النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
فصل :
ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به. وفي
نسخة: بالذي يرون فإذا لحقه فالتاطه ودُعي ابنه. ومعنى التاطه:
استلحقه، وأصل اللوط: اللصوق، ومنه قول أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما: والولد ألوط(١). أي: ألصق بالقلب.
وقول معقل: (زوجتك وفرشتك). أي: جعلتها لك فراشًا، يقال:
فرشته وفرشت له. مثل: وزنته ووزنت له، وكلته وكلت له.
وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ). يعني: صالحًا، وهو مما غيرته
العامة، فكنوا به عمن لا خير فيه، وحقيقة اللفظ أنه كان جيدًا.
وسلف حديث معقل أيضًا في تفسير سورة البقرة.
فصل :
في أفراد مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي
وَسَّهم
صَلىالله
قال: ((الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها
صماتها)) وفي رواية: ((الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر،
وإذنها سكوتها)) وفي أخرى له: ((البكر يستأذنها أبوها في نفسها،
وإذنها صماتها)) وربما قال: ((وصمتها إقرارها))(٢).
(١) هُذا من قول أبي بكر # كما رواه البخاري في ((الأدب المفرد)» ص ٤٢ (٨٤)،
وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤٤/ ٢٤٧ من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة قالت: قال أبو بكر يومًا: والله ما على الأرض رجل أحب إليّ من عمر،
فلما خرج رجع، فقال: كيف حلفت، أي بنية؟ فقلت له، فقال: أعز عليّ، والولد
ألوط.
قال الألباني: حسن الإسناد. اهـ
(٢) مسلم (١٤٢١).

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ولأبي داود والنسائي على شرط الشيخين: ((ليس للولي مع الثيب
أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها))(١) .
وفي رواية لأحمد في حديث خنساء فقال الشّة: ((هي أولى بأمرها))
فانتُزعت من الذي زوجها أبوها وتزوجت من أرادت(٢). وله عن بريدة:
جاءت امرأة فقالت: زوجني أبي ابن أخيه، فجعل القَّ الأمر إليها،
فقالت: أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس
إلى الآباء من الأمر شيء(٣). وكلها دالة على اعتبار الولي.
فصل :
وقوله: (وقال يحيى بن سليمان) إلى آخره. فيه رد على ابن خزيمة
على ما نقله عنه الدارقطني: لم يروه إلا ابن وهب، فقد رواه عنبسة أيضًا
كما ساقه البخاري.
فصل :
في اعتبار الولي أحاديث:
أحدها :
حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌ّ قال: ((لا نكاح إلا بولي
وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذَلِكَ فهو باطل، فإن تشاجروا
فالسلطان ولي مَن لا ولي له)) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) وقال:
لا يصح في ذكر الشاهدين غيره(٤).
(١) أبو داود (٢١٠٠)، النسائي ٨٥/٦.
(٢) أحمد ٣٢٨/٦-٣٢٩.
(٣) الذي وقفت عليه في ((المسند)) ١٣٦/٦: عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، أما
حديث بريدة فرواه ابن ماجه (١٨٧٤) وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه))
(٤١١): ضعیف شاذ.
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٩/ ٣٨٦ (٤٠٧٥).

٤٠٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وأخرجه الحاكم وصححه(١)، وابن الجارود في ((منتقاه))(٢). وفي
كتاب ((من حدث ونسي)) للخطيب، عن يحيى بن معين أن يحيى بن
أكثم كتب: قد أتضح عندك هذا الحديث، فصححه ثم أوضحه.
وصححه أحمد في «سؤالات المروذي) له.
ثانيها :
حديث أبي موسى مرفوعًا: ((لا نكاح إلا بولي)). خرجه أبو داود(٣)
والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم(٤)، وصححه أيضًا
البخاري(٥) والترمذي(٦).
ثالثها :
حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة
نفسها)) وكنا نقول: التي تزوج نفسها هي الزانية. أخرجه الدارقطني
بإسناد على شرط الصحيح (٧).
(١) ((المستدرك)) ١٦٨/٢ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ
(٢) ((المنتقى)) ٣٨/٣.
(٣) أبو داود (٢٠٨٥).
(٤) الترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، وابن حبان ٣٨٨/٩-٣٨٩،
و((المستدرك)) ١٦٩/٢ -١٧٠.
(٥) قال الحاكم في ((المستدرك)) ١٦٩/٢: رجعنا إلى الأصل الذي لم يسع الشيخين
إخلاء الصحيحين عنه وهو حديث أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. اهـ
وأخرج البيهقي قول البخاري عندما سُئل عن هذا الحديث: الزيادة من الثقة مقبولة
وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث.
أنظر ((السنن)) ١٠٨/٧.
(٦) ((علل الترمذي)) ٤٢٩/١ -٤٣٠.
(٧) ((السنن)) ٢٢٧/٣.

