النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ = كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ فيقولان: بما كسينا هذا ؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال: أقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا کان أو ترتیلًا))(١). وقال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر(٢). فصل : ذكر هنا في الفاجر الذي لا يقرأ: ((كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها»، وفي البخاري قريبًا في باب: من راءى به: ((وريحها مرٌ))(٣). وكأن ما هنا أجود؛ لأن الريح لا طعم له؛ إذ المرارة عَرَضٌ، والريح عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يقوم بالعَرَضِ. وقد يقال: إن ريحها لما كان كريهًا استعار للكراهية لفظ المرارة لما بينهما من الكراهة المشتركة. وروى ابن الضريس من حديث الجريري، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى: ((مثل الذي يقرأ القرآن ويعمل به مثل الأترجة طيب ريحها طيب (خارجها) (٤)، ومثل الذي يعمل به ولا يقرؤه كمثل النخلة طيب (خارجها) ولا ريح لها.)) الحديث(٥). (١) أبو نعيم هذا هو الفضل بن دكين، والحديث رواه عنه أبو عبيد الهروي في ((فضائل القرآن)) ص٨٤- ٨٥، وابن أبي شيبة ١٣٠/٦ (٣٠٠٣٦)، وأحمد ٣٤٨/٥، والدارمي ٢١٣٥/٤-٢١٣٦ (٣٤٣٤). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٢٨/٢-٥٢٩، وعنه البيهقي في ((الشعب)) ٥٥٦/٢ (٢٧٠٦). قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه. وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (١٤٣٥). (٤) كذا رسمها بالأصل. (٣) يأتي برقم (٥٠٥٩). (٥) ((فضائل القرآن)) لابن الضريس. وطرق قسامة بن زهير تنظر في ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي ١٥٩/١-١٦٠ ترجمة بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. ١٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثم قال: حدثني مسدد، ثنا أبو عوانة، ثنا قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَّ: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة))(١). فصل : تمثيل رسول مطلقة الإيمان بالطعم، والقرآن بالريح في قوله: ((طعمها طيب وريحها طيب)) لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذ جريان الكفر عليه قليل نادر، كما أن الطعم ألزم للجوهر من الريح، وأخص به، إذ كثير من الجواهر يذهب ريحها وطعمها باق. فصل : هذا الحديث يقتضي قسمة رباعية؛ لأن الإنسان إما مؤمن وإما منافق، وكل منهما إما قارئ أو غيره، وكذا الجوهر إما أن يجتمع فيه الطعم أو الريح أو ينتفيا، أو يوجد أحدهما دون الآخر. فصل : قال بعضهم فيما حكاه المنذري: قراءة الفاجر والمنافق لا ترفع إلى الله، ولا تذكر عنده، وإنما يرفع إليه ويذكر عنده من الأعمال ما أريد به وجهه وكان عن نية وقربة، ألا ترى أنه شبه الفاجر القارئ بالريحانة من حيث أنه لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفز بحلاوة أجره، ولم يجاوز الطيب حلوقهم موضع الصوت، ولا بلغ إلى قلوبهم ذلك الطيب؛ لأن طعم قلوبهم مرٍّ بالنفاق المستتر فيها كما استتر طعم الريحانة في عودها مع ظهور رائحتها . فائدة: الأترجة بضم الهمزة وتشديد الجيم، ويقال أترنجة، وفي (١) قلت: سيأتي الحديث مكررًا برقم (٥٤٢٧) عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى الأشعري به. ١٠٣ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = رواية: الأترنجة. وحكى أبو زيد: ترنجة وترنج وترج. وذكر العلامة عبد الوهاب بن سحنون التنوخي في كتاب ((الأدوية القلبية)) أن بعض الحكماء غضب عليه بعض الأكاسرة وسجنه، وقال: خيروه إدامًا واحدًا لا يزاد عليه؛ فقيل له، فاختار الأترج، فسئل عن ذلك فقال: في العاجل ريحان يسر نفسي، والتبقل بقشره يفرح قلبي، ولحمه وقشره خاصة إدامان يغتذي بهما بدني، وأستخرج من حبه دهنًا أقضي به وطري. قال ابن سحنون: جمع الله فيه مالم يجمع في غيره من الثمار من الفوائد والمنافع. فصل : قد أسلفنا أن الحديث