النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كِتَابُ الرَّضَاعِ . = الله وَّه، وقرابتي من عليّ، وموضعي في العرب. قالت: فقلت: غفر الله لك أبا جعفر، أنت رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي؟! قَالَ: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله وّل ومن علي، وقد دخل رسول الله وَسج ر عَلَى أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: ((لقد علمت أني نبي الله، وخيرته من خلقه، وموضعي في قومي)) فكانت تلك خطبته(١). فصل : حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله: ﴿وَلَا تَغْزِمُوا عُقْدَةً النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾، وهذا من المحكم المجتمع عَلَى تأويله، أن بلوغ أجله: أنقضاء العدة، وأباح الله تعالى التعريض في العدة بقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَآءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ ولأنه لم يختلف العلماء في إباحة ذَلِكَ لما عدا الرخصة، وإنما منع من العقد فيها؛ لأن ذَلِكَ ذريعة إلى المواقعة فيها التي هي محبوسة عَلَى ماء الميت أو المطلق، كما منع المحرم بالحج من عقده النكاح؛ لأنه مؤدٍ إلى الوقاع، فحرم عليه السبب والذريعة إلى فساد ما هو فيه وموقوف عليه، وأباح التعريض في العدة؛ خشية أن تفوت نفسها . فصل : اختلف في ألفاظ التعريض، والمعنى واحد، فقال قتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ لا يأخذ عهدها في عدتها ألا تنكح غيره قَالَ: إسماعيل بن إسحاق (وهذا أحسن](٢) من قول من تأول في قوله: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أنه الزنا؛ لأن ما قبل الكلام (١) ((السنن)) ٢٢٤/٣. (٢) زيادة يقتضيها السياق، من (شرح ابن بطال)) ٢٣٤/٧. ٣٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وما بعده لا يدل عليه، ويجوز في اللغة أن يسمى الغشيان سرًّا، فسمي النكاح سرًّا، إذ كان الغشيان يكون فيه كما سمي التزويج نكاحًا، وهو أشبه في المعنى؛ لأنه لما أجيز له التعريض فيه، لم يؤذن لهم في غيره، فوجب أن يكون كل شيء يجاوز التعريض فهو محذور، والمواعدة تجاوز التعريض، فوسع الله عَلَى عباده في التعريض في الخطبة، لما علم منهم. وبلغني عن الشافعي أنه احتج بهذا التعريض في التعريض بالقذف، وقال: كما لم يجعل هذا التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح، كذلك لا يجعل التعريض في القذف بمنزلة التصريح، واحتج بما هو حجة عليه، إذ كان التعريض بالنكاح قد فهم عن صاحبه ما أراد، فكذلك ينبغي أن يكون التعريض بالقذف قد فهم بالمراد، فإذا فهم أنه قاذف حكم عليه بحكم القذف، وينبغي له عَلَى قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف مباح كما أبيح التعريض بالنكاح(١). فصل : اختلف في الرجل يخطب المرأة في عدتها جاهلًا، ويواعدها ويعقد بعد العدة: فكان مالك يقول: فراقها أحب إلي، دخل بها أو لم يدخل، ويكون بطلقة واحدة، ويدعها حَتَّى تحل (٢). قَالَ الشافعي: إن صرح بالخطبة، وصرحت له بالإباحة، ولم يعقد النكاح حَتَّى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت والتصريح لها مكروه؛ لأن النكاح حادث بعد الخطبة(٣). (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٤/٧. (٢) ((المدونة)) ٨٤/٢. (٣) أنظر: ((الإشراف)) ١٩/١. ٣٨٣ - كِتَابُ الرَّضَاعِ واختلفوا إذا تزوجها في العدة ودخل بها: فقال مالك والليث والأوزاعي يفرق بينهما، ولا تحل له أبدًا، قَالَ مالك والليث: ولا بملك اليمين، واحتجوا بأن عمر رضي الله عنه قَالَ: لا يجتمعان أبدًا وتعتد منهما جميعًا(١). وقال الثوري والكوفيون والشافعي: يفرق بينهما. فإذا أنقضت عدتها من الأول فلا بأس أن يتزوجها. واحتجوا بإجماع العلماء أنه لو زنا بها لم يحرم عليه تزويجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة، وهو قول علي ذكره عبد الرزاق، وذكر عن ابن مسعود مثله، وعن الحسن أيضًا(٢) . وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن الأشعث، عن الشعبي، عن مسروق أن عمر رجع عن ذَلِكَ، وجعلهما يجتمعان. واختلفوا هل تعتد منهما: فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق. وروى ابن القاسم عن مالك أن عدة واحدة تكون لها جميعًا، سواء كانت بالحيض أو الحمل أو الشهور، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة، وحجتهم الإجماع عَلَى أن الأول لا ينكحها في بقية العدة، فدل ذَلِكَ عَلَى أنها في عدة من الثاني؛ ولولا ذَلِكَ لنكحها في عدتها منه، وهذا غير لازم؛ لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب؛ لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد أوجبا عليها لزوجين، (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٣٣١-٣٣٢. (٢) عبد الرزاق ٢٠٨/٦-٢٠٩. ٣٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه(١). فصل : قَالَ الشافعي: والعدة التي أذن بالتعريض فيها هي العدة من وفاة الزوج، ولا أحب ذَلِكَ في العدة من الطلاق الثاني احتياطًا، وإنما التي لزوجها عليها رجوع فلا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة (٢) فيها(٢) . وحاصل مذهبه أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، وأما التعريض فيحرم للرجعية، ويحل التعريض في عدة الوفاة والبائن. ومعنى قوله: (يعرض ولا يبوح) يريد: ولا يصرح. يقال: باح بسره إذا أفشاه. وقال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يخطب معتدة من طلاق أو وفاة، فإن تزوجها قبل تمام العدة فسخ أبدًا، دخل بها أو لم يدخل، طالت مدته معها أو لم تطل، ولا توارث بينهما، ولا نفقة لها عليه، ولا صداقًا، ولا مهرًا، فإن كان أحدهما عالمًا فعليه حد الزنا من جلد أو رجم، وكذلك إن علما جميعًا، ولا يلحق الولد به إن كان عالمًا، فإن كانا جاهلين فلا شيء عليهما، فإن كان الرجل جاهلًا لحقه الولد، فإذا فسخ النكاح وتمت عدتها فله أن يتزوجها إلا أن يكون الرجل طلق امرأته، فله أن يرجعها في عدتها منه ما لم يكن طلاق ثلاث(٣) . (١) أنظر ما سبق في ((ابن بطال)) ٢٣٥/٧-٢٣٦، ((الاستذكار)) ٢١٩/١٦-٢٢٦. (٢) ((الأم)) ٣٢/٥. (٣) ((المحلى)) ٤٧٨/٩. ٣٨٥ - كِتَابُ الرَّضَاعِ فصل : تضمنت آية الباب أربعة أحكام: أثنان ممنوعان وهما النكاح في العدة والمواعدة، واثنان مباحان: التعريض والإكنان. فصل : قول عطاء: وإن واعدت رجلًا في عدتها إلى آخره هو خلاف ما في ((المدونة)) من التفريق، وإن لم يدخل استحبابًا، ونقل أشهب عنه يفرق مطلقًا(١). زاد أشهب في ((الموازية)) ولا تحل له أبدًا. قَالَ عمر بن الخطاب: لا يجتمعان أبدًا، وقد سلف. واختلف إذا دخل بعد العدة، وقد نكح فيها، فقال مالك في ((المدونة)): يتأبد التحريم. وقال المغيرة: يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد(٢). وذكر ابن الجلاب أنه إذا نكح في العدة ولم يدخل بها روايتان تأبد التحريم وعدمه، وذكر روايتين أيضًا إذا دخل في العدة عالمًا بالتحريم هل تحل أم لا ويتزوجها إذا أنقضت المدة أو تأبد تحريمها عليه(٣)، فتحصلنا عَلَى أربع مسائل: تأبده إذا واعد فيها، وإذا نكح فيها ولم يدخل، وإذا نكح فيها ودخل بعد، وإذا نكح فيها ودخل فيها عالمًا بالتحريم. (١) ((المدونة)) ٨٤/٢. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ٣١٨/٣. (٣) ((التفريع)) ٦٠/٢. ٣٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣٥- باب النَّظَرِ إِلَى المَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ ٥١٢٥- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((رَأَيْتُكِ فِي المِّنَامِ يَجِيءُ بِكِ المَلَلُك فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ لِي هذِهِ أَمْرَأَتْكَ. فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَك هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ)). [انظر: ٣٨٩٥ - مسلم: ٢٤٣٨- فتح ٩ / ١٨٠]. ٥١٢٦- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَمْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ وََّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لَأَهَبَ لَكَ نَفْسِي. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ نَّ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَزْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَىْ رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوَّجْنِيهَا. فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىء؟)). قَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: (اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا)». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: ((انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ وَلَ خَاتَمَا مِنْ حَدِيدٍ، ولكن هذا إِزَارِي -قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِلَكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَىء)). فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلَسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِوَ ﴿ مُؤَلِّيَّا فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: (مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟)). قَالَ مَعِي سُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا - عَدَّدَهَا- قَالَ: ((أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [انظر: ٢٣١٠ - مسلم: ١٤٢٥ - فتح ٩ / ١٨٠]. ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها: ((رَأَيْتُكِ فِي المَنَام .. )) وقد سلف أول النكاح(١). (١) سلف برقم (٥٠٧٨)، باب: نكاح الأبكار. ٣٨٧ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ وحديث سهل بن سعد في الواهبة وقد سلف(١)، وفيه: (فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ) وفي آخره: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه مسلم (٢)، والمغيرة أخرجه الترمذي -وقال: حسن- وابن ماجه(٣)، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس أنه وَّ قَالَ للمغيرة. الحديث(٤). ومحمد بن مسلمة أخرجه (الترمذي)(٥) والبيهقي وقال: مختلف في إسناده، ومداره عَلَى الحجاج بن أرطاة، وسمى المخطوبة ثبيتة بنت الضحاك أخت أبي جبيرة (٦). وجابر أخرجه أبو داود بإسناد جيد(٧) . قَالَ البزار: لا نعلمه يروى عنه إلا من هذا الوجه، ولا أسند واقد ابن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ إلا هذا الحديث. قَالَ ابن القطان: ولا أعرفه (٨). قلت: قد ذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٩) . (١) سلف برقم (٢٣١٠)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح. (٢) مسلم (١٤٢٤)، كتاب: النكاح، باب: ندب النظر إلى وجه المرأة. (٣) الترمذي (١٠٨٧)، ابن ماجه (١٨٦٥). (٤) ((صحيح ابن حبان) ٩/ ٣٥١ (٤٠٤٣). (٥) كذا بالأصول وهو خطأ حديث محمد بن سلمة لم يخرجه الترمذي، بل قال: وفي الباب عن محمد بن مسلمة. اهـ أما حديث محمد بن مسلمة فهو عند ابن ماجه برقم (١٨٦٤) وفيه الحجاج بن أرطاة. (٦) ((السنن الكبرى)) ٨٥/٧. (٧) أبو داود (٢٠٨٢). (٨) ((بيان الوهم والإيهام)) ٤٢٩/٤. (٩) ((الثقات)) ٤٩٥/٥. ٣٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأبي حميد أخرجه البزار وقال: لا نعلم له طريقًا غير هذا(١). وأخرجه أحمد، وقال أبو حميد أو حميدة: الشك من زهير (٢). قَالَه ابن حبان في ((صحيحه))(٣). وفي الباب أيضًا عن أنس أنه وَلّ كان إذا أراد خطبة أمرأة بعث أم سليم تنظر إليها .. الحديث(٤). وأخرجه أبو داود في ((مراسيله))(٥)، دون ذكر أنس، وذكر البيهقي الوصل من طريقين(٦)، وذكر مهنا عن أحمد أنه منكر، وذكره الخلال في علله من حديث حماد بن سلمة عن أنس. قَالَ أبو عبد الله: أنا وكيع، ثَنَا سفيان، عن رجل أن النبي ◌َّ بعث عائشة إلى أمرأة لتنظر إليها، فلما جاءت قالت: يا رسول الله ما رأيت طائلًا؟ فقال: ((لقد رأيت نجدها خالًا أقشعرت كل شعرة منك)) فقالت: يا رسول الله، ما دونك ستر (٧). أما فقه الباب فالنظر إلى المخطوبة سنة، لهذه الأحاديث، ولا قائل بوجوبه إذ قد ورد، فلا بأس وشبهه، ولا يقال في الواجب. (١) ((البحر الزخار)) ١٦٥/٩-١٦٦ (٣٧١٤). (٢) أحمد ٤٢٤/٥. (٣) لم أقف علیه عند ابن حبان. (٤) رواه بهذا اللفظ: الطبراني في ((الأوسط)) ٢٠٤/٦ (٦١٩٥)، والضياء في ((المختارة)) ١٢١/٥ (١٧٤٥). ورواه أحمد ٢٣١/٣، والحاكم ١٦٦/٢، البيهقي ٧/ ٨٧ من طرق عن أنس بغير هذا اللفظ. (٥) ((المراسيل)) ص ١٨٦ (٢١٦). (٦) ((السنن الكبرى)) ٧/ ٨٧. (٧) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢ / ٥٧٠. ٣٨٩ = كِتَابُ الرَّضَاعِ وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها(١). وهذا قول الأربعة والثوري والكوفيين، وقالوا: (لا)(٢) ينظر إلى غير وجهها وكفيها. و(قال)(٣) الأوزاعي: (ينظر إليها ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم(٤). حجتهم حديث الباب، وما ذكرناه)(٥). واحتج الشافعي بأنه ينظر إليها بإذنها وبغيره بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ [النور: ٣١] قَالَ: الوجه والكفان(٦). وحديث أبي حميد السالف فإنه صريح فيه، قَالَ: فإن لفظه: ((لا حرج أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها من حيث لا تعلم))، وخالفهم آخرون وقالوا: لا يجوز لمن أراد النكاح ولا غيره أن ينظر إليها، إلا أن يكون زوجًا لها، أو ذا محرم منها، ووجهاها وكفاها عورة بمنزلة جسدها . واحتجوا بحديث ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة، عن أبي الطفيل، عن علي أنه مَّ قَالَ له: ((يا علي، لا تتبع بالنظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليس لك الأخرى))(٧) . (١) (شرح ابن بطال)) ٢٣٦/٧. (٢) من (غ). (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٩٥/٢، ((الإشراف)) ١٨/١-١٩. (٤) في الأصل: قاله، والمثبت من (غ). (٥) من (غ). (٦) ((مختصر المزني)) ٢٥٦/٣. (٧) رواه أحمد ١٥٩/١، وابن أبي شيبة ٧/٤ (١٧٢٢١) والدارمي ١٧٧٩/٣ (٢٧٥١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٤/٣-١٥، وابن حبان ٣٨١/١٢، والطبراني في ((الأوسط)) ٢٠٩/١ (٦٧٤)، والحاكم ١٢٣/٣، والضياء في ((المختارة)) ١٠٨/٢-١٠٩. = ٣٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فلما حرم النظرة الثانية؛ لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل عَلَى أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه أمرأة إلا أن تكون زوجة له أو ذات محرم. واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه الشارع في الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذَلِكَ، وذلك لسبب هو حلال، ألا ترى أن رجلًا لو نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها للشهادة أن ذَلِكَ جائز، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها . فأما المنهي عنه فالنظر إلى غير الخطبة ولغير ما هو حلال، ورأيناهم لا يختلفون في نظر الرجل إلى صدر الأمة إذا أراد أن يبتاعها جائز له، ولو نظر إليها لغير ذَلِكَ كان عليه حرام، فكذلك نظره إلى وجهها، إن كان فعل ذَلِكَ لمعنى هو حلال، فهو غير مكروه. وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال، خرج بذلك حكمه من حكم العورة؛ لأنا رأينا ما هو عورة، لا يباح لمن أراد نكاحها النظر إليه، ألا ترى أنه من أراد نكاح أمرأة حرام عليه النظر قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. = وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٧/٤: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات. وقال في ٦٣/٨: رواه أحمد وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات. والحديث صححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٩٠٢). ورواه أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٢٧٧٧) من حديث شريك عن أبي ربيعة عن ابن بريدة عن أبيه رفعه: ((يا عليّ .. )) الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. والحديث صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٧٩٥٣). ٣٩١ كِتَابُ الرَّضَاعِ = إلى شعرها وصدرها وإلى ما أسفل من ذَلِكَ من بدنها، كما يحرم ذَلِكَ منها عَلَى من لم يرد نكاحها، فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها ثبت أنه حلال أيضًا لمن لم يرد نكاحها، إذا لم يقصد بنظره إلى معنى هو عليه حرام، وقد قَالَ المفسرون في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنه الوجه والكفان، وقال ابن عباس: الوجه وباطن الكف(١). فرع : لا يشترط رضاها ولا إذنها، وعن مالك رواية ضعيفة: لا ينظر إليها إلا بإذنها . فرع : إذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث أمرأة تتأملها وتصفها له. فرع : لا ينظر إليها نظر تلذذ ولا شهوة ولا لزينة، قَالَ الإمام أحمد: ينظر إلى الوجه عَلَى غير طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها متأملًا محاسنها . قَالَ ابن قدامة: ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة (٢). وعن داود: ينظر إلى جميعها، حَتَّى قَالَ ابن حزم: يجوز النظر إلى ما ظهر وما بطن، بخلاف الجارية المشتراة، فإنه لا يجوز أن ينظر إلا إلى وجها وكفها . (١) رواه البيهقي في ((السنن)) ٧/ ٩٤ (١٣٥٣٧) وانظر ما سبق في ((شرح معاني الآثار)) ١٥/٣-١٨. (٢) («المغني)) ٩/ ٤٩٠. ٣٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وهذا لفظه في ((محلاه)): ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر منها إلى ما بطن وظهر، مستقبلًا لها وغير مستقبل، وليس له ذَلِكَ في الأمة التي يريد شراءها، ولا ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط، لكن يأمر أمرأة يثق بها إلى أن تنظر إلى جميع جسمها وتخبره(١). (أبين ... )(٢). ووجه ما ذكره ظاهر قوله وَله: ((انظر إليها)، لنا الآية السالفة ولأنه أبيح للحاجة فيختص بما تدعو إليه، وهو ذَلِكَ، والحديث مطلق ومن نظر إلى وجه إنسان سمي ناظرًا إليه، ومن رآه وعليه ثيابه سمي رائيًا له، كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ﴾ [المنافقون: ٤]. وقال: ﴿وَإِذَا رَءَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]. وفي رواية حنبل عن أحمد: لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعو إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذَلِكَ (٣). (١) ((المحلى)) ٣١/١٠. (٢) كلمة غير واضحة بالأصل وعليها علامة من الناسخ. (٣) انظر: ((المغني)) ٩/ ٤٩١. ٣٩٣ كِتَابُ الرَّضَاعِ = ٣٦- باب مَنْ قَالَ: لَ نِكَاحَ إِلّ بِوَلِيٍّ لقوله ◌ّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ. وَقَالَ تعالى ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَالَ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. ٥١٢٧- قَالَ يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي ◌ُزْوَةٌ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَزْبَعَةِ أَنْحَاءِ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابنتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لإِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْتِهَا: أَزْسِلِي إِلَى قُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ. وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يَمَشُهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هذا النِّكَاحُ نِكَاحَ الأَسْتِبْضَاعِ، وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَزْأَةِ كُلَّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالِيَ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابنكَ يَا فُلَانُ. تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ. وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَزْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمَّا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمْعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ، ثُمَّ أَلْقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابنْهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ رَ بِالْحَقٌ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّ نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ. [فتح ٩/ ١٨٣] ٣٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٥١٢٨- حَدَّثَنَا يَجْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيغْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى اُلْنِسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُنِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قَالَتْ هذا في اليَتِيمَةِ التِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ - لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ في مَالِهِ، وَهْوَ أَوْلَى بِهَا - فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا، فَيَعْضُلَهَا لَمَالِهَا، وَلَا يُنْكِحَهَا غَيْرَهُ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ فِي مَالِهَا. [انظر: ٢٤٩٤- مسلم: ٣٠٨ - فتح ٩ / ١٨٣]. ٥١٢٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، حَدَّثَنَا ٢١/٧ الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَنِي سَالَمٌ، أَنَّ ابن عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنِ ابن حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، تُؤْقَ بِالْمَدِينَةِ- فَقَالَ عُمَرُ: لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَقْصَةَ. فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هذا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَقْصَةَ. [انظر: ٤٠٠٥- فتح ٩ / ١٨٣] . ٥١٣٠- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرِو قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الَحَسَنِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتَا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا أَنْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَالله لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا. وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَزْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَقُلْتُ الآنَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ. [انظر: ٤٥٢٩ - فتح ٩ / ١٨٣]. وقال يحْيَى بن سُليمَانَ: ثنا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ بَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ .. الحديث. ٣٩٥ كِتَابُ الرَّضَاعِ = وأخرجه أبو داود(١)، ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ فِى يَتَمَى اُلْنِسَآءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ إلى آخره، وقد سلف(٢) . وحديث عمر رضي الله عنه حين تأيمت حفصة، وقد سلف(٣) وحديث معقل بن يسار في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا أَنْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا والله لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا . وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأُسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هُذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَقُلْتُ الآنَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ. وسلف في تفسير سورة البقرة (٤). الشرح : تلا البخاري الآية الأولى؛ ليوقف النكاح عَلَى الولي، فعاتب الرب جل جلاله معقلًا عند امتناع ردها إلى زوجها، فلو كان لها أن تزوج نفسها أو تعقد النكاح، لم يعاتب أخاها عَلَى الأمتناع منه، ولا أمره الشارع بالحنث، فدل عَلَى أن النكاح كان إليه دونها . والعضل: المنع من التزويج، فمنعوا من عدم تزويجهن، كما وعظ أولياء اليتامى أن يعضلوهن إذا رغبوا في أموالهن، فلو كان العقد إليهن لم یکنَّ ممنوعات. (١) أبو داود (٢٢٧٢). (٢) سلف برقم (٢٤٩٤)، كتاب: الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث. (٣) سلف برقم (٤٠٠٥)، كتاب: المغازي. (٤) سلف برقم (٤٥٢٩) باب: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. ٣٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأما الآية الثانية فوجه الدلالة منها أن الله تعالى خاطب الأولياء ونهاهم عن إنكاح المشركين ولياتهن المسلمات؛ من أجل أن الولد تبع الأب في دينه؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] ولا مدعو في نفس الاعتبار يمكنه الإجابة إلا الولد إذ هو تبع لأبيه في الدين، ولذلك نهى الله تعالى عن إنكاح الإماء المشركات؛ لأن الذي يتزوجها يتسبب أن يولدها، فيبيعها سيدها حاملًا من مشرك؛ إذ أولاد الإماء تبع (لأمهاتهم)(١) في الرق، فيئول ذَلِكَ إلى تمليك أولاد المسلمين، فيحملونهم عَلَى الكفر، فنهى الله عن ذَلِكَ وحرمه في كتابه، وجوز لمن لم يستطع طولًا (الحرة)(٢) إذا خشي العنت أن ينكح الأمة المسلمة في ملك المسلم لامتناع تمليكهن المشركين، وأباح له استرقاق ولده واستعباده لأخيه المسلم؛ من أجل أنه فداء من أن يحمله عَلَى غير دين الإسلام، والدليل عَلَى جواز إرقاق الرجل بنيه قوله وَّ في جنين المرأة عبدًا أو وليدةً (٣)، فلما جعل ◌َّ عوض الجنين الحر عبدًا وأقامه مقامه، وجوز لأبيه ملكه واسترقاقه عوضًا من ابنه. علمنا أن للرجل أن ينكح من النساء من يسترق ولده منها . إذا عرفت ذَلِكَ؛ فاتفق جمهور العلماء عَلَى أنه لا يجوز نكاح إلا بولي إما مناسبة أو وصي -عَلَى من يراه - أو سلطان، ولا يجوز عقد المرأة عَلَى نفسها بحال. روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة، وروي (١) في الأصول: لأمهاتهن. ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) في الأصول: يجده، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٢٤٤ وقد أشار محققه إلى أنها في النسخة التي أعتبرها أصلًا: (يجده)، وأثبت (لحرة) من نسخة أخرى. (٣) سيأتي برقم (٥٧٥٩) من كتاب الطب. ٣٩٧ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ عن شريح وابن المسيب والحسن وابن أبي ليلى، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وأبي عبيد، وحكى ابن المنذر عن الشعبي والزهري أنه إذا تزوجت بغير إذن وليها کفؤًا، فهو جائز(١) . وقال مالك في المعتقة والمسكينة التي لا خطب لها فإنها تستخلف عَلَى نفسها من يزوجها، ويجوز ذَلِكَ، وكذلك المرأة يكفلها الرجل أن تزويجه عليها جائز، وأما كل امرأة لها قدر وغنى فلا يزوجها إلا الأولياء أو السلطان (٢). قَالَ أبو حنيفة: إذا كانت بالغة عاقلة زالت ولاية الولي عنها، فإن عقدت بنفسها جاز، وإن ولت رجلًا حَتَّى عقد جاز. (ووافق)(٣) أنها إذا وضعت نفسها بغير كفؤٍ كان للولي فسخه (٤). وشذ أهل الظاهر أيضًا فقالوا: إن كانت بكرًا فلابد من ولي، وإن کانت ثيبًا لم تحتج إلى ولي(٥)، وهذا خلاف الجماعة، وقد سلف دلیل الجمهور. قَالَ ابن المنذر: روينا عن علي وابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح وإسحاق بن راهويه وأبي يوسف القاضي أنهم قالوا: أن الولي السلطان إذا أجازه جاز وإن كان عقد بغير ولي. (١) أنظر: ((شرح معاني الآثار)) ٧/٣-١٣، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٤٧/٢ - ٢٤٨، (الاستذكار)) ٣٥/١٦-٤٢، ((الإشراف)) لابن المنذر ٢٨/١، ((الفروع)) ١٥٧/٥-١٧٦. (٢) نقله ابن القاسم عنه، أنظر: ((الاستذكار)) ٣٥/١٦. (٣) كذا في الأصول، وفي ((شرح ابن بطال)): (ووافقنا على). (٤) أنظر: ((المبسوط)) ١٠/٥-١٤، (تبيين الحقائق)) ١١٧/٢. (٥) ((المحلى)) ٤٥٨/٩-٤٥٩. ٣٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال محمد بن الحسن: إذا تزوجت بغير أمر الولي فالنكاح موقوف حَتَّى يجيزه الولي أو القاضي(١). وكان أبو يوسف يقول: بضع المرأة إليها والولاية في عقد النكاح لنفسها دون وليها، وليس للولي أن يعترض عليها في نقصان ما تزوجت عليه من مهر مثلها. ثم رجع عن قوله هذا كله إلى قول من قَالَ: لا نكاح إلا بولي. وقوله الثاني هو قول محمد (٢) . فصل : ادعى المهلب أنَّ في الحديث دلالة عَلَى أن الرجل إذا عضل وليته (لا يفتات)(٣) عليه السلطان فيزوجها بغير أن يأمره بالعقد لها، ويرده عن (العضل)(٤). كما رد الشارع معقلًا عن ذَلِكَ إلى العقد، ولم يعقده بل دعاه إلى العقد والحنث في یمینه، إذ عقده لأخته من تحبه خير من إبرار اليمين، وأيضًا فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوْ اْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرن في ذَلِكَ(٥). وعندنا السلطان يزوج عند العضل؛ لأنه امتنع من حق واجب عليه فقام مقامه . فصل : في عقد عمر على حفصة رضي الله عنهما دونها دال على أنه ليس للبالغة تزويج نفسها دون وليها، ولو كان ذَلِكَ لها لم يكن الشارع يدع (١) ((الإشراف)) ٢٢/١-٢٣. (٢) (شرح معاني الآثار)) ١٣/٣. (٣) لعل ما هنا أصوب مما وقع في ((شرح ابن بطال)): يؤكده السياق بعده . (٤) في الأصول: (العقد) ولعل الصحيح ما أثبتناه وهو الذي في ((شرح ابن بطال)). (٥) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٤٢/٧-٢٤٣. ٣٩٩ = ڪِتَابُ الرَّضَاعِ خطبة حفصة إلى نفسها؛ إذ كانت أولى بنفسها من أبيها، ويخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها . وفيه: بيان قوله التَّها: ((الأيم أحق بنفسها من وليها))(١) معناه: أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عليها عقدة نكاح دون وليها. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا من الصحابة ثبت عنه خلاف ما قلناه. فصل : قول عائشة: (إن النكاح كان على أربعة أنحاء .. فنكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته)، حجة في أن سنة عقد النكاح إلى الأولياء. وما روى مالك عنها أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب، فلما قدم قال: مثلي يفتات عليه في بناته (٢). وهو دال على أنه لا يفتقر إلى ولي، فمعناه الخطبة. والكلام في الرضا والصداق دون العقد، توضحه رواية ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، عن أبيه، عنها أنها أنكحت [رجلًا](٣) من بني أختها أمرأة من بني أخيها، فضربت بينهم بسترِ ثم تكلمت حَتَّى إذا لم يبق إلا العقد، أمرت رجلًا فأنكح، ثم قالت: ليس إلى النساء نكاح (٤). (١) رواه مسلم (١٤٢١)، كتاب: النكاح، باب: استذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت. (٢) ((الموطأ)) برواية يحيى ص ٣٤٣. (٣) ساقطة من الأصول، والمثبت من ((شرح معاني الآثار)). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٤٤ (١٥٩٥٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٠/٣، والبيهقي في ((السنن)) ٧/ ١١٢. : ٤٠٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفي رواية: يا فلان زوج فإن النساء لا يزوجن(١). قال ابن المنذر: وأما تفريق مالك بين المولاة والمسكينة، وبين من لها منهن قدر وغنى، فليس ذَلِكَ مما يجوز أن يفرق به؛ إذ قد سوى الشارع بين الناس جميعًا فقال: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم))(٢). فسوى بين الجميع في الدماء، فوجب أن يكون حكمهم فيما دون الدماء (٣) سواء(٣). فصل : قال الداودي: بقي على عائشة رضي الله عنها نحو لم تذكره وذكره الله تعالى في كتابه، قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] كانوا يقولون: ما أستتر فلا بأس به، وفيما ظهر فهو لوم. ونكاح المتعة أيضًا أهملته. وفي الدار قطني عن أبي هريرة رضي الله عنه: كان البدل في الجاهلية أن يقول (الرجل) (٤) للرجل: تنزل لي عن أمرأتك وأنزل لك عن أمرأتي وأزيدك(٥). ومرادها: بالأنحاء: الضروب. والاستبضاع: استفعال من البضع وهو النكاح، ويطلق أيضًا على العقد والجماع، وعلى الفرج. (١) رواها ابن أبي شيبة ٤٤٤/٣ (١٥٩٥٣)، ورواه عبد الرزاق ٢٠١/٦ عن ابن جريج عن عائشة. (٢) رواه أبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥)، وأحمد ١٨٠/٢، والحديث صححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٢٠٨). (٣) ((الإشراف)) ٢٣/١. (٤) من (غ). (٥) («السنن)) ٢١٨/٣.