النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
يرد الجبر؛ لكونها أحق بنفسها من وليها(١).
وقال أبو عبيد: أهل العراق لا يرون النكاح جائزًا على البكر البالغ
أبدًا إلا بإذنها وإن أنكحها عليها ويوجبونه عليها بالصمت، ويرون أن
زوجها إن طلقها أو مات عنها قبل دخوله ثم زوجها الأب غيره، أن
حكمها حكم البكر إذًا، ولا تكون بمنزلة الثيب حَتَّى تجامع جماعًا
يوجب لها الصداق(٢).
وفرق الخطابي بين الاستثمار والاستئذان أن الأول طلب الأمر من
قبلها، وأمرها لا يكون إلا بنطق، والاستئذان: طلب الإذن، وإذنها قد
يعلم بسكوتها؛ لأنها إذا سكتت أستدل على رضاها(٣) .
فصل :
قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهي عن نكاح الثيب قبل
الاستثمار وعن نكاح البكر قبل الاستئذان، ودل هذا الحديث على
أن البكر الذي أمر باستئذانها البالغ؛ إذ لا معنى الاستئذان من لا إذن
لها، ومن سخطها وسكوتها سواء(٤)؟!
فصل :
اختلف في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يجوز للأب أن
ينكح البالغ من بناته بكرًا كانت أو ثيبًا إلا بإذنها، قالوا: والأيم:
التي لا زوج لها، وقد تكون بكرًا أو ثيبًا.
وظاهر هذا الحديث يقتضي أن تكون البكر لا ينكحها وليها أبًا كان
(١) ((معرفة السنن)) ٥٠/١٠-٥٣ بتصرف.
(٢) أنظر: ((المبسوط)) ٢١٧/٤.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١٩٦٩/٣.
(٤) ((الإشراف)) ٢٤/١، بتصرف.

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أو غيره حَتَّى يستأمرها، وذلك لا يكون إلا في البوالغ؛ لما دل عليه
الحديث؛ ولتزويجه القليل عائشة وهي صغيرة، وهو قول الثوري
والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور، واحتجوا بهذا الحديث؛
لأنه التليف قال قولًا عامًا: ((لا تنكح البكر حَتَّى تستأذن، ولا الثيب
حَتَّى تستأمر)). وكل من عقد (نكاحها)(١) على غير ما سنه الشارع فهو
باطل. ودل الحديث على أن البكر إذا نكحت قبل إذنها بالصمت أن
النكاح باطل، كما يبطل نكاح الثيب قبل أن تستأمر.
وقالت طائفة: للأب أن يزوج ابنته بغير إذنها، صغيرة كانت
أو كبيرة، ولا يزوج الثيب إلا بأمرها، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك
والليث والشافعي وأحمد وإسحاق(٢).
وقال أبو قرة: سألت مالكًا عن قوله الكلية: ((البكر تستأذن في نفسها))
أيدخل في هذا الأب؟ قال: لا، لم يعن بهذا الحديث الأب، وإنما عنى
به غير الأب. وإنكاح (البكر)(٣) جائز على الصغار(٤)، ولا خيار
للواحدة منهن قبيل البلوغ.
قال ابن حبيب: وقد ساوى الشارع بين البكر والثيب في مشاورتهما
في نفسهما ولم يفرق بينهما إلا في الجواب بالرضى، فإنه جعل جواب
البكر بالرضى في صماتها لاستحيائها، وجعل جوابها بالكراهة لذلك في
الكلام، فإنه لا حياء عليها في كراهيتها كما يكون الحياء في رضاها،
ولم يلزم الشارع الثيب بالصمات حَتَّى تتكلم بالرضى؛ لمفارقتها في
الحياء حال البكر؛ لما تقدم من نكاحها .
(١) في (غ): نكاحًا.
(٢) انظر: ((الإشراف)) ٢٤/١.
(٣) كذا في الأصل، وفي ((التمهيد)): الأب.
(٤) انظر: ((التمهيد)) ٩٨/١٩.

٤٢٣
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
والدليل على أن المراد باستثمار البكر غير ذات الأب حديث أبي
موسى رضي الله عنه السالف: ((تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت.
فقد أذنت)). ففرق بتسميته إياها يتيمة بينها وبين من لها أب، فإذا
كانت يتيمًا فيلزم الأب مؤامرتها، ولا يجوز نكاحه عليها بغير إذنها .
