النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها :
حديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَك قَالَ: إِّي عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله عنها أُمِّ
المُؤْمِنِينَ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٍّ فَقَالَ: أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ،
وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَرِيِنِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ:
لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ
قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ
وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ .. الحديث.
ومعنى (أول ما نزل .. ) إلى آخره، تريد: المدثر، والمشهور:
﴿ اقْرَأْ﴾ كما تقدم، وأراد العراقي تأليف القرآن على ما نزل أولًا
فأولًا، لا يقرأ المدني قبل المكي، والقرآن ألفه رسول الله والديه
بالوحي، كان جبريل العليا يقول له: أجعل آية كذا في سورة كذا.
وقولها: (ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) فيه دلالة أن
السورة تسمى بما يذكر فيها ومعنى: (ثاب الناس) رجعوا، ثاب الشيء
يثوب ثؤوبًا: رجع، ومنه ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]
الحدیث .
الثاني :
حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: سَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ
فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ،
وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي(١).
(١) ورد في هامش الأصل: ينبغي أن يقول من العتاق الأول، ويفسر بأول ما نزل من
القرآن، ثم يقول: وهن من تلادي، أي: من أول من تعلمت.

٤٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وسلف في تفسير سورة بني إسرائيل بسنده سواء(١).
وقوله: (من تلادي) يعني هنَّ مما نزل من القرآن أولًا ، قال صاحب
(العين)): العتيق: القديم من كل شيء (٢)، والتلاد: ما كسب من المال
قديمًا. فيريد أنهن من أول ما حفظ من القرآن.
الحديث الثالث :
حديث البَرَاءِ رضي الله عنه: تَعَلَّمْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١]
قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ وََّ. سلف قريبًا في تفسير سورة ﴿سَيْجِ اسْمَ رَبِّكَ
اُلْأَعْلَى ﴾﴾(٣).
الحديث الرابع :
حديث أَبِي حَمْزَةَ - واسمه محمد بن ميمون السكري المروزي- عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ النَّبِيُّ
وَلَه يَقْرَؤُهُنَّ أَثْنَيْنِ أَثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَقَامَ عَبْدُ اللهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ،
وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ المُفَصَّلِ عَلَى
تَأُلِيفِ ابنِ مَسْعُودٍ، آخِرُهُنَّ الحَوَامِيمُ ﴿حَمَّ ﴾﴾ [الدخان: ١]
الدُّخَانُ و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾﴾ [النبأ: ١].
سلف أيضا (٤).
قال الداودي في قوله: (قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ .. ) إلى آخره. يريد في
صلاة الصبح، قال: وكان يقرأ الجاثية في الأولى، و﴿عَّ يَتَسَآءَ لُونَ
في الثانية، والأحقاف في الأولى من اليوم الثاني، والمرسلات في
(١) سلف برقم (٤٧٠٨).
(٢) ((العين)) ١٤٦/١، مادة: (عتق).
(٣) سلف برقم (٤٩٤١).
(٤) برقم (٧٧٥).

٤٣
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
الثانية، ثم كذلك في عشرين صلاة، ثم يرجع إلى ذلك في أكثر أحواله،
والذي تأول البخاري وغيره أنه كان يقرأ سورتين في كل ركعة، وقد بوب
عليه كذلك في الصلاة(١)، وأجازه مالك في ((مختصر ابن عبد الحكم)).
وقوله: (عشرون سورة من أول المفصل .. ) إلى آخره: ظاهرُهُ أن
الدخان من المفصل.
والمذكور عن ابن مسعود أن أول المفصل الجاثية، ذكره الداودي،
وعنه في البخاري أن أوله القتال، وعند العامة أنه السُبع الآخر. وعن
ابن مسعود أنه السدس الآخر، وهو دال على أن أوله الأحقاف،
وقيل: أوله ﴿قّ﴾، وقيل غير ذلك.
وقوله: (على تأليف ابن مسعود) صحيح؛ لأنها على تأليف القرآن
خمس وثلاثون سورة من الدخان إلى ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ
وتأليف ابن
مسعود شيء آخر.
فصل :
قد اختلف في ترتيب سور القرآن، فمنهم من كتب في مصحفه السور
على تاريخ نزولها، وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول
مصحفه ﴿اَلْحَمْدُ﴾، ومنهم من جعل في أوله: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾، وهذا
أول مصحف علي، وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله ﴿ملِكِ يَوْمِ
الدِّينِ ﴾﴾ ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف رواه طلحة بن
مصرف، عن يحيى بن وثاب، عن علقمة، عنه، ومصحف أُبي كان أوله
﴿اَلْحَمْدُ﴾ ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم
الأعراف، ثم المائدة كذلك على اختلاف شديد، وأجاب القاضي
(١) حيث قال: باب: الجمع بين السورتين في الركعة، حديث (٧٧٥).

