النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كِتَابُ النِّكَاحِ
قال الطبري: والتبتل الذي أراده عثمان بن مظعون هو ما عزم عليه
من ترك النساء والطيب وكل ما يلتذ به مما أحله الله لعباده من الطيبات
مطلقًا، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
الآية [المائدة: ٨٧] الآية.
وروي هذا عن ابن عباس وجماعة.
وقول أبي زيد: التبتل: العزوبة. يريد نوعًا من أنواع التبتل.
رابعها :
إن قيل: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز الأختصاء،
وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وربما أفضى بصاحبه إلى
الهلاك، وهو محرم بالاتفاق؟ فالجواب: إن ذلك لازم من حيث أن
مطلق التبتل يتضمنه، (وكأن قائل الحقيقي) (١) الذي يؤمن معه شهوة
النساء هو الخصاء، وكأنه أخذه بأكثر ما يدل عليه الأسم، والألم
العظيم مغتفر في جنب صيانة الدين، فقد يغتفر الألم العظيم في جنب
ما هو أعظم منه كقطع اليد للأُكَلَةِ، وكالكي والبطّ، وغير ذلك،
ودعوى إفضائه إلى الهلاك غالبًا غير مسلم، بل وقوع الهلاك منه
نادر، فلا يلتفت إليه، وخصاء البهائم يشهد لذلك، وما ذكرناه إنما
هو تقدير ما وقع لسعد، ولا يظن أن ذلك يجوز لأحد اليوم، بل هو
محرم بالإجماع، وكل ما ذكرناه إنما هو يمشي على الأخذ بظاهر
قوله: (لاختصينا) ويحتمل أن يريد سعد: لمنعنا أنفسنا منع
المختصي، والأول هو الظاهر.
(١) كذا في الأصل، وفي ((المفهم)) للقرطبي ٨٩/٤ (وكأن قائل ذلك وقع له أن التبتل
الحقيقي). وهو الأليق بالسياق.

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال المهلب: وإنما نهى الكليّة عن التبتل والترغيب من أجل أنه مكاثر
بهم الأمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا يقاتل بهم طوائف الكفار، وفي آخر
الزمان يقاتلون الدجال، فأراد القفيها أن يكثر النسل(١).
قلت: وإذا كان التبتل الذي لا جناية فيه على النفس إنما هو منعها
عن المباح لها، فمنعها ما فيه جناية عليها بإيلامها - وهو الخصاء - أحرى
أن يكون منهيًّا عنه، وثبت أن قطع شيء من الأعضاء من غير ضرورة
تدعو إلى ذلك حرام.
وأما حديث أبي أمامة رفعه: ((أربعة لعنهم الله فوق عرشه وأمنت
عليه الملائكة، الذي يخصي نفسه عن النساء .. ))(٢) الحديث، فهو
منكر كما قاله أبو حاتم في ((علله)) (٣).
ولا التفات إلى ما روي: ((خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ(٤)
الذي لا أهل له ولا ولد))(٥)، فإنه ضعيف بل موضوع، وكذا قول
حذيفة: إذا كان سنة خمسين ومائة فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير
له من أن يربي ولدًا (٦).
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٦٨/٧.
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٩٩/٨ (٧٤٨٩) بلفظ ((الذي يحصن نفسه عن النساء)).
(٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم ٤١٣/١ (١٢٤٠) وفيه الحديث بلفظ ((الذي يخصي نفسه
عن النساء)).
(٤) ورد بهامش الأصل: حاشية: الحاذ -بالحاء المهملة ثم ألف ثم ذال معجمة-
الظهر. وهو حديث رواه أبو يعلى الموصلي من حديث حذيفة، ورواه الخطابي في
كتاب ((العزلة)) من حديثه وحديث أبي أمامة. قال شيخنا العراقي: حديث ضعيف.
أنتهى. وفي حفظي عن ابن حزم أنه قال: إنه موضوع، قاله ... في ((المحلى)).
(٥) رواه الخطابي في ((العزلة)) ص ٥٢.
(٦) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)» ٧/ ٢٧ مرفوع من حديث حذيفة.

