النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ - كِتَابُ الرَّضَاعِ وحكاه في ((الاستذكار)) عن الأوزاعي: مضت السنة أن يقيم عند البكر [سبعًا](١) وعند الثيب أربعًا. ثم قال أبو عمر: أربعًا خطأ، ولعله من خطأ اليد (٢). وقال ابن أبي شيبة: ثنا أبو قطن، عن شعبة، عن الحكم وحماد أنهما قالا: هما في القسم سواء(٣). قال ابن المنذر: وهو قول الكوفيين، وأجمع كل من أحفظ عنه العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء؛ لأنهن حرائر، فلا فرق بينهن في أحكام الأزواج. وروينا عن علي رضي الله عنه أنه قال: إذا تزوج الحر الحرة على الأمة قسم للحرة يومين وللأمة يومًا . وقال به سعيد بن المسيب ومسروق والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وذكر أبو عبيد أنه قول الثوري والأوزاعي وأهل الرأي. وقال مالك: إذا تزوج العبد حرة وأمة عدل بينهما بالسوية. وقال الكوفيون: يقسم بينهما كما يقسم الحر، وبه قال أبو ثور. وكان أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور يقولون: الصحيح، والمريض، والعنين، والخصي، والمجبوب، في القسم سواء. وكان الشافعي يقول في المرأة تثقل: لا بأس أن يقيم عندها حتى تخف أو تموت، ثم يوفي (١) ساقطة من الأصول، ومثبتة من ((التمهيد))، ((الاستذكار)). (٢) ((الاستذكار)) ١٣٨/١٦، وأما قوله: أربعًا خطأ. فلم أجده لا في ((التمهيد)) ولا في ((الاستذكار)). (٣) ((المصنف)) ٥٣٦/٣ (١٦٩٥١). ٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = من بقي من نسائه مثل ما أقام عندها. وبه قال أبو ثور، وقال الكوفيون ما مضى هدر، ويستقبل العدل فيما يستقبل. قال مالك وأبو حنيفة: الصغيرة التي جومعت والبالغ سواء. وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: الحائض، والنفساء، والمريضة، والمجنونة التي لا تمتنع، والصحيحة سواء في القسم. قال الشافعي: إن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، كان ذلك له، وأكره مجازوة الثلاث(١). وهذا سلف، وحاصل اختلاف العلماء في الباب أن طائفة قالت: يقيم عند البكر سبعا، وعند الثيب ثلاثًا . إذا كانت له أمرأة أخرى أو أكثر، على النص السالف، ثم يقسم بينهما، ولا يقضي للمتقدمة بدل ما أقام عند الجديدة. وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وأبي عبيد، حجتهم حديث الباب. وأخرى قالت: للثيب ليلتين وللبكر ثلاثًا وهو قول ابن المسيب والحسن والأوزاعي -كما سلف- قال: إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثًا، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام يومين. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقيم عند البكر إلا كما يقيم عند الثيب، وهما سواء في ذلك؛ احتجاجا بحديث أم سلمة السالف: (ثلثت ودرت))(٢). فلم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطي غيرها مثلها، فدل ذلك على المساواة بينهن، وكذلك قوله: ((وإن شئت ثلثت ودرت)) أي: أدور مثلثا أيضًا لهن، كما أدور سبعًا إن (١) ((الإشراف)) ١١٦/١-١١٧. (٢) في الأصول: ثلث ودُر، والمثبت هو الصواب. ٨٣ كِتَابُ الرَّضَاعِ = سبعت لك. ولو أستحقت الثيب ثلاثة أيام قسمة لها، لوجب إذا سبع عندها أن یربع لهن. أجاب عنه الأولون بأن قوله التَّه: ((ليس بك على أهلك هوان)) يدل على أنه رأى منها أنها استقلت الثلاث التي هي حقها فأنسها بذلك. أي: لست أقسم لك ثلاثًا لهوانك عندي، وإنما قسمتها لك؛ لأنه حق الثيب، وخيرها بين أعلى الحقوق وأشرفها عند النساء. وهي السبع، وبين الثلاث، على شرط: إن أختارت السبع قسم لكل (ثيب)(١) مثلها، وإن اختارت الثلاث التي هي حقها لم يقسم لغيرها مثلها، فرأت أن الثلاث التي هي حقها أفضل لها؛ إذ لا يقسم لغيرها مثلها، ولسرعة رجوعه إليها، فاختارتها وطابت نفسها عليها، ورأت أنها أرجح عندها من أن يسبع عندها على أن يسبع عند غيرها، وفي