وقول الكوفيين: الأيم: التي لا زوج لها، وقد تكون كذا، جوابه أن
العرب وإن كانت تسمي كل من لا زوج لها أيمًا فهو على الأتساع.
وأصل اللغة: عدم الزوج بعد أن كان. لكن المراد بالأيم هنا:
الثيب، والدليل على ذَلِكَ أنه قد روى جماعة عن مالك: ((والثيب
أحق بنفسها من وليها)) مكان قوله: ((والأيم أحق بنفسها، والبكر
تستأمر)) فذكر الأب بعد ذكره الأيم يدل على أنها الثيب، ولو كانت
الأيم هنا البكر لبطل الولي في النكاح، ولكانت كل بكر لا زوج لها
أحق بنفسها من وليها، وكان هذا التأويل ردًّا لقوله تعالى: ﴿فَلاَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] يخاطب بذلك الأولياء.
واختلفوا في الثيب الصغيرة، فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها
جبرًا كالبكر، وسواء أصيبت بنكاح أو زنًا، وهو أحد الوجهين عند
الحنابلة.
وعن أبي حنيفة ومالك: إذا حملت من زنا كالبكر. وقال الشافعي:
لا تزوج حَتَّى تبلغ فتزوج بإذنها، وسواء جومعت بنكاح أو زنًا. ووافقه
أبو يوسف ومحمد إذا كان الوطء زنا، واعتلوا بأنها إذا خبرت الرجال
كانت أعرف بخطبها من الولي، فوجب أن يكون الأمر لها .
واحتج الآخرون فقالوا: لما كانت محجورًا عليها في مالها حجر
الصغير جاز أن تجبر على النكاح. وأيضًا فإنها قد ساوت البكر
الصغيرة في أنه لا يصح إجبارها، فلا معنى لاستثمارها.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعن أحمد رواية: أنه لا يملك إجبارها. وأخرى: نعم. ويحمل
الحديث على غير الأب. وعندهم إذا بلغت تسع سنين لها إذن معتبر،
وإن لم تبلغها فلا إذن لها، ولا يجوز عندهم لغير الأب تزويجها
كمذهبنا .
وقال أبو حنيفة: يجوز لكل وارث- وفي رواية: يجوز لكل عصبة-
ويكون لها الخيار بعد البلوغ، وعن أحمد مثله. والجد عندنا عند عدمه
كالأب(١).
وقال صاحب ((المغني)): الكبيرة لا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها
إلا بإذنها في قول أهل العلم، إلا الحسن فإن عنده للأب تزويجها وإن
كرهت. وقال النخعي: يزوج ابنته إذا كانت في عياله، وإن كانت بائنة
مع عياله استأمرها(٢).
(١) أنظر هذه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٦/٢، ((المنتقى)) ٢٧٣/٣ -
٢٧٤، ((الأم)) ١٦/٥، ((الإشراف)) ٣١/١، «المغني)) ٤٠٧/٩.
(٢) ((المغني)) ٤٠٦/٩.

٤٢٥
= ڪِتَابُ الرَّضَاعِ
٤٢- باب إِذَا زَوَّجَ ابنتَهُ وَهْيَ كَارِهَةٌ، فَنِكَاحُهُ مَرْدُودٌ
٥١٣٨- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعِ ابنى يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بِئْتِ خِذَامِ الأَنَّصَارِيَّةِ،
أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ تَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ. [انظر:
٥١٣٩، ٦٩٤٥، ٦٩٦٩ - فتح ٩/ ١٩٤].
٥١٣٩- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا يَخْيَى، أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ،
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَيُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى خِذَامَا أَنْكَحَ ابنَةً لَهُ.
نَحْوَهُ. [انظر: ٥١٣٨ - فتح ٩ / ١٩٤].
حدثنا إسماعيلُ، حدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّع ابنىُ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ
خِذَامِ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثنا يَزِيدُ، أَنَا يَحْيَىُ، أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ وَمُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَجُلًا يُدْعَىْ خِذَامًا أَنْكَحَ
ابنةً لَهُ. نَحْوَهُ.
الشرح:
هذا الحديث من أفراده، وقد ذكره أيضًا في ترك الحيل(١)
والإكراه(٢)، بل لم يخرج مسلم عن خنساء في (صحيحه)) شيئًا، ومن
أوهام ابن القطان عزوه إلى مسلم(٣)، فاحذره.