٢٠٣
- كِتَابُ النِّكَاحِ
ومما يوهن ذلك أنه لو قيل بذلك لبطل النسل والجهاد والدين،
وغلب أهل الكفر مع ما فيه من تربية الكلاب.
فرع :
قال ابن حزم: وليس النكاح فرضًا على النساء لقوله تعالى:
﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] الآية، وقوله العَيْ في الخبر الثابت:
((الشهادة سبع سوى القتل)) فذكر العَّة ((المرأة تموت بجمع شهيدة))(١)،
قال: و [هي] التي تموت في نفاسها. ((والمرأة تموت بكرًا لم
تطمث))(٢). وفيما ذكره نظر، فالنساء شقائق الرجال. وحديث علي:
(ثلاث لا تؤخرها)) منها: ((الأيم إذا وجدت كفؤًا))(٣).
وللحاكم من حديث عائشة مرفوعًا: ((ما من شيء خير لامرأة من
زوج أو قبر)) (٤) ولابن الجوزي في كتاب ((النساء)) من حديث زيد بن
أسلم، عن أبيه قال عمر رضي الله عنه: زوجوا أولادكم إذا بلغوا
ولا تحملوا آثامهم. وعن خليد بن دعلج قال: قال الحسن: بادروا
ببناتکم التزويج.
وللخلال في ((علله)) عن ابن أبي نجيح المكي رفعه: ((مسكينة
مسكينة أمرأة ليست لها زوج)) قالوا: يا رسول الله، وإن كانت غنية
من المال؟ قال: ((وإن كانت غنية من المال)) وقال بمثل ذلك في الرجل.
(١) رواه أبو داود (٣١١١) والنسائي ١٣/٤-١٤ من حديث جابر بن عتيك.
(٢) ((المحلى)) ٩/ ٤٤١ وما بين المعكوفين زيادة منه.
(٣) رواه الترمذي (١٧١، ١٠٧٥) وقال: هذا حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل.
(٤) لم أقف عليه عند الحاكم وعند الطبراني في ((الأوسط)) ١٥١/٨ (٨٢٤٠) من
حديث ابن عباس بلفظ ((للمرأة ستران)) قال: وما هما قال: ((الزوج والقبر)) قال
العجلوني في ((كشف الخفاء)) ١/ ٤٠٧: وهو ضعيف جدًا.

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن معين: هذا مرسل. وأخرجه أبو نعيم والطبراني في
((الأوسط)) أيضًا(١).
فصل :
ينعطف على ما مضى: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم ما أحل
الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح
إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك لها بعض الخبث والمشقة أو أمنه؛
وذلك لرده الكيفية التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل في
ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل
ما ندب عباده إليه، وعمل به رسوله وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه
الأئمة الراشدون؛ إذ كان خير الهدي هديه، فإذا كان ذلك تبين خطأ
من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على
لبس ذلك من حله، وآثر أكل الفول والعدس على أكل خبز البر
والشعير، وترك أكل اللحم والودك؛ حذرًا من عارض الحاجة إلى
النساء، فإن ظن الظان أن الفضل في غير ذلك، قلنا: لما في لباس
الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف فضل ما بينهما من
القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى للإنسان
بالنفس إصلاحها وعونها له على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم
من المطاعم الرديئة؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها
الله سببا إلى طاعاته.
(١) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٣٠٣٩/٦ (٧٠٤٠)، ((المعجم الأوسط)) للطبراني
٣٤٨/٦ (٦٥٨٩).