الأول وصف فيه حامل القرآن والعامل به بالكمال، وهو اجتماع المنظر والمخبر، ولم يثبت هذا الكمال لحامل غيره من الكلام. ووصف في الثاني فضل الأمة وخصوصيتها دون سائر الأمم، وما اختصت إلا بالقرآن، فدل على أنه السبب في فضلها، ويؤخذ من ذلك فضل القرآن على غيره من الكتب كما سلف، فكيف بالكلام . فصل : قد أسلفنا في الصلاة أن أبا حنيفة أحتج بالحديث الثاني في أن وقت العصر عند مصير الظل مثليه، آخر وقتها المختار عندنا(١)؛ لأن كثرة (١) أنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص ٣٧٩/٢، ((المبسوط)) ١٤٢/١-١٤٣، ((بدائع الصنائع)) ١٢٢/١-١٢٣، ((المجموع)) ٣٠/٣-٣١، ((طرح التثريب)) ١٦٤/٢- ١٦٥. ١٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = العمل تقتضي طول النهار من الزوال إلى العصر أكثر مما بين العصر إلى المغرب، وعندنا أنها سواء، وقد أجبنا بأن الحديث إنما قصد به الأعمال لا بيان الأوقات. وقولهم: (نحن أكثر عملًا) يعني: أن عمل الفريقين جميعًا أكثر. لا يقال: إن هذا خطأ؛ لأن الفريقين لهما قيراطان؛ لأنهم قالوا : نحن أقل عطاءً، فعلم أنه يعني كل طائفة ؛ لأنا نقول : إن الظاهر أن الإخبار بكثرة العمل وشكوا قلة الأجر في مقابلة عملهما بالإضافة إلى أجر المسلمين في مقابلة عملهم، وهذا صحيح عند التقسيط؛ لأن من خاط ثوبًا بقيراط، وأخر خاط أثنين بقيراط فأجر الثاني أقل في مقابلة عمله. وقوله ( ((هل ظلمتكم من حقكم ؟ قالوا: لا))) وذلك صحيح، لأنهم أستؤجروا برضاهم على عمل معين بأجرة معلومة. ١٠٥ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = ١٩- باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ٥٠٢٣- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِّ نَّهِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)). وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ. [٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٤ - مسلم: ٧٩٢ - فتح: ٩ /٦٨] ٥٠٢٤- حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَىء مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)). قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ: يَشْتَغْنِي بِهِ. [انظر: ٥٠٢٣ - مسلم: ٧٩٢ - فتح: ٦٨/٩] ذكر فيه حديث أبي سلمة عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)). وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: یجھر بِهِ. ثم ساقه عنه أيضًا بلفظ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَىءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)). قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ: يَسْتَغْنِي بِهِ . قلت: احتج بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ﴾ الآية [طه: ١٣١]. قال: وأمر الَليْ أن يستغنى بالقرآن عن المال. ومعنى: ((ما أذن)): ما أستمع، وذكره في الاعتصام بلفظ: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))(١). زاد غيره: (يجهر به)). ذكره في باب قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِهِجَ﴾(٢)، وهو من أفراده. (١) سيأتي برقم (٧٤٨٢) كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا نَفَعُ الشَّفَعَةُ عِنْدَهُ﴾. (٢) سيأتي برقم (٧٥٢٧) كتاب التوحيد، وانظر ما سيأتي برقم (٧٥٤٤). ١٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ووهم القرطبي حيث عزاه إلى مسلم(١). قال الشافعي: ومعناه: تحسين الصوت بالقرآن. وكذا قال غيره، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في ((سنن أبي داود)): إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع(٢). وقال غيره: يستغنى به. وكذا وقع في رواية أحمد عن وكيع(٣)، فقيل يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة، وقيل: معناه: التشاغل به. والتغني قال ابن الأعرابي: كانت العرب تتغنى إذا ركبت الإبل، وإذا جلست في أفنيتها وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب الَُّ أن يكون هِجِيِّرَاهُمْ مكان التغني، حكاه الخطابي (٤) وابن الجوزي. وقيل: المراد: ضد الفقر. وقال ابن حبان في ((صحيحه)): معنى ((ليس منا)): ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل؛ لأنا لا نفعله، فمن فعله فليس منا(٥). وقال الإمام : أوضح الوجوه في تأويله: من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد، فليس منا. وقال غيره: من لم يرتح لقراءته وسماعه. فهذا حاصل اختلاف العلماء في معنى التغني به. وما أسلفناه عن سفيان -وهو ابن عينية- من أنه فسره بضد الافتقار. وذكره عن سعد بن أبي وقاص رفعه، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم(٦). وكذا فسره وكيع كما سلف. (١) ((تفسير القرطبي)) ٩/١، وانظر: ((المفهم)) ٤٢٢/٢ -٤٢٣. (٣) ((مسند أحمد)) ١/ ١٧٢. (٢) أبو داود (١٤٧١). (٤) ((أعلام الحديث)) ١٩٤٥/٣. (٥) ((صحيح ابن حبان)) ٣٢٦/١ (١٢٠). (٦) ((مسند أحمد)) ١٧٥/١، ((سنن أبي داود)) (١٤٦٩)، ((سنن ابن ماجه)) (١٣٣٧)، ((صحيح ابن حبان)) ٣٢٦/١ (١٢٠)، ((المستدرك)) ٧٥٨/١. ١٠٧ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ - ومن تأول هذا التأويل كره القراءة بالألحان والترجيع . روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن، وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب ((الثواب)) وقال: كانوا يكرهونها بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرءوه حدرًا ترتيلا بحزن. وهو قول مالك، روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا يعجبني، وأعظمَ القولَ فيه؛ وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم(١)، وقد روي عن ابن عيينة وجه آخر، ذكره إسحاق بن راهويه، قال: كان ابن عيينة يقول: يعني: ما أذن الله لنبي .. إلى آخره. يريد: يستغني به عما سواه من الكتاب والأحاديث، وهذا لعله يكون هو الذي أراد البخاري من إيراده. وممن قال المراد به تحسين الصوت به والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون: الشافعي(٢) وغيره(٣) كما سلف. وهو معنى ما ذكره البخاري بقوله: (وقال صاحب له: يريد يجهر به) قال الخطابي: والعرب تقول: سمعت فلانًا يغني هذا الحديث. أي: يجهر به ويصرح لا يكني. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج ووقفني على أشعب الطماع فقال: غَنِّ ابن أخي ما بلغ من طمعك؟ قال: ما زفت أمرأة بالمدينة إلا كسحت بيتي رجاء أن يُهدى إليَّ. يقول. أخبر ابن أخي بذلك مجاهرًا غير مساتر. ومنه قول ذي الرمة: أحب المكان القفر من أجل أنني به أتغنى باسمها غير معجم (٢) ((الأم)) ٢١٥/٦. (١) ((المدونة)) ١٩٤/١. (٣) انظر: ((شرح مشكل الآثار)) ٣٤٦/١، ((طرح التثريب)) ١٠٥/٣-١٠٦، ((المغني)) ٦١٣/٢. ١٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أي: أجهر بالصوت بذكرها لا أكني عنها حذار كاشح أو خوف رقيب (١). وذكر عمر بن شبة (٢) قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة السالف، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كان لداود التَّيْئا معزفة يتغنى عليها وتبكي ويبكي، وقال ابن عباس: كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا يلون فيهم، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتن یسمعن ويبكين. ومن الحجة لهذا القول أيضًا حديث ابن مغفل في وصف قراءة رسول الله وَ﴾ وفيه ثلاث مرات. وهذا غاية الترجيع، ذكره البخاري في الاعتصام(٣). وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة، فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقرآن، ولكن قال: يتغن بالقرآن . علمنا أنه أراد به التغني (٤). وكذلك فسر ابن أبي ملكية أنه تحسين الصوت(٥)، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل(٦)، وسيأتي رده. وممن أختار الألحان في القرآن فيما ذكره الطبري: عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا (٧)، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن. وقال مرة: من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل. وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: أعرض (١) ((غريب الحديث)) للخطابي ٦٥٥/١ - ٦٥٦. (٢) حكى ذلك وما بعده ابن بطال ٢٥٩/١٠-٢٦٠. (٣) يأتي برقم (٧٥٤٠) كتاب: التوحيد، باب: ذكر النبي ◌َّ، وروايته عن ربه. (٤) ((سنن البيهقي)) ٥٥٩/١ (١٠٢٦). (٥) (شعب الإيمان)) ٥٢٩/٢. (٦) انظر: ((تفسير القرطبى)) ٩/١. (٧) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٥٨/١. ١٠٩ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ علي سورة كذا، فقرأ عليه ، فبكى عمر، وقال: ما كنت أظن أنها نزلت. واختاره ابن عباس وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح، واحتج بحديث عبيد بن عمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بالألحان. واحتج الطبري لهذا القول وقال: الدليل على أن المراد التحسين المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قرآنه كالغناء بالشعر، وهو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه، ما روى سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: ((ما أذن الله لشيء ما أذن النبي حسن الترنم بالقرآن)). ومعقول عن ذوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به. وروي في هذا الحديث: ((حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)) ورواه يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ◌َيَةٍ(١). قال الطبري: وهذا الحديث أبين البيان أن ذلك كما قلناه(٢). وفي ((المستدرك)) على شرطهما من حديث الأوزاعي، عن إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، أنه العليان قال: ((لله أشد أذنا من الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى (٣) قینته))(٣). (١) سيأتي برقم (٧٥٤٤)، ورواه مسلم (٢٣٣/٧٩٢). (٢) حكى كل ذلك عن الطبري ابن بطال ٢٦٠/١٠-٢٦١. (٣) ((المستدرك)) ١/ ٥٧٠-٥٧١. ١١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأخرجه الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)) وزاد في آخره عن الأوزاعي قال: أذنًا. يعني استماعا (١). قلت: وفيه أنقطاع بين إسماعيل وفضالة، ميسرة مولى فضالة كما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في ((سننه الكبير))(٢)؛ وميسرة ذكره ابن حبان في (ثقاته)) (٣) وخرجه في ((صحيحه)) (٤). قال الطبري: ولو كان كما قال ابن عيينة: لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر معنی. والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع، وقال الشاعر: تغنَّ بالشعر أما كنت قائله إن الغناء بهذا الشعر مضمار وأما أدعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى: أستغنيت، فاشٍ في كلام العرب وأشعارها، فلا نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله. وأما احتجاجه ليصح قوله بقول الأعشى: وكنت أمرًا زمنًا بالعراق عفيف المناخ طويل التغن وزعم أنه أراد بذلك طويل الاستغناء، أي: الغنى. فإنه غلط منه. وإنما عنى الأعشى به الإقامة، من قول العرب: غنى فلان بمكان كذا، إذا أقام به، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ [هود: ٦٨]. (١) ((أخلاق حملة القرآن)) ص٢٠٨-٢٠٩. (٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٣٤٠)، ((السنن الكبرى)) ٢٣٠/١٠. (٣) ((الثقات)) ٤٢٥/٥. (٤) ((صحيح ابن حبان)) ٣١/٣ (٧٥٤). قلت: والحديث أعله الحافظ الذهبي في ((التلخيص)) ١/ ٥٧١ بالانقطاع، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٢٩٥١). ١١١ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وأما استشهاده بقوله: كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا فإنه إغفال منه، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه وتشاتما وتقاتلا. ومن قال هذا القول في فعل أثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد، وغير جائز أن يقال: تغانى زيد وتضارب عمرو، وكذلك غير جائز أن يقال: تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد قائله أنه أظهر الاستغناء وهو به غیر