما في ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٢٧. (٣) في الأصول: لا، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٤٢٧/٧، وهو الموافق للسياق. ٣٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : وفيه: أن الناس على عهد رسول الله وَلّر لم يكونوا مستنكرين هدية بعضهم لبعض الطعام، والشيء الذي يؤكل، ومالا يعظم خطره، دليله قوله الثفيها: ((لو أهدي إلي ذراع لقبلت))(١)؛ لأنه العليا لم ينكره من بريرة أن أهدت اللحم، ولا أنكر قبول عائشة رضي الله عنها له. وفيه: أن من أُهدي إليه هدية قَلَّت أو كَثُرت لا يردها، فإن أطاق المكأفاة عليها فعل، وإلا أثنى عليه بها وشكرها بقوله؛ لما روي عن رسول الله وَهر في ذلك. (١) سلف برقم (٢٥٦٨). ٣٣٣ - كِتَابُ الطَّلَاقِ ١٥- باب خِيَارِ الأَمَةِ تَحْتَ العَبْدِ ٥٢٨٠- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَغْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ. [٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣ - فتح ٤٠٦/٩]. ٥٢٨١- حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى بْنُ حَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ -يَغْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ - كَأَّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، يَبْكِي عَلَيْهَا. [انظر: ٥٢٨٠ - فتح ٤٠٧/٩]. ٥٢٨٢- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ، كَأَنَّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ. [انظر: ٥٢٨٠- فتح ٩ / ٤٠٧] . ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا، يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ. ثم رواه وقال: مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ - يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ المَدِينَة يبكي عليها . ثم رواه أيضا وقال: كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له: مغيث، عبدًا لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة. الشرح : قام الإجماع على أن الأمة إذا أعتقت تحت عبد أن لها الخيار في البقاء معه أو مفارقته(١): ومعناه: أنه لما كان العبد في حرمته وحدوده وجميع أحكامه غير مكافئٍ للحرة، وجب أن تخير تحته إذا حدث لها حرية في عصمته. (١) نقل الإجماع ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٥٠/٣. ٣٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وأيضًا فإنها حين وقعت العقد عليها لم تكن من أهل الأختيار لنفسها، فجعل الله لها ذلك حين صارت أكمل حرية من زوجها. قال المهلب: وأصل هذا في كتاب الله تعالى، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥] (فكان)(١) اشتراط الله تعالى في جواز نكاح الأحرار الإماء عدم الطول إلى الحرة، وجب مثله في العبد ألا يتطاول إلى حرة بعد أن وجَدَتَ السبيل إلى حر إلا برضاها . واختلفوا في وقت خيار الأمة إذا عتقت، فروي عن ابن عمر وسليمان بن يسار ونافع والزهري وقتادة وأبي قلابة أن لها الخيار مالم يمسها زوجها، وهو قول مالك وأحمد، علمت أم لم تعلم. وقالت طائفة: لها الخيار وإن أصيبت مالم تعلم، فإذا علمت ثم أصابها فلا خيار لها. وهو قول عطاء والحكم وسعيد بن المسيب، وهو قول الثوري، وزاد: بعد أن تحلف ما وقع عليها وهي تعلم أن لها الخيار، فإن حلفت خيرت. وكذلك قال الأوزاعي وإسحاق، وقال الشافعي: إن ادعت الجهالة لها الخيار، وهو أحب إلينا(٢). وفي هذا الحديث ما يبطل أن يكون خيارها على المجلس؛ لأن مشيها في المدينة لم يبطل خيارها . وقد روى قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: والله لكأني أنظر إلى زوج بريرة في طرق المدينة، وإن دموعه لتنحدر على لحيته، (١) في الأصل: (لأنه كان)، والمثبت من (غ). (٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٢٩/٧، ((التمهيد)) ٥٠/٣-٥٢، ((المغني)) ٧١/١٠- ٧٢. ٣٣٥ كِتَابُ الطَّلَاقِ = يتبعها حتى يترضاها لتختاره، فلم