٢٠٥
= ڪِتَابُ النِّكَاحِ
فصل :
وفيه: أن خصاء بني آدم حرام، وذلك أن التبتل إذا كان منهيًّا عنه
ولا جناية فيه على النفس غير منعها المباح، فمنعها ما له فيه جناية
عليها بإيلامها وتعذيبها بقطع بعض الأعضاء أحرى أن يكون منهيًّا
عنه، فثبت بها أن قطع شيء من أعضاء الإنسان من غير ضرورة تدعو
إلى ذلك حرام، كما أسلفناه، وسواء في ذلك الصغير والكبير ،
ولأن فيه تغيير خلق الله، ولما فيه من قطع النسل وتعذيب الحيوان
كما أسلفناه، وأما غير الآدمي فإن كان لا يؤكل فكذلك، كما قاله
البغوي، وأما المأكول فيجوز في صغره دون كبره (١) .
فصل :
وقوله: ( ((فاختص على ذلك أو ذر)) ). وقع في بعض الأصول:
((اقتصر)). بدل: ((اختص)). وهذا مثل قوله: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾
[فصلت: ٤٠] لأنه أمر بعد حظر، فهو في معنى الزجر.
قال ابن الجوزي: ليس بأمر، وإنما المعنى: إن فعلت أو لم تفعل
فلابد من نفوذ القدر، وقد رأينا بعض جهال الأحداث يزهد في صباه،
فلما اشتدت عليه العزوبة(٢) جب نفسه، وبعضهم جبَّها قال: بحيائه من
ربه. فانظر ما يصنع الجهل بأهله، فأول ما يقال لهذا: ليس لك أن
تتصرف في شيء إلا بإذن من رب العالمين، وهذا أمر لا يقال ما أذن
له، بل قد حرمه ثم ينبغي أن الله وضع هذا الأمر لحكمة وهي إيجاد
النسل، فمن تسبب في قطعه فقد ضاد الحكمة، ثم من النعمة على
(١) ((التهذيب)) للبغوي ٢١١/٥.
(٢) ورد بهامش الأصل: في الأصل الغريزة.

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الرجل خلقه رجلًا ولم يُجعل (١) أمرأة، فإذا جب نفسه أختار النقص على
التمام، فلو مات من ذلك أستحق النار مع مكابدته في العاجلة شدة
لا توصف، ومنع نفسه لذة ووجود ولد يذكر به أو يثاب عليه، وكان
نسبه متصلًا من آدم إليه فتسبب بقطع ذلك المتصل مع تشويهه نفسه
وهواه يعد له بما رجاه، فإن قطع الآلة لا يزيل ما في القلب من
الشهوة بل يزاد أضعافًا فيما ذكره الجاحظ في كتاب ((الحيوان))(٢)
وكتاب ((الخصيان))، والعجيب من المتزهد الذي قال: إنه استحيا من
الله مما وضعه الله فيه، فلو شاء الله لم يضع هذا في نفسه.
فصل :
وفي حديث أبي هريرة إثبات القدر، وأن المرء لا يفعل باختياره
شيئًا لم يكن سبق في علم الله سبحانه.
فصل :
قول ابن مسعود: (ثم أرخص لنا أن ننكح بالثوب). يعني: المتعة
التي كانت حلالا في أول الإسلام ثم نسخت بالعدة والميراث
والصدقات.
(١) ورد في هامش الأصل: لعله يجعله، وما في الأصل صحيح، ويكون على ما لم
یسم فاعله.
(٢) ((الحيوان)) ١/ ١٠٧.

٢٠٧
كِتَابُ النِّكَاحِ
٩- باب نِكَاحِ الأَبْطَارِ
وَقَالَ ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ ابن عَبَّاسِ لِعَائِشَةَ: لَمْ يَنْكِحِ
النَّبِيُّ ◌َِّ بِكْرًا غَيْرَكِ.
٥٠٧٧- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيَا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَتَّهَا
كُنْتَ تُزْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: ((فِي الذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا)). تَغْنِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَمْ يَتَزَوَّجُ
بِكْرَا غَيْرَهَا. [فتح ٩ / ١٢٠].
٥٠٧٨- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ََّ: «أُرِيِتُكِ فِي المَنَامِ مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ
فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ آمْرَأَتْكَ فَأَكْشِفُهَا فَإِذَاَ هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ
هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ)). [انظر: ٣٨٩٥ - مسلم: ٢٤٣٨ - فتح ٩ /١٢٠].
ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ
لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًّا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرةٍ لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا،
فِي أَيُّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: ((فِي التي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا)). تَعْنِي: أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وَِّ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا .
وحديث عائشة أيضًا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «أُرِيتُكِ فِي المَنَامِ
مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتَكَ فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا
هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ)).
الشرح :
هذا أسنده البخاري -أعني قول ابن أبي مليكة- في تفسيره في سورة
النور عن محمد بن المثنى، ثنا یحیی، عن عمر بن سعید بن أبي حسین،