(١) سيأتي برقم (٦٩٦٩)، باب: في النكاح.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٤٥)، باب: لا يجوز نكاح المكره.
(٣) ((بيان الوهم والإيهام)) ٢٤٩/٢.
٠٠

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وإسحاق هذا هو ابن منصور، كما صرح به في باب شهود الملائكة
بدرًا، نبه عليه الجياني بعد أن قال: لم أجده منسوبًا لأحد(١).
وخنساء، بالخاء المعجمة والمد، واسمها زينب بنت خذام - بالخاء
والذال المعجمتين- بن خالد، ولقبه مطروف بن الحارث بن زيد بن
عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن
الأوس، كانت تحب أنيس بن قتادة بن ربيعة بن خالد مطروف، قتل
عنها يوم أحد، وقد كان شهد بدرًا، زوجها أبوها رجلًا فخطبت إلى
أبي لبابة بشير بن عبد المنذر بن رفاعة بن زَنْبر - بفتح الزاي وجزم
النون- بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف، فكرهت الرجل
وتزوجت أبا لبابة، فولد له السائب، روى ذَلِكَ ابن إسحاق عن
الحجاج بن السائب، عن أبيه، عن جدته خنساء(٢).
وجاء في رواية لأبي موسى المديني في كتابه تسميتها ربعة بدل
خنساء، واستغربه. وفي رواية: أم ربعة، ولها كنية. وكان خذام من
أهل مسجد الضرار، ومن داره أخرج، والذي بنى المسجد، وكان
رأس أهله هو جارية -بالجيم- بن عامر بن مجمع بن العطاف بن
ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف، وكان معه ولده مجمع وزيد ويزيد
وبكير، وابن أخيه بجاد بن عثمان بن عامر، وعبد الله بن نبتل بن
الحارث بن قيس بن زيد بن ضبيعة وعبد الرحمن بن يزيد بن حارثة
أخو عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه جميلة بنت ثابت، أخت
عاصم بن ثابت بن أبي الأفلج قيس بن عصمة بن مالك بن أمية بن
ضبيعة حمي الدبر ولد لهما في حياة رسول الله وَطلة، وولى عمر بن
(١) ((تقييد المهمل)) ٩٧٨/٣.
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٦٢/٣٥ (٧٨٢٧)، ((الإصابة)) ٢٨٦/٤.

٤٢٧
= ڪِتَابُ الرَّضَاعِ
عبد العزيز عبد الرحمن بن يزيد قضاء المدينة في إمرته عليها .
روى له الترمذي والنسائي، وروى لأخيه مجمع بن يزيد البخاري
وأبو داود والنسائي وابن ماجه(١)، وروى لابن أخيها مجمع بن
يحيى بن يزيد بن جارية مسلم والنسائي(٢)، ومن عقب يزيد بن جارية
أيضًا أبو زيد محمد بن زيد بن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن
جارية، ولي قضاء المدينة.
ومنهم: مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية، كان فقيهًا ،
وأمَّ بني عمرو بن عوف نحوًا من ثلاثين سنة حَتَّى مات.
روى له أبو داود والنسائي(٣).
وروى لأبيه يعقوب أبو داود أيضًا(٤).
وروى لابن عمه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد مسلم
والنسائي(٥)، وابنه عبد الرحمن بن مجمع.
ومنهم: إسماعيل بن ثابت بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد، كان في
صحابة المهدي والرشيد حَتَّى مات، وعاصم بن سويد بن عامر بن
يزيد بن جارية، كان له فضل وشرف وكان إمام بني عمرو بعد
مجمع بن يعقوب.
ومن بني ضبيعة أيضًا أبو حنيفة بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن
ضبيعة من أهل مسجد الضرار.
(١) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٥٠/٢٧.
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٤٥/٢٧ -٢٥٠.
(٣) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٥١/٢٧-٢٥٢.
(٤) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٦٣/٣٢ -٣٦٤.
(٥) في ((تهذيب الكمال)) ٤٥/٢ - ٤٧ أن الذي أخرج ه البخاري تعليقًا، وابن ماجه.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
روى ابن ماجه هذا الحديث، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد،
عن يحيى كما سلف، لكن بلفظ: فكرهت نكاح أبيها، فأتت النبي :
وسلم
فذكرت ذَلِكَ له، فرد عليها نكاح أبيها، فنكحت أبا لبابة بن
عبد المنذر(١).