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أبو بكر ابن الطيب بأنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه
اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة، وقد قال قوم
من أهل العلم: إن تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا كان على
توقيف من رسول الله وَّ لهم على ذلك وأمر به.
وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله إنما كان قبل
العرض الأخير، وأنه القّ رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل
ذلك.
روى يونس، عن ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: إنما ألف
القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله وَله. ومن قال هذا
القول لا يقول: إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن يكون
مرتبًا على حسب الترتيب الموقف عليه المصحف، بل إنما يجب
تأليف سوره في الرسم والكتابة خاصة، لا نعلم أن أحدًا منهم قال:
إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفي القراءة والدرس، وأنه لا
يحل لأحد أن يحفظ الكهف قبل الروم، ولا الحج بعد الكهف، ألا
ترى قول عائشة رضي الله عنها للذي سألها أن تريه مصحفها ليكتب
مصحفًا على تأليفه: (لا يضرك أيُّه قرأْتَ قبل).
وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كرها أن
يقرأ القرآن منكوسًا، وقالا: ذلك منكوس القلب. وإنما عنيا بذلك من
يقرأ السورة ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور، وفي
الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك، ويقتدر على
الحفظ، وهذا مما حظره الله في قراءة القرآن؛ لأنه إفساد لصورته
ومخالفة لما قصد بها. ومما يدل أنه لا يجب إثبات القرآن في
المصاحف على تاريخ نزوله؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا

٤٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
بعض آية سورة في سورة أخرى، وأن ينقضوا ما وقفوا عليه من سياقة
ترتيب السور ونظامها؛ لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل
بالمدينة فيؤمر بإثباتها في السورة المكية، ويقال لهم: ضعوا هذِه
الآية في السورة التي يذكر فيها كذا. ألا ترى قول عائشة رضي الله
عنها: (وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده) تعني: بالمدينة،
وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة. ولو
ألفوا على تاريخ النزول، لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السورة، وقد
كان النبي ◌ّيه يقرأ بالناس في الصلاة السورة في الركعة، ثم يقرأ في
الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها (١).
:
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٨/١٠ -٢٤٠.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٧- باب كَانَ جِبْيلُ يَعْرِضُ القُرْآنَ
عَلَى النَّبِيِّ
صَلى الله
وسلم
وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ أَسَرَّ
إِلَى النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَنَّ جِبْرِيلَ [كَانَآ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كُلَّ
سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أَرَاهُ إِلَّ حَضَرَ أَجَلِي)).
ء
[انظر: ٣٦٢٣ ]
٤٩٩٧- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَجْوَدَ النَّاسِ
بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﴿ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ
بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [انظر: ٦ - مسلم: ٢٣٠٨ - فتح: ٤٣/٩]
٤٩٩٨- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَغْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ القُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ
مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَغْتَكِفُ كُلَّ عَامِ عَشْرَا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي العَامِ
الذِي قُبِضَ. [انظر: ٢٠٤٤ - فتح: ٤٣/٩]
هذا سلف مسندًا في باب: علامات النبوة، عن أبي نعيم، عن
زكريا، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق(١)، وليس لسيدة نساء
العالمين سواه، وبعضهم خرجه من مسند عائشة، رضي الله عنهما .
ثم ذكر البخاري بإسناده حديث ابن عَبَّاسٍ قال: كَانَ النَّبِيُّ وَلِ أَجْوَدَ
النَّاسِ بِالْخَيْرِ .. الحديث بطوله، سلف في أوائل الصوم(٢).
(١) برقم (٣٦٢٣).
(٢) سلف برقم (١٩٠٢) باب: أجود ما كان النبي ◌َّ* يكون في رمضان.