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عنه، فذكره مطولًا(١).
وفي الحديث الثاني ضرب الأمثال وتشبيه الإنسان بالشجر.
والحديث الثالث يأتي في التعبير في باب كشف المرأة في المنام(٢)،
وقد سلف في باب تزويجها قبل الهجرة، وأخرجه مسلم أيضًا .
وفي رواية: ((جاء بك الملك))(٣). وفي ((طبقات ابن سعد)) عنها:
لما جاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة فقال: تزوجها فإنها
امرأتك (٤). ولابن حبان في ((صحيحه)): جاء بي جبريل إلى رسول الله
وَّ في خرقة حرير فقال: هُذِه زوجتك في الدنيا والآخرة(٥).
وفي لفظ: قلت: يا رسول الله من أزواجك في الجنة؟ قال: ((أما
إنك منهن)) قالت: فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكرًا غيري(٦).
فصل :
والسرقة بفتح السين واحدة السرق وهي شقق الحرير البيض. وقيل:
الجيد من الحرير.
قال أبو عبيدة: وأحسبها فارسية، وأصلها سرة وهو الجيد(٧).
وادعى المهلب أنها كالكِلة والبرقع، وهو غريب.
(١) سلف برقم (٤٧٥٣).
(٢) سيأتي برقم (٧٠١١).
(٣) رواها أبو يعلى ٧/ ٤٧١ - ٤٧٢ (٤٤٩٨).
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ٦٣/٨.
(٥) ((صحيح ابن حبان)) ٦/١٦ (٧٠٩٤).
(٦) ((صحيح ابن حبان)) ٨/١٦ (٧٠٩٦).
(٧) انظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ٣٠٧/٢.

٢٠٩
= كِتَابُ النِّكَاحِ
فصل :
قوله: ( ((فأكشفها))) يحتمل - كما قال ابن المنير- أن يكون إنما
رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في ((فأكشفها))
قـ (١)
للسرقة(١).
فصل :
لم يشك التَّ فيما رأى، فإن رؤيا الأنبياء وحي، إنما أحتمل عنده
أن تكون الرؤيا اسمًا، واحتمل أن تكون كنية، فإن للرؤيا أسماء وكنى،
فسموها بأسمائها وكنوها بكناها، واسمها أن تخرج بعينها، وكنيتها أن
تخرج على مثالها وهي أختها أو قرينتها أو جارتها أو سميتها. نبه عليه
ابن العربي في ((سراجه)) وذكر القاضي عياض أن هذِه الرؤيا يحتمل أن
تكون قبل النبوة، وإن كانت بعدها فله ثلاثة معان:
أولها: أن تكون الرؤيا على وجهها، فظاهره لا يحتاج إلى تعبير
وتفسير فسيمضيه الله وينجزه، فالشك عائد على أنها رؤيا على
ظاهرها، أو تحتاج إلى تعبير وصرف عن ظاهرها.
ثانيها: المراد إن كانت هذِه الزوجية في الدنيا يمضه الله، فالشك
أنها هل هي زوجته في الدنيا أم في الآخرة، ويرده رواية ابن حبان
السالفة.
ثالثها: أنه لم يشك، أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك، وهذا
نوع من أنواع البلاغة يسمى مزج الشك باليقين (٢).
(١) ((المتواري)) ص ٣٨٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٤٤٥.