مستغنٍ، كما يقال: تجلد فلان إذا أظهر الجلد من نفسه، وهو غير جليد، وتشجع وهو غير شجاع، وتكرم وهو غير كريم. فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب كانت المصيبة في خطابه في ذلك أعظم؛ لأنه لا يوجب بذلك من تأويله أن يكون الله تعالى لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذن له أن يظهر للناس من نفسه ما هو به من (الخلاف)(١) وهذا لا يخفى فساده. قال: ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الإذن عند ابن عيينة الإذن الذي هو إطلاق وإباحة، فإن كان كذلك فهو غلط من اللغة، ومن إحالة المعنى عن وجهه؛ لأن الإذن مصدر. قولك: أذن فلان لكلام فلان فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال @﴾ [الانشقاق: ٢] بمعنى: سمعت لربها تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِهَا وَحُقَّتْ وحق لها ذلك، کما قال علي بن یزید: إن همي في سماع وأذن (١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٢٦٢/١٠: (الخلال). ١١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يعني : في سماع واستماع، فمعنى قوله: ((ما أذن الله لشيء)) إنما هو: ما أستمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع إلى نبي يتغنى بالقرآن ، ولأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له. قال ابن بطال: وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب، ثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: ((تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل))(١). وذكر أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] أن هذِه الآية نزلت في قوم أتوا رسول الله وَلَّ بكتاب فيه خبر من أخبار الأمم. فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم على ما ذكره إسحاق بن راهويه، عن ابن عيينة. وليس [المراد](٢) بها الاستغناء الذي هو ضد الفقر. وإتباع البخاري الترجمة بهذه الآية يدل أن هذا كان مذهبه في الحديث(٣). وكذا قال ابن المنير: يفهم من الترجمة أن التغني الاستغناء لا الغناء لكونه أتبعه بالآية، ومضمونها الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره من الكتب السالفة، ومن المعجزات التي كانوا يقترحونها، فهو (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ١٢٤ (٢٩٩٨٢). قلت: الشطر الأخير من الحديث يأتي قريبًا برقم (٥٠٣٣)، ورواه مسلم (٧٩١) من حديث أبي موسى. (٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)). (٣) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ٢٥٩/١٠-٢٦٣. ١١٣ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = موافق لتأويل سفيان، لكنه حمله على ضد الفقر، والبخاري حمله على ما هو أعم من ذلك، وهو الاكتفاء مطلقًا . ويظهر من ذلك عدم الافتقار إلى الاستظهار والاستغناء بالحق؛ لأن فيه من المواعظ والآيات والزواجر ما يمنع صاحبه عن الدنيا وأهلها(١). وسيأتي لنا عودة إليه في الاعتصام (٢) في باب ذكر النبي ◌َّ، وروايته عن ربه تعالى في قوله: ((الماهر بالقرآن مع الكرام البررة» إن شاء الله تعالى(٣). فصل : قال الإسماعيلي : الاستغناء به لا يحصل ( ... )(٤) يأذن له. فصل : في ((الصحيح)) كما سيأتي قريبًا: ((لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود)»(٥) روى ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا. وقد سلف، وقال أبو عثمان النهدي كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط، ولا صوت بربط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته(٦). قال أبو عبيد القاسم بن سلام: تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت على طريق التحزين والتخويف والتشويق، يبين ذلك قول أبي موسى - وقد سمع لصوته أمهات المؤمنين -: لو علمت لحبرته لكن (١) ((المتواري)) ص ٣٩٠-٣٩١. (٢) جاء في هامش الأصل: هذا الباب في كتاب التوحيد فاعلمه. (٣) انظر شرح الحديث الآتي برقم (٧٥٤٤) كتاب: التوحيد. (٤) كلمة غير واضحة بالأصل، وعليها علامة استشكال من الناسخ. (٥) يأتي برقم (٥٠٤٨). (٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٥٨/١، وحكاه ابن بطال في ((شرحه)) ٢٧٥/١٠. ١١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - تحبيرًا وتشوقته تشويقًا (١). فهذا وجهه، لا الألحان المطربة الملهية. روى سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه العلي سئل: أي الناس أحسن صوتا بالقرآن؟ قال: ((الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله))(٢). وعن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب قال: قدم علينا سعد بعد ما كف بصره، فأتيته مُسَلِّمًا، فانتسبني، فانتسبت له، فقال: مرحبًا بابن أخي، بلغني أنك تحسن الصوت بالطرب، وسمعت النبي وديو يقول: ((إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكو))(٣). وذكر أبو عبيد بإسناده قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب رسول الله وَليلةٍ - ولا أعلمه إلا عبسًا الغفاري(٤)- فرأى الناس يخرجون في الطاعون يفرون، فقال: يا طاعون خذني إليك. فقيل: أتتمنى الموت وقد نهى عنه رسول الله وَّر؟ قال: إني أبادر خصالًا سمعت النبي وَلم يتخوفهن على أمته: بيع الحكم والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفضلهم ولا أفقههم إلا ليغنيهم به غناء(٥). وروى الآجري من حديث عبد الله بين جعفر، عن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: ((أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٨/ ٣٢ بلفظ: لو علمت لحبرته تحبيرًا ولشوقتكم تشويقًا. (٢) ((فضائل القرآن)) ص١٦٤- ١٦٥. (٣) رواه ابن ماجه (١٣٣٧)، وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٢٨١). (٤) ورد بهامش الأصل: عبس الغفاري، والأكثر عابس كما مر، روى عنه أبو أمامة الباهلي وغيره، أخرج له أحمد في ((المسند)). (٥) ((فضائل القرآن)) ص١٦٦. ١١٥ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ = يقرأ حسبته يخشى الله تعالى))(١)، والمزمار: طيب الصوت، وذكر الآل صلة، وآله: نفسه. فصل : سيأتي في البخاري في باب ترجمة قول النبي وقال: ((الماهر بالقرآن)) الحديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم))(٢). كذا ذكره بغير إسناد، ولا راو. وقد أسنده أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم، وصححه ابن حبان من حديث البراء بن عازب(٣). وأسنده ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة أيضًا (٤)، وأسنده البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف لكنه أعله(٥). (١) ((أخلاق حملة القرآن)) ص ٢١٠. (٢) يأتي برقم (٧٥٤٤). (٣) ((مسند أحمد)) ٢٨٣/٤، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، ((سنن أبي داود)) (١٤٦٨)، ((المجتبى)) ١٧٩/٢، ((السنن الكبرى)) ٣٤٨/١ (١٠٨٨)، ٢١/٥ (٨٠٥٠) ((سنن ابن ماجه)) (١٣٤٢)، ((صحيح ابن حبان)) ٢٥/٣ (٧٤٩) من طريق طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب، مرفوعًا. ومن هذا الطريق وصله البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (١٩٥-١٩٩، ٢٠١) وصححه ابن خزيمة ٢٤/٣ (١٥٥١)، ٢٦/٣ (١٥٥٦)، والحاكم ٥٧١/١- ٥٧٥، والدارقطني في ((العلل)) ١٤٨/١٠. وقال الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) ٨٨/١: إسناده جيد، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٣٢٠). (٤) ((صحيح ابن حبان)) ٢٧/٣ (٧٥٠)، ورواه أيضًا أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ص١٦٠ من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا. قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) ٢٠٩/٥: إسناده صحيح. (٥) ((مسند البزار)) ٢٤٥/٣ - ٢٤٦ (١٠٣٥) من طريق صالح بن موسى، عن عبد العزيز ابن رفيع، عن أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، مرفوعًا، وقال: هذا = ١١٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وطرَّقه الحاكم في ((مستدركه)) من حديث البراء من عشرين طريقًا عنه، ذكره أجمع بأسانيد وأوضحه(١) . قال