وقال الإسماعيلي: رواه شعبة، عن يحيى، عن القاسم مرسلًا قال:
فأتت رسول الله وسلم فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة، وأنا أريد أن
أتزوج عم ولدي. قال: فنزعها رسول الله وَّر، فتزوجت عم ولدها .
قال يحيى: وهي خنساء بنت خدام، قال: وكذلك قال معمر وابن
عيينة: وهي ثيب. فأرسلوه. وعند أحمد من حديث ابن إسحاق عن
الحجاج بن السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر أن جدته أم السائب
خناس بنت خذام بن خالد كانت (تحت)(٢) رجل قبل أبي لبابة، وأبى
أبوها إلا أن يلزمها العوفي حَتَّى ارتفع أمرها إلى رسول الله وَاخيه
فقال: ((هي أولى بأمرها)) فألحقها بهواها فانتزعت من العوفي
وتزوجت أبا لبابة، فولدت له أبا السائب(٣) .
وقال أبو عمر: روى مالك هذا الحديث فقال فيه: وهي ثيب، في
(درج)(٤) [الحديث](٥).
(١) ابن ماجه (١٨٧٣).
(٢) في (غ) و((المسند)): عند.
(٣) «المسند» ٣٢٨/٦-٣٢٩.
(٤) في الأصل: (د. ت. خ) وهو ما يعني أنه في أبي داود والترمذي والبخاري،
ولعله تصحيف من الناسخ، والمثبت من (غ) وهو الموافق لما في ((الاستذكار))
٢٠٦/١٦.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، من ((الاستذكار)) ٢٠٦/١٦.

٤٢٩
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
ورواه غيره فجعله من بلاغ يحيى بن سعيد، كذا ذكره ابن أبي
شيبة(١). وروى ابن عيينة هذا الحديث فلم يذكر فيه: وكانت ثيبًا.
رواه الحميدي وغيره عنه ولم يقم إسناده وقال فيه: قال بعض
أصحاب عبد الرحمن: إنها كانت ثيبًا. وحديث ابن إسحاق يدل على
صحة رواية مالك.
قال أبو عمر: وكانت خنساء هذِه تحت أنس بن قتادة - ويقال:
أنيس، وهو أصح- وقتل عنها شهيدًا (٢)، كما سلف قال: وكانت
أسدية .
قُلْتُ: أهل النسب ذكروها في الأنصار، اللهم إلا أن يذكرونها
أسْدية ساكنة السين فيوافق.
ورواه كرواية مالكٍ ابن فضيل عن يحيى بن سعيد عند الدارقطني.
ومن رواية شجاع بن مخلد، عن هشيم، ثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا
أبو سلمة أن خنساء زوَّجها أبوها وهي ثيب. قال هشام: وثنا عمر، عن
أبيه، عن أبي هريرة به(٣) .
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم،
عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة أن رجلًا أنكح ابنته
على عهد رسول الله وَّه ثيبًا وكرهت ذَلِكَ، فذكرت ذَلِكَ لرسول الله وَله
فقال لها: (((كنت)(٤) نهيتيه أن يزوجك؟)) قالت: نعم. فجعل أمرها
بيدها، فردته. فقال أبي: لا يوصلون هذا الحديث يقولون: أبو سلمة
عن النبي ◌َّ مرسل، وهو أشبه(٥) .
(١) ((المصنف)) ٤٤٣/٣-٤٤٤ (١٥٩٤٨).
(٣) («السنن)) ٢٣١/٣-٢٣٢.
(٥) ((علل الحديث)) ٤١٤/١ (١٢٤٣).
(٢) ((الاستذكار)) ٢١٠/١٦.
(٤) من (غ).

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال أبو عمر: وإذا كانت ثيبًا كان حديثًا مجتمعًا على صحته والقول
به؛ لأن القائلين: لا نكاح إلا بولي، يقولون: إن الثيب لا يزوجها أبوها
ولا غيره من أوليائها إلا بإذنها. ومن قال: ليس للولي مع الثيب أمر.
فهو أحرى باستعمال هذا الحديث. وكذلك الذين أجازوا عقد النكاح
بغير ولي(١).
وروى النسائي من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن
عبد الله بن يزيد، عن خنساء بنت خذام قالت: أنكحني أبي وأنا كارهة
وأنا بكر، فشكوت ذَلِكَ إلى رسول الله وَّ فقال: ((لا تنكحها وهي
كارهة)»(٢) .