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
فيه: فضل الأبكار على غيرهن، وقد حض الشارع على نكاحهن في
حديث جابر الآتي: ((هلا جارية تلاعبها وتلاعبك)) وفي حديث كعب بن
عجرة أنه التَّه قال لرجل: ((هلا بكرًا تعضها وتعضك)) أخرجه ابن أبي
خيثمة في الأول من ((فوائده))(١).
وفي رواية لمسلم: ((فهلا بكرًا تلاعبها))(٢).
وفي ابن ماجه من حديث عتبة بن عويم بن ساعدة(٣)، عن أبيه، عن
جده مرفوعًا: ((عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا وأرضى
باليسير)) (٤).
ومن حديث زر، عن عبد الله مرفوعًا مثله(٥)، وقال بعد: ((باليسير))
يعني: من العمل.
وأخرجه أبو نعيم في ((الطب النبوي)) من حديث ابن عمر مرفوعًا،
زاد بعد: ((أرحامًا)): ((وأسخن إقبالًا، وأرضى باليسير من العمل)) (٦).
(١) رواه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) ٤٩/١٩- ١٥٠ (٣٢٨) من حديث كعب بن عجرة.
(٢) مسلم (٧١٥) بعد حديث رقم (١٤٦٦) كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات
الید، من حديث جابر.
(٣) ورد في هامش الأصل: الحديث في ((أطراف المزي)) في مسند عتبة بن عويم بن
ساعدة، رواه ابن ماجه في النكاح عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن طلحة
التيمي، عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري، عن
أبيه، عن جده. وراجعت ابن ماجه فوجدته كذلك فيها، فصوابه أن يقول: من
حديث عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جده.
(٤) ابن ماجه (١٨٦١).
(٥) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٠/ ١٤٠ (١٠٢٤٤).
(٦) ((الطب النبوي)) ٤٧١/٢- ٤٧٢ (٤٤٨).

٢١١
كِتَابُ النِّكَاحِ
=
وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. وقيل في تفسير
((أنتق أرحامًا)): أقبل للولد. وفي رواية: ((وأطيب أخلاقًا))(١).
وفي البكر معان أخر: حداثة السن، وللنفس في ذلك من الحظ
ما هو معلوم، وفرة الحرارة المحركة للباءة، وعدم تعلقها بغير
زوجها، إذ المرأة يتعلق قلبها بآتي عذرتها، وأن الطباع تنبو عمن كان
لها زوج قديمًا، والتهيؤ للولد، وأن المداعبة تليق بهن دون غيرهن
من الكبار، وفي المداعبة انبعاث على اجتماع الماء وكثرته.
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ١٥٩/٦-١٦٠ (١٠٣٤٢) عن مكحول قال: قال
رسول الله .. الحديث. بلفظ: ((وأغر أخلاقًا)) ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))
٤/ ٥٢ بنحوه.

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٠- باب نكاح الثّيِّبَاتِ
وَقَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ
بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ)).
٥٠٧٩- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ،
فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِي كَأَجْوَدِ
مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِذَا النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((مَا يُعْجِلُكَ؟)). قُلْتُ كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ
بِعُرُسٍ. قَالَ: ((بِكْرًا أَمْ ثَيًِّا؟)). قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ!)).
قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ قَالَ: ((أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا - أَيْ: عِشَاءَ- لِكَيْ
تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ)). [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٩/ ١٢١].
٥٠٨٠- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَارِبٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
رضي الله عنهما يَقُولُ تَزَوَّجْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الهِ لَّهِ: ((مَا تَزَوَّجْتَ)). فَقُلْتُ
تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. فَقَالَ: ((مَا لَكَ وَلِلْعَذَارِىُ وَلِعَابِهَا)). فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
فَقَالَ عَمْرُو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلَّا جَارِيَةً
تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ)).
ثم ساق حديث جابر: قَفَلْنَا مَعَ رسول الله وَّهِ مِنْ غَزْوَةٍ ..
الحديث. وفيه: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ!)). وفي رواية: ((مالك
وللعذارى ولعابها)) .
الشرح :
حديث أم حبيبة أسنده بعد عن الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن
الزهري، أخبرني عروة أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عنها(١).
(١) سيأتي برقم (٥١٠١) كتاب: النكاح، باب: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾.

٢١٣
كِتَابُ النَّكَاحِ
=
ووجه مطابقته للترجمة أنه خاطب أزواجه ونهاهن أن يعرض عليه ربائبه
لحرمتهن، وهو تحقيق أنه الفئة تزوج الثيب ذات البنت. نبه عليه ابن
المنير(١).
وحديث جابر سلف في الصلاة وعدة مواضع.
وقوله: ( ((ولعابها)) ) هو بضم اللام وكسرها. قال عياض: رواية
مسلم بالكسر لا غير، يريد الملاعبة (٢). وقال المازري: رواية أبي ذر
من طريق المستملي بالضم(٣)، وكذا قال صاحب ((المطالع)): أنها
رواية أبي الهيثم. وكأنه ذهب إلى اللعاب -وهو الريق- يريد رشفه
وامتصاصه.
وقال ابن بطال: هو مصدر لاعب ملاعبة ولعابًا، كما تقول: قابل
مقابلة وقبالًا (٤).
وقال ابن التين: هو من اللعب، وقيل: من اللعاب، وعلى هذا
الضم والكسر.
والعذارى: الأبكار.
فصل :
وفيه: جواز نكاح الثيبات للشبان إذا كان ذلك لمعنى كالمعنى الذي
قصد له جابر من سبب أخواته، وذلك أن يكون للناكح بنات أو أخوات
غير بالغات يحتجن إلى قيم أو متعهد.
(١) ((المتواري)) ص ١٨١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٦٧٤.
(٣) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٤٣٩/١.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٧٢.

