النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = فيمن يجهل وفي جوفه كلام الله. وقال سفيان بن عيينة: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم تسمع قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ (٧﴾﴾ [الحجر: ٨٧] لأنه يعني القرآن. وقوله ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] قال: هو القرآن. قال أبو عبيد: ومن ذلك قوله التَّه: ((ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة في قول)). ومنه قول شريح لرجل سمعه يتكلم فقال له : أمسك نفقتك(١). فصل : في حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أن حامل القرآن ينبغي له القيام به آناء الليل وآناء النهار، ومن فعل ذلك فهو الذي يحسد على فعله فيه، وكذلك من آتاه الله مالًا وتصدق به آناء الليل والنهار فهو المحسود عليه، ومن لم يتصدق به وشح عليه فلا ينبغي حسده عليه؛ لما يخشى من سوء عاقبته وحسابه عليه. (١) ((فضائل القرآن)) ص١١٣- ١١٥. - ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢١- باب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ٥٠٢٧- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)). قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الذِي أَقْعَدَنِي مَفْعَدِي هذا. [٥٠٢٨- فتح: ٧٤/٩] ٥٠٢٨- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بُنِ عَقَّانَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)). [انظر: ٥٠٢٧- فتح: ٩/ ٧٤] ٥٠٢٩- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَّتِ النَّبِيَّ وَ أَمْرَأَةً فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لله ٦ / ٢٣٧ وَلِرَسُولِ اللهِ وَله فَقَالَ: ((مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ)). فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: ((أَعْطِهَا ثَوْبًا)). قَالَ: لَ أَجِدُ. قَالَ: ((أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). فَاعْتَلَّ لَهُ. فَقَالَ: ((مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟)). قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ((فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [انظر: ٢٣١٠- مسلم: ١٤٢٥ - فتح: ٩/ ٧٤] حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بن عفان رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)). قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةٍ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هُذا. حدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ فذكره بلفظ: ((إِنَّ أَفْضَلَكُمْ)) إلى آخره. ١٢٣ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ الشرح : تابع شعبة جماعة منهم قيس بن الربيع، ذكر الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطار (١) في ((الهادي في القراءات)) أنه تابع جماعة فعددهم فوق الثلاثين، منهم عبد بن حميد، وقيس الذي ذكرناه؛ قال: وتابع سفيان مسعر ثم عددهم عشرين نفسًا، وفي ((صحيح البخاري))، وبعده الترمذي(٢) ما رواه شعبة وسفيان إشعارٌ أنهم حملوا ذلك من هذين الجبلين، على أن علقمة سمعه أولًا من سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن ثم سمعه بعد من أبي عبد الرحمن نفسه، فرواه أولًا كذلك ثم ثانيًا كما حكاه. وأما أبو الحسين القشيري(٣)، فإنه عدل فيما أرى عن إخراجه في كتابه، وعللَّه بثلاث علل: الاختلاف الذي ذكرناه، ووقف من وقفه، وإرسال من أرسله، وبما روي عن شعبة أنه قال: لم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان. وقيل لأبي حاتم: [سمع](٤) من عثمان؟ قال: روى عنه لا يذكر سماعًا (٥) . والجواب: أن الخلاف بين سفيان وشعبة لا يوجب القدح؛ لأنهما إذا اختلفا فالحديث حديث سفيان كما نص عليه شعبة ونحوه أبو داود والترمذي، وقال يحيى بن سعيد: ما أحد عندي يعدل شعبة، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. : (١) انظر ترجمته في: ((تاريخ الإسلام)) ٣٣٤/٣٩ (٣١٦)، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠/٢١ (٢). (٢) الترمذي (٢٩٠٧-٢٩٠٨). (٣) ورد بهامش الأصل حاشية نصها: يعني مسلمًا. (٤) كلمة ساقطة من الأصل، يقتضي السياق إثباتها، وكذا هي في المصدر الآتي. (٥) ((المراسيل)) ص١٠٦-١٠٧ (٣٨٢). ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأما الإعلال بالوقف والإرسال؛ لأن الحافظ إذا زاد قبلت زيادته إجماعًا (١)، اللهم إذا كان هو الذي رواه زائدًا وناقصًا فقد يتوقف فيه لأجل ضبطه، اللهم إلا إذا كان إمامًا صاحب فتوى أو ممن مذهبه تقطيع الحديث. وأما الثالث فقال بعضهم : إن الأكابر من الصدر الأول قالوا: إن أبا عبد الرحمن قرأ القرآن على عثمان وعلي وابن مسعود، ثم إن المعاصرة كافية عند قوم كما ذهب إليه مسلم وغيره وقد تعاصرا جزمًا، وصرح بعضهم بسماعه منه. والبخاري شرطه ذا، وأخرج له في (صحيحه))، وقال: تعلم القرآن في أيام عثمان حتى بلغ أيام الحجاج. ورواية الترمذي، عن ابن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان وشعبة؛ كلاهما عن علقمة، عن سعد، عن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن (٢). وحكم علي بن المديني على يحيى بن سعيد بالوَهَم فيه كونه ذكر من طريق الثوري وشعبة عن علقمة، عن سعد، فيحتمل أن يكون يحيى لما جمع بينهما ساق الحديث على لفظ شعبة وروايته، وحمل حديث الثوري على حديث شعبة. قلت: أخرجه النسائي في فضائل القرآن مفصلًا فقال: حدثنا عبيد الله بن سعيد، ثنا يحيى عن شعبة وسفيان، حدثهما علقمة عن سعد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان مرفوعًا، قال شعبة: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) قال سفيان: ((أفضلكم)) (٣). (١) ورد بهامش الأصل: في المسألة خلاف، وليس إجماعا، وكذا مسألة إذا رواه زائدًا أو ناقصًا، أي: الواحد الثقة، فالخلاف فيه أيضا. (٢) ((سنن الترمذي)) (٢٩٠٨). (٣) ((فضائل القرآن)) (٦٢)، وهو في ((السنن الكبرى)) ١٩/٥ (٨٠٣٧). ١٢٥ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = ورواه خلاد بن يحيى المكي، عن الثوري، عن علقمة، عن سعد أيضًا؛ فتابع يحيى، ورواه سعيد بن سالم القداح، عن الثوري ومحمد بن أبان، عن صالح الكوفي، عن علقمة، عن سعد. وروى أبو الحسن سعيد بن سلام العطار البصري هذا الحديث عن محمد بن أبان، عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبان بن عثمان بن عفان، عن أبيه عثمان. قال الدارقطني: ووهم في ذكر أبان في إسناده(١). فإن ثبتت روايته فالحديث غريب، على أنه يحتمل أن يكون السلمي سمعه من أبان، ثم من عثمان. وروى عاصم بن علي في إحدى الروايتين عنه عن شعبة، عن مسعر، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن السلمي، عن علي. فإن ثبت ذلك فهو غريب جدًّا، ورواه محمد بن بكير الحضرمي، عن شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن السلمي عن ابن مسعود. قال الدارقطني: أصحها علقمة عن سعد، عن أبي عبد الرحمن عن عثمان مرفوعًا (٢)، وفي ((سنن أبي داود)) عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا : ((خيركم من تعلم القرآن، وعلم القرآن))(٣) وفي ((أخلاق حملة القرآن)) للآجري من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي مرفوعًا: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) (٤) وقد أدرج بعض (١) ((علل الدارقطني)) ٥٧/٣. (٢) ((العلل)) ٥٩/٣. (٣) أبو داود (١٤٥٢) من حديث عثمان بن عفان. (٤) ((أخلاق حملة القرآن)) ص١٣١ - ١٣٢. ورواه أيضًا الترمذي (٢٩٠٩)، وعبد الله بن أحمد ١٥٣/١. قال أحمد شاكر فى تعليقه على ((المسند)) (١٣١٧): إسناده ضعيف، وضعفه أيضًا الألباني في ((الصحيحة)) (١١٧٢) وقد صحح الحديث بشواهده. ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= الرواة فيه ما يوهم رفعه، روى أبو يحيى إسحاق بن سليمان الرازي، عن الجراح، عن الضحاك، عن علقمة، عن السلمي، عن عثمان رفعه: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الخالق على المخلوق(١). وهذا الأخير من قول أبي عبد الرحمن(٢) كما نبه عليه الحفاظ إسحاق بن راهويه وغيره(٣). على أن هذِه الزيادة وحدها جاءت متصلة من هذِه الطريق إلى عثمان مرفوعًا (٤). ورواها أيضًا وحدها أبو سعيد الخدري مرفوعًا، أخرجه الترمذي(٥) (١) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ١/ ٥٨٠ (٥٠٦) من هذا الطريق هكذا. ورواه أيضًا ابن الضريس في ((فضائل القرآن)) (٣٥) من طريق عبد الواحد المقرئ، عن الجراح، به. (٢) قال البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (٧٤) قال: أبو عبد الرحمن السلمي، فذكره. ورواه الفريابي في ((فضائل القرآن)) (١١) ومن طريق شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان مرفوعًا: ((خيركم ... )) الحديث. قال أبو عبد الرحمن : ... فذكر قوله. هكذا مبينًا المرفوع من قول أبي عبد الرحمن. ورواه أيضًا هكذا اللالكائي في ((شرح الأصول)) (٥٥٦)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٠٥٤/٢ (٢٢٠٩)، وفي ((الأسماء والصفات)) (٥٠٤)، وفي ((الاعتقاد)) ص١٠٤ - ١٠٥ من طريق إسحاق بن سليمان الرازي المذكور. (٣) نقل ذلك عنه الدارقطني في ((العلل)) ٥٧/٣. ونبه على ذلك أيضًا البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ٥٧٨/١ - ٥٨٠، وانظر: ((الصحيحة)) ١٦٨/٣. (٤) رواها ابن بطة في ((الإبانة)) ٢٢٧/١ - ٢٢٨ (٤)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ٥٧٩/١ (٥٠٥). (٥) ((سنن الترمذي)) (٢٩٢٦) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس عن عطية العوفي عن أبي سعيد، مرفوعًا. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال أبو حاتم كما في ((العلل)) ٨٢/٢: حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٣٣٥). ١٢٧ = كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وروي نحوه أيضًا عن أبي هريرة(١)، وأنس، وللحاكم -وقال: صحيح الإسناد- عن أبي ذر مرفوعًا: ((إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)) يعني: القرآن(٢). فصل : الحديث دال على أن قراءة القرآن من أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان من تعلم القرآن وعلمه أفضل الناس وخيرهم دل على ما قلناه؛ لأنه إنما أوجب له الخيرية والفضل من أجل القرآن، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من علمه باقيًا . فصل : إن قلت أيما أفضل تعلم القرآن أو تعلم الفقه؟ قلت: الثاني أفضل. وقال ابن الجوزي: تعلم اللازم منه فرض على الأعيان، وتعلم جميعهما فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط الحرج عن الباقين، وقد أستويا في الحالتين، فإن فرضنا الكلام فيها على قدر الواجب في حق الأعيان فالتشاغل في الفقه أفضل، وذلك راجع إلى حاجة الإنسان؛ لأن الفقه أفضل من القراءة، وإنما كان الأقرأ في زمنه وَ ﴿ هو الأفقه؛ فلذلك قدم القارئ في الصلاة، وقال القذيفة: ((خيركم)). الحديث. (١) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٥٠٩) من طريق عمر الأبح، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الأشعث، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، مرفوعًا. قال البيهقي: تفرد به عمر الأبح وليس بالقوي. وانظر: ((الضعيفة)) (١٣٣٤). (٢) ((المستدرك)) ٥٥٥/١. وضعفه الألباني في «الضعيفة)) ٤٢٧/٤، بعد أن كان صححه في ((الصحيحة)) (٩٦١). ١٢٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : ثم ذكر البخاري حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَتَتِ النَّبِيَّ نَِّ آَمْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا الله وَلِرَسُولِهِ فَقَالَ: ((مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ)). فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا .. الحديث، وقد سلف في الوكالة(١) . ووجه إدخاله هنا؛ لأنه زوَّجه المرأةَ لحرمة القرآن، واعترضه ابن المنير فقال: ظن ابن بطال ذلك(٢)، وليس كذلك؛ بل معنى قوله: ((زوجتكها