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها :
حديث عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله وَالخلية: ((أيما أمرأة
نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر
لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) رواه
أبو داود وابن ماجه والترمذي، وحسنه وصححه ابن حبان، والحاكم
على شرط الشيخين(١)، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب.
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس، أخرجه أبو الشيخ، وجابر أخرجه
أبو يعلى(٢) وأبي سعيد أخرجه الدارقطني (٣).
قال الحاكم: وفي الباب - يعني مرفوعًا - عن علي، ومعاذ بن جبل،
والمسور بن مخرمة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو بن العاصي،
وأبي ذر والمقداد بن الأسود، وأنس، وابن عباس، وجابر، وأم سلمة
وزينب زوجي رسول الله وَير، وأكثرها صحيح (٤).
قُلْتُ: وتأويل ((فنكاحها باطل)) أي: سيبطل باعتراض الولي، بعيد.
وتأول الطحاوي حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) على أنه يحتمل أن
يريد أقرب عصبة أو يكون من تولية المرأة ذَلِكَ من الرجال، وإن كان
بعيدًا، أو أن يكون هو الذي إليه ولاية الوضع من والد الصغيرة
أو مولى الأمة، أو أن يريد أمرأة حرة بالغة بنفسها، فيكون ذَلِكَ على
أنه ليس لأحد أن يعقد نكاحًا على بضع إلا ولي ذَلِكَ البضع، قال:
(١) أبو داود (٢٠٨٣)، الترمذي (١١٠٢)، ابن ماجه (١٨٧٩)، ابن حبان ٩/ ٣٨٤
(٤٠٧٤)، الحاكم ١٦٨/٢.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٤/ ٧٢ (٢٠٩٤).
(٣) ((السنن)) ٣/ ٢٢٠.
(٤) ((المستدرك)) ٢/ ١٧٢ بتصرف.

٤٠٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وذلك أمر جائز في اللغة، قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:
٢٨٢] قيل: يريد ولي الحق، وهو الذي له الحق، فلا يتعين لأحدهما
إلا بدلیل.
ثم ذكر حديث تزويج عمر أمه أم سلمة وهو صغير، مات رسول الله
ح ◌َلّ وعمره سبع سنين(١).
وجوابه: أن نكاحه التي لا يحتاج إلى ولي.
وقد ذكر ابن سعد أن الذي زوجها له سلمة بن أبي سلمة، وكان أكبر
من أخيه عمر، وسيأتي في باب السلطان ولي المراد بالأول.
فصل :
البخاري روى حديث معقل عن أحمد بن أبي عمرو -هو أبو علي،
وأبو عمرو وهو حفص- بن عبد الله بن راشد السلمي مولاهم
النيسابوري، قاضيها، مات في المحرم سنة ثمان وخمسين ومائتين
بعد محمد بن يحيى بستة أشهر، وقيل: توفي سنة ستين (٢).
وإبراهيم شيخ والده هو ابن طهمان الهروي أبو سعيد، سكن
نيسابور، ثم سكن مكة، ومات بها سنة ثلاث وستين ومائة(٣).
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١٠/٣-١٢.
(٢) أنظر: ((الجرح والتعديل)) ٤٨/٢ (٤١)، ((تهذيب الكمال)) ٢٩٤/١ (٤٧).
(٣) أنظر: ((تاريخ بغداد)) ١٠٥/٦، ((تهذيب الكمال)) ١٠٨/٢ (١٨٦).

