النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
فصل :
قوله: ( (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ)) ) يريد أن تحقيق الظن قد يوقع في الإثم،
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِنْهٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقوله: ( ((أَكْذَبُ الحَدِيثِ)) ) یرید: بعضه.
فصل :
والتجسس بالجيم والحاء معناهما واحد عند جماعة وهو: التطلب
لمعرفة الأخبار، قاله الحربي، وقال ابن الأنباري: إنما نسق أحدهما
على الآخر؛ كقولهم: بعدًا وسحقًا. وقيل: بالجيم: البحث عن
عورات الناس، وبالحاء: الاستماع للحديث، وقيل: الأول في الخير
والثاني في الشر، قال تعالى: ﴿أَذْهَبُواْ فَحَسُواْ﴾ [يوسف: ٨٧] وقيل:
أكثر التجسس في الشر، بالجيم. وقال ابن حبيب بالحاء: أن تسمع
ما يقول أخوك فيك، وبالجيم: أن ترسل من (قيل لك) (١) عما يقال
لك في أخيك من السوء (٢) .
(١) كذا في الأصول، ولعل صوابه: قِبَلك.
(٢) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ١/ ٢٧٢ بتصرف.

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤٦- باب تَفْسِيرٍ تَرْكِ الخِطْبَةِ
٥١٤٥- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِ
اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ حِينَ
تَأَيَّمَتْ حَقْصَةُ قَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَقْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ.
فَلَبِثْتُ لَيَالِ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ◌َ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَغْنِي أَنْ أَرْجِعَ
إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلَّ أَّ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأَفَّشِيَ سِرَّ
رَسُولِ اللهِ وَةِ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا.
تَابَعَهُ يُونُسُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٤٠٠٥- فتح
٩ / ٢٠١].
ذكر فيه حديث ابن عمر عن عمر السابق في تأيم حفصة إلى آخره.
ثم قال: تَابَعَهُ يُونُسُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
يعني أنهم جعلوه من مسند ابن عمر (١)، وقد سلف في النكاح هذا في
مسند عمر.
وابن أبي عتيق هذا أسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن
عبد الرحمن بن أبي عتيق.
فإن قُلْتَ: كيف ترجم على هذِه الترجمة وقد سلف أن الخطبة جائزة
على خطبة الغير إذا لم يكن ركون، والشارع حين أخبر أبا بكر لم يكن
أعلم بهذا عمر، فضلًا عن ركونه؟ قُلْتُ: أجاب عنه ابن بطال بأن
(١) ورد بهامش الأصل: الذي ظهر لي أن هذا الحديث هنا من مسند عمر لا ابنه،
وأنهم تابعوا الزهري على أنه من مسند عمر، ولم أر المزي في (أطرافه)) جعله
من مسند ابن عمر، إنما جعله في مسند أبي بكر، وجعله في مسند عمر،
والله أعلم.

٤٤٣
= ڪِتَابُ الرَّضَاعِ
الصديق علم أنه الثّ إذا خطب إلى عمر ابنته يسر بذلك ويشكر الله تعالى
علىَ هُذِهِ النعمة، فقام علم الصديق بهذِه الحالة مقام الركون والتراضي
منهما؛ فكذلك كل من علم أنه لا يصرف إذا خطب لا ينبغي الخطبة على
خطبته حَتَّى يترك كما فعل الصديق(١).
وقال ابن المنير: الظاهر عندي أن البخاري أراد أن يحقق أمتناع
الخطبة بامتناع أبي بكر هذا، ولم ينبرم الأمر من الخاطب والولي،
فكيف لو تراكنا؟ وكأنه من البخاري استدلال بالأولى(٢).
وزعم ابن المرابط أن هذه القصة فيها ما يفسر بعض هذا أنه مكروه
وإن لم يكن ركون، لاسيما بين الإخوان، فإنه يورث عداوة في النفوس
من أجل الغيرة وما يولد منها .
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٢٦١.
(٢) ((المتواري)» ص٢٨٥.