٤٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِّوَّهِ القُرْآنَ
كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الذِي قُبِضَ فِيهِ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ
كُلَّ عَامَ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الذِي قُبِضَ فيه. وسلف في
الاعتكاف (١).
وفي إسناده أبو بكر - وهو ابن عياش الأسدي مولاهم- عن أبي
حصين -وهو بفتح الحاء عثمان بن عاصم الأسدي- عن أبي صالح
-وهو ذكوان السمان الراوي- عن أبي هريرة.
وزعم بعضهم أن اعتكافه عند وفاته عشرين يومًا اقتداء بما فعله
جبريل، فإنه لما كرر العرض كرر الاعتكاف، وقد أسلفنا ثَمّ من
حديث أبي هريرة أنه العَئه كان يعكتف عشرًا، فسافر عامًا ولم
يعتكف، فاعتكف من قابل عشرين يومًا. وهذا الباب حذفه ابن بطال
من ((شرحه)) وكأنه لسبقه.
(١) برقم (٢٠٤٤).

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٨- باب القُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِّ
٤٩٩٩- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍوٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ: ((خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِم،
وَمُعَاذٍ، وَأَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ)). [انظر: ٣٧٥٨ - مسلم: ٢٤٦٤ - فتح: ٤٦/٩]
٥٠٠٠- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ
سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: والله لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ◌َّ بِضْعًا
وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَالله لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَّ مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَمَا أَنَا
بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقُ: فَجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ
ذَلِكَ. [مسلم: ٢٤٦٢ - فتح: ٩/ ٤٦]
٥٠٠١- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ: رَجُلٌ مَا هَكَذَا
أُنْزِلَتْ: قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَل﴿ فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الَخَمْرِ
فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللهِ وَتَشْرَبَ الَخَمْرَ؟ !. فَضَرَبَهُ الَحَدَّ. [مسلم: ٨٠١-
فتح: ٩/ ٤٧]
٥٠٠٢- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ
مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضي الله عنه: والله الذِي لَا إله غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ
كِتَابِ اللهِ إِلَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ
أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. [مسلم: ٢٤٦٣ - فتح: ٩ / ٤٧]
٥٠٠٣- حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكِ رضي الله عنه: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وََّ؟ قَالَ: أَزْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ
الأَنَّصَارِ: أَبِيُّ بْنُ كَغْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. تَابَعَهُ الفَضْلُ، عَنْ
حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ تُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: ٣٨١٠ - مسلم: ٢٤٦٥ - فتح: ٩/ ٤٧]

٤٩
- كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
٥٠٠٤- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ
البُنَانُّ وَتَامَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ◌ِّهِ وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ غَيْرُ أَزْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ،
وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. [انظر: ٤٤٨١ - فتح: ٩/
٤٧]
٥٠٠٥- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَخْیَى، عَنْ سُفْیَانَ، عَنْ حَبِیبٍ بْنِ أَبِي
ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أَبِيُّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ
لَحَنِ أُبِيِّ، وَأَبِيِّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ وََّ فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى:
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦]. [انظر: ٤٤٨١-
فتح: ٤٧/٩]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها :
حديث مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ:
لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: ((خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ
عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ)).
سلف في ترجمته(١).
ثانیھا :
حديث شَقِيقٍ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: والله لَقَدْ أَخَذْتُ
مِنْ فِي رَسُولِ الله بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، والله لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ أَنِّي
مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ الله، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ
أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادَّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.
(١) سلف برقم (٣٧٦٠).

٥
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثالثها :
حديث عَلْقَمَةَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابن مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ
رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللـه فَقَالَ:
((أَحْسَنْتَ)). وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ الله
وَتَشْرَبَ الخَمْرَ؟! فَضَرَبَهُ الحَدَّ.
وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (١)، وإسناده اجتمع فيه ثلاثة تابعيون
بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة.
رابعها :
حديث مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: والله الذِي لَا إله غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ
سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَّةٌ مِنْ كِتَابِ الله
إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ الله تُبَلَّغُهُ الإِلُ
لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ.
وأخرجه مسلم أيضًا(٢).
خامسها :
حديث قَتَادَةُ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ
وَهُ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أَبَى بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ،
وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. وأخرجه مسلم أيضًا(٣).
وعن ثَابِتٍ وَثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ غَيْرُ
أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُوَ زَيْدٍ. قَالَ:
وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.
(١) مسلم (٨٠١)، ((سنن النسائي الكبرى)) ٢٩/٥ (٨٠٨٠).
(٢) مسلم (٢٤٦٣).
(٣) مسلم (٢٤٦٥).