هذا ضرب من الرفق واللطف بمن يخشى منه كراهية سؤال الحق؛ حتى يتبين له فضله، ويختار الرجوع إليه . ومما يبطل قول الكوفيين أنه إن ثلث عندها ثلث عندهن، ثم يستأنف القسم، أنه القّ لما ذكر السبع قرنها بالقضاء -كما سلف- ولما ذكر الثلاث لم يقرنها به؛ لأن الدوران عليهن يقتضي ابتداء قسم لا قضاء، فسقط قولهم. وقد خالفوا حديث أم سلمة؛ لأنه العليّ جعل لها الخيار في القسم، وأبو حنيفة يجعله إلى الزوج، وفي هذا مخالفة الخبر. قال (أحمد)(٢) بن خالد(٣): هذا الباب عجيب، إنه صار فيه أهل المدينة (١) من (غ). (٢) في الأصول: محمد، وهو خطأ والمثبت هو الصواب. (٣) هو الإمام الحافظ الناقد محدث الأندلس، أبو عمر، أحمد بن خالد بن يزيد القرطبي، يعرف بابن الجباب وهو نسبه إلى بيع الجباب. = ٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إلى ما رواه أهل العراق؛ لأن حديث أنس بصري، وصار فيه أهل العراق إلى ما رواه أهل المدينة، وقول أهل المدينة أولى؛ لقول أنس: السنة كذا، والصحابي إذا ذكر السنة بالألف واللام فإنما أشار إلى سنته القَيّ، وقد خرج بذلك أيضًا كما سلف. واللام في قوله: ((للبكر سبع وللثيب ثلاث)) لام الملك، فدل أن ذلك حق من حقوقها فمحال أن يحاسبها بذلك. وقول ابن المسيب والحسن خلاف الآثار، فلا معنى له، وكذلك قال أبو عمر فيه: عجيب؛ لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة عن أم سلمة، وصار فيه أهل المدينة إلى ما رواه أهل العراق عن أنس(١). واحتج أبو حنيفة وداود ومن قال بالتسوية بين البكر والثيب بما يجب من العدل بين النساء، وبحديث عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة المذكورين في آخر الباب قبله(٢). قال محمد بن الحسن: لأن الحرمة لهما سواء، ولم يكن العليا يؤثر واحدة على أخرى. واحتج بقوله: ((إن سبعت لِك سبعت النسائي، وإن قال عياض: كان إمامًا في الفقه لمالك وكان في الحديث لا ينازع، سمع منه خلق = كثير، وصنف ((مسند مالك))، ((كتاب الصلاة))، ((الإيمان))، ((قصص الأنبياء)) توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: ((جذوة المقتبس)) ١١٤/١١٣، ((بغية الملتمس)) ١٧٥-١٧٦، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٤٠/١٥-٢٤١. : (١) ((التمهيد)) ٢٤٦/١٧. (٢) يقصد أثناء شرحه لباب: العدل بين النساء ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ وحديث عائشة: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك)) ... الحديث. وحديث أبي هريرة: ((من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)». ٨٥ كِتَابُ الرَّضَاعِ = شئت ثلثت ودرت))(١). يعني: بمثل ذلك أدور ثلاثًا ثلاثًا، ولم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها، كما سلف. وفي ((فضائل الشافعي)) للحاكم أن الشافعي لما احتج عليه بأنه لم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطي غيرها مثله بقوله: إنها كانت ثيبًا، فلم يكن لها إلا الثلاث، فقال لها: إن أردت حق البكر وهي أعلى حقوق النساء وأشرفها عندهن بعفوك حقك إذ لم تكوني بكرا، فيكون لك سبع، فقلت: وإن لم تريدي غيره وأردت حقك، فهو ثلاث. قال: قال: حقه، فهل له وجه غيره؟ قلت: لا، إنما يخير من له حق يشركه فيه غيره، (في)(٢) أن يترك من حقه. قلت له: يلزمك أن تقول مثل ما قلنا؛ لأنك زعمت أنك لا تخالف الواحد من الصحابة ما لم يخالفه مثله، ولا نعلم هنا مخالفا لما ذكره، والسنة ألزم لك من قولك(٣). فصل : عند أكثر العلماء ذلك واجب لها، كان عند الرجل زوجة أم لا ؛ للحديث السالف، ولم يخص من له زوجة ممن لا زوجة له. وصححه ابن بطال، ونقل عن ابن عبد الحكم أن مراد الحديث: من له زوجة ثم تزوج عليها. وعن بعضهم: المراد العموم؛ لأن السنة لم تخص. ثم نقل عن ابن القاسم عن مالك أن المقام المذكور إذا كان له أمرأة أخرى واجب، وعن ابن عبد الحكم أنه مستحب (٤). (١) انظر: ((الاستذكار)) ١٣٩/١٦. (٢) في الأصول: من، والمثبت هو الصواب كما في ((معرفة السنن)). (٣) أنظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٢٨٦/١٠. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٣٧. ٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد اختلفوا في المقام المذكور: هل هو من حقوقها عليه أو من حقوقه على سائر نسائه؟ فقالت طائفة: هو حقها، إن شاءت طالبت به وإن شاءت ترکته. وقال آخرون: هو من حقوقه، إن شاء أقام عندها وإن شاء لم يقم، فإن أقام عندها ففيه من الاختلاف ما ذكرناه، وإن لم يقم عندها إلا ليلة دار، وكذلك إن أقام ثلاثًا دار على ما ذكرنا من اختلافهم. والأول عندي أولى؛ لإخبار الشارع أن ذلك حق للبكر والثيب. وقال ابن التين: في بعض حديث أم سلمة الحجة لأبي حنيفة في قوله: إن السبعة والثلاث للاستئناس، ثم يقسم لصواحبها كذلك، ويحاسبها بالأيام التي حبس عندها . ونقل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا يحاسبها، ثم قال: فإن ذلك حق لها. وقيل: للزوج، يريد: إذا كان له نسوة سواها. وقيل: لهما جمیعًا . وفائدة الخلاف: أنها إذا تركته قُسّم بينها وبين غيرها، إذا قلنا: إنه حق لها. وعلى القول بأنه حق له أيضًا إذا تركتْ حقه قسم بينها وبين صواحبها، وإن كرهت. وإن قلنا: لهما -وهو الصحيح- فلا يقسم لها ولهن إلا برضاهما جميعًا، أو تنقضي المدة. فصل : قال الباجي في ((منتقاه)): هل يتخلف العروس في هذِه المدة عن الجماعة والجمعة؟ روى ابن القاسم عن مالك المنع(١)، ونقله ابن بطال عن الشافعي، وقال: سحنون: عن بعضهم أنه لا يخرج؛ لأن (١) ((المنتقى)) ٢٩٥/٣. ٨٧ = كِتَابُ الرَّضَاعِ ذلك حق لها بالسنة، وهذا على من تأول إقامته عند البكر والثيب على العموم، ومن رأى أن يخرج إلى الصلاة تأول إقامته عندها على ما يجب لها من القسمة والمبيت دون غيرها من أزواجه، فليس ذلك بمانع له من الحضور، كما يفعل غير العروس في قسمته بین نسائه، وليس له التخلف عن الجماعة(١). ووجه كونه لا يخرج: أن من ملك منافع أجير في مدة ما، فإنه يسقط عنه بذلك فرائض الجمعة وحقوق الجماعات، كالسيد في عبده، فإن قلنا: إنه حق للزوجة. هل: يقضى به على الزوج أم لا؟ قال أشهب: هو حق عليه، ولا يقضى به عليه كالمتعة. وعن محمد بن عبد الحکم: يقضى به. قال ابن حبيب: ويخرج إلى حوائجه وصلاته، بكرًا كانت أو ثيبًا، کانت له زوجة أم لا . وروى ابن أبي أويس، عن مالك فيمن دخل على امرأته ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعة؟ قال: لا، تزوج أمير المؤمنين المهدي بالمدينة، فخرج إلى الصبح وغيرها(٢). فصل : خص البكر بالسبع؛ لما في خلق الأبكار من الأستيحاش من الرجال، والنفار من معاشرتهم، ولما يلقى الرجل من معالجتهن في الوصول إليهن، بخلاف الثيب؛ لسهولة أمرها، وعلمها بمباشرة الرجال، لم يفسح لها في المدة أكثر من ثلاث. (١) ((شرح ابن بطال)) ٣٣٨/٧. (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٦١١/٤، ((شرح ابن بطال)) ٣٣٧/٧-٣٣٨. ٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فصل : عندنا أن المقام عندهما كذلك واجب، وهي رواية ابن القاسم، عن مالك. وفي رواية ابن عبد الحكم: مستحبة(١). (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٦١١/٤. ٨٩ كِتَابُ الرَّضَاعِ ١٠٢- باب مَنْ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ في غَسْلٍ وَاحِدٍ ٥٢١٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى بْنُ حَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَّهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَّهَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةِ. [انظر: ٢٦٨ - مسلم: ٣٠٩ - فتح ٩/ ٣١٦]. ذكر فيه حديث قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم أن نبي الله وَيّ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة. هذا الحديث سلف في الغسل، فراجعه، وقد سلف هناك: إحدى عشرة. ونقل ابن التين بعد أن ذكره بلفظ سبع، عن الشيخ أبي الحسن: المعروف تسع. قلت: وهو الموجود في الأصول. ثم قال: ويحتمل أن يكون هذا قبل تزويجه بصفية، وبعد ترك سودة ليومها. ونقل ابن بطال عن جماعة العلماء أنه لا يجوز أن يطأ أمرأته في ليلة أخرى، وإنما يجوز في الإماء؛ حيث لا قسمة لهن. قال ابن حبيب: وإذا وطئ الرجل إحدى أمرأتيه في يومها، ثم أراد أن يطأ الأخرى قبل أن يغتسل فحللت له أمرأته التي لها ذلك اليوم، فلا بأس به. ويكره للرجل أن يجمع بين أمرأتين من نسائه في فراشٍ واحد وإن رضيتا بذلك، ولا يجوز أن يطأ الواحدة والأخرى معه في البيت، وإن لم تسمع ذلك. قال ابن الماجشون: ويكره أن يكون معه في البيت بهيمة أو حيوان. وكان ابن عمر إذا فعل ذلك أخرج كل من عنده في البيت حتى الصبي الممهود، ولا بأس أن يطأ أمرأته الحرة ثم يطأ أمته قبل أن يغتسل، ولا بأس أن يطأ حرته قبله. ٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال غيره: لما جاز له أن يطأ أمرأته مرتين أو ثلاثا ثم يغتسل في آخر ذلك، إذا حضر وقت الصلاة، جاز له أن يطأ أمرأتين في ليلة إذا أذنت له صاحبة الليلة، ويغتسل غسلًا واحدًا؛ لفعله التَّ في طوافه على نسائه بغسل واحد في ليلة واحدة. قال ابن الماجشون ولا يجب على الرجل أن يغشى أمرأتيه جميعًا في ليلتهما، ولا بأس أن يغشي إحداهما ويكف عن الأخرى ما لم يرد به الضرر والميل(١). (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٦١٢/٤، ((شرح ابن بطال)) ٣٤١/٧-٣٤٢. ٩١ = كِتَابُ الرَّضَاعِ ١٠٣- باب دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى نِسَائِهِ فِي اليَوْمِ ٥٢١٦- حَدَّثَنَا فَزْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَنْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاخْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَخْتَبِسُ. [انظر: ٤٩١٢- مسلم: ١٤٧٤ - فتح ٣١٦/٩]. ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَنْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ. قال الداودي: جعل ما بعد العصر ملغَى، وأجاز مالك عند محمد أن يأتي الأخرى في حاجة، وليضع ثيابه إذا كان على غير ميل، وقال أيضًا: لا يقيم عند إحداهما إلا من عذر. وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يقف بباب إحداهما ويسلم من غير أن يدخل، وأن يأكل مما تبعث إليه. قال المهلب: هذا إنما كان يفعله التَّة نادرًا، ولم يكن يفعله أبد الدهر، وإنما كان يفعله لما أباح الله له بقوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُكْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فكان يُذكِّرهن بهذا الفعل في الغبِّ بإفضاله عليهن في العدل بينهن؛ لئلا يظنوا أن القسمة حق لهن علیه. وقال غيره: ليس حقيقة القسم بين النساء إلا في الليل خاصة؛ لأن للرجل التصرف نهاره في معيشته وما يحتاج إليه من أموره، فإذا كان دخوله عليها في غير يومها دخولًا خفيفًا، في حاجة يقضيها، فلا أعلم خلافًا بين العلماء في جواز ذلك، ذكره ابن المواز عن مالك، قال: لا يأتي إلى واحدة من نسائه في يوم الأخرى إلا لحاجة أو عيادة. ٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال غيره: وأما جلوسه عندها ومحادثتها تلذذًا بها، فلا يجوز ذلك عندهم في غير يومها(١). فصل : عماد القسم في حق أغلب الناس الليل، والنهار تبع، وليس له الدخول في نوبة على أخرى ليلًا إلا لضرورة كالمرض المخوف، ثم إن طال مكثه قضى، وله الدخول نهارًا؛ لوضع متاع ونحوه، وينبغي ألا يطول مكثه. والأصح عندنا أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة، وأن له ما سوى الوطء من الاستمتاعات، وأنه يقضي إذا دخل بلا سبب. فصل : لا يجب التسوية في الإقامة