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤٧- باب الخُطْبَةِ
٥١٤٦- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَّرَ
يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا)).
[٥٧٦٧- فتح ٢٠١/٩].
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا)).
الشرح :
هذا الحديث ذكره في الطب، وأبو داود والترمذي وقال: حسن
صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن عمار وابن مسعود وعبد الله بن
الشخير(١).
والمشرق هنا مشرق المدينة، وللترمذي: فعجب الناس من
كلامهما، فالتفت إليهما رسول الله وَل فقال: ((إن من البيان سحرًا))
أو ((إن بعض البيان سحرٌ))(٢).
والرجلان: الزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، واسمه سنان،
هتمه قيس بن عاصم، وكانا وفدا على رسول الله وَّة سنة تسع من
الهجرة في وفد بني تميم، سبعين أو ثمانين، فيهم الأقرع بن حابس،
وقيس بن عاصم، وعطاء بن حاجب.
روى البيهقي في ((دلائله)) من حديث مقسم عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: جلس إلى رسول الله وَّه قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر
وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا
سيد بني تميم والمطاع منهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم
(١) أبو داود (٥٠٠٧)، الترمذي (٢٠٢٨).
(٢) الترمذي (٢٠٢٨).

٤٤٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
بحقوقهم، وهذا يعلم ذَلِكَ -يعني عمرو - فقال عمرو: إنه شديد
العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول
الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال
عمرو: أنا أحسدك! والله يا رسول الله إنه للئیم الخال، حدیث المال،
أحمق الولد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في
الأولى وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قُلْتُ: أحسن
ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت. فقال العليا: ((إن من
البیان سحرًا، إن من البيان سحرًا).
وفي حديث محمد بن الزبير الحنظلي قال العليّ لعمرو: ((أخبرني عن
هذا -يعني: الزبرقان- فأما هذا - يعني قيس بن عاصم- فلست أسألك
عنه)) قال: وأراه قد كان عرفه(١).
ولأبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: جاء
أعرابي إلى رسول الله وَِّّ، فجعل يتكلم بكلام فقال العَيْ .. الحديث(٢).
وعند أبي زرعة دخل رجل على رسول الله وَله فقال ◌َالية .. الحديث.
ومن حديث صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن جده مرفوعًا :
((إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكمًا، وإن من
القول عيالًا))(٣).
فقال صعصعة بن صوحان العبدي: صدق نبي الله وَخلاله .
وأما قوله: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا)) فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن
بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق.
(١) ((دلائل النبوة)) ٣١٦/٥-٣١٧.
(٢) أبو داود (٥٠١١).
(٣) ورد بهامش الأصل: كذا أحفظه وكذا هو في ((الغريبين)) عَيْلا.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما قوله: ((من العلم جهلًا)) فهو أن يتكلف العالم إلى علمه
ما لا يعلم فيجهل لذلك.
وأما قوله: ((إن من الشعر حكمًا) فهي هذه المواعظ والأمثال التي
يتعظ بها الناس، وأما قول: (([إن](١) من القول عيالًا)) فعرضك كلامك
على من ليس من شأنه ولا يريده(٢).
ورواه أبو زرعة الحافظ أحمد بن الحسين بن علي الرازي في كتاب
الشعراء من حديث حسام بن مصك ومحمد بن سليم، وعن عبد الله بن
بريدة، عن أبيه، به.
وذكر ابن التين أن الخاطبين، الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم،
مدحه الزبرقان فأبلغ، ومدحه الآخر فقصر عن بعض ما فيه. فقال
الزبرقان: حسدني والله يا رسول الله على مكاني منك، ولقد كتم
بعض ما يعلم، وإنه لضيق العطن لئيم الولد، والله يا رسول الله
ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، أرضاني ابن عمي
فقلت أحسن ما فيه، وأغضبني فقلت أشر ما فيه.
فصل :
وهذا الحديث له طرق أخرى:
أحدها: طريق (عمران)(٣) أن رسول الله وسلم قال: ((إن من البيان
سحرًا)) .
ثانيها: من طريق البراء مرفوعًا بزيادة: ((إن من الشعر حكمًا)).
أخرجه أبو زرعة في الكتاب السالف. وقال الدارقطني في ((أفراده)):
(١) زيادة يقتضيها السياق من أبي داود.
(٢) أبو داود (٥٠١٢).
(٣) كذا في الأصول، ولعل صوابها: عمار كما عند مسلم (٨٦٩) كتاب الجمعة،
باب: تخفيف الصلاة والخطبة.