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٧ - باب إِذَا كَانَ الوَلِي هُوَ الخَاطِبَ
وَخَطَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَمْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا، فَأَمَرَ
رَجُلًا فَزَوَّجَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لأُمِّ حَكِيم بِنْتِ
قَارِظِ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: قَدْ
تَزَوَّجْتُكِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لِيُشْهِدْ أَنِّ قَدْ نَكَحْتُكِ أَوْ لِيَأْمُرْ
رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا. وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَتِ أَمْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ وَّه :
أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ
لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا .
٥١٣١- حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِى النِّسَِّ قُلِ اللَّهُ يُفْنِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء:
١٢٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ، قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ،
فَيَزْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَيَحْبِسُهَا،
فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح ٩/ ١٨٨].
٥١٣٢- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ اِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ،
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: كُنَّ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّ جُلُوسًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَغْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ،
فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَوَّجْنِهَا يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: ((أَعِنْدَ مِنْ شَىء؟)). قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: ((وَلَا خَاتَمًّا مِنْ حَدِيدٍ؟)).
قَالَ: وَلَا خَاتَمَا مِنَ حَدِيدٍ ولكن أَشْقُّ بُرْدَتِي هذِهِ فَأُعْطِيهَا النَّصْفَ، وَآَخُذُ النِّصْفَ.
قَالَ: ((لَا، هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَىء؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا
مَعَك
مِنَ القَرْآن)).
[انظر: ٢٣١٠- مسلم: ١٤٢٥- فتح ١٨٨/٩].
بمَا مَعَ
ذكر فيه أثر المغيرة بن شعبة وابن عوف وعطاء، وقد أسلفتهن في
باب الأكفاء في المال.

٤٠٧
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ وَِّ: أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. وقد سلف.
وذكر فيه حديث عائشة في قوله: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ اُلِنِسَاءِ﴾، وقد سلف.
وحديث سهل في الواهبة وقد سلف وفي آخره ((زوجتكها بما معك
من القرآن)) .
واختلف العلماء في الولي هل يزوج نفسه من وليته إذا أذنت له
ويعقد النكاح، ولا يرفع ذَلِكَ إلى السلطان على أقوال سلفت هناك،
وعندنا: لا يجمع بين الطرفين إلا الجد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه(١).
وقال ابن التين عن مذهبه ومذهب الشافعي: إن الخاطب يكون
وليًّا. خلافًا للمغيرة وأحمد وأبي حنيفة (٢). ثم قال: دليلنا قصة صفية
وقوله: ((لا نكاح إلا بولي)) وقول أم حكم: نعم، فتزوجها. يريد أنها
لم تنكر ولو أنكرته. فقال مالك وغيره ذَلِكَ لها .
وفيه قول: أنه لازم لها. فإن زوجها من غيره، فألزمها ذَلِكَ مرة في
((المدونة))، ومرة نعم قال: لم يلزمها(٣).
(١) أنظر: ((البيان)) ١٩٠/٩، ((روضة الطالبين)) ٧٠/٧.
(٢) ما نقله ابن التين عن أبي حنيفة والشافعي لا يصح، والمشهور خلافه. أنظر:
(مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٩/٢ -٢٦٠، ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي
٧٢/١٠-٧٣، ((الإشراف)) ٣٠/١-٣١، ((البيان)) ١٨٨/٩.
(٣) ((المدونة)) ١٤٨/٢، ١٤٩. وأنظر: ((التفريع)) ٣٢/٢.

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٨- باب إِنْكَاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلَّتِى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ عِدَّتَهَا
ثَلَاثَةَ أَشْهُرِ قَبْلَ الْبُلُوغ.
٥١٣٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ بََّ تَزَوَّجُهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأَدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ
بِنْتُ تِسْعِ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا. [انظر: ٣٨٩٤ - مسلم: ١٤٢٢ - فتح ٩ / ١٩٠].
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ
سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا .
كأن البخاري أراد بهُذِه الترجمة الرد على ابن شبرمة، فإنه حكي عنه
أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز، ولهن الخيار إذا بلغن (١).
قال الطحاوي: ولم يقل به أحد من الفقهاء غيره ولا يلتفت إليه،
الشذوذه، ومخالفته دليل الكتاب والسنة، وإنما اختلفوا في الأولياء
غير الآباء إذا زوج الصغيرة كما سلف.
ونقل المهلب الإجماع على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي
لا يوطأ مثلها؛ لعموم الآية، ويجوز نكاح من لم تحض من أول
(٢)
ما تخلق
وأغرب ابن حزم فقال: لا يجوز للأب ولا لغيره نكاح الصغير الذكر
حَتَّى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبدًا. واختاره قوم، ولا حجة لهم
إلا قياسه على الصغيرة، ولو كان القياس حقًّا لكان قد عارض هذا
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٧/٢.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٤٧/٧.