ابن حبان: هذا اللفظ من ألفاظ الأضداد. يريد بقوله: (زينوا القرآن بأصواتكم))، زينوا أصواتكم بالقرآن(٢). وقال الخطابي: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن. كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب، كما قالوا: عرضت الناقة على الحوض، ثم قال: ورواه معمر، عن منصور، عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن، قال: وهو الصحيح، ثم رواه بسنده عن طريق عبد الرزاق، عن معمر(٣) . قلت: وقد أخرجه الحاكم عن منصور من ستة طرق: سفيان، وزائدة، و(عمرو بن قيس)(٤)، وجرير، وابن طهمان، وعمار؛ كلهم عن منصور، عن طلحة بتقديم القرآن على الأصوات(٥). = الحديث يرويه الزهري، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وصالح بن موسى الذي روى هذا الحديث، عن عبد العزيز، عن أبي سلمة، عن أبيه: لين الحديث، وإنما ذكرنا هذا الحديث لنبين علته. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٧١/٧ : فيه صالح بن موسى وهو متروك، وضعف الحافظ إسناد هذا في ((الفتح)) ٥١٩/١٣، وفي ((التغليق)) ٣٧٧/٣. (١) ((المستدرك)) ٥٧١/١- ٥٧٥. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢٦/٣، وفيه أنه قال: يريد بقوله: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) لا زينوا أصواتكم بالقرآن. أي: ضد ما نقله المصنف - رحمه الله - أو يكون سقط من سياق المصنف كلمة (لا). والله أعلم. (٣) ((معالم السنن)) ٢٥٢/١. (٤) كذا بالأصل وهو خطأ، وصوابه: (عمرو بن أبي قيس) كما في ((المستدرك)) ١/ ٥٧١، وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٢٠٣/٢٢ (٤٤٣٧). (٥) ((المستدرك)) ٥٧٠/١-٥٧٢. ١١٧ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وكذلك التي قدمناها عن الحاكم كلها بتقديم القرآن(١)، إلا في رواية واحدة من حديث عبد الرزاق، عن منصور، عن الأعمش، عن طلحة قدم فيها الأصوات على القرآن (٢) . وهي في الطبراني ((الكبير)) من طريقين آخرين: أحدهما من حديث عبد الله بن خراش -قال البخاري: منكر الحديث(٣) - عن عمه العوام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه: (زينوا أصواتكم بالقرآن))(٤) . ثانيهما: من حديث سعيد بن أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: ((أحسنوا أصواتكم بالقرآن)) (٥) . (١) ((المستدرك)) ٥٧١/١-٥٧٥. (٢) ((المستدرك)) ١/ ٥٧٢. (٣) ((التاريخ الكبير)) ٨٠/٥ (٢١٩). (٤) ((المعجم الكبير)) ١١/ ٨١-٨٢ (١١١١٣). وليس في إسناده مجاهد، إنما هو عن العوام بن حوشب، عن ابن عباس. والحديث رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٣٤٨/٥، والدارقطني في ((الغرائب والأفراد)) كما في ((الأطراف)) ٣/ ٣٢٢ (٢٧٨٤). من الطريق الذي ذكره المصنف. قال الدارقطني: غریب من حديث العوام بن حوشب، عن مجاهد، تفرد به عنه، وتفرد به عنه عبد الله بن خراش، وهو ابن أخيه. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥١٩/١٣، وفي ((التغليق)) ٣٧٧/٥: سنده حسن. فاعلمه. (٥) ((المعجم الكبير)) ١١٨/١٢ (١٢٦٤٣). ورواه أيضًا ابن عدي في ((الكامل)) ٤٣٥/٤، ٢٠٣/٨، والخطيب في ((الموضح)) ١٢٩/٢، الحافظ في ((التغليق)) ٣٧٧/٥ لكنه بلفظ: (زينوا)). قال الحافظ: الضحاك لم يسمع من ابن عباس، وغلط فيه البقال؛ إنما سمعه الضحاك من عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء، والله أعلم. اهـ وأورده الألباني في ((الضعيفة)) (١٨٨١)، وقال: ضعيف جدًّا. ١١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فتعين أن تقدم رواية القرآن الصحيحة ومعناها على ظاهره. وما عداها محمول عليها، ويكون قوله: ((بالقرآن)) في موضع الحال، أي: زينوا أصواتكم في حال القراءة ، وقد جاء ذلك مصرحًا به في ((مسند الدارمي)) و((مستدرك الحاكم)) من حديث علقمة بن مرثد عن زاذان عن البراء رفعه: ((زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا))(١). وهذا لا يحتمل التأويل ولا القلب، وليس المراد هنا بالقرآن الكلام القديم، وإنما المراد ما سمعه من الحروف والأصوات(٢). وعند