النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كِتَابُ الرَّضَاعِ - وفي لفظ: ثم جاء تحريمها بعد(١). ولابن شاهين من حديث أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عنه: أحلت للصحابة ثلاثة أيام في غزاة شكونا إلى رسول الله وَمسلية العزوبة، ثم نسختها آية النكاح (٢) . وحديث ابن مسعود السالف في النكاح لم يذكر فيه إلا الإباحة، وتلا قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] قَالَ الشافعي فيما حكاه عنه الحاكم: ذكر ابن مسعود الإرخاص فيها. ولم يؤقت شيئًا يدل أهو قبل خيبر أو بعدها؟ فأشبه حديث علي في النهي عنها أن يكون -والله أعلم- ناسخًا له فلا يجوز بحال. قَالَ البيهقي: وروينا في حديث ابن مسعود أنه قَالَ: كنا ونحن شباب. فأخبر أنهم كانوا يفعلون ذَلِكَ وهم شباب؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وله بضع وستون سنة، وكان فتح خيبر سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، فكان سنة عام الفتح يقرب من أربعين سنة، والشباب قبل ذَلِكَ، فأشبه حديث علي أن يكون ناسخا له(٣). وهو كما قَالَ البيهقي، فمن تأمله وجد كلامه في غاية المتانة. وذكر أبو عبد الرحمن العُتَقِي (٤) في ((تاريخه)) أن مولد ابن مسعود سنة ثلاث وعشرين من مولد سيدنا رسول الله وَ له. فحضوره كان (١) ((السنن الكبرى)) ٢٠٧/٧. (٢) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص٣٥٢. (٣) ((معرفة السنن والآثار)) ١٠/ ١٧٥ - ١٧٦. (٤) ورد بهامش الأصل: العتقي بضم العين المهملة، ثم مثناة فوق مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء النسبة من حجر حمير، وهو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله العتقي صاحب ((تاريخ المغاربة)) نسبه عند عبد الغني. ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أيضًا فوق الثلاثين، وقد ذكر نسخها كما سلف. وقد رواه أيضًا عنه عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل، عن قيس، عنه(١) فوافق عليًّا في النسخ. والظاهر أن حديثه: ((يا معشر الشباب)) السالف، بعد ذَلِكَ، وقد سلفت روايته في البخاري: قَالَ لنا النبيِ وَ ذَلِكَ، ولا ينافيه رواية الفريابي في ((كتاب النكاح)) خرج عَلَى فتية عزاب فقال: ((يا معشر الشباب)). فصل : روى النهي أيضًا جماعات منهم: عمر بن الخطاب، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح: أنه # أذن لنا في المتعة ثلاثة أيام، ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتع وهو محصن إلا رجمته، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أنه الظّها أحلها بعد إذ حرمها(٢). وعند ابن الطلاع قَالَ أبو عبيد في حديثه: قَالَ النبي ◌َِّ: ((ما أحسب رجلاً منكم يخلو بامرأة ثلاثًا إلا ولّها الدبر))(٣). (١) رواه عبد الرزاق ٧/ ٥٠٦ من طريق ابن عيينة عن إسماعيل عن قيس عنه. (٢) ابن ماجه (١٩٦٣). قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص٢٧٨-٢٧٩: إسناد حديث عمر فيه مقال، أبو بكر بن حفص اسمه إسماعيل الأبلي ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كتبت عنه وعن أبيه وكان أبوه يكذب، قلت: لا بأس به؟ قال: لا يمكنك أن تقول لا بأس به. وأبان بن أبي حازم وثقه أحمد وابن معين والعجلي وابن نمير وغيرهم وأخرج له ابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) وضعفه العقيلي والنسائي. اهـ والحديث حسنه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١٥٩٨). (٣) رواه سعيد بن منصور في (سننه)) ٢١٧/١ عن الحسن مرسلًا. ٣٦٣ = كِتَابُ الرَّضَاعِ والدارقطني: عن ابن عباس أن عمر نهى عن المتعة التي للنساء وقال: إنما أحل الله ذَلِكَ للناس عَلَى عهد رسول الله وَّل، والنساء يومئذٍ قليل، ثم حرمها عليهم بعد(١). وفي ((المصنف)) قَالَ ابن المسيب: يرحم الله عمر، لولا أنه نهى عنها صار الزنا جهارًا . وله أن ابن عمر نهى عنها فقال: حرام. قيل له: إن ابن عباس يفتي بها. قَالَ: فهلا تزمزم بها أيام عمر (٢) . زاد البيهقي: والله لقد علم أن رسول الله وق لل حرمها يوم خيبر وما كنا (٣) . مسافحین ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه، أخرجه ابن شاهين بإسناد جيد عنه : تمتعنا مع رسول الله وَّه بمكة من النساء، ثم قَالَ لنا: ((إن جبريل أتاني وأخبرني أن الله قد حرمها)). وله من حديث ابن خالد الجهني وكعب بن مالك وأنس(٤). وفي البيهقي عن أبي ذر: إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله وَليل متعة النساء ثلاثة أيام، ثم نهى عنها رسول الله ◌َيَ(٥). وفي مسلم: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة: متعة النساء، ومتعة (٦) الحج(٦) . (١) ((السنن)) ٢٥٨/٣-٢٥٩. (٢) ابن أبي شيبة ٥٤٦/٣ (١٧٠٦٦، ١٧٠٦٧). (٣) ((السنن الكبرى)) ٧/ ٢٠٢. (٤) «ناسخ الحدیث ومنسوخه)) ص٣٥٣-٣٥٤. (٥) ((السنن الكبرى)) ٢٠٧/٧. (٦) مسلم (١٢٢٤/ ١٦٣) كتاب الحج، باب: جواز التمتع. ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : لما حرمها وَّ في حجة الوداع تأبدَ النھيُ، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة. قَالَ الحازمي الأستاذ: ذهب إليه بعض الشيعة. وروي عن ابن جريج أيضًا جوازه(١). قلت: قد ذكروا عنه رجوعه، قَالَ أبو طالب: قَالَ أبو عبد الله أحمد: قَالَ ابن جريج بالبصرة: أشهدوا أني قد رجعت عن المتعة بعد بضعة عشر حديثًا أرويه فيها . وأما ابن حزم توسع قَالَ: إن جماعة من السلف ثبتت عَلَى تحليلها بعد رسول الله وَالر، منهم من الصحابة: أسماء بنت الصديق، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حُريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر عن (جميع)(٢) الصحابة مدة رسول الله، ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافته. واختلف في إباحتها عن ابن الزبير (وعن علي فيها توقف وعن عمر)(٣) أنه إنما أنكرها إذ لم يشهد عليها عدلان، وأباحها بشهادة عدلين، ومن التابعين: طاوس وعطاء وسعيد، وسائر فقهاء مكة (٤). قلت: ولهذا - والله أعلم- قَالَ الأوزاعي فيما ذكره الحاكم في ((علومه)) : يترك من قول أهل الحجاز خمس منها: المتعة بالنساء(٥). (١) ((الاعتبار)) ص ١٣٧. (٢) في الأصل: جمع من، والمثبت من (غ) وهو الموافق ((للمحلى)). (٣) في الأصول: وعليّ وعن عمر فيها توقف، والمثبت من ((المحلى)). (٤) ((المحلى)) ٥١٩/٩-٥٢٠. (٥) ((معرفة علوم الحديث)) ص٦٥. ٣٦٥ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ وقال ابن عبد البر في ((جامع العلم)): أطلق ابن شهاب عَلَى أهل مكة زمانه أنهم ينقضون عُرى الإسلام، ما استثنى منهم أحدًا. وأظن ذَلِكَ، لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء(١). ونقل ابن بطال عن بعضهم: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس تحليلها، وروي عنه أنه رجع عنها بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة، لكن الذي أتفق عليه أهل الأمصار من أهل الرأي والأثر تحريمها(٢). قَالَ ابن عبد البر: أتفق أئمة الأمصار مالك وأصحابه، وسفيان، وأبو حنيفة، والشافعي، ومن سلك سبيلهما من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد في أهل مصر والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، ومحمد بن جرير عَلَى تحريمها لصحة النهي عندهم (عنها)(٣). واختلفوا في معنى منها، وهو: الرجل يتزوج المرأة عشرة أيام أو شهرًا أو أيامًا معلومة وأجلًا معلومًا، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي: هذا نكاح المتعة، وهو باطل، يفسخ قبل الدخول وبعد، وقال زفر: إن تزوجها عشرة أيام ونحوها أو شهرًا، فالنكاح ثابت، والشرط باطل، وهو شاذ. وقالوا كلهم إلا الأوزاعي: إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا، ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرًا أو مدة معلومة، فإنه لا بأس به ولا تضر في ذَلِكَ نيته إذا لم يشترط ذَلِكَ في نكاحه. (١) ((جامع بيان العلم وفضله)) ١٠٩٨/٢ (٢١٤١). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٥/٧. (٣) من (غ). ٣٦٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح قَالَ مالك: فليس عَلَى الرجل إذا نكح (أن ينوي إذا لم توافقه أمرأته أن يطلقها)(١) . وقال الأوزاعي: ولو تزوجها بغير شرط، ولكنه نوى ألا يحبسها إلا شهرًا أو نحوه ويطلقها، فهي متعة، ولا خير فيه. قَالَ أبو عمر: في حديث ابن مسعود بيان أن المتعة نكاح إلى (أجل)(٢)، وهذا يقتضي الشرط الظاهر فإذا سلم العقد منه صح. قَالَ: وقد روي عن ابن عباس أنه أنصرف عن المتعة، والصَّرْفُ أنه قَالَ: نسخ المتعة ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وروي عنه أنه قَالَ: الاستمتاع هو النكاح، وهي كلها آثار ضعيفة، لم ينقلها أحد يحتج به، والآثار عنه بإجازة المتعة أصح، ولكن العلماء خالفوه فيها قديمًا وحديثًا، حَتَّى قَالَ ابن الزبير: لو تمتع ابن عباس لرجمته(٣). وقد ذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يحد فاعله، فيحمل قول هذين عَلَى التغليظ. قَالَ مالك عند ابن حبيب: ولا يبلغ به الحد كنكاح السر(٤). وقال ابن نافع: يحد بخلاف السر. قَالَ أبو عمر: ولم يختلف العلماء أن المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع إلى أنقضاء الأجل من غير طلاق، وليس هذا حكم الزوجية عند أحد من المسلمين، وقد حرم الله الفروج (١) كذا في الأصول، وفي ((الاستذكار)): أن ينوي حبس امرأته إن وافقته وألا يطلقها. وفي ((التمهيد)) أن ينوي حبس امرأته، وحبسه إن وافقته، وإلا طلقها. (٢) في الأصول: الرجل، وهو خطأ، والمثبت من ((الاستذكار)). (٣) ((الاستذكار)) ٢٩٩/١٦، ٣٠٠-٣٠٢. (٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٥٩/٤. ٣٦٧ = كِتَابُ الرَّضَاعِ إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين، وقد نزعت عائشة والقاسم بن محمد وغيرهما في تحريمها ونسخها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ٥ الآية [المؤمنون: ٥](١). ونقله الترمذي أيضًا عن ابن عباس(٢)، وقد روي عن على وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَا اُسْتَمْتَعْتُمُ بِهِ، مِنْهُنَّ﴾ قالا : فنسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة. وما ذكره الشيعة خالفوا فيه قواعدهم إذ عمدتهم الرجوع إلى قول علي وأولاده، وقد أسلفنا عن علي نسخه، وأنكر عَلَى ابن عباس اعتقاد أنها غير منسوخة، وكذا روي عن جعفر بن محمد الصادق. روى البيهقي من حديث بسام الصيرفي قال: سألت جعفر بن محمد عن المتعة فوصفها له فقال: في ذَلِكَ الزنا(٣). قَالَ الخطابي: وتحريمها كالإجماع بين المسلمين (٤). وقال ابن التين: ثبت عن ابن عباس رجوعه عنها . تذنیب : قد أسلفنا قول ابن عمر وغيره فيها، وقال هو وابن الزبير: هي السفاح(٥). وكذا قَالَ عروة: هو الزنا صُراح (٦)، وقيل: ليس بزنا، وما أحل الشارع الزنا بحال. (١) ((الاستذكار)) ٢٩٦/١٦-٢٩٧. (٢) عقب حديث (١١٢١). (٣) ((السنن الكبرى)) ٢٠٧/٧. (٤) ((معالم السنن)) ١٦٣/٣. (٥) روى أثر ابن عمر عبد الرزاق ٥٠٥/٧ (١٤٠٤٢). (٦) رواه سعيد بن منصور ٢١٩/١ (٢٠٠). ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال نافع عنه: متعتان كانتا عَلَى عهد رسول اللهِ وَلَه إنما أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج(١). فهذا عمر رضي الله عنه نهى عنها بحضرة الصحابة، فلم ينكر ذَلِكَ عليه منكر، وفيه دليل عَلَى متابعتهم له عَلَى ما نهى عنه، وهو دال عَلَى النسخ. وابن عباس يقول: إنما أبيحت والنساء قليل، فلما كثرت أرتفع المعنى الذي من أجله أبیحت. وحكمة تكرار النھي حتّى في حجة الوداع أن من عادته تکریر مثل هذا في مغازيه، وفي المواضع الجامعة ومن جملتها حجة الوداع لينقل لمن لم يسمع، فأكده حَتَّى لا يبقي شبهة لأحد يدعي تحليلها؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرًا، وحديث سبرة دال عَلَى إبطال قول زفر، وأن العقد لا يوجب دوامه، ولو