وعزاها عبد الحق إلى أبي داود أيضًا (٣)، وليس كذلك فالذي فيه
كما في البخاري (٤)، وقد يجاب عن هذه الرواية بأنه يجوز أن يكون
الراوي أخبر بما شاهد من العقد عليها وأخبرت هي بحقيقة الأمر،
وهو عدم الدخول بها .
فصل :
جاء في رواية أنها قالت: يا رسول الله (إن)(٥) عم ولدي أحب إليَّ
منه (٦) -يعني: أبا لبابة- وذلك مجاز؛ لأنها إذا نكحت عمهم جمعت
شملهم .
(١) ((الاستذكار)) ٢٠٨/١٦.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٢٨٢/٣-٢٨٣ (٥٣٨٢).
(٣) ((الأحكام الوسطى)) ١٤٤/٣.
(٤) أنظر: ((سنن أبي داود)) (٢١٠١).
(٥) في الأصول: (ابن) والصحيح ما أثبتناه كما في ((المصنف)) لعبد الرزاق ١٤٨/٦.
(٦) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٤٨/٦ (١٠٣٠٩).

٤٣١
=ِ كِتَابُ الرَّضَاعِ
فصل :
قد جاءت أحادیث بمثل حدیث خنساء:
منها: حديث عطاء، عن جابر أن رجلًا زوج ابنته بكرًا ولم
يستأذنها، فأتت رسول الله وَّل، ففرق بينهما. خرجه النسائي(١)
وقال: والصحيح إرساله، والأول وهم، وأفهمه كلام الإمام أحمد
فیما حكاه الأثرم عنه.
ومنها: أن ابن عمر تزوج ابنة خاله، وأن عمها هو الذي زوجها .
الحديث. وفيه: فأتت رسول الله وَالل، فرد نكاحها. أخرجها الدار قطني
وقال: لا يثبت عن ابن أبي ذئب، عن نافع، والصواب حديث ابن
أبي ذئب، عن عمر بن حسين(٢).
ومنها: حديث ابن عباس أن جارية بكرًا أنكحها أبوها وهي كارهة،
فخيرها رسول الله وَله. رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين، قال
أبو داود: والصحيح مرسل(٣). وقال أبو حاتم: رفعه خطأ(٤). وأما ابن
القطان فصححه(٥). وقال ابن حزم: إسناده صحيح في غاية الصحة،
ولا معارض له (٦).
ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الدارقطني (٧) .
(١) ((السنن الكبرى)) ٢٨٣/٣.
(٢) ((السنن)) ٢٢٩/٣.
(٣) ((أبو داود)) (٢٠٩٧) وقال فيه: رواه الناس مرسلًا معروف. ولم يقل: والصحيح مرسل.
(٤) ((علل الحديث)) ١/ ٤١٧.
(٥) ((بيان الوهم والإيهام)) ٢٥٠/٢.
(٦) ((المحلى)) ٣٣٥/٨.
(٧) ((السنن)) ٢٣٣/٣.

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذكره النسائي في باب: البكر يزوجها أبوها(١).
فصل :
اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير
رضاها أنه لا يجوز ويرد؛ احتجاجًا بحديث خنساء وغيره، وشذ الحسن
البصري والنخعي فخالفا الجماعة، فقال الحسن: نكاح الأب جائز على
ابنته بكرًا كانت أو ثيبًا كرهت أو لم تكره.
وقال النخعي: إن كانت الثيب في عياله زوجها ولم يستأمرها، وإن
لم تكن في عياله أو كانت نائية عنه استأمرها. ولم يلتفت أحد من الأئمة
إلى هذين القولين؛ لمخالفتهما للسنة الثابتة في خنساء وغيرها،
وما خالفها فمردود (٢).
واختلف الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زوجها بغير إذنها ثم
بلغها فأجازت: فقال إسماعيل القاضي: أصل قول مالك لا يجوز
وإن أجازته، إلا أن يكون بالقرب، كأنها في فور، ويبطل إذا بعد؛
لأن عقده عليها بغير أمرها ليس بعقد، ولا يقع فيه طلاق.
وقال الكوفيون: إذا أجازته جاز، وإذا أبطلته بطل.
وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: إذا زوجها بغير إذنها فالنكاح
باطل وإن رضيت؛ لأنه العَّ رد نكاح خنساء ولم يقل: إلا أن تجيزه،
واستدل به الشافعي على إبطال النكاح الموقوف على إجازة من له
الإجازة، وهو أحد قولي مالك، وقد يقال: محله إذا رضيت دون
ما إذا كرهت(٣).