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: أن نكاح الأبكار للشبان أولى لحضه عليه بقوله: ((فهلا
جارية)).
وفيه: سؤال الإمام عن أحوال أصحابه في نكاحهم ومفاوضتهم في
ذلك.
وفيه: أن ملاعبة الأهل مطلوبة؛ لأن ذلك يحبب الزوجين بعضهما
لبعض ويخفف المؤنة بينهما، ويرفع حياء المرأة عما يحتاج إليه الرجل
في مباعلتها، قال تعالى في نساء أهل الجنة: ﴿عُرْبًا أَتْرَابًا ﴾ [الواقعة:
٣٧] والعروب المتحببة إلى زوجها، ويقال: الغنجة العاشقة له، ويقال:
الحسنة التبعل.
فصل :
قوله: ( ((أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا)) ) يريد: حتى يستقبلكم خبر
قدومكم إلى أهليكم فتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة. أي: تصلح كل
أمرأة نفسها لزوجها ما غفلت عنه لغيبته، وإنما معنى ذلك؛ لئلا يجد
منها ريحًا أو حالة يكرهها، فيكون ذلك سببًا إلى بغضها، وهذا من
حسن أدبه.
فإن قلت: هذا مخالف لقوله: ((لا يطرقن أحدكم أهله ليلًا))(١)
قلت: إن هذا قاله لمن يقدم بغتة من غير أن يعلم أهله، وأما هنا
فتقدم خبر مجيء الجيش والعلم لوصوله وقت كذا وكذا، فتستعد
الشعئة وتستحد المغيبة.
(١) سيأتي برقم (٥٢٤٤) كتاب النكاح، باب لا يطرق أهله ليلًا إذا طال الغيبة، من
حديث جابر بن عبد الله.

٢١٥
كِتَابُ النِّكَاحِ
=
فصل :
قوله: ( ((لا تعرضن))) قال ابن التين: ضبط بضم الضاد، ولا أعلم
له وجهًا؛ لأنه إنما خاطب النساء أو واحدة منهن، فإن كان خطابه
لجماعة النساء -وهو الأبين- فصوابه تسكينها؛ لأنه فعل مستقبل
مشى على أصله مع نون جماعة النساء، ولو أدخلت عليه النون
المشددة لكان تعرضنان؛ لأنه تجتمع ثلاث نونات فيفرق بينهن بألف،
ولو كانت النون الخفيفة لم يصح؛ لأنها لا تدخل في جماعة النساء
ولا في الأثنين، وإن كان خطابه لأم حبيبة خاصة، فتكون الضاد
مكسورة والنون مشددة، فإن كان الفعل مؤكدًا بالنون الخفيفة كانت
النون ساكنة.

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١- باب تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الكِبَارِ
٥٠٨١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكِ، عَنْ
عُزْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرِ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ،
فَقَالَ: ((أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكِتَابِهِ، وَهْيَ لِي حَلَالٌ)). [فتح ١٢٣/٩].
ذكر فيه حديث عروة بن الزبير أنَّ النَّبِيَّ وَِّ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي
بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ: ((أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ
وَكِتَابِهِ، وَهْيَ لِي حَلَالٌ)).
هذا الحدیث من أفراده، وهو مرسل كما ترى، وقد نبه على ذلك
الحميدي(١) والدار قطني(٢) وأبو نعيم الأصبهاني وأبو مسعود الدمشقي
وخلف الواسطي، وأما أبو العباس الطرقي فأخرجه في كتابه مسندًا
عنه، عن عائشة رضي الله عنها .
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في تعيين الرواية ما ترجم عليه،
فأما صغر عائشة فمعلوم من غير هذا. وفي ((الطبقات)) من حديث: لما
خطب رسول الله وَ لّل عائشة، قال أبو بكر: يا رسول الله، قد كنت وعدت
بها أو ذكرتها لمطعم بن عدي لابنه جبير بن مطعم فدعني حتى أسلها
(٣)
منهم، ففعل (٣) .
وفي لفظ: فطلقها جبير بن مطعم (٤) .
وقام الإجماع على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) ١٠٩/٤ (٣٢٢١).
((الإلزامات والتتبع)) ص ٣٤٤ (١٨٦).
(٢)
(٣) ((الطبقات)) ٥٨/٨.
(٤) رواه الدارقطني ٢٧٨/٣-٢٧٩.