٤٠٩
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
قياس مثله، وهو أنهم أجمعوا أن الذكر إذا بلغ لم يكن لأبيه ولا لغيره
مدخل في إنكاحه، بخلاف الأنثى الذي له فيه مدخل إما بإنكاح أو بإذن؛
فلذا يجب أن يكون حكمهما مختلفين(١) .
قال أبو عبيد: الفرق بين الأب وغيره أنه ليس لأحد من الأولياء معه
ولاية ما لم يأت منه عضل، فيكون هو المخرج لنفسه من ولايتها .
وفيه: دلالة على جواز (نكاح من لا وطء) (٢) لعلة بأحد الزوجين،
لصغر أو آفة أو غير إرب في الجماع، بل بحسن العشرة، والتعاون على
الدهر، وكفاية المؤنة والخدمة، بخلاف من يقول: لا يجوز نكاح
لا وطئ فيه. ويؤيد هذا حديث سودة حيث وهبت يومها لعائشة
وقالت: ما لي في الرجال من إرب.
واختلف العلماء في الوقت الذي تدخل فيه المرأة على زوجها إذا
اختلف الزوج وأهلها في ذَلِكَ، فقالت طائفة: تدخل عليه وهي بنت
تسع، أتباعًا لحديث عائشة رضي الله عنها، وهو قول أحمد وأبي
(٣) .
٠
عبيدُ
وقال أبو حنيفة: نأخذ بالتسع غير أنا نقول: إن بلغتها ولم تقدر على
الجماع كان لأهلها منعها، وإن لم تبلغ التسع وقويت على الرجال لم
يكن لهم منعها من زوجها (٤).
(١) ((المحلى)) ٩/ ٤٦٢.
(٢) كذا بالأصول، وفي ((عمدة القاري)) ٣١٩/١٦: (نكاح لا وطء فيه) وهو المناسب
للسياق.
(٣) أنظر: ((المغني)) ١٦٩/١٠.
(٤) لم أجد قول أبي حنيفة فيما بين يدي من كتب المذهب، والمسألة موجودة عندهم
في كتاب النفقات، قالوا: أنه لا تجب النفقة للصغيرة التي لا يجامع مثلها حتى =

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وكان مالك يقول: لا نفقة لصغيرة حَتَّى تدرك أو تطيق الرجال(١).
وقال الشافعي: إذا قاربت البلوغ وكانت جسيمة تحتمل الجماع
فلزوجها أن يدخل بها، وإلا منعها أهلها حَتَّى تحتمله(٢).
فصل :
اختلف على هشام بن عروة في سن عائشة رضي الله عنها حين
العقد، فروى عنه سفيان بن سعيد(٣)، وعلي بن مسهر، وأبو أسامة(٤)،
وأبو معاوية(٥)، وعباد بن عباد، وعبدة (٦): ست سنين.
ورواه الزهري عنه (٧) وحماد بن زيد(٨) وجعفر بن سليمان(٩) فقالوا :
سبع سنين. وطريق الجمع أنه كان لها ست سنين وكسر، ففي رواية:
أُسقط، وفي أخرى أُثبت بدخولها في السبع، أو أنها قالته تقريبًا(١٠).
تبلغ مبلغًا يجامع مثلها. واختلف في حد المطبقة له عندهم، قال صاحب ((البحر
=
الرائف)): والصحيح أنه غير مقدر بالسن، وإنما العبرة لالحتمال والقدرة على
الجماع، فإن السمينة الضخمة تحتمل الجماع وإن كانت صغيرة السن، كذا في
التبيين، وذكر العتابي أنها بنت تسع واختاره مشايخنا. اهـ. أنظر: ((المبسوط)) ١٥
١٨٧، ((البحر الرائق)) ١٩٦/٤.
(١) ((المدونة)) ١٩٠/٢.
(٢) ((الأم)) ٨٥/٥.
(٣) سيأتي برقم (٥١٣٣).
(٤) سبقا برقم (٣٨٩٤، ٣٨٩٦).
(٥) رواه مسلم (٧٠/١٤٢٢).
(٦) رواه مسلم (٧٠/١٤٢٢).
(٧) رواه مسلم (٧١/١٤٢٢).
(٨) رواه أبو داود (٢١٢١).
(٩) رواه النسائي ٦/ ٨٢.
(١٠) انظر: ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٧/٩.