٤٤٧
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، ومن حديث العرزمي محمد
عنه، تفرد به أبو داود الحفري عنه.
ثالثها: طريق مطرف عن أبيه عبد الله بن الشخير: قدم على رسول
الله ◌َّر رهط من بني عامر فقالوا: أنت سيدنا، وأفضل علينا فضلًا،
وأطول علينا طولًا، وأنت الجفنة الغراء، فقال القديمة: ((لا يشهدنكم
الشيطان)) .
ثم قال: ((إن من البيان سحرًا)) أخرجه الطبري في ((تهذيبه)) من حديث
مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جرير، عن مطرف به، وأخرجه
العسكري، عن غيلان، عن مطر بن حماد بن واقد، حَدَّثَنَا مهدي، فذكره
مختصرًا. وزعم الترمذي أن في الباب عن ابن مسعود(١)، ثم ذكر حديثه،
وليس فيه إلا خطبة النكاح(٢) فلا أدري أهو مراده أم لا.
فصل :
قال ابن التين: أدخل هذا الباب في النكاح وليس هو موضعه.
قُلْتُ: بل هو موضعه، فإن قصده الخطبة عند الخطبة، ويجوز أن
يريد عقد النكاح، والخطبة عند الحاجة من الأمر القديم المعمول به.
وفيه حديث ابن مسعود المشار إليه، وقد أخرجه أصحاب السنن
الأربعة والحاكم، وحسنه الترمذي(٣).
ووجه استحبابها تسهيل أمر الخاطب والرغبة في الدعاء إليه،
ألا ترى أنه اللّه قد شبه حسن التواصل إلى الحاجة بحسن الكلام
(١) الترمذي (٢٠٢٨).
(٢) يقصد حديث رقم (١١٠٥).
(٣) أبو داود (٢١١٨)، الترمذي (١١٠٥)، النسائي ١٠٤/٣- ١٠٥، ابن ماجه
(١٨٩٢)، ((المستدرك)) ١٨٢/٢-١٨٣.

٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فيها، واستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسحر، وإنما هذا من أجل ما في
النفوس من الأنفة في أمر (الموليات)(١)، فقال العملية أن حسن التواصل
إلى هذا (الذي)(٢) تأنف النفوس منه حَتَّى تحبب إلى ذَلِكَ المستبشع
وجه من وجوه السحر الحلال.
واستحب جمهور العلماء الخطبة في النكاح، قال مالك: هذا الأمر
القديم وما قل منها فهو أفضل.
قال ابن حبيب: كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي
على نبيه، ثم يخطب المرأة، ثم يجيب المخطوب إليه بمثل ذَلِكَ من
حمد الله والصلاة على نبيه، ثم يذكر إجابته. وأوجبها أهل الظاهر
فرضًا، واحتجوا بأنه الطَّي خطب حين زوج فاطمة، وأفعاله على
الوجوب.
واستدل الفقهاء على عدم وجوبها بقوله: ((قد زوجتكها بما معك من
القرآن)) ولم يخطب، وبقوله: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو
أقطع)) أي: ناقص ولم يقل: إن العقد لا يتم، بدليل تزويجه المرأة
ولم يخطب(٣) .
وفي أبي داود أنه العليّي خطب إليه رجل قال: فأنكحني من غير أن
يتشهد(٤)، وفي كتاب ابن أبي شيبة: زوج الحسين بن علي بعض
بنات أخيه وهو يتعرق العرق، وزوج مسروق شريحًا ولم يخطب،
(١) في (غ): الوليات.
(٢) من (غ).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٢/٧ - ٢٦٣. وأنظر: ((بداية المجتهد)) ٩٣٧/٣، ((أسنى
المطالب)) ١١٧/٣، ((المغني)) ٩/ ٤٦٦٠٤٦٧.
(٤) أبو داود (٢١٢٠).

٤٤٩
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وأنكح عمر رجلًا وهو يمشي (١).
فصل :
والبيان: الإتيان بلفظ آخر لا يزيد على كشف معناه بزيادة ألفاظ
رائعة تستميل القلوب وتجلبها، كما أن السحر يخرجها عن حد
الاعتدال، وهذا إذا كان اللفظ فيه صدقًا وجائزًا، والمقصود به بغير
الحق كان ممدوحًا، فقد كان لسيدنا رسول الله وَ له خطيب يلقى به
الوافدين وهو ثابت بن قيس، وشاعر وهو حسان بن ثابت، وإذا كان
البيان على ضد ذَلِكَ كان الذم لذلك لا للفظ، كالشعر فإنه يذم بما
يتضمنه ويمدح لا للنظم.
وقيل: البيان: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي لغة كان، ولم يرد
بالسحر هذا النوع، وإنما أراد به بيان بلاغة وحذق، وهو ما دخلته
الصيغة بالتحسين لألفاظه حَتَّى يستميل به قلوب سامعيه، فهذا يشبه
السحر في جلب القلوب، وربما حول الشيء عن ظاهر صورته فيبرزه
للناظرين في معرض غيره، فهذا يمدح فاعله، والمذموم من هذا
الفصل أن يقصد به الباطل واللبس فيوهمك المنكر معروفًا، وهذا
مذموم، وهو أيضًا يشبه بالسحر، إذ السحر صرف الشيء عن حقيقته
قال تعالى: ﴿فَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أي: يصرفون، وهذا من
باب تسمية الشيء ببعض معناه؛ لأنه سمى البيان سحرًا، وإنما هو
مضارع للسحر. وحكي عن يونس أن العرب تقول: ما سحرك عن
وجه كذا. أي: صرفك(٢).
(١) ((المصنف)) ٣٥/٤، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٦٤)، وفي ((الإرواء))
(١٨٢٤).
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٢/ ١٦٤٠.

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلًا سأله حاجة فاعتاض عليه
قضاؤها، فرفق له الرجل في القول، فقال: إن هذا هو السحر
الحلال، وأنجزها له.
فصل :
في الحديث فضل البلاغة والمجاز والاستعارة، وجواز الإفراط في
المدح؛ لأنه لا شيء في الإعجاب والأخذ بالقلوب يبلغ مبلغ السحر،
وإنما تحمد البلاغة و(اللسانة)(١) إذا لم تخرج إلى حد الإسهاب
والتفيهق، فقد جاء في أبي داود: ((أبغضكم إلى الله الثرثارون
المتفيهقون))(٢) وكان هذا - والله أعلم- إذا كان ممن يحاول تزيين
الباطل وتحسينه بلفظ ويريد إقامته في صورة الحق، فهذا هو المكروه
الذي ورد فيه التغليظ.
وأما قول الحق فجميل على كل حال، كان فيه إطناب أو لم يكن إذا
لم يتجاوز الحق، غير أن أوساط الأمور أعدلها. وقد أتفق علماء اللغة
وغيرهم على مدح الإيجاز، والاختصار في البلاغة، وإدراك المعاني
الكثيرة بالألفاظ اليسيرة (٣). وقيل: المراد بالبيان هنا: الذم.
واستدل متأول ذَلِكَ بإدخال ملك هذا الحديث في باب ما يكره من
الكلام بغير ذكر الله (٤)، وهو مذهبه في تأويل الحديث والأول أولى،
قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤].
(١) في الأصول: اللسن، والمثبت من ((التمهيد)).
(٢) الحديث ليس عند أبي داود، بل هو عند الترمذي برقم (٢٠١٨) من حديث جابر بن
عبد الله.
(٣) أنظر ما سبق في ((التمهيد)) ١٧٤/٥، ١٧٦.
(٤) ((الموطأ)) ص ٦١٠.