أوجب الدوام لكان بفسخ الشرط الذي تعاقدا عليه، ولا يفسخ النكاح إذا كان ثبت عَلَى صحته وجوازه قبل النهي، ففي أمره بالمفارقة دليل عَلَى أن مثل هذا العقد لا يجب به ملك بضع. - (١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٤٦/٢، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٠/ ١١٢ - ١١٣، ٣٦٤/٢٣ -٣٦٥. ٣٦٩ كِتَابُ الرَّضَاعِ ٣٢ - باب عَرْضِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ ٥١٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَانِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابنةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسَ: جَاءَتِ أَمْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ بِي حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا وَاسَوْأَتَاهُ وَاسَوْأَتَاه! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ ◌ََّ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا. [٦١٢٣ - فتح ٩ / ١٧٤]. ٥١٢١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ أَمْرَأَةَ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ بِِّ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوَّجْنِيهَا. فَقَالَ: ((مَا عِنْدََ؟)). قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا والله مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولكن هذا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفُهُ - قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلى الله ((وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارَِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَىءٍ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَىء)). فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلَسُهُ قَامَ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ◌ََّ فَدَعَاهُ أَوْ دُعِي لَهُ فَقَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟)). فَقَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا- فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِه: ((أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [انظر: ٢٣١٠- مسلم: ١٤٢٥ - فتح ١٧٥/٩]. ذكر فيه حديث سهل بن سعد في الواهبة، وقد سلف، وقال في آخره: ((أملكتكها بما معك من القرآن)». وفي نسخة: ((أملکناکها». رواه عنه أبو حازم، واسمه: سلمة بن دينار -مولى الأسود بن سفيان المخزومي، وقيل: مولى لبني ليث- القاص، من عباد أهل ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - المدينة وزهادهم، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومائة، وقيل سنة أربعين(١) . ذكر فيه أيضًا حديث مرحوم- وهو العطاء بن عبد العزيز بن مهران البصري، مولى آل معاوية بن أبي سفيان- سَمِعْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسِ وَعِنْدَهُ ابنةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسِ: جَاءَتِ أَمْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ فِي حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسِ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا وَاسَوْأَتَاهْ وَاسَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِّ ◌َِّ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا . ويأتي في الأدب، وأخرجه النسائي هنا(٢)، وفي ((التفسير)) أيضًا(٣)، وابن ماجه هنا(٤)، وهما ظاهران عَلَى ما ترجم له، وهو جواز عرض المرأة نفسها عَلَى الرجل الصالح، وتعريفها رغبتها فيه؛ لصلاحه وفضله، أو لعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدين، وأنه لا عار عليها في ذَلِكَ ولا غضاضة، بل ذَلِكَ زائد في فضلها، لقول أنس لابنته: هي خير منك. وفيه: أن الرجل الذي تعرض المرأة نفسها عليه لا ينكحها، إلا إذا وجد في نفسه رغبة فيها . وكذلك