نهارًا (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٦١٣/٤، ((شرح ابن بطال)) ٣٤٣/٧. ٩٣ كِتَابُ الرَّضَاعِ = ١٠٤- باب إِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ نِسَاءَهُ في أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ بَعْضِهِنَّ، فَأَذِنَّ لَهُ ٥٢١٧- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ: أَخْبَرَبِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: ((أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟)). يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهِ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَخْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح ٩/ ٣١٧]. ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنه التفئلا كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: ((أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًّا؟)). يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الذِي كَانَ يَدُورُ فِيهِ فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللهُ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. هذا الحديث تقدم قريبًا في باب مرضه التَّها، مطولًا(١). وفيه فوائد: الأولى: حب الرجل لبعض أزواجه أكثر من بعض. ثانيها: أن القسم حق للزوجة؛ ولذلك أستأذنهن أن يمرض في بيتها، وإنما فعل ذلك؛ لأنها كانت توافقه، وكانت أرفق به وألطف بتمريضه، مع أن المرض إذا كان ثقيلًا لا يقدر فيه على الانتقال والحركة سقطت القسمة. (١) سلف برقم (٤٤٣٨). ٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال ابن حبيب: إذا مرض مرضًا لا يقوى معه على الاختلاف فيما بينهن، كان له أن يعدل بينهن في القسم، إلا أن يكون مرضه مرضًا قد غلبه ولا يقدر على الاختلاف، فلا بأس أن يقيم حيث أحب، مالم يكن منه ميل، فإذا صح عدل بينهن فيها، ولم يحسب للتي لم يقم عندها ما أقام عند غيرها، وهو قول مالك(١)، واتفقوا إذا مرضت هي أن لها أيامها من القسم كالصحيحة، واختلفوا إذا اشتد مرضها وثقلت. وقد سلف بيانه. وفيه: العدل بين النساء في مرض الموت. فائدة : النحر معروف وهو الصدر، والسحر: الرئة وما معها. وقيل: ما بين الثديين، وانفرد الفراء فحكى الضم في السحر(٢). وقولها: (وخالط ريقه ريقي). تريد: أنها لينت له بفيها سواكًا، فاستاك، فكان آخر شيء دخل جوفه ريقها . وقولها: (فَمَاتَ .. ) إلى آخره. هو غاية الكرامة لها. (١) أنظر: ((المدونة)) ١٩٩/٢. (٢) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ١٦٤٢/٢. ٩٥ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ ١٠٥- باب حُبِّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ ٥٢١٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ، سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهم دَخَلَ عَلَى حَقْصَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ، لَا يَغُرَّنَّكِ هذِه التِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ نَّهَ إِيَّاهَا - يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ بَّهِ فَتَبَسَّمَ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح ٩/ ٣١٧]. ذكر فيه حديث عمر رضي الله عنه أنه دَخَلَ عَلَى حَقْصَةَ فَقَالَ: يَا بَنَّةِ، لَا يَغُرَّنَّكِ هذِهِ التِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِيَّاهَا - يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ لّهِ فَتَبَسَّمَ. هذا الحديث سلف قريبًا . وقوله: (يَا بُنَيَّةٍ). كذا هو في الأصول، وكذا رواه أبو ذر، وروي: (يا بني) مرخمًا، وتفتح ياؤه وتضم. وقوله: (هُذِهِ التِي أَعْجَبَهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ نَّه). وفي بعض النسخ: (أعجبها حسنها حب رسول