(١) ((السنن الكبرى)) ٢٨٣/٣.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) ٢٥/١.
(٣) أنظر: ((الاستذكار)) ٢٠٩/١٦، ((الإشراف)) ٢٩/١.

٤٣٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
واستدل الخطابي به على أبي حنيفة في قوله: لا تزوج البكر البالغ
إلا برضاها؛ وذلك أن الثيوبة إنما ذكرت ليعلم علة الحكم، فدل أن
حكم البكر بخلاف ذَلِكَ(١)، وهذا ياتي في رواية أنها ثيب، دون
رواية أنها بكر.
(١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٩٧٢.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٣- باب تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اٌلْيَى فَأَنْكِحُواْ﴾ [النساء: ٣]
وإِذَا قَالَ الولي للخاطب: زَوِّجْنِي فُلَانَةِ. فسكت سَاعَةً أَوْ
قَالَ: مَا مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا. أَوْ لَبِثَا ثُمَّ قَالَ:
زَوَّجْتُكَهَا. فَهْوَ جَائِزٌ. فِيهِ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ
صَلىالله
وسام
٥١٤٠- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ أَخْبَرَبِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَ لَهَا يَا أُمَّتَاهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَى﴾ إِلَى: ﴿مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابن أُخْتِي، هذِه اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ
وَلِيِّهَا، فَيَزْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ،
إِلَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ. قَالَتْ
عَائِشَةُ: أَسْتَقْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ إِلّهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾.
إِلَى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ﴾ [النساء: ١٢٧] فَأَنْزَلَ اللهُ رََّ لَهُمْ فِي هذِهِ الآيَةِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ
ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ، رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا وَالصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبًا عَنْهَا فِي قِلَّةِ
المَالِ وَالْجَمَالِ، تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا خَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ. قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ
عَنْهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا
الأَوَفَى مِنَ الصَّدَاقِ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح ٩ /١٩٧].
ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنها في: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
اُلْيََّ﴾ الحديث بطوله، وقد سلف(١).
ومعنى هذا الباب أن الولي شرط في النكاح، فمخاطبة الله الأولياء
بإنكاح اليتامى إذا خافوا أن لا يقسطوا فيهن، واحتج أبو حنيفة
(١) سلف برقم (٢٤٩٤) كتاب: الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث.

٤٣٥
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
ومحمد بن الحسن بهُذِه الآية في أنه يجوز للولي أن يزوج من نفسه اليتيمة
التي لم تبلغ(١) - وقد سلف- لأن الله تعالى لما عاتب الأولياء أن
(يتزوجوهن)(٢) إذا كن من أهل المال والجمال لا على سنتهن من
الصداق، وعاتبهم على ترك نكاحهن إذا كن قليلات المال والجمال
استحال أن يكون ذَلِكَ منه فيما لا يجوز نكاحه؛ لأنه لا يجوز أن
يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، ألا ترى أنه أمر وليها أن
يقسط لها في صداقها، ولو أراد بذلك بالغًا لما كان لذكره أعلى
سنتها في الصداق معنى، إذ كان له أن يراضيها على ما شاء ثم
يتزوجها على ذَلِكَ حلالاً .
قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ الآية [النساء: ٤]. فثبت
أن الذي أمر أن يبلغ بها أعلى سنتها في الصداق هي التي لا أمر لها في
صداقها، المولي عليه وهي غير بالغ.
ولا يجوز عند مالك والشافعي وجماعة أن تتزوج اليتيمة التي لا أب
لها قبل البلوغ، ويفسخ النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده، وقد سلف
الخلاف في باب تزويج الصغار(٣). وكان من حجة من خالف أبا حنيفة
في ذَلِكَ أنه قد يكون في اليتامى من يجوز حد البلوغ وبعده وهي سفيهة
لا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها، فأمر الله أولياءهن بالإقساط في
الصدقات، فلم تدل الآية على جواز نكاح اليتيمة غير البالغ - كما
زعم أبو حنيفة-، وليس هذا أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل
الآية في اليتيمة البالغ السفيهة.
(١) انظر: ((المبسوط)) ١٨/٥.
(٢) في الأصل: تزوجهن. والمثبت من (غ).