٢١٧
- ڪِتَابُ النِّكَاحِ
في المهد، كما حكاه ابن بطال(١)، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن
إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على
قدر خلقهن وطاقتهن، وكانت عائشة رضي الله عنها حين تزوج بها التقليئالا
بنت ست سنين، وبنى بها بنت تسع سنين كما ذكره البخاري بعد هذا في
إنكاح الرجل ولده الصغير(٢).
قال ابن المنذر: وفي هذا الحديث دليل على أن نهيه القليل عن إنكاح
البكر حتى تستأذن، أنها البالغ التي لها إذن، إذ قد أجازت السنة أن يعقد
الأب النكاح على الصغيرة التي لا إذن لها(٣).
واختلف العلماء في تزويج الأولياء غير الآباء اليتيمة الصغيرة، فقال
ابن أبي ليلى ومالك والليث والثوري والشافعي وابن الماجشون وأحمد
وأبو ثور: ليس لغير الآباء تزويج اليتيمة الصغيرة، فإن فعل فالنكاح
باطل(٤).
وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال: يزوج الوصي الصغيرة دون
الأولياء إذا كان وصي الأب(6) (٦)، والجد عند الشافعي عند عدم
الأب كالأب(٧).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٧٢.
(٢) سيأتي برقم (٥١٣٣) كتاب: النكاح.
(٣) ((الإشراف)) ٢٤/١ بمعناه.
(٤) أنظر: ((الاستذكار)) ٥٧/١٦-٥٨، ((الإشراف)) ٢٦/١، ((المغني)) ٤٠٢/٩.
(٥) هكذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): وصيها لها.
(٦) قال ابن المنذر في ((الإشراف)) ٢٧/١: وأما الجارية فلا يزوجها إلا أبوها،
ولا يزوجها أحد من الأولياء، ولا الأوصياء حتى تبلغ للحيض، فزوجها الوصي
برضاها جاز، وكذلك وصي الوصي إن زوجها برضاها فذلك جائز، هذا قول مالك.
(٧) ((الأم)) ١١/٥.

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقالت طائفة: إذا زوج الصغيرة غير الأب من الأولياء فلها الخيار
إذا بلغت.
روي هذا عن عطاء والحسن وطاوس، وهو قول الأوزاعي وأبي
حنيفة ومحمد، إلا أنهما جعلا الجد كالأب لا خيار في تزويجه.
وقال أبو يوسف: لا خيار لها في جميع الأولياء(١).
وقال أحمد: لا أرى للوصي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ
تسع سنين، فإذا بلغت ورضيت فلا خيار لها(٢).
وحجة من جعل لها الخيار إذا بلغت أنه العليه لما أمر باستثمار اليتيمة
- ولا تستأمر إلا من لها ميزة ومعرفة، كان لها الخيار والاستثمار إذا
بلغت.
وحجة الأول قوله: ((تستأمر اليتيمة في نفسها))(٣) ولا يصلح
استثمارها إلا ببلوغها، ولا يجوز أن يكون العقد موقوفًا على
استثمارها بدليل أمتناع الجميع من دخول النكاح في النكاح ووقوفها
إلى مدة الخيار.
وفرق مالك بين اليتيمة واليتيم، وأجاز للوصي تزويج اليتيم قبل
البلوغ من قبل أن اليتيم لما كان قادرًا على رفع العذر الذي يرفعه
الولي إن كرهه بعد بلوغه جاز؛ لقدرته على الخروج منه، وليس
كذلك؛ لأنها لا تقدر إذا بلغت على رفع العقد؛ لأن الطلاق ليس بيد
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٧/٢، ((الإشراف)) ٢٦/١.
(٢) ((مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج)) ٣٤٢/١ (٨٥١) وفيها (قال أحمد: لا أرى
للولي) بدلاً من للوصي.
(٣) رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي ٦/ ٨٧ من حديث أبي
هريرة، والنسائي ٦/ ٨٤ من حديث ابن عباس.