٤١١
كِتَابُ الرَّضَاعِ
-
ويؤيد الثاني ما رواه أبو عبيدة عن أبيه من طريق ابن ماجه: تزوج
رسول الله وَّل عائشة وهي بنت سبع سنين(١).
فصل :
حكى الداودي عن ابن أبي ليلى: لا يزويج الأب ابنته الصغيرة
إلا برضاها(٢). وعن أحمد: توكل بنت تسع من يزوجها(٣). وعن
طاوس أنها تخير إذا بلغت (٤)، وما ذكره البخاري يرد عليهم.
وعندنا أن للأب وكذا الجد عند عدمه يزوج البكر صغيرة وكبيرة بغير
إذنها، ويستحب استئذان الكبيرة، وهو مذهب مالك في الأب(٥).
وعن أبي حنيفة: لا يجوز له ذَلِكَ حَتَّى يستأذنها إذا بلغت، فإن لم
تفعل وكرهته فسخ(٦)، دليلنا قوله التقنية: ((والبكر يزوجها أبوها)).
(١) ابن ماجه (١٨٧٧).
(٢) انظر: ((الإشراف)) ٢٦/١.
(٣) انظر: ((المغني)) ٤٠٤/٩-٤٠٥.
(٤) السابق ٩/ ٤٠٢.
(٥) أنظر: ((المدونة)) ١٤٠/٢، ((روضة الطالبين)) ٥٣/٧-٥٤.
(٦) ((مختصر الطحاوي)) ص ١٧٢.

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٩- باب تَزْوِيجِ الأَبِ ابنتَهُ مِنَ الإِمَامِ
وَقَالَ عُمَرُ: خَطَبَ النَّبِيُّ وَلّهِ إِلَيَّ حَقْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ [انظر:
٤٠٠٥].
٥١٣٤- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهْيَ بِنْتُ تِشْعِ سِنِينَ.
قَالَ هِشَامٌ: وَأَنْبِئْتُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ. [انظر: ٣٨٩٤ - مسلم: ١٤٢٢ - فتح ٩ /
١٩٠] .
وَلَ﴿ حَفْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ) وقد
(وقال عمر رضي الله عنه: خَطبَ النبي
سلف .
ثم ساق من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله
عنها أَنَّهِ الَّيْ تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهْيَ بِنْتُ تِسْعِ
سِنِينَ .
قَالَ هِشَامٌ: وَأُنْبِثْتُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ.
وقد سلف في الباب قبله(١).
ومعنى الباب: أن الإمام وإن كان وليًّا، وكان النبي وَلّ أفضل
الأولياء وخطب حفصة لأبيها عمر وأنكحه إياها، دل ذَلِكَ على أن
الأب أولى من الإمام، وأن السلطان ولي من لا ولي له، وهو
إجماع، ودل أيضًا على صحة مقالة مالك والشافعي والجمهور أن
الولي من شروط النكاح، وأنه مفتقر إليه (٢)؛ ولذلك خطب عائشة
الَّ إلى أبي بكر، فزوجه.
(١) سلف برقم (٥١٣٣).
(٢) أنظر: ((المدونة)) ١٥١/٢، ((الأم)) ١١/٥، ((الإشراف)) ٣٣/١.