الله وَ ي)(١) هو بفتح النون من (حسنها)؛ لأنه مفعول من أجله، و(حب) فاعل، تقديره: أعجبها حب رسول الله وَل إياها؛ لأجل حسنها. وقيل: إنه مرفوع كالحب، مثل: أعجبني زيد حلمه عقله علمه. وهو غير صحيح؛ لأن أعجبني زيد حلمه عقله هو بدل اشتمال فزيد مرفوع، والمبدل منه مرفوع مثله، والضمير هنا الذي مع (أعجبها) منصوب، لا يصح بدل الحسن منه ولا الحب؛ لأنهما لا يعقلان فيصح أن يتعجبا، ولا يبدل الحب من الحسن إلا في بدل الغلط، وهو ليس في القرآن ولا في الكلام الفصيح، نبه عليه ابن التين . (١) كذا بالأصل، وهي رواية الباب، فكيف يعبر عنها بقوله: وفي بعض النسخ، فلعله وهم. ٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : قال الطبري: قوله: (لَا يَغُرَّنَّكِ .. ) إلى آخره. يريد: عائشة، ففيه دليل على أنه لا حرج على من كان عنده جماعة نسوة في إيثار بعضهن في المحبة على بعض، إذا سوى بينهن في القسمة. ومثله الحديث السالف: ((اللهم هذا قسمي)) إلى آخره(١). فالذي سأل ربه ألا يلزمه ما كان لا يملكه من نفسه هو ما جبلت عليه القلوب من الميل بالمحبة إلى من هويته، وذلك مما لا سبيل للعباد إلى خلافه ودفعه عنه، وهو المعنى الذي أخبر عنه تعالى أنهم لا يطيقونه من معاني العدل بين النساء، فعلم بذلك أن كل ما كان عارضًا لقلب ابن آدم من شيء مال إليه بالمحبة والهوى، مما لم يجتلبه المرء إليه باكتساب، ولم يتجاوزه العارض منه في قلبه إلى مالا يكرهه الله ولا يرضاه من العمل بجوازه، فلا حرج عليه في ذلك، ولا تبعة تلحقه فيه فيما بينه وبين الله بسبب ما عرض له من فرض هوى وصيانة نفس. قال ابن حبيب: فلما كان القلب لا يملك، ولا يستطاع العدل فيه؛ وضع الله عن عباده الحرج في ذلك، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (١) رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي ٦٣/٧، وابن ماجه (١٩٧١) من حديث عائشة. قال الترمذي: هكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة أن النبي ◌َّةٍ كان يقسم. ورواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا أن النبي وَّ كان يَقْسم، وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. وقال الدار قطني في ((العلل)) ٢٧٩/١٣: المرسل أقرب إلى الصواب. والحديث ضعفه الألباني في ((الإرواء)) (٢٠١٨). ٩٧ - كِتَابُ الرَّضَاعِ وحسب الرجل أن يسوي بين نسائه في القوت والإدام واللباس على قدرها وكفايتها، ويقسم لها يومًا وليلة فيبيت عندها، وسواء كانت حائضًا أو طاهرًا، ثم لا حرج أن يوسع على إحداهن دون غيرها من صواحباتها بأكثر من ذلك من مال، فأما المسيس فعلى قدر نشاطه إذا لم يكن حبسه لنفسه عنها إبقاء لغيرها، لمن هي أحب إليه وألصق بقلبه، فذلك لا يحل أن يفعله، وهو من الميل الذي نهى عنه الله، فأما أن ينشط لهُذِه في ليلتها ويكسل عن هذِه في ليلتها، فلا حرج عليه في ذلك، وذلك من الذي يقع في القلب مما لا يملكه العبد. فصل : قال المهلب: وفيه: أن الصهر قد يعاتب ابنته على الإفراط في الغيرة على زوجها، وينهاها عن مساماة من هي عند الزوج أحظى منها؛ لئلا يحرج ذلك الزوج؛ ويئول إلى الفرقة. ٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٠٦- باب المُتَشَبِّع بِمَا لَمْ يَنَلْ، وَمَا يُنْهَى مِنِ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ ٥٢١٩- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَّهِ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ أَمْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي ضَرَّةَ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ)). [مسلم: ٢١٣٠ - فتح ٩/ ٣١٧]. ذكر فيه حديث هشام عن فاطمة، عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها أَنَّ أَمْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الذِي يُعْطِينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسٍ ثَوْبَيْ زُورٍ». هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث وكيع، وعبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول: إن زوجي أعطاني مالم يعطني، فقال: ((الْمُتَشَبِّعُ)) إلى آخره(١). واعترضوا عليه فيه، فلما ذكره النسائي من هذا الوجه قال: إنه خطأ، والصواب حديث أسماء(٢). وقال الدارقطني في ((علله))(٣): هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، إنما يرويه هكذا معمر والمبارك بن فضالة. والصحيح: عن (١) ((صحيح مسلم)) (٢١٢٩) كتاب الأدب. (٢) ((السنن الكبرى)) ٢٩٢/٥ (٨٩٢١). (٣) ((علل الدارقطني)) ٢٧٨/١٣ (٣١٧٥). ٩٩ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ فاطمة عن أسماء. وإخراج مسلم حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة لا يصح، والصواب: حديث عبدة ووكيع وغيرهما عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء. وقال في ((التتبع)): هذا لا يصح، أحتاج أن أنظر في كتاب مسلم، فإني وجدته في رقعة والصواب: عن عبدة ووكيع وغيرهما، عن أسماء(١). وجاء في الإسماعيلي: إن لي جارة. وهي الضرة، كما سلف. قال أبو عبيد: المتشبع: المتزين بأكثر مما عنده، يتكثر بذلك ويتزين بالباطل، كالمرأة يكون لها ضرة فتتشبع عندها بما تدعيه من الحظوة عند زوجها بأكثر مما عندها، تريد بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها، وكذلك هذا في الرجل (٢). وقوله: ( ((كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ)) ) يريد: أن الرجل يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة. ومقصوده: أنه يظهر للناس أتصافه بذلك بأكثر مما في قلبه، فهذِه ثياب زور ورياء. وقيل: هو كمن لبس ثوبين لغيره، فأوهم أنهما له. وقيل: هو من يلبس قميصًا واحدًا ويصل بكميه كمين آخرين، فيظهر أن عليه قميصین. قال الخطابي: والمراد هنا بالثوب: الحالة والمذهب، والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه، ومعناه: أنها كالكاذب القائل مالم یکن(٣). وقال نعيم بن حماد: وهو أن الرجل يطلب منه شهادة زور، فيلبس ثوبين يتجمل بهما، فلا ترد شهادته لحسنٍ، فيقال: هذا أقضاها بثوبيه. (١) ((الإلزامات والتتبع)) ص٣٤٥-٣٤٧. (٢) ((غريب الحديث)) ٣٤٦/١-٣٤٧. (٣) ((معالم السنن)) ١٢٥/٤. ١٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فأضيف الزور إلى الثوبين (١). قال بعض أهل المعرفة بلسان العرب: وللتشبيه هنا معنى صحيح؛ لأن كذب المتحلي بما لم يعط شيئًا فهو كاذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يبذل له (٢). وعند ابن التين: يريد أنه لا ينتفع بذلك كما لا ينتفع بذلك لابس ثوبي زور. وهي تكون من وجوه مثل أن تلبس المرأة ثوبي وديعة أو عارية ليظن الناس أنهما لها، فلباسها لا يدوم، وتفتضح بكذبها، وإنما أراد بذلك خوفًا من الفساد بين زوجها وضرتها، وهو مثل الزور الذي صاحبه فيه مأثوم. وقال الداودي: إنما كره ذلك؛ لأنه يدخل بين المرأة الأخرى وزوجها البغضاء، فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه. قال القرطبي: وذلك التشبع محرم، وإنما صار محرمًا؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وأذى للضرة، وأذى المسلم محرم (٣). ثم نقل ابن التين عن الخطابي أنه قال: فيه تأويلان: أحدهما: أن الثوب مَثَل، ومعناه: إن المتشبع بما لم يعط صاحب زور وكذب، كما يقال لمن وصف بالبراءة من الأدناس: طاهر الثوب. والمراد به نفس الرجل، ومثله: ﴿وَثِيَكَ فَطَهِرْ ( [المدثر : ٤]. والثاني: أن يكون أراد الثوب نفسه، روي لنا في هذا عن نعيم بن حماد قال: الرجل في الحي له هيئة وشارة، فإذا أصبح إلى شهادة الزور شهد لهم فيقبل(٤). وهذا أسلفناه. (١) ((أعلام الحديث)) ٢٠٢٢/٣. (٢) أنظر: ((لسان العرب)) ٥٢٠/١. (٤) ((أعلام الحديث)) ٢٠٢١/٣-٢٠٢٢. (٣) ((المفهم)) ٤٥٢/٥.