صوب الشارع النظر فيها وصعده، فلما لم يجد في نفسه رغبة فيها سكت عن إجابتها . (١) انظر: ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٧٨/٤، ((الجرح والتعديل)) ١٥٩/٤، ((تهذيب الكمال)) ٢٧٢/١١-٢٧٩. (٢) ((المجتبى)) ٧٨/٦-٧٩. (٣) ((تفسير النسائي)) ١٨١/٢. (٤) ابن ماجه (٢٠٠١). ٣٧١ كِتَابُ الرَّضَاعِ = وفيه: جواز سكوت العالم ومن سئل حاجة، إذا لم يرد الإسعاف ولا الإجابة في المسألة، فإن ذَلِكَ أدب في الرد بالكلام وألين في صرف السائل. وفيه: أن سكوت المرأة في الجماعات لازم لها، إذا لم يقم الدليل عَلَى أن سكوتها كان لحياء أو لحشمة، لأنه كان للمرأة أن تقول: يا رسول الله، أنا أرغب فيك، ولا أرغب في غيرك. وكذلك يجب أن يكون سكوت كل من عقد عليه عقد في جماعة، ولم يمنعه من الإنكار خوف ولا حياء، ولا آفة في سمع ولا فهم أن ذَلِكَ العقد لازم له. وفيه: دليل عَلَى جواز استمتاع الرجل بشورة المرأة، وبما يشترى لها من صداقها لقوله: «ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء؟)) مع علمه بأن النصف لها، فلم يمنعه من الاستمتاع بنصفه الذي جوز لها وجوز له لبسه أجمع، وإنما منع من ذَلِكَ؛ لأنه لم يكن له ثوب غيره، فخشي أن تحتاج إليه المرأة فيبقى عاريًا . ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣٣ - باب عَرْضِ الرجل ابنتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الخَيْ ٥١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَقْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ ◌ُنَيْسِ بْنِ خُذَافَةَ السَّهْمِيِّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وََّ فَتُقَ بِالْدِينَةِ - فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هذا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبًّا بَكْرِ الصِّدِّيقَ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَقْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِغْ إِلَى شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَقْصَةً فَلَمْ أَزْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَغْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَىّ إِلَّ أَّ كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهَِ، قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأَفَشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ بَلَ، قَبِلْتُهَا. [انظر: ٤٠٠٥- فتح ٩ / ١٧٥]. ٥١٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابنةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَّةِ: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَعَلَى أُمَّ سَلَمَةَ؟ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)). [انظر: ٥١٠١- مسلم: ١٤٤٩ - فتح ٩/ ١٧٦]. ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في عرض عمر حفصة -لما تأيمت من خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله صل توفي بالمدينة- عَلَى عثمان ثم الصديق ثم خطبها وبَّ، وقد سلف في المغازي، ويأتي. ٣٧٣ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ وحديث أم حبيبة: إنا قد تحدثنا أنك تنكح درة بنت أبي سلمة .. الحدیث، وقد سلف. وحديث ابن عمر ذكره الحميدي(١) وأبو مسعود في مسند أبي بكر، لما أنفرد به معمر عن الزهري، من قول أبي بكر لعمر: إني علمت أن رسول الله ◌َّ قد ذكرها، وذكره خلف وابن عساكر في مسند عمر لقوله: خطبها رسول الله وَله، فأنكحتها إياه. ولما أخرجه الطرقي في مسند أبي بكر قَالَ: قد أخرجت الأئمة أصحاب المسانيد هذا الحديث من عهد أحمد بن حنبل إلى زماننا في ((مسنده))، لقوله السالف أنه ذكرها، وذكر الدارقطني أن حفصة تأيمها من ابن حذافة أنه طلقها(٢) . وذكر أبو عمر وغيره أنه توفي عنها من جراحة أصابته بأحد(٣)، وعلى هذين القولين يحمل قول من قَالَ: تزوج حفصة بعد ثلاثين شهرًا من الهجرة. ورواية من روى بعد سنتين في عقب بدر، ورواية من روى توفي زوجها بعد خمسة وعشرين شهرًا . وخنيس بضم الخاء المعجمة ثم نون مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة، وقال ابن طاهر: قَالَ يونس، عن الزهري: بفتح الخاء وكسر النون. وكان معمر بن راشد يقوله: بفتح الحاء المهملة ثم باء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ثم شين معجمة . (١) ((يجمع بين الصحيحين)) ٨٨/١. (٢) ((العلل)) ١/ ١٥٧. (٣) ((الاستيعاب)) ٣٥/٢. ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قَالَ الجياني: وروي أن معمرًا كان يصحف في هذا الاسم فيقول: حبيش بن حذافة، فرد عليه: خنيس فقال: لا بل هو حبيش. قَالَ الدار قطني: وقد اختلف عَلَى عبد الرزاق عن معمر، فروي عنه خنيس بالسين المهملة عَلَى الصواب، وروي عنه: حبيش أو خنيس بالشك، وذكره البخاري وجماعات بالمهملة، والخاء عَلَى الصواب (١). أما فقه الباب فهو ظاهر لما ترجم له من عرض الرجل وليته ابنته وغيرها عَلَى الرجل الصالح ولا نقص عليه في ذَلِكَ. وفيه: أن من عرض عليه ما فيه الرغبة فله النظر والاختيار، وعليه أن يخبر بعد ذَلِكَ بما عنده؛ لئلا يمنعها من غيره؛ لقول عثمان بعد ليالٍ: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. وفيه: الاعتذار اقتداءً بعثمان في مقالته هذِه، ولم يقل أبو بكر: لا أريد التزويج، وقد كان يريده حين قَالَ: لو تركها لنكحتها، ولم يقل: نعم، ولا لا . وفيه: الرخصة أن يجد الرجل عَلَى صديقه في الشيء، ويسأله، فلا يجيب إليه، ولا يعتذر بما يعذر به؛ لأن النفوس جبلت عَلَى ذَلِكَ، لاسيما إذا عرض عليه ما فيه الغبطة له. وقوله: (وكنت أوجد عليه - يعني عَلَى الصديق - من عثمان) سببه أن الصديق لم يرد عليه الجواب، بل تركه عَلَى الرقيب؛ ولأنه أخص بعمر منه بعثمان؛ لأنه وَ آخى بينهما، فكانت موجدته عليه أكثر؛ لثقته به، وإخلاصه له . (١) ((تقييد المهمل)) ٢١٦/١. ٣٧٥ كِتَابُ الرَّضَاعِ = وفي بعض الروايات أن عمر شكى عثمان إلى رسول الله وَل فقال: ((ينكح حفصة خير من عثمان، وينكح عثمان خيرًا من حفصة)) فكان كذلك. وفيه: كتمان السر، فإن أظهره الله أو أظهره صاحبه جاز للذي أسر إليه إظهاره، ألا ترى أنه وَ ﴿ لما أظهر تزويجها أعلم أبو بكر بما كان أسر إليه منه، وكذلك فعلته فاطمة رضي الله عنها في مرض رسول الله وَله حين أسر إليها أنها أول أهله لحاقًا به فكتمته حين توفي، وأسر ؛ صَلى ◌ّـ وسيم إلى حفصة تحريم مارية، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، ولم يكن الشارع أظهره، فذم الله فعل حفصة، وقبول عائشة لذلك فقال: ﴿إِن نَنُوَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. أي: مالت، وعدلت عن الحق. وفي قول أبي بكر لعمر بعد تزويج رسول الله وَّ لها، لعلك وجدت علي، دليل عَلَى أن الرجل إذا أتى إلى أخيه بما لا يصلح أن يؤتى إليه من سوء المعاشرة، أن يعتذر ويعترف، وأن الرجل إذا وجب عليه الاعتذار من شيء وطمع بشيء يقوي حجته أن يؤخر ذَلِكَ حَتَّى يظفر ببغیته لیکون أَبْرأ له عند من يعتذر إليه. وفي قول عمر رضي الله عنه له دليل عَلَى أن الإنسان يحتج بالحق عَلَى نفسه وإن كان عليه فيه شيء. والمعنى الذي أسر أبو بكر عن عمر ما أخبره به الشارع هو أنه خشي أبو بكر أن يذكر ذلك لعمر ثم يبدو لرسول الله وَله [الإعراض](١) عن نكاحها، فيقع في قلب عمر من رسول الله وَّل ما وقع في قلبه من الصديق . (١) زيادة يقتضيها السياق. ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي قول أبي بكر لعمر: كنت علمت أن رسول الله وَّةٍ ذكرها. فيه دلالة أنه جائز للرجل أن يذكر لأصحابه، ولمن يثق به أنه يخطب امرأة قبل أن يظهر خطبتها، وقول الصديق: لم أكن لأفشي سره، يدل أنه من ذكر أمرأة قبل أن يُظهر خطبتها، فإن ذكره في معنى السر، وإن إفشاء السر وغيره في النكاح أو غيره من المباح لا يجوز، وكان إسراره وَلا تزويج حفصة للصديق عَلَى سبيل المشورة، أو لأنه وَّ علم قوة إيمان الصديق وأنه لا يتغير لذلك لكون ابنته عنده، وكتمان ذَلِكَ خشية أن يبدو لرسول الله رقمية في نكاحها أمر فيقع في قلب عمر ما وقع في قلبه لأبي بكر كما سلف. وفيه: أن الصَّدِيقَ لا يخطب امرأة عَلمَ أن صديقه يذكرها لنفسه، وإن كان لم يركن إليه لما يخاف من القطيعة بينهما، ولم تخف القطيعة بين غير الإخوان؛ لأن الاتصال بينهما ضعيف غير أتصال الصداقة في الله. وفي قول الصديق: (لو تركها تزوجتها). دليل عَلَى أن الخطبة إنما تجوز بعد أن يتركها الخاطب. وفيه: الرخصة في تزويج من عرض لرسول الله وَ ل فيها خطبة، أو أراد أن يتزوجها. ألا ترى قول الصديق: لو تركها تزوجتها. وقد جاء في خبر آخر الرخصة في نكاح من عقد النبي وَّ عليها النكاح ولم يدخل بها، وأن الصديق كرهه ورخص فيه عمر . وروى داود بن أبي هند عن عكرمة قَالَ: تزوج رسول الله وَّ أمرأة من كندة يقال لها قُتيلة، فمات ولم يدخل بها ولا حجبها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، فغضب أبو بكر وقال: تزوجت امرأة من نساء رسول الله ◌َلا. فقال عمر: ما هي من نسائه، ما دخل بها، ولا حجبها، ٣٧٧ = كِتَابُ الرَّضَاعِ ولقد ارتدت مع من أرتد. فسكت(١). وفيه: أن الأب تخطب إليه بنته، والثيب كالبكر، ولا تخطب إلى نفسها، وأنه يزوجها، وفيه فساد قول من قَالَ: إن للمرأة البالغة المالكة أمرها تزويج نفسها، وعقد النكاح عليها دون وليها، وإبطال قول من قَالَ: للثيب البالغة إنكاح من أحبت دون وليها، وسيأتي إيضاحه في باب: لا نكاح إلا بولي، وفي تركه أن يأمره باستثمارها- ولم يجئ عن عمر أن استأمرها- دليل عَلَى أن للرجل أن يزوج ابنته الثيب من غير أن يستأمرها، إذا علم أنها لا تكره ذَلِكَ، وكان الخاطب لها كفئًا؛ لأن حفصة لم تكن لترغب عن سيد الأكفاء، وأغنى علم عمر بها عن استثمارها . فائدة : معنى قوله: (تأيمت حفصة). صارت غير ذات زوج، بموت زوجها عنها، والعرب تدعو كل أمرأة لا زوج لها، وكل رجل لا أمرأة له أيمًا . (١) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٣٢٤٦/٦، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٢٧/٣ من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي مرسلًا. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٨/ ١٤٧ عن داود بن أبي هند بلفظ قريب منه. ورواه البزار كما في ((تلخيص الحبير)) ١٣٩/٣، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٢٧/٣، وابن نقطة في ((تكملة الإكمال)) ٦٠٩/٤ من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: إن النبي وَّ تزوج قُتيلة فارتدت مع قومها فلم يخيرها رسول الله وٍّ﴾ ولم يحجبها فبرأها الله منه. والحديث صححه ابن خزيمة والضياء فى ((المختارة)) كما في ((تلخيص الحبير)) ١٣٩/٣. ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣٤ - باب قَوْلِ اللّهِ رَّ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أَكْنَنتُمْ﴾ أَضْمَرْتُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ. وقال أبو عبد الله، وَقَالَ طَلْقٌ: ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنه: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ ﴾ يَقُولُ: إِّ أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَلَوَدِدْتُ أني يُسر ◌ِي أَهْرَأَةٌ صَالِحَةٌ. وَقَالَ القَاسِمُ: يَقُولُ: إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ، وَإِّ فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا. ونَحْوَ هذا. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ، يَقُولُ: إِنَّ لِي حَاجَةً وَأَبْشِرِي، وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ نَافِقَةٌ. وَتَقُولُ هِيَ: قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ. وَلَا تَعِدُ شَيْئًا، وَلَا يُوَاعِدُ وَلِيُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا، وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْدُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الَحَسَنُ: ◌َّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]: الزِّنَا. وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسِ: ﴿اَلْكِتَبُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] قال: أن تَنْقَضِي العِدَّةُ. [فتح ٩ /١٧٨]. الشرح : أما الآية فروى أبو محمد بن حيان في كتاب ((النكاح)) من حديث عبد الله بن أحمد، قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: أنكحني رسول الله ◌َو زيد بن حارثة ثم قتل عني، فأرسل إليَّ الزبير بن العوام يقول: أحبسي عَلَي نفسك. فقلت: نعم. فنزلت الآية. ومعنى ﴿أَكْنَنتُمْ﴾ كما ذكره، والتعليق الأول أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بلفظ: إني فيك لراغب، وإني أريد أمرأة أمرها كذا وكذا، ويعرض لها بالقول. وقال أبو الأحوص، عن منصور بلفظ: يعرض الرجل فيقول: إني أريد أن أتزوج، ولا ينصب لها في الخطبة. : ٣٧٩ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ وفي حديث عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عنه قَالَ: يقول: إني لراغب ولوددت أني تزوجتك، حَتَّى يعلمها أنه يريد تزويجها من غير أن يوجب عقدة، أو يعاهدها عَلَى عهد. وقول القاسم أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه في المرأة يتوفى عنها زوجها، ويريد الرجل خطبتها وكلامها، قَالَ: يقول: إني بك لمعجب، وإني عليك لحريص، وإني فيك لراغب، وأشباه ذلك. وثَنَا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن أبيه قَالَ: يقول في العدة: إني عليك لحريص. الحديث(١). وتعليق عطاء أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن دينار، عنه(٢)، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق أيضًا، عن معمر، عن قتادة، عنه بلفظ: هو الفاحشة(٣). كأنه يريد الفعل؛ لأن الزنا لا يجوز المواعدة فيه سرًّا ولا جهرًا، وهو لفظ مستعمل مشهور عَلَى ألسنة العرب. وعند ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز والحسن: هو الزنا، وكذا قاله إبراهيم وأبو الشعثاء (٤). وقال الشعبي: هو أن يأخذ عليها عهدًا وميثاقًا ألا تتزوج غيره، وقَالَ مجاهد: سرًّا يخطبها في عدتها . وقال ابن سيرين: يلقى الولي فيذكر رغبة وحرصًا. (١) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٢٥/٣، ٥٢٦. (٢) الذي في عبد الرزاق ٧/ ٥٣ (١٢١٥٠) عن ابن جريج عن عطاء. (٣) عبد الرزاق ٥٦/٧ (١٢١٦٨). (٤) ابن أبي شيبة ٥٢٩/٣. ٣٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال الضحاك: لا (يقاضيها)(١) أن لا تتزوج غيره. وكذا قَالَ سعيد بن جبير (٢). وقال الشافعي: هو الجماع(٣)، وهو التصريح فيما لا يحل له في حالته تلك. وقوله: (ويذكر عن ابن عباس) إلى آخره، هذا التعليق أخرجه إسماعيل بن أبي زياد في ((تفسيره))، عن جويبر، عن الضحاك، عنه، وعند ابن أبي شيبة جواز التعريض، عن مجاهد والحسن وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير والشعبي وأبي الضحى، وقال النخعي: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح، وقال ابن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أنه وَّ قَالَ لفاطمة بنت قيس: ((انتقلي إلى أم شريك ولا تفوتينا نفسك)) (٤). وأخرجه أبو الشيخ في كتاب ((النكاح)) من حديث يوسف بن محمد ثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا به، ثم قَالَ: وهذا الحديث لم يتابع عليه يوسف أحد، ثم ساقه من حديث أبي كريب، ثَنَا ابن إدريس بإسقاط أبي هريرة. وفي الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عمته سكينة بنت حنظلة قالت: استأذن عَلَيَّ محمد بن عليّ بن الحسين، ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي. فقال: قد عرفت قرابتي من رسول (١) كلمة غير واضحة في الأصل، والمثبت من ((مصنف ابن أبي شيبة)). (٢) ابن أبي شيبة ٥٢٨/٣، ٥٢٩. (٣) ((الأم)) ١١٨/٥. (٤) ابن أبي شيبة ٥٢٥/٣، ٥٢٦.