٤١٣
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
وقال ابن المنذر: وفي إنكاح أبي بكر رضي الله عنه رسول الله وَليله
دلالة على إياحة النكاح بغير شهود، إذ لا يعلم في شيء من الأخبار أن
شاهدًا حضر ذَلِكَ النكاح، والأخبار التي رويت عن عائشة وغيرها
بخلاف ذَلِكَ؛ لأنها واهية لا تثبت عند أهل المعرفة بالأخبار.
قُلْتُ: نكاحه العَّه لا يحتاج إلى شهود إلا من أنكره بخلافنا.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤٠- باب السُّلْطَانُ وَلِيَّ
بِقَوْلِ النَّبِيِّ ◌ِّ: ((زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ))
٥١٣٥- حَدَّثْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةً إِلَى رَسُولِ اللهِ بَّهِ فَقَالَتْ: إِّ وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي. فَقَامَتْ
طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوَّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَّةٌ. قَالَ: ((هَلْ عِنْدََ مِنْ شَيْءٍ
تُصْدِقُهَا؟)). قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّ إِزَارِي. فَقَالَ: «إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ
لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا)). فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا. فَقَالَ: ((الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًّا مِنْ حَدِيدٍ)).
فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: ((أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَىء؟)). قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. لِسُوَرِ
سَمَّاهَا. فَقَالَ: ٢٣/٧ ((زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [انظر: ٢٣١٠ - مسلم:
١٤٢٥- فتح ٩ / ١٩٠].
ثم ساقه من حديث سهل بن سعد باللفظ المذكور وقد سلف(١).
وقام الإجماع على ما ترجمه وهو أنه ولي من لا ولي له، وأجمعوا
أيضًا على أنه يزوج المرأة إذا أرادت النكاح ودعت إلى كفؤ وامتنع
(الولي)(٢) أن يزوجها.
واختلفوا إذا غاب عن البكر أبوها وعُمي خبره وضربت فيه الآجال
من يزوجها؟ فقال أبو حنيفة ومالك: يزوجها أخوها بإذنها .
وقال الشافعي: يزوجها السلطان دون باقي الأولياء، وكذلك الثيب
إذا غاب أقرب أوليائها(٣).
(١) سلف برقم (٢٣١٠)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح.
(٢) من (غ).
(٣) أنظر هذِه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٣/٢-٢٥٤، ((النوادر
والزيادات)) ٣٩٦/٤، ((الأم)) ١٢/٥.

٤١٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
حجة الأولين أن الأخ عصبة يجوز أن يزوجها بإذن مع عدم أبيها
بالموت؛ لتعذر التزويج من قبله، وكذا مع حياته إذا تعذر التزويج من
جهته، دليل ذَلِكَ أن فسق الأب وجنونه ينقل الولاية إلى غيره، ألا
ترى أن الأب إذا مات كان الأخ أولى من السلطان. واحتج الشافعي
بأن السلطان يستوفي حقوقها وينظر في مالها إذا فُقد أبوها؛ فلذلك
هو أحق بالتزويج من أخيها .
واختلفوا في الولي من هو؟ فقال مالك والليث والثوري والشافعي:
هو العصبة الذي يرث دون الخال والجد للأم والأخ -عند مالك في
النكاح وكذا عندنا- وقال محمد بن الحسن: كل من لزمه اسم الولي
فهو ولي یزوج، وبه قال أبو ثور(١).
حجة الأول أن الولاء لما كان مستحقًّا بالتعصيب لم يكن للأخ فيه
مدخل؛ لعدم التعصيب، كذلك عقد النكاح؛ لأن ذَلِكَ لولاية التعصيب.
قال ابن المنذر: وقوله تعالى: ﴿فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:
٢٣٢] دليل على أن الأولياء من العصب؛ لأن معقل لما منع أخته من
التزويج نزلت فيه هذِه الآية، فتلاها عليه رسول الله وَالية (٢).
واختلفوا من أولى بالنكاح الولي أو الوصي؟ فقال ربيعة
ومالك والثوري: الوصي أولى. وقال الشافعي: الولي أولى،
ولا ولاية للوصي على الصغير، وهو قول أبي حنيفة وأبي سليمان
(٣)
وأصحابهم(٣).
(١) انظر: ((الإشراف)) ٢٣/١.
(٢) ((الإشراف)) ٢٣/١، بتصرف.
(٣) أنظر: ((المدونة)) ١٤٦/٢، ((الأم)) ١٧/٥، ((المحلى)) ٤٦٣/٩.