٤٥١
- كِتَابُ الرَّضَاعِ
٤٨- باب ضَرْبِ الدُّفٌّ في النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ
٥١٤٧- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتِ
الزُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوَّذِ ابن عَقْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى
فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ
آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ: ((دَعِي هذِه،
وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ)). [انظر: ٤٠٠١- فتح ٢٠٢/٩].
ذكر فيه حديث الربيع بنت مُعَوِّذٍ ابن عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ وَّهِ فَدَخَلَ
عليَّ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ
جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ
قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيِّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ: (دَعِي هذا، وَقُولِي
بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ)).
سلف في المغازي(١).
ولابن ماجه: ((أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غدٍ إلا الله))(٢)
وقوله: (يَوْمَ بَدْرٍ) كذا هنا، وذكر الكلبي يوم بعاث، وقال ابن التين
عن النسائي: حديث حسن، وإنما هو من قتل من آبائي يوم أحد.
وفي بعض روايات البخاري: من قتل آبائي بإسقاط (من).
والندب: ذكر النادبة الميت بحسن الثناء والافتخار.
قال ابن العربي: وكانوا كفارًا فلم يكن في ذكرهم بحضرة الشارع
حرج بما يذكرون به، ولو كانوا مسلمين لم ينبغ أن يندبوا بمدح؛ لأن
ذَلِكَ مما يوجب لهم عذابًا، وإنما يندبون بترحم ودعاء(٣) .
(١) برقم (٤٠٠١) باب بعد باب شُهُودِ المَلائِكَةِ بَدْرًا.
(٢) ابن ماجه (١٨٩٧).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) ٣١٠/٤.

٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قُلْتُ: عندنا لا يعذب به إلا إذا أوصى(١).
فصل :
في الحديث فوائد: تشريف الربيع بدخول سيد الخلق عليها وجلوسه
أمامها حيث يجلس الرأس، والضرب بالدف في العرس بحضرة شارع
الملة، ومبين الحل من الحرمة، وإعلان النكاح بالدف والغناء المباح
فرقًا بينه وبين ما يستتر به من السفاح، وإقبال العالم والإمام إلى
العروس. وإن كان لعب ولهو مباح، فإنه يورث الألفة والانشراح.
وليس الامتناع من ذَلِكَ من الحياء الممنوع بل فعله هو الممدوح
المشروع، وجواز مدح الرجل في وجهه بما فيه، فالمكروه من ذَلِكَ
مدحه بما ليس فيه.
فصل :
قولها: (حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ) هذِه اللغة الفصيحة، وأصله أن الرجل كان
إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل عليها فيها. وأنكر غير واحد من
النحويين: بنى بي. وقد وردت في أحاديث صحيحة.
فصل :
الدف داله مضمومة على الأفصح وقد تفتح، وهو الذي بوجه
واحد، واختلف في الضرب بالوجه من الوجهين جميعًا كما قال
ابن التين .
وقوله: ( ((دَعِي هذا))) أي: أن الغيب لا يعلمه إلا الله وقد سلف.
فصل :
ومن أحاديث الباب على شرط الصحيح:
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) ١٧٥/٢.

٤٥٣
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
حديث محمد بن حاطب رفعه: ((فصل ما بين الحلال والحرام
الضرب بالدف)) أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن.
وصححه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد(١).
وقال ابن طاهر: ألزم الدارقطني مسلمًا إخراجه، وهو صحيح.
وفي رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل عن غير أبيه من حديث
عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي حسن أن النبي ولو كان يكره
نكاح السر حَتَّى يضرب بدف، ويقول: ((أتيناكم أتيناكم، فحيونا
نحییکم))(٢).
وحديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله وَ لَو لما رجع من بعض
مغازيه جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن ردك
الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: ((إن كنت
نذرت فأوفي نذرك)).
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح(٣)، ونازعه ابن القطان (٤).
العَلِيماآ
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) بطريق جيد. وفيه: فقعد
وضربت بالدف(٥) .
(١) الترمذي (١٠٨٨)، والنسائي ١٢٧/٦، وابن ماجه (١٨٩٦)، والحاكم ١٨٤/٢،
ولم أجده عند ابن حبان.
(٢) ((المسند)) ٤/ ٧٧ - ٧٨.
(٣) الترمذي (٣٦٩٠).
(٤) قال ابن القطان: وليس كذلك؛ لأن في إسناده عليّ بن الحسين بن واقد، فقد قال
فيه أبو حاتم: ضعيف، وقال العقيلي: كان مرجئًا. اهـ
((بيان الوهم والإيهام)) ٢٥١/٥-٢٥٢.
(٥) ابن حبان ٢٣٢/١٠ (٤٣٨٦).

٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهُذِه الأمة هي سديسة مولاة حفصة كما أفاده ابن طاهر في ((إيضاح
الأشكال))(١) .
وسيأتي في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت أمرأة إلى
رجل من الأنصار فقال وَّل: ((يا عائشة، ما كان معكم لهو، فإن الأنصار
يعجبهم اللهو))(٢) .
فصل :
ومن ضعيفه حديث عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت ذا قرابة لها
من الأنصار، فقال القّة: ((أهديتم الفتاة؟)) قالوا: نعم. قال: ((أرسلتم
معها من يغني؟)) قالت: قُلْتُ: لا. فقال: ((إن الأنصار قوم فيهم
غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم)) أفرده
ابن ماجه(٣). وقال أحمد: حديث منكر.
ولابن أبي حاتم: ((أعلنوا النكاح وأضربوا عليه بالغربال))(٤).
(١) ((إيضاح الإشكال)) ص١٣٨ - ١٣٩.
(٢) سيأتي برقم (٥١٦٢).
(٣) ابن ماجه (١٩٠٠) قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٠٧/٢: هذا إسناد
رجاله ثقات إلا أن الأجلح مختلف فيه، وأبو الزبير قال فيه ابن عيينة: يقولون: إنه
لم يسمع من ابن عباس، وقال أبو حاتم: رأى ابن عباس رؤية. اهـ.
والحديث أعله الألباني في ((الضعيفة)) (٢٩٨١) بعنعنة أبي الزبير.
(٤) هُذا الحديث رواه ابن ماجه (١٨٩٥)، وسعيد بن منصور ١٧٤/١ (٦٣٥)،
وإسحاق بن راهويه في ((مسنده)) ٣٩٢/٢-٣٩٣ (٩٤٥)، وأبو نعيم في ((الحلية))
٢٦٥/٣، والبيهقي ٧/ ٢٩٠، وابن الجوزي في ((العلل)) ١٣٨/٢ (١٠٣٣) من
طريق خالد بن إياس، عن ربيعة الرأي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة مرفوعًا.
قال أبو نعيم: تفرد به خالد بن إياس. اهـ وقال البيهقي، كذا قال، وإنما هو
خالد بن إلياس ضعيف. اهــ وكذا ضعفه ابن الجوزي بخالد بن إياس.
والحديث ضعفه الألباني في ((الإرواء)) (١٩٩٣) دون الشطر الأول.

٤٥٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وللترمذي مضعفًا: ((واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف))(١).
ولابن الأثير من الصحابة، من حديث عبد الحميد بن مهدي: ثَنَا
المعافى، ثنا محمد بن سلمة، عن الفزاري، عن عبد الله بن هبار بن
الأسود بن المطلب، عن أبيه أنه زوج بنتا له فضرب في عرسها بالكبر(٢).
فلما سمعه رسول الله وَليل فقال: ((هذا النكاح لا السفاح))(٣).
وللنسائي من حديث عامر بن سعد، عن قطر بن كعب وأبي مسعود
قالا ((رخص لنا في اللهو عند العرس)) (٤) زاد ابن أبي شيبة: ثابت بن
.(٥)
وديعة (٥) .
وروى الطبري عن السائب بن يزيد: لقي رسول الله وَلل جواري
يغنين، يقلن: حيونا نحييكم، فقال: ((لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا:
حيانا وحياكم)) فقال رجل: يا رسول الله، ترخص للناس في هذا؟
فقال: «نعم، إنه نكاح لا سفاح)).
فصل :
ترجم البخاري النكاح والوليمة وذكر ما يدل للوليمة فقط، لأنه قاس
النكاح عليها؛ ولأن البناء نكاح، وعندنا الضرب به في العرس والختان
جائز، العرس نصًّا والختان قياسًا، وفي غيرهما وجهان، أصحهما
(١) الترمذي (١٠٨٩) وقال: حديث حسن غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون
الأنصاري يضعف في الحديث. اهـ.
(٢) ورد بهامش الأصل: الكَبَر بفتح الكاف والباء الموحدة: الطبل ذو الوجهين،
وقيل: الطبل الذي له وجه واحد.
(٣) ((أسد الغابة)) ٣٨٥/٥.
(٤) ((المجتبى)) ١٣٥/٦.
(٥) ابن أبي شيبة ٤٨٥/٣ (١٦٤٠١).

٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الجواز وإن كان فيه جلاجل (١)، لإطلاق الأدلة، ومن أدعى أنها لم تكن
بجلاجل فعليه الإثبات.
وقد أوضحت الكلام على الدف في ((شرح المنهاج»، ولابد لك من
الوقوف عليه.
(١) انظر: ((طرح التثريب)) ٥٦/٦، ((أسنى المطالب)) ٣٤٥/٤.

٤٥٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
٤٩- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَتِنَّ نِلَةٌ﴾ [النساء: ٤]
وَكَثْرَةِ المَهْرِ، وَأَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]
وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ﴾ [البقرة: ٢٣٦] لَهُنَّ وَقَالَ سَهْلٌ قَالَ
النَّبِيُّ وَهِ: ((وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). [انظر: ٢٣١٠]
٥١٤٨- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَیْبٍ، عَنْ
أَنَسِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأَى النَّبِيُّ وَّهِ بَشَاشَةً
العُرْسِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ إِي تَزَوَّجْتُ أَمْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ. [انظر: ٢٠٤٩- مسلم: ١٤٢٧-
فتح ٢٠٤/٩].
وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ أَمْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ
ذَهَبِ.
ثم ساق بإسناده حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ ابْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ أَمْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأَى النَّبِيُّ وَّهِ بَشَاشَةً
العروس فَسَأَلَهُ، فَقَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ أَمْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ .
وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ أَمْرَأَةً عَلَى وَزْنٍ
نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وقد سلف في البيوع. وهُذِه الآثار دالة على إيجاب المهر، ولا حد
لأكثره عند العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنِطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]
قال عمر فيما ذكره عبد الرزاق: لا تغالوا في صدقات النساء. فقالت
أمرأة: ليس كذلك يا عمر إن الله تعالى يقول: ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ
قِنَطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]. وكذلك في قراءة عبد الله (ولا يحل لكم أن

٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تأخذوا منه شيئًا) فقال: إن أمرأة خاصمت عمر فخصمته(١)، وروى ابن
عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: أصدق
رسول الله ◌َّ كل أمرأة من نسائه أثنتي عشرة أوقية ونشًّا. والنش
نصف الأوقية، فذلك خمسمائة وثمانون درهمًا(٢). وقال ابن شهاب:
آثني عشر أوقية فذلك أربعمائة درهم(٣).
قلت: الصواب: أثنتا عشرة أوقية ونشًا، والجملة خمسمائة؛ لأن
الأوقية أربعون درهمًا. والنش نصف أوقية. وكذا أخرجه مسلم، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة (٤).
وأغرب الحاكم فاستدركه وقال: صحيح الإسناد، وعليه العمل.
قال: وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالًا لأخلاق
الملوك في المبالغة في الصنائع لاستعانة الشارع به في ذَلِكَ(٥).
قلت: وقيل مائتي دينار. وفي أبو داود: أربعة آلاف درهم(٦)، نعم
في الترمذي قال عمر: ما علمت رسول الله وَّ نكح شيئًا من نسائه
ولا [أنكح شيئًا من](٧) بناته أكثر من أثنتي عشرة أوقية أربعمائة
وثمانون درهمًا، ثم قال: حسن صحيح(٨).
(١) عبد الرزاق ٦/ ١٨٠ (١٠٤٢٠).
(٢) ورد في هامش الأصل: كذا في أصله: (وثمانون درهمًا) وفيه نظر، والظاهر أنه خطأ؛
لأن الأوقية أربعون والنش عشرون فالجملة خمسمائة، والله أعلم. ثم وقفت على بقية
الكلام وهو صحيح ورودًا، وقد اعترضه شيخنا المؤلف عقيبه. [قلت: الذي في
عبد الرزاق ٦/ ١٧٧ (١٠٤٠٧): خمسمائة درهم، لا خمسمائة وثمانون درهمًا].
(٣) عبد الرزاق ١٧٦/٦ - ١٧٧ (١٠٤٠٥).
(٤) مسلم (١٤٢٦) كتاب النكاح، باب: الصداق.
(٦) أبو داود (٢١٠٨).
(٥) ((المستدرك)) ٢٢/٤.
(٧) زيادة يقتضيها السياق، من الترمذي.
(٨) الترمذي (١١١٤).