عباد بن يعقوب في ((فضائل القرآن)) من حديث جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود: ((جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب)). وجويبر واهٍ. (١) ((مسند الدارمي)) ٢١٩٤/٤ (٣٥٤٤)، ((المستدرك)) ٥٧٥/١، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٧٧١). (٢) تكملة: لفظ: ((زينوا أصواتكم بالقرآن)) الذي رواه الخطابي في ((المعالم)) ١/ ٢٥٢ -المتقدم- أورده الألباني في ((الضعيفة)) (٥٣٢٦). وقال: منكر مقلوب، تفرد بروايته هكذا الخطابي في ((معالم السنن)) من طريق الدبري، عن عبد الرزاق: أخبرنا معمر .. وساقه. ثم قال: وهو إسناد ضعيف، ومتن منكر مقلوب. اهـ قلت: لعله عني بقوله: (تفرد بروايته الخطابي) أي: من حديث البراء، وإلا فقد روي من غير طريق البراء، كما ذكر المصنف. وقال شيخ الإسلام ابن القيم: وقال ◌َله: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وغلط من قال: إن هذا من المقلوب، وإن المراد: زينوا أصواتكم بالقرآن، وإن كان حقًّا، فالمراد تحسين الصوت بالقرآن. اهـ ((روضة المحبين)) ص٢٨١، وانظر: ((البدر المنير)) ٦٣٨/٩ -٦٣٩. ١١٩ كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ٢٠- باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ ٥٠٢٥- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى أَثْتَيْنِ: رَجُلٌّ آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللهُ مَالَا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)). [٧٥٢٩ - مسلم: ٨١٥ - فتح: ٩/ ٧٣] ٥٠٢٦- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْخُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِّهِ قَالَ: ((لَا حَسَدَ إِلَّ فِي أَثْنَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ. وَرَجُلٌ آَتَاهُ اللهُ مَلَّا فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ)). [٧٢٣٢، ٧٥٢٨ - فتح: ٩ / ٧٣] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: ((لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى أَثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الكِتَابَ فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)). وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي أَثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالَا فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ)). هذا الحديث سلف في أول الكتاب في العلم، في باب: الاغتباط في العلم والحكمة في حديث ابن مسعود، وكذا في الزكاة(١). (١) سلف برقم (٧٣)، (١٤٠٩) باب: إنفاق المال في حقه. ١٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وشيخ البخاري في حديث أبي هريرة علي بن إبراهيم؛ فقيل: الواسطي. وقيل: ابن إشكاب. قال أبو علي: كذا في روايتنا عن ابن السكن وأبي أحمد وأبي زيد، حدثنا علي بن إبراهيم، ثنا روح؛ فقيل: إنه علي بن إبراهيم بن عبد الحميد الواسطي (١). وقال أبو أحمد الجرجاني: يشبه أن يكون علي بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب(٢). وقال الدارقطني: علي بن عبد الله بن إبراهيم شيخ البخاري عن حجاج لم يذكر غيره. فأشار صاحب ((الزهرة في أسماء مشاهير المحدثين)) إلى نحو هذا، وقال: روى عنه البخاري أربعة أحاديث. وقد سلف أن معنى: ((لا حسد)»: لا غبطة، وهي تمني أن يكون له مثله دون زوالٍ عنه. قال ثعلب: أي: لا حسد لا يضر إلا في كذا . وهو ظاهر ترجمة البخاري. و((آناء الليل)) ساعاته واحدها إني، وظاهر الحديث الأول أنه يقوم به في الصلاة بخلاف قوله في الثاني: ((يتلوه)» فإنه محتمل. وفيه: أن النية إذا حصلت تقوم مقام العمل، فنية المؤمن من عمله. وهنا هي مثله؛ لأن العمل لا بد أن يكون فيه للنفس حظ، والنية تعرى عن ذلك. فصل : وروى أبو عبيد بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن يرفث فيمن يرفث، ولا يجهل (١) (تقييد المهمل)) ١٠٠٤/٣. - (٢) ((أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري)) ص ١٥٧ (١٥٠).