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حجة الأول أن الأب لو جعل ذَلِكَ إلى رجل بعينه في حياته لم يكن
لسائر الأولياء الاعتراض عليه مع بقاء الأب. فكذلك بعد موته، إلا أن
مالكًا قال: لا يزوج الوصي اليتيمة قبل البلوغ، إلا أن يكون أبوها
أوصى إليه أن يزوجها قبل البلوغ من رجل بعينه، فيجوز وينقطع عنها
ما لها من المشورة عند بلوغها .
وذكر ابن القصار أن من أصحابنا من قال: إن الموصي إذا قال:
زوج بناتي ممن رأيت. فإنه يقوم مقام الأب في تزويج الصغيرة وفي
تزويج البكر البالغ بغير إذنها. وهو يتخرج على مذهب مالك، وهو
إذا قالت الثيب لوليها: زوجني ممن رأيت. فزوجها ممن اختار أو من
نفسه ولم يعلمها بعين الرجل قبل العقد فإنه يلزمها ذَلِكَ(١).
وقال ابن حزم: لا إذن للوصي في إنكاح أصلًا لرجل ولا لا مرأة،
صغيرين كانا أو كبيرين. أما الصغيرين فقد أسلفنا الكلام فيهما، وأن
البكر لا يزوجها إلا الأب وحده، وأما الذكر فلا يزوجه أحد إلا نفسه،
وأما الكبيران فلا يخلو من أن يكونا مجنونين فلا ينكحهما أب
ولا غيره، أو عاقلين فلا ولي عليهما، فإن مؤَّه مموِّه بخبر وكيع، عن
يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده، قال رسول الله وَليل:
((من منع يتيمًا له النكاح فزنى فالإثم بينهما)) قلنا: هذا مرسل،
ولا حجة في مرسل، وأيضًا يحيى ضعيف، وليس فيه للوصي ذكر،
وقد يكون أراد سيد العشيرة يمنع يتيمًا من قومه النكاح ظلمًا (٢).
(١) انظر: ((ابن بطال)) ٧/ ٢٥١.
(٢) ((المحلى)) ٩/ ٤٦٣ -٤٦٤.
:

٤١٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
٤١- باب لَا يُنْكِحُ
الأَبُّ وَغَيُهُ البِكْرَ وَالنَّيِّبَ إِلَّ بِرِضَاهَا
٥١٣٦- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ بَّهِ قَالَ: ((لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ
حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((أَنْ تَسْكُتَ)). [٦٩٦٨، ٦٩٧٠ -
مسلم: ١٤١٩ - فتح ٩ / ١٩١].
٥١٣٧- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِ عَمْرٍو - مَوْلَى عَائِشَةَ- عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الِكْرَ
تَسْتَحِي. قَالَ: ((رِضَاهَا صَمْتُهَا)). [انظر: ٦٩٤٦، ٦٩٧١ - مسلم: ١٤٢٠ - فتح ٩ / ١٩١].
ذكر فيه حديث هِشَام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: (لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ،
وَلَا البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((أَنْ
تَسْكُتَ)).
ويأتي في الحيل(١)، وأخرجه أيضًا مسلم والأربعة (٢).
وحديث أبي عمرو (مولى عائشة)(٣) واسمه ذكوان وكانت دَبَّرَتْه،
وهو ثقة، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
البِكْرَ تَسْتَحِي. قَالَ: ((رِضَاهَا صَمْتُهَا)) .
(١) سيأتي برقم (٦٩٦٨)، (٦٩٧٠) باب: في النكاح.
(٢) ((مسلم)) (١٤١٩)، كتاب: النكاح، باب: الوفاء بالشروط في النكاح، ((أبو داود))
(٢٠٩٢)، ((الترمذي)) (١١٠٧)، ((النسائي)) ٨٥/٦، (ابن ماجه)) (١٨٧١).
(٣) من (غ).

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ويأتي في ترك الحيل(١) والإكراه(٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
الشرح :
ذكر الإسماعيلي في ((جمعه)) حديث يحيى بن أبي كثير أن جماعة
رووا عنه هذا الحديث، عد منهم أثني عشر، منهم: الأوزاعي، وبحر
ابن كنيز، وقد أسلفنا في باب لا نكاح إلا بولي حديث ابن عباس
رضي الله عنهما: ((يستأذنها أبوها))(٤).
وقال أبو داود: أبوها ليس بمحفوظ(٥).
وفي الباب: عن عَدي بن عدي عن أبيه عدي بن عميرة، أخرجه ابن
ماجه وابن وهب(٦)، وجعله البيهقي(٧) وأبو عبيد العرس بن عميرة:
((وأمروا النساء في أنفسهن، فإن الثيب تعرب عن نفسها، والبكر
رضاها صمتها)).
وفيه أيضًا: عن ابن عمر، أخرجه الدار قطني(٨). وزعم الترمذي أن
عمر رواه كذلك -يعني مرفوعًا (٩) - والذي في أبي عبيد عنه موقوفًا .
(١) سيأتي برقم (٦٩٧١)، باب: في النكاح.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٤٦)، باب: لا يجوز نكاح المكره.
(٣) مسلم (١٤٢٠)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر
بالسكوت.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) ((أبو داود)) بعد حديث (٢٠٩٩).
(٦) ابن ماجه (١٨٧٢)، ((الموطأ)» لابن وهب ص ٨٢ (٢٣٤).
(٧) ((السنن الكبرى)) ٧/ ١٢٣، وفيه: عدي بن عدي الكندي عن أبيه، عن عرس بن
عميرة الكندي رجل من أصحاب النبي ◌َّ- ولم يجعل عرس بدل عدي.
(٨) ((السنن)) ٢٢٩/٣.
(٩) الترمذي بعد حديث (١١٠٧).