٢١٩
كِتَابُ النِّكَاحِ
=
النساء، فافترقا بهُذِه العلة، ولأن السنة وردت في منع العقد على اليتيمة
حتى تستأمر، ولا يصح استثمارها إلا بعد البلوغ، هذا قول مالك(١).
فصل :
قال المهلب: وفي حديث عائشة من الفقه جواز خطبة الرجل لنفسه
إلى ولي المخطوبة إذا علم أنه لا يرده؛ لتأكد ما بينهما، ويحتمل قول
أبي بكر لرسول الله وَله: (إنما أنا أخوك) أن يعتقد أنه لا يحل له أن
يتزوج ابنته للمؤاخاة والخلة التي كانت بينهما، فأعلمه أن أخوة
الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة، فقال: إنها لي حلال بوحي
من الله، كما قال إبراهيم للذي أراد أن يأخذ منه زوجته: هي أختي
- يعني في الإيمان- لأنه لم يكن أحد مؤمن يومئذ غيرهما(٢).
قلت: ويجوز أن يكون خطبها بواسطة، يؤيده رواية ابن أبي عاصم
من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة رضي الله عنها
أنه العَّه أرسل خولة بنت حكيم أمرأة عثمان بن مظعون تخطبها عليه،
فقال لها أبو بكر: وهل تصلح؟ إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى
رسول الله ﴿ فذكرت ذلك له فقال: ((ارجعي فقولي له: أنت أخي
في الإسلام، وابنتك تصلح لي)) فأتت أبا بكر فذكرت فقال: أدع لي
رسول الله وَله، فجاء فأنكحه(٣).
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٩٩/٤.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٧٤ -١٧٥.
(٣) ((الآحاد والمثاني)) ٣٨٩/٥-٣٩٠ (٣٠٠٦).

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٢- باب إِلَى مَنْ يَنْكِحُ وَأَيُّ النِّسَاءِ خَيْ؟
وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْ إِیجَابٍ
٥٠٨٢- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُو نِسَاءِ
قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجِ فِي ذَاتِ يَدِهِ)). [انظر:
٣٤٣٤ - مسلم: ٢٥٢٧ - فتح ١٢٥/٩]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ
نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجِ فِي ذَاتٍ يَدِهِ)).
وسلف في أحاديث الأنبياء، ويأتي في النفقات (١).
وأخرجه مسلم أيضًا .
وفيه: الحث على زواج أهل الصلاح والدين، وشرف الإبل؛ لأن
ذلك يمنع من ركوب الإثم وتقحم العار، ولهذا المعنى قال الطبيعي :
((عليك بذات الدين تربت يداك))(٢) وإنما يركب الإبل نساء العرب
ونساء قريش من العرب فلنساء قريش خير نساء العرب، وقد بين القليالي
بما أستوجبن ذلك، وهو حنوهن على أولادهن، ومراعاتهن لأزواجهن،
وحفظهن لأموالهم، وإنما ذلك لكرم نفوسهن، وقلة غائلتهن لمن
عاشرنه وطهارتهن من مكايدة الأزواج ومشاحتهن.
وفيه: مدح الرجل نساء قومه وولياته بفضائلهن.
ومعنى (أحناه)): أشفق وأرأف لا تحتاج في تربيته إلى الإشفاق
(١) سيأتي برقم (٥٣٦٥) باب: حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة.
(٢) رواه مسلم برقم (٥٤/٧١٥) بعد رقم (١٤٦٦) كتاب: الرضاع، باب: استحباب
نكاح البكر، من حديث جابر، وسيأتي برقم (٥٠٩٠) من حديث أبي هريرة بنحوه.