بما معك من القرآن)) أي: بأن تعلمها إياه، فهي من سبيل التزويج على المنافع التي يجوز عقد الإجارة عليها، وعلى هذا حمله الأئمة، وهو الذي فهمه البخاري، فأدخله في باب تعليم القرآن. قال: وقد ظهر بهذا الحديث فضل القرآن على صاحبه في الدين والدنيا ينفعه في دينه بما فيه من المواعظ والآيات، وفي دنياه بكونه قام له مقام المال الذي يتوصل به إلى النكاح وغيره من المقاصد(٣). وفي الحديث: استحباب تعجيل المهر للمرأة، ويجوز أن يكون مؤخرًا على ما ذكر عليه قوله: ((اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن)). وفي أبي داود: ((ما معك؟)). قال: البقرة والتي تليها، قال: ((قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك)) (٤). (١) سلف برقم (٢٣١٠). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٥/١٠. (٣) ((المتواري)) ص٣٩٣. (٤) ((سنن أبي داود)) (٢١١٢) من طريق الحجاج بن الحجاج الباهلي، عن عسل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. قال المصنف -رحمه الله- في ((البدر المنير)) ٤٣/٧: عسل هذا هو ابن سفيان اليربوعي، وقد ضعفوه. = ١٢٩ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = قال مكحول: ليس ذلك لأحد بعد رسول الله وَاليه(١)، فقد انعقد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم. فصل : اعتذر بعض المالكية عن قوله: ((التمس ولو خاتمًا من حديد)) بأوجه: أحدها أن ذلك على جهة الإعياء والمبالغة كما قال: ((تصدقوا لو بظلف محرق))(٢). وفي لفظ: ((ولو فرسن شاة))(٣) وليسا مما ينتفع بهما ولا يتصدق بهما، لكن ذكر غير واحد أنهما كانوا يحرقونه ويستفونه ويشربون عليه الماء أيام المجاعة. ثانيها: لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا؛ لأن الصواغ عندهم قليل . ثالثها: التماسه له لم يكن ليكون كل الصداق بل شيء تعجله لها قبل الدخول. وهما بعيدان. = وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٢/ ٦٠-٦١: فيه عسل راويه عن عطاء، وفيه ضعف. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٦١). (١) رواه أبو داود (٢١١٣). وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٦٢): هذا مقطوع موقوف على مكحول، فلا حجة فيه. (٢) رواه أبو داود (١٦٦٧)، والنسائي ٨٦/٥ من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بجير، عن جدته أم بجير- وكانت ممن بايع رسول الله وير - أنها قالت له: يا رسول الله ... فقال لها رسول الله وَليل: ((إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إياه إلا ظلفًا محرقًا فادفعیه إليه في يده). وصححه ابن خزيمة ١١١/٤ (٢٤٧٣)، وابن حبان ١٦٦/٨-١٦٧ (٣٣٧٣)، والحاكم ٤١٧/١، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٤٦٧). (٣) سلف برقم (٢٥٦٦) كتاب: الهبة، باب: فضل الهبة، ورواه مسلم (١٠٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء. ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : الحديث دال على أن تعلم القرآن يجوز أن يكون صداقًا وهو مذهبنا (١)، وإحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: لا يجوز وإنما كان لذلك الرجل خاصة(٢)، وقد أسلفنا قول مكحول، والحديث مع الشافعي. وخالف في ذلك أيضًا أبو حنيفة ومالك(٣)، ونقل الترمذي عن أهل الكوفة وأحمد وإسحاق أن النكاح جائز ويجعل لها صداق مثلها (٤). فصل : ذكر في باب بعده أيضًا وفيه: فصعد النظر إليها وصوبه. وهما مشددان كما نبه عليه ابن العربي، أي رفع وخفض إليها، ويجوز أن يكون ذلك كان قبل الحجاب، ويجوز أن يكون بعده، وهي متلففة، وأي ذلك كان فإنه يدخل في باب نظر الرجل إلى المرأة المخطوبة (٥)، وسيأتي في موضعه. (١) فما يصح أخذ العوض عنه بالشرط يصلح أن يكون مهرًا عند الشافعي. انظر: ((مختصر المزني)) ص٢٤٨، ((أسنى المطالب)) ٢١٥/٣. (٢) أنظر: ((المحرر)) ٣٢/٢، ((الفروع)) ٢٦٢/٥. (٣) قالوا بأن لها مهر مثلها إن تزوجها على ذلك؛ لأن المشروع إنما هو الابتغاء بالمال والتعليم ليس بمال. أنظر: ((الهداية)) ٢٤٤/١-٢٢٥، ((التفريع)) ٣٧/٢، ((المنتقى)) ٢٧٨/٣. (٤) الترمذي بعد حديث (١١١٤). (٥) ((عارضة الأحوذي)) ٣٧/٥. ١٣١ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = ٢٢ - باب القِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ القَلْبِ ٥٠٣٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَغْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ أَمْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ وَلِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِوََّ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الَمزَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوَّجْنِيهَا. فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدََ مِنْ شَيْءٍ؟)). فَقَالَ: لا والله يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا)). فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: ((انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولكن هذا إِزَارِي - قَالَ سَهْلُ: مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَ: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ)). فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ تَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ يَّةِ مُوَلِيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟)). قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. عَذَّهَا، قَالَ: ((أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [انظر: ٢٣١٠ - مسلم: ١٤٢٥ - فتح: ٧٨/٩] ذكر في حديث سهل بن سعد السالف في الباب قبله، وقال في آخره: ((مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) وقال في الباب قبله، وفي الوكالة: ((زوجتكها)) (١) وسيأتي الكلام عليه في موضعه. واعترض ابن بطال فقال: هذا الحديث يدل على خلاف ما تأوله الشافعي في إنكاحه التّ الرجل بما معه من القرآن، أنه إنما زوجه إياها بأجرة تعليمها(٢). (١) كذا هي في الباب قبله، أما حديث الوكالة (٢٣١٠): ((زوجناكها)). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٦/١٠. ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وليس كما قال ابن بطال بل هو صريح كما قاله الشافعي لقوله: ((بما معك من القرآن)). قال: وقوله فيه: ( ((أتقرؤهن عن ظهر قلب؟)) قال: نعم. فزوجه لذلك) يدل على أنه إنما زوجها منه بحرمة استظهاره للقرآن (١)، وقد سلف ما فيه . فصل : قد روي عن رسول الله وقوله تعظيم حامل القرآن وإجلاله وتقديمه. ذكر أبو عبيد من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: قال رسول الله ◌َليّة: ((إن من تعظيم جلال القرآن إكرام ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن)) وكان القّ يوم أحد يأمر بدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد ويقول: ((قدموا أكثرهم قرآنًا))(٢). فصل : وقد روي أنه الكليّ أمر بالقرآن في المصحف نظرًا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((أعطوا أعينكم حظها من العبادة)) قالوا: يا رسول الله، وما حظها من العبادة؟ قال: ((النظر في المصحف والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه))(٣). (١) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٦/١٠ - ٢٦٧. (٢) ((فضائل القرآن)) ص٨٩-٩٠. والحديث الثاني رواه أيضًا أبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي ٨٠/٤ - ٨١. وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٧٤٣). (٣) رواه أبو الشيخ في ((العظمة)) (١٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٠٨/٢-٤٠٩ (٢٢٢٢). وقال: إسناده ضعيف، وكذا قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) ١١٩٤/٢ (٤٣٢٣). وأورده الألباني في ((الضعيفة)) (١٥٨٦) وقال: موضوع. ١٣٣ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = قال يزيد ابن أبي حبيب: من قرأ القرآن في المصحف خفف عن والديه العذاب وإن كانا