٤١٩
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
قال البيهقي: يحمل حديث أبي هريرة على أنه يحتمل أن يكون
المراد بالبكر المذكورة فيه اليتيمة التي لا أب لها، فقد رواه محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((اليتيمة تستأمر في
نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها))(١).
ونحن نعلم أن يحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو إذا اختلفا
فالحكم لرواية يحيى؛ لمعرفته وحفظه، إلا أن هذا يشبه ألا يكون
اختلافًا، فيحيى أدى ما سمع في البكر والثيب جميعًا، ومحمد أدى
ما سمع في البكر وحدها، وحفظ زيادة صفة في البكر لم يروها
يحيى، وليس في الحديث ما يدفعها، ومحمد وإن كان لا يبلغ درجة
يحيى فقد قبل أهل العلم بالحديث حديثه فيما لا يخالف فيه أهل
الحفظ. كيف وقد وافقه غيره في هذا اللفظ من وجه آخر عن رسول
الله ◌َّي، فذكر حديث شبابة بن سوار، عن يونس بن أبي إسحاق،
سمعت أبا بردة يحدث عن أبيه: قال رسول الله وَله: ((تستأمر اليتيمة
في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن كرهت لم تكره)) وهذا إسناد
موصول، رواه جماعة من الأئمة عن يونس (٢) .
وفي رواية صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس
رضي الله عنهما رفعه: ((ليس للولي مع (الثيب أمر)(٣)، واليتيمة
تستأمر)). رواه معمر عن صالح، ورواه ابن إسحاق، عن صالح، عن
(١) رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي ٦/ ٨٧.
(٢) منهم: أبو قطن عمرو بن الهيثم، وعيسى بن يونس، وابن فضيل، ووكيع،
ويحيى بن آدم، وعبد الله بن داود، وأبو قتيبة، وغيرهم.
انظر: ((سنن الدار قطني)) ٢٤١/٣ -٢٤٢.
(٣) من (غ)، وفي الأصل: اليتيمة، ولعله سهو.

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما،
وكذا رواه شعبة وغيره من القدماء، عن مالك، عن ابن الفضل، عن
نافع. وفي الحديث الثابت عن عائشة، فذكر حديثها السالف. وفي
لفظ: ((تستأمر اليتيمة)).
وقال الدارقطني: يشبه أن يكون قوله: ((والبكر تستأمر)) إنما أراد
البكر اليتيمة؛ لأنا قد روينا في رواية صالح ومن تابعه ممن روى أنه
التليف قال: ((اليتيمة تستأمر)) وأما قول ابن عيينة عن زياد بن سعد:
((والبكر يستأمرها أبوها)). فإنا لا نعلم أن أحدًا وافق ابن عيينة على
هذا اللفظ، ولعله ذكره من حفظه، فسبق إليه لسانه(١).
قال أحمد(٢): فعلى هذا الحديث في استثمار البكر ورد في الولي
غير الأب.
وقوله: ((الثيب أحق بنفسها من وليها))(٣). فيه دلالة على أن الثيب
لا تجبر على النكاح، وكأنه جعل ثيبوتها علة في ذَلِكَ، ودل على أن التي
تخالفها وهي البكر تجبر على النكاح، ودل قوله في البكر: ((اليتيمة
تستأمر في نفسها)) أن التي لا أب لها لا تجبر على النكاح، فدل أن
البكر التي تجبر على النكاح هي التي لها أب، وترك هذا الأصل في
موضع، لدليل أقوى منه منع من استعماله لا يدل على تركه في سائر
المواضع.
واستدل بعض أصحابنا بحديث ابن عمر السالف، قال: يجعل العلة
في امتناع الإجبار كونها يتيمة، فدل أن التي ليست يتيمة بخلافها فيما لم
(١) ((السنن)) ٢٤١/٣.
(٢) هو أحمد بن الحسين البيهقي، صاحب ((السنن)).
(٣) سبق تخريجه.