٤٥٩
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
وفي ((بلغة المستعجل))(١) لمحمد بن أبي نصر الحميدي: صدقاته
لكل واحدة من نسائه خمسمائة درهم، هذا أصح ما قيل في ذَلِكَ
حاشى صفية.
وروي عن عمر أنه أصدق أم كلثوم بنت علي أربعين ألف درهم(٢)،
وأن ابن عمر أصدق صفية (٣) عشرة آلاف درهم، وعن ابن عباس وأنس
مثله(٤)، وروي عن الحسن بن علي أنه تزوج أمرأة فأرسل إليها بمائة
جارية، مع كل جارية ألف درهم(٥). وتزوج مصعب بن الزبير عائشة
بنت طلحة فأرسل إليها ألف ألف درهم، فقيل في ذَلِكَ:
وتبيت سادات الجيوش جياعًا.
بضع الفتاة بألف ألف كامل
وعند ابن أبي شيبة: زوج ابن عوف على ثلاثين ألفًا، (وأصدق
غيلان بن مطرف أمرأة عشرين ألفًا)(٦).
وقال المغيرة (بن)(٧) حكيم: أول من سن الصداق أربعمائة دينار
عمر بن عبد العزيز. وقال ابن سيرين: رخص عمر أن تصدق المرأة
ألفين، وعثمان في أربعة آلاف(٨).
(١) هو كتاب ((بلغة المستعجل في التاريخ)) للحميدي صاحب ((الجمع بين الصحيحين))
المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة من الهجرة وقد سبقت ترجمته.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٨٣ (١٦٣٨١).
(٣) ورد في هامش الأصل: بنت أبي عبيد أخت المختار.
(٤) انظر: ((الإشراف)) ٣٦/١.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٨٤ (١٦٣٩٠).
(٦) كذا في الأصل، وهو خطأ وصوابه كما عند ابن أبي شيبة: عن غيلان عن مطرف
أنه أصدق آمرأة ...
(٧) في الأصول: (و)، والمثبت هو الصواب من ابن أبي شيبة.
(٨) ابن أبي شيبة ٣/ ٤٨٤.

٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي (الإشراف)): أصدق عمر صفية عشرة آلاف - وقد سلف- وكان
يزوج بناته على عشرة آلاف، وتزوج ابن عباس شميلة على عشرة آلاف،
وتزوج (مالك بن أنس)(١) امرأته كذلك(٢) .
وقال ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن (عبد الرحمن بن
عبد الله بن عمر) (٣)، عن نافع قال: تزوج ابن عمر صفية على
أربعمائة درهم (فأرسلت إليه)(٤) أن هذا لا يكفينا، فزادها مائتين سرًّا
(٥)
من عمر (٥) .
قال الحربي: أصدق النبي ◌َ ◌ّ سودة بيتًا ورثه، وعائشة على متاع
بيت قيمته خمسون درهمًا. رواه عطية عن أبي سعيد(٦).
وزينب بنت خزيمة أصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشًا (٧)، وأم سلمة
على متاع قيمته عشرة دراهم(٨) .
(١) كذا في الأصول، وفي ((الإشراف)) أنس بن مالك.
(٢) ((الإشراف)) ٣٦/١.
(٣) كذا في الأصل، وفي المطبوع من ابن أبي شيبة ط/دار الكتب العلمية:
عبد الرحمن وعبد الله بن عمر. ولما أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٨/ ٤٧٢ قال:
حدثنا خالد بن مخلد البجلي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع به.
فلعل صوابه عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، فعبد الرحمن وهو ابنه
يروي عن أبيه، والله أعلم.
(٤) في الأصول: فأرسلنا له، والمثبت هو المناسب للسياق، من ابن أبي شيبة.
(٥) ابن أبي شيبة ٤٨٣/٣.
(٦) رواه ابن ماجه (١٨٩٠)، قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٠٥/٢: هذا
إسناد ضعيف لضعف عطية. اهــ وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٤١٤).
(٧) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١١٥/٨.
(٨) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٤٢٦)، وأبو يعلى ١١٤/٦ (٣٣٨٥)،
والطبراني في ((الكبير)) ٢٤٧/٢٣. زاد البزار: متاع بيت.
=