كافرين. وعن عبد الله بن حسان قال: أجتمع اثنا عشر من أصحاب رسول الله بهّ على أن من أفضل العبادة قراءة القرآن نظرًا. وقال أسد بن وداعة(١): ليس من العبادة شيء أشد على الشيطان من قراءة القرآن نظرًا. وقال وكيع: قال الثوري: سمعنا أن تلاوة القرآن في الصلاة أفضل من تلاوته في غيرها وتلاوته أفضل الذكر، والذكر أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والقراءة في المصحف أحسن من القراءة ظاهرًا؛ لأنها زيادة. وهذه الآثار من رواية ابن وضاح(٢) . فصل : ومما رُوِي في فضل تعلم القرآن وحمله؛ ما ذكره أبو عبيد من حديث عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله وَله ونحن في الصفة، فقال: ((أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان والعقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا يا رسول الله وَ له يحب ذلك، قال: فقال : ((يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد ليتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ومن ثلاث ومن تعدادهن من الإبل))(٣). وذكر عن كعب الأحبار في التوراة أن الفتى إذا تعلم القرآن وهو حديث السن وحرص عليه وعمل به وتابعه خلطه الله بلحمه ودمه (١) ورد بهامش الأصل: أسد هذا شامي من صغار التابعين، ناصبي يسب، قال يحيى بن معين: كان هو وزاهر الحرازي وجماعة يسبون عليًّا (٢) حكاها عنه ابن بطال ١٠/ ٢٦٧. (٣) ((فضائل القرآن)) ص ٤٤-٤٦. والحديث رواه مسلم (٨٠٣) من حديث عقبة بن عامر، بمتنه سواء! ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة، وإذا تعلم الرجل القرآن وقد دخل في السن وحرص عليه، وهو في ذلك يتابعه وينفلت منه كتب له أجره مرتين(١)، وروي عن الأعمش قال: مرَّ أعرابي بعبد الله بن مسعود وهو يقرئ قومًا القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقسمون ميراث محمد اَل﴾ (٢). قال عبد الله بن عمرو: عليكم بالقرآن فتعلموه وعلموا أبناءكم فإنكم عنه تُسألون وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل(٣) . وقال ابن مسعود: لا يسأل أحد عن نفسه غير القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله(٤)، وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا قال: ((إن الله أهلين من الناس)) قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((هم أهل القرآن أهل الله وخاصته)) (٥). (١) ((فضائل القرآن)) ص٤٦-٤٧. (٢) ((فضائل القرآن)) ص٥١. (٣) السابق ص٥٢- ٥٣. (٤) السابق ص٥١-٥٢. (٥) ((فضائل القرآن)) ص٨٨. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢١٥). قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٢٩/١: إسناده صحيح رجاله موثقون. ١٣٥ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ٢٣- باب اسْتِذْكَارِ القُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ ٥٠٣١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كُمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ)). [مسلم: ٧٨٩- فتح: ٧٩/٩] ٥٠٣٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((بِتْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيَّا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ الَّعَمِ)). حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ. تَابَعَهُ بِشْرٌ، عَنِ ابنِ المُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةً. وَتَابَعَهُ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلخير. [٥٠٣٩- مسلم: ٧٩٠ - فتح: ٧٩/٩] ٥٠٣٣- حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((تَعَاهَدُوا القُرْآنَ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيَّا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)). [مسلم: ٧٩١ - فتح: ٧٩/٩] ذکر فیه أحاديث: أحدها : حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ و ◌َ لَ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ)). وأخرجه مسلم أيضًا(١). (١) مسلم (٧٨٩). ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثانیھا : حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((بِتْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ أَيَّةً كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيَا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمْ)). ثم ساق من حديث جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، مِثْلَهُ. تَابَعَهُ بِشْرٌ، عَنِ ابن المُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ. وَتَابَعَهُ ابن جُرَيْجَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ. وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي والترمذي(١). ثالثها : حديث أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه -وهو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري- عن النبيِ وَّهِ. قال: ((تَعَاهَدُوا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الِإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» . الشرح : المتابعة الأولى أخرجها الإسماعيلي بنحوها عن الفربري، ثنا مزاحم بن سعيد، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا شعبة. والمتابعة الثانية أخرجها النسائي في ((اليوم والليلة)) بنحوها عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبي معمر، عن محمد بن جحادة، عن عبدة، به(٢). (١) مسلم (٧٩٠)، النسائي ١٥٤/٢-١٥٥، الترمذي (٢٩٤٢). (٢) ((عمل اليوم والليلة)) (٧٢٩). ١٣٧ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = فصل : إنما شبه الكليّة صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وأنه يتفصى من صدور الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٥] فوصفه بالثقل، ولولا ما أعان عباده على حفظه ما حفظوه. قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴾ [القيامة: ١٧] وقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] فبتيسير الله تعالى وعونه لهم عليه بقي في صدورهم. وهذان الحديثان يفسران آيات التنزيل، فكأنه قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ﴾، إذا تعوهد وقرئ أبدًا وتذكر. وَقُرْءَ انَهُ فصل : وقوله: ( ((أشد تفصِّيًا))) أي: تفلتًا وذهابًا، وهو بالفاء والصاد المهملة. قال صاحب ((العين)): فصى اللحم من العظم: إذا أنفسخ، والإنسان تفصى من الشيء إذا تخلص منه والاسم التفصية، والإبل والبقر والغنم لا واحد له من لفظه، والمعنى أنه شبه من يتفلت منه بعض القرآن بالناقة التي أنفلتت من عقلها(١). فصل : قوله: ( ((آية كيت وكيت)) ) وهو مثل إلا أنه لا يقال للمؤنث، قاله الداودي، وهي كلمة يعبر بها عن الجمل الكثيرة. قال: كيت نقلت كناية عن الأفعال، وذيت وذيت إخبار عن الأسماء، وزعم أبو السعادات أن أصلها كيّة بالتشديد، والياء فيها بدل من إحدى التائين، والهاء التي في الأصل محذوفة، وقد تضم التاء وتكسر. (١) ((العين)) ١٦٥/٧ بتصرف. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله: ( ((بل هو نُسِّ)) ) يعني أنه عوقب بالنسيان على ذنب كان منه أو على سوء تعهده له، والقيام بحقه، وقيل: إنه خاص بزمانه التليفون والقرآن ينسخ ويرفع فيذهب رسمه وتلاوته ويشتد حفظه عن حملته فيقول القائل منهم: نسيت آية كيت وكيت، فنهاهم عن هذا القول؛ لئلا يتوهموا على محكم القرآن الضياع، فأعلمهم أن الذي يكون من ذلك إنما هو بإذن الله؛ ولما فيه من الحكمة والمصلحة في نسخه ومحوه من قلبه، وأما قول المرء: نسيت كذا. فجائز؛ قال فتى موسىُ الَّ: ﴿فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقال القرطبي: اختلف العلماء في متعلق هذا (الذنب)(١) فقال بعضهم: هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان إذ لا صنع له فيه، فالذي ينبغي له أن يقول أُنسيت مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وهذا ليس بشيء؛ لأنه الَّة قد نسب النسيان إلى نفسه؛ ففي البخاري - كما سيأتي- عن عائشة رضي الله