(٣) أنظر: ((التمهيد)) ١٠٢/١٩-١٠٣، ((الأم)) ١٧/٥.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٤- باب إِذَا قَالَ الخَاطِبُ لِلْوَلِّ: زَوَّمْنِي فُلَانَة.
فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكَ بِكَذَا وَكَذَا. جَازَ النِّكَاحُ،
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلزَّوْجِ: أَرَضِيتَ أَوْ قَبِلْتَ
٥١٤١- حَدَّثَنَا أَبُو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، أَنَّ
آَمْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ◌ََّ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَ: ((مَا لِي اليَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ
حَاجَةٍ)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: ((مَا عِنْدََ؟)). قَالَ: مَا عِنْدِي
شَيْءٍ. قَالَ: ((أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: ((فَمَا عِنْدََ
مِنَ القُرْآنِ؟)). قَالَ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا. قَالَ: (فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)).
[انظر: ٢٣١٩ - مسلم: ١٤٢٥ - فتح ٩/ ١٩٨].
ثم ذكر حديث سهل بن سعد رضي الله عنه السالف، وفي آخره:
((فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). وترجم عليه الباب الذي قبله أيضًا.
قال المهلب: بساط الكلام ومفهوم القصة أغنى في هذا الحديث
عن أن يوقف الخاطب على الرضى، وليس هذا في كل نكاح، بل
يجب أن يسأل الزوج أرضي بالصداق والشرط أم لا؟ إلا أن يكون
مثل هذا المعسر الراغب في النكاح، فلا يحتاج إلى توقيفه على
الرضى لعلمهم به(١).
فصل :
قوله: (فقال: ((مَا لِي اليَوْمَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ))). قال الداودي:
إن يكن هذا محفوظًا فإنما قاله إذ لم يردها بعد أن نظر إليها، إذ لا ينظر
إلا وهو يريد النكاح، ولعله يريد: ما لي في مثلك من النساء حاجة،
أو يكون جواز النظر لمن يريد النكاح من خواصه القلبيئة.
(١) انظر: ((ابن بطال)) ٢٥٧/٧-٢٥٨.

٤٣٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
٤٥- باب لَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ،
حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ
٥١٤٢- حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْجِ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ، أَنَّ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ
بَغْضِ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الَخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَّهُ
الَخَاطِبُ. [انظر: ٢١٣٩- مسلم: ١٤١٢ - فتح ٩ / ١٩٨].
٥١٤٣ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثٍِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَغْرَجِ
قَالَ: قَالَ أَبُو هُزَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبٌ
الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا)).
[٦٠٦٤، ٦٠٦٦، ٦٧٢٤ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح: ٩ / ١٩٨].
٥١٤٤- ((وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرَُ)).
[انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٥١٥،١٤١٣، ١٥٢٠ - فتح ٩/ ١٩٩].
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما نَهَى النَّبِيُّ نَّهِ أَنْ يَبِيعَ
بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ
الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوَ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه يأثره على النبي ◌َّ: ((إِيَّاكُمْ
وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا
تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عباد إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ،
حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرَُ)).
الشرح :
قد أسلف البخاري في البيوع مثله من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه أيضًا في الخطبة (١).
(١) سلف برقم (٢١٤٠)، باب: لا يبع على بيع أخيه.
٠٠

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وقد أخرجه مسلم والأربعة(١).
وسلف حديث ابن عمر في البيع على بيع أخيه(٢) ، وأخرجه مسلم
وأبو داود وابن ماجه (٣) .
وفسر ابن التین البیع على بيع أخيه بالسوم علی سومه، وقال یزید:
لأنه لو وقع البيع لما سئل عن بيعه بعد ذَلِكَ، وهو عجيب فإنه قد يكون
زمن خيار المجلس أو شرط ثم قال هذا بعد التراكن، وأما في أوله فلو
ترك ذَلِكَ لأخذه المشتري بما يريد وبياعات المسلمين في أسواقهن
يتزايدون فيها، وكرهه بعض السلف.
فصل :
الخِطبة -بكسر الخاء- مصدر خطب المرأة خطبة، والضم في
الوعظ وغيره.
فصل :
أغرب بعضهم فادعى أن هذا النهي منسوخ بخطبة الشارع لأسامة
فاطمة بنت قيس على خطبة معاوية وأبي جهم. روي عن الحسن بن
علي أنه لا يكاد يبلغه أن رجلًا خطب امرأة إلا خطبها. وفقهاء
الأمصار على عدم ذَلِكَ وأنه باقٍ، وخطبة الشارع والحسن إنما كان
في حالة لم يتناولها النهي، وذلك قبل الركون دون ما بعده.