تفعل(١). ومثل هذا في حديث زبراء، أنها كانت تحت عبد فعتقت، فسألت حفصة أم المؤمنين فقالت: إن أمرك بيدك ما لم يمَسُّك زوجك. فقالت: هو الطلاق ثلاثًا ففارقته. رواه مالك عن عروة بن الزبير(٢) وفي الحديث حجة لمن قال: لا خيار للأمة إذا عتقت تحت الحر؛ لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدًا، وقد روى أهل العراق عن الأسود، عن عائشة أن زوج بريرة كان حرًّا(٣). واختلف العلماء إذا عتقت الأمة تحت الحر، وروي عن ابن عباس وابن عمر أنه لا خيار لها، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب والحسن وابن أبي ليلى، وبه قال مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق. وقالت طائفة: لها الخيار حرًّا كان زوجها أو عبدًا روي ذلك عن الشعبي والنخعي وابن سيرين وطاوس ومجاهد وحماد، وهو قول الثوري والكوفيين وأبي ثور، واحتجوا برواية الأسود عن عائشة رضي الله عنها أن زوجها كان حرًّا(٤). صححه الترمذي، وقال البخاري: منقطع، وقال مرة: مرسل، وقول ابن عباس: كان عبدًا، أصح(٥). (١) رواه أبو داود (٢٢٣٢)، والترمذي (١١٥٦)، والدارقطني ٢٩٣/٣. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ (٢) ((الموطأ)) ص ٣٤٧-٣٤٨. (٣) سيأتي برقم (٦٧٥٤). (٤) أنظر: ((اختلاف الفقهاء)) للمروزي ٢٥٢-٢٥٣، ((شرح السنة)) ١١٠/٩، ((المغني)) ١٠ / ٦٩. (٥) سيأتي برقم (٦٧٥١)، (٦٧٥٤)، ورواه الترمذي (١١٥٥). ٣٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === وقالوا: لأنه لا رأي لها في إنكاح مولاها؛ لإجماعهم أنه يزوجها بغير إذنها، فإذا عتقت كان لها الخيار الذي لم يكن لها في حال العبودية، وحجة من قال: لا خيار لها تحت الحر أنها لم يحدث لها حال ترتفع به عن الحر، فكأنهما لم (ير)(١) إلا حُرَّين، ولم ينقص حال الزوج عن حالها، ولم يحدث به عيب فلم يكن لها خيار، وقد قام الإجماع على أنه لا خيار لزوجة العنين إذا ذهبت العلة قبل أن يقضى بفراقه لها، فكذلك سائر العيوب زوالها ينفي الخيار، وأما رواية الأسود، عن عائشة فقد عارضها من هو ألصق بعائشة وأقعد بها من الأسود، وهو القاسم بن محمد وعروة بن الزبير، فرويا عنها أنه كان عبدًا. والأسود كوفي سمع منها من وراء حجاب وعروة والقاسم كانا يسمعان منها بغير حجاب؛ لأنها خالة عروة وعمة القاسم، فهما أقعد بها من الأسود. قال ابن المنذر: ورواية أثنين أولى من رواية واحد مع رواية ابن عباس من الطرق الثابتة أنه كان عبدًا. قال: وقال الحسن وقتادة: إذا أختارت نفسها فهي طلقة بائنة، وقال عطاء: واحدة، وقال إبراهيم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يكون طلاقًا(٢). (١) كذا في الأصول، والصحيح (يريا). (٢) ((الإشراف)) ١٥٧/١-١٥٨ بتصرف. ٣٣٧ كِتَابُ الطَّلَاقِ = ١٦- باب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ وَِّّ في زَوْجِ بَرِيرَةَ ٥٢٨٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى ◌ْخِيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّه لِعَبَّاسِ: ((يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟)). فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: (لَوْ رَاجَعْتِهِ)). قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ)). قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. [انظر: ٥٢٨٠- فتح ٤٠٨/٩]. ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا ويَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلَه لِعَبَّاسِ: ((يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضٍ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟)). فَقَالَ النَّبِيُّ مَ: (لَوْ رَاجَعْتِهِ)). قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ)). قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِیهِ. الشرح : هو مطابق لما ترجم له، وهو استشفاع الإمام والعالم والخليفة في الحوائج، والرغبة إلى أهلها في الإسعاف لسائلها، وأن ذلك من مكارم الأخلاق. وقد قال الكلي: ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)). ثم فيه فوائد أُخر: الأولى: أن الساعي في ذلك مأجور وإن لم تنقض الحاجة، طبق ما أوردناه. الثانية: لا حرج على الإمام والحاكم إذا ثبت الحق على أحد الخصمین، إذا سأله الذي ثبت الحق علیه أن يسأل من ثبت ذلك له، ٣٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح تأخير حقه أو وضعه عنه، وأن يشفع له في ذلك إليه، وذلك أنه العمليه شفع إلى بريرة وكلمها بعد تأخيرها وأعلمها مالها من القرار تحته أو الفراق، فقال: ((لو راجعته)). الثالثة: أنه من يُسألُ من الأمور ما هو غير واجب عليه فعله فله ردُّ سائله وترك قضاء حاجته وإن كان الشفيع سلطانًا أو عالما أو شريفًا؛ لأنه الصَّيْ لم ينكر على بريرة ردَّها إياه فيما شَفع فيه، وليس أحد من الخلقِ أعلى رتبة من رسول الله وَّله، فغيره من الخلق أحرى أن لا يكون منكرًا رده فیما شفع فیه . الرابعة: أن بغض الرجل للرجل المسلم على وجه كراهة قربه والدنو منه على غير وجه العداوة له، ولكن اختيارا للبعد منه لسوء خلقه، وخبث عشرته، وثقل (ظله)(١)، أو لغير ذلك مما يُكرِّه الناس بعضهم من بعض جائزٌ، كالذي ذكر من بغضة أمرأة ثابت بن قيس بن شماس له مع مكانه من الدين والفضل لغير بأس، لكن لدمامة خلقه وقبحه، حتى أفتدت منه وفرق الشارع بينهما، ولم ير أنها أتت مأثمًا، ولا ركبت معصية بذلك، بل عذرها وجعل لها (مخرجًا)(٢) من المقام معه، وسبيلا إلى فراقه والبعد عنه، ولم يذمها على بغضها له على قبحه وشدة سواده، وإن كان ذلك جبلةً وفطرةً خلق عليها، والذي يبغض على ما في القدرةِ تركهُ من قبيح الأحوال ومذموم العشرة أولى بالعذر وأبعد من الذم. الخامسة: أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة التي يريد خطبتها، وإظهار (١) في الأصول: ظلمه. والمثبت هو الموافق للسياق كما في ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٤٣٢. (٢) من (غ). ٣٣٩ كِتَابُ الطَّلَاقِ = رغبته فيها، وذلك أنه القَّ لم ينكر على زوج بريرة - وقد اختارت نفسها وبانت منه- إتباعه إياها في سكك المدينة باكيًا على فراقها، وإنْ ظنَّ أحد أن ذلك قبل اختيار بريرة نفسها، فقوله اللّه ((لو راجعته)) يدل أن ذلك كان بعد: بينونتها، ولو كان ذلك قبل بينونتها لقال لها: لو اخترتيه. ولا خلاف بين الجميع أنَّ المملوكةَ إذا عُتقت وهي تحت زوج فاختارت نفسها أنها لا ترجع إلى الزوج الذي كانت تحته إلا بنكاح جديد، غير النكاح الذي كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها. فُعلم أنَّ قوله الكلي ((لو راجعتيه)) معناه: غير الرجعة التي تكون بين الزوجين في طلاق يكون للزوج فيه الرجعة، ولو كان ذلك معناه لكان ذلك إلى زوج بريرة دونها، ولم يكن لزوجها حاجةٌ أن يستشفع برسول الله وله في أن تراجعه. السادسة: أنه لا حرج على مسلم في هوى أمرأة مسلمة وحبه لها، ظهر ذلك أو خفي، ولا إثم عليه في ذلك، وإن أفرط مالم يأت محرمًا، وذلك أن مغيثًا كان يتبعها بعد ما بانت منه في سكك المدينة، مبديًا لها ما يجده من نفسه من فرط الهوى وشدة الحب، ولو كان قبل اختيارها نفسها لم يكن التَّة: يقول لها: ((لو راجعتيه)) لأنه لا يقال لامرأة في حبال رجل وملكه بعصمة النكاح: لو راجعتيه، وإنما يُسأل المراجعة المفارقُ لزوجته . وإذا صح ذلك فغير ملوم من ظهر منه فرط هوى امرأةٍ يحل له نكاحها، نكحته (بعد ذلك)(١) أم لا، [ما](٢) لم يأت محرمًا ولم يَغْشَ مأثمًا . (١) من (غ). (٢) زيادة يقتضيها السياق. ٣٤٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح السابعة: أنه من بانت منه زوجته بخلع أو فدية، بما تكون المرأة فيه أولى بنفسها من زوجها ولا رجعة له عليها أنه يجوز له خطبتها في عدتها، ولا بأس على المرأة بإجابته إلى ذلك؛ لأنه العليا شفع إلى بريرة، وخطبها على زوجها الذي بانت منه، بصريح الخطبة التي هي محظورة في العدة، ولو أن غيره كان الراغب فيها لما جاز له التصريح بالخطبة . الثامنة: أن أمره مخالف لشفاعته، فأمره للوجوب بخلاف شفاعته.