عنها سمعوا له رجلًا يقرأ فقال: ((يرحمه الله لقد أذكرني بكذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا))(٢) وفي لفظ: ((أنسيتها))(٣). وفي آخر: زاد عباد بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها سجد رسول الله وَّيّ فسمع صوت عباد بن بشر يصلي في المسجد. الحديث(٤). وقد نسبه الله تعالى له في قوله ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنَسَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦- ٧] أن ينسيكه كما قرأت الجماعة ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ (١) كذا بالأصل، وفي ((المفهم)) ٤١٨/٢: (الذم). (٢) سيأتي برقم (٥٠٣٧). (٣) يأتي برقم (٥٠٣٨). (٤) سلف برقم (٢٦٥٥). ١٣٩ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] بضم النون وترك الهمزة أي: ننسكها(١)، (فلا)(٢) كان هذا كأنه نهى عن ذلك القول؛ لئلا يتوهم في كثير من محكم القرآن أنه قد ضاع لكثرة الناس، وفيه بُعْدٌ. فمن أضاف النسيان إلى الله فإنه خالقه وخالق الأفعال كلها ومن نسبه إلى نفسه فلأنه فِعْلُه يضاف من جهة الاكتساب والتصرف، ومن نسب ذلك إلى الشيطان كما قال يوشع ﴿وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] فلما جعل الله له من الوسوسة فلكل إضافة منها وجه صحيح. وقيل: إنما يكون نسيان القرآن لترك تعهده والغفلة عنه كما أن حفظه إنما يكون بتكراره والصلاة به، كما في حديث ابن عمر: ((لو أقام صاحب القرآن يقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه)) (٣). فإذا قال الإنسان: نسيت آية كيت وكيت، فقد شهد على نفسه بالتفريط، وترك معاهدته، وهو ذنب عظيم كما في حديث أنس من عند الترمذي مرفوعًا: ((عُرضت عليّ أعمال أمتي فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)) (٤)، وهو نص، وعلى (١) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ١٨٦/٢، ((الكشف عن وجوه القراءات)) ٢٥٧/١. (٢) كذا بالأصل، وفي ((المفهم)) ٤١٨/٢: (فلما) وهو أصوب. (٣) رواه مسلم (٧٨٩/ ٢٢٧). (٤) ((سنن الترمذي)) (٢٩١٦). ورواه أيضًا أبو داود (٤٦١) كلاهما من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك، مرفوعًا. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاکرت به محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري- فلم يعرفه واستغربه، قال محمد: ولا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب النبي وَلّ. قال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب النبي ◌َّ. قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس. = ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - هذا فتعلق الذم ترك ما أمر به من استذكار القرآن وتعاهده، والنسيان ترك ذلك فتعلق الذم عليه، ولا يقال: حفظ جميع القرآن ليس واجبًا على الأعيان، فكيف يذم من تغافل عن حفظه؛ لأنا نقول من جمعه فقد علت رتبته وشرف في نفسه، وكيف لا، ومن حفظه فقد أدرجت النبوة بين جنبيه كما سلف، وصار ممن يقال فيه هو من أهل الله وخاصته فإذا كان كذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية ومؤاخذته ما لا يؤاخذ به غيره، وترك معاهدة القرآن تؤدي إلى الرجوع إلى الجهالة. ويدل على صحة ذلك قوله في آخر الحديث: ((بل نُسِّي)) وهُذِه اللفظة رويناها مشددة مبنية لما لم يسم فاعله(١). قال القرطبي: وقد سمعتها من بعض من لقيته بالتخفيف وبه ضُبط عن أبي بحر والتشديد لغيره، ولكل وجه صحيح، بالتشديد معناه أنه عوقب بتكثير النسيان عليه لما تمادى في التفريط، والتخفيف معناه تركه غير ملتفت إليه ولا معتن به، كما قال تعالى: ﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمَّ﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة (٢). = والحديث أعله الدارقطني في ((العلل المتناهية)) (١٥٨). وقال الحافظ في ((الفتح)) ٨٦/٩: في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٧١). (١) أنتهى من ((المفهم)) ٤١٨/٢-٤١٩ بتصرف. (٢) ((المفهم)) ٤١٩/٢.