(١) مسلم (١٤١٣)، كتاب النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن
أو يترك، أبو داود (٢٠٨٠)، الترمذي (١١٣٤)، النسائي ٧١/٦ -٧٣، ابن ماجه
(١٨٦٧).
(٢) سلف برقم (٢١٣٩).
(٣) مسلم (١٤١٢) كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن
أو يترك، أبو داود (٢٠٨١)، ابن ماجه (١٨٦٨).

٤٣٩
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
قال ابن المرابط: لا أعلم أحدًا أدعى نسخه. واستثنى ابن القاسم
من النهي ما إذا كان الخاطب فاسقًا، وهو مذهب الأوزاعي وابن المنذر
فیما إذا کان الأول كافرًا، وهو خلاف قول الجمهور.
والحديث خرج على الغالب فلا مفهوم.
وقال ابن نافع: يخطب وإن رضيت بالأول حَتَّى يتفقا على صداق.
وخطأه ابن حبيب يريد لأن نكاح التفويض صحيح وإن لم يسميا فيه
مهرًا. وعندنا أنه إنما يحرم إذا صرح بالإجابة فإن لم يجب ولم يرد
فلا تحريم، وكذا إذا أذن، وعند المالكية ثلاثة أقوال بعد الركون(١).
ثالثها: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويؤدب ويحلل، وعند أبي
حنيفة والشافعي: لا فسخ مطلقًا مع التحريم(٢) .
فصل :
أغرب أبو سليمان فقال: إن هذا النهي للتأديب لا للتحريم.
ونقل عن أكثر العلماء أنه لا يبطل، وعند داود بطلان نكاح الثاني (٣)،
ونحى ابن حزم إليه حيث قال: لا يحل لأحد أن يخطب على خطبة
مسلم، سواء ركنا وتعارفا أو لم يكن شيء من ذَلِكَ، إلا أن يكون
أفضل لها في دينه وحسن صحبته، فله حينئذٍ أن يخطب على خطبة
غيره(٤).
قُلْتُ: يرده حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابن عمر ابنة أخيه
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٩١/٤-٣٩٢، ((المنتقى)) ٢٦٤/٣.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) ١٢/١٦.
(٣) ((معالم السنن)) لأبي سليمان الخطابي ١٦٦/٣.
(٤) ((المحلى)) ٣٣/١٠-٣٤.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عثمان، فخطبها المغيرة بن شعبة، فركنت هي وأمها في المغيرة، ففرق
الَّ بينها وبين ابن عمر وزوجها المغيرة(١).
والأحاديث دالة على إطلاق التحريم، وقد أخرج مسلم من حديث
عقبة بن عامر أنه الكليفي قال: ((لا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه
حَتَّى يذر، ولا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه حَتَّى يذر))(٢) .
وهو قول ابن عمر وعقبة بن عامر وابن هرمز.
وعبارة ابن العربي: اختلف علماؤنا هل الحق فيه لله أو للخاطب،
فقيل بالأول فيتحلل، فإن لم يفعل فارقها، قاله ابن وهب(٣) .
وقيل: إن النهي في حال رضى المرأة وركونها إليها، وقد فسره في
((الموطأ)) دون ما إذا لم تركن ولم يتفقا على صداق (٤). قال أبو عبيد:
وهو وجه الحديث، وبه يقول أهل المدينة وأهل العراق أو أكثرهم.
حجة الشافعي (وغيره)(٥) خطبته الكلية لأسامة كما سلف، وكنا بينا
أن تلك الحالة غير النهي كما سلف.
فصل :
من قال بالفسخ تعلق بالنهي وأنه يقتضي بالفساد، فلا تحصل به
الأستباحة، وأجاب من لم يره بأن النهي لأمر خارج عنه فصار كالبيع
على بيع أخيه.
(١) رواه ابن ماجه (١٨٧٨)، أحمد ١٣٠/٢، الدارقطني ٧٦/٢، الحاكم ١٦٧/٢.
(٢) مسلم (١٤١٤)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه .
(٣) ((عارضة الأحوذي)) ٧٢/٥.
(٤) ((الموطأ)) ص٣٢٤.
(٥) يقصد الطحاوي، كما في ابن بطال ٢٥٩/٧.