٥١
=
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
تَابَعَهُ الفَضْلُ بن موسى السيناني، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ،
عَنْ أَنَسِ
سادسها :
حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ: عليٍّ أقضانا،
وأُبَى أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَّدَعُ مِنْ لَحَنِ أَبَى، وَأُبَيِّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي
رَسُولِ الله فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ الآية
[البقرة: ١٠٦]. أخرجه هنا عن صدقة عن يحيى -وهو القطان- عن
سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس. وساقه
في التفسير عن عمرو بن علي، عن يحيى(١). قال المزي في
(أطرافه)): وليس في حديث صدقة ذكر علي(٢).
قلت: هو في أصل الدمياطي مخرجًا مصححًا(٣).
الشرح :
الأمر بالأخذ عن هؤلاء الأربعة للتأكيد، لا أن غيرهم لا يؤخذ
عنهم .
وزيادة أبي الدرداء قال الداودي: لا أراه محفوظًا. وقال
الإسماعيلي -بعد أن ذكره -: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوز أن
يجمعا في ((الصحيح)) على تباينهما -أعني ذكر أُبَيِّ وذكر أبي الدرداء-
وإنما الصحيح أحدهما .
(١) سلف برقم (٤٤٨١).
(٢) ((تحفة الأشراف)) ١/ ٣٧ (٧١).
(٣) ورد في هامش الأصل: وكذا هو ثابت في أصل لنا دمشقي، وسمع على المزي
وعليه خطه أو تصحيح، والذي قاله المزي هو في بعض النسخ، وكذا ما قاله
شيخنا عن أصل الدمياطي.

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وابن مسعود لم يحفظ جميعه في حياته القفيها؛ لكنه كان يجيد
ما يحفظه، وذلك أنه قال: أخذت من في رسول الله وَ له بضعًا
وسبعين سورة.
وفهم بعضهم أن هؤلاء الأربعة هم الذين جمعوا القرآن كله في عهد
رسول ◌َة، وليس كذلك، فقد جمعه الخلفاء الأربعة كما ذكره ابن
عبد البر، وأبو عمرو الداني؛ قال أبو عمرو: جمعه أيضًا على عهده
عبد الله بن عمرو بن العاصي.
قلت: وثبت أنه سأل النبي ◌َّليه: كم يقرأ القرآن؟ فقال: ((في شهر)).
فقال: إني أطيق أكثر من ذلك .. وذكر الحديث(١).
قلت: وجماعات أخر: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب خالد بن
زيد. ذكره ابن عبد البر عن محمد بن كعب القرظي، وذكر القاضي
أبو بكر أنه تواتر عن عبادة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي،
وابن عباس ذكره أيضًا من حديث أيوب بن جعفر بن أبي وحشية،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله وَله وقد
قرأت القرآن وأنا ابن عشر سنين. وأبو موسى الأشعري ذكره أبو عمرو
الداني، ومجمع بن جارية ذكره ابن إسحاق(٢).
قال الشعبي فيما ذكره ابن عساكر عنه: كان قد بقي على مجمع من
القرآن سورة أو سورتان حين قبض رسول الله وَلي (٣)، وقيس بن أبي
صعصعة عمرو بن زيد الأنصاري البدري، ذكره أبو عبيد بن سلام من
(١) يأتي برقم (٥٠٥٣) مختصرًا، وبرقم (٥٠٥٤)، ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٢)
مطولًا.
(٢) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ١٤٤/٢.
(٣) ((تاريخ دمشق)) ٣٠٩/١٩-٣١٠.

٥٣
= كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
حديث ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي
صعصعة أنه قال لرسول الله وَل: في كم أقرأ القرآن؟ قال: ((في
خمس عشرة)). قال: إني أجد أقوى من ذلك. قال: ((في كل جمعة))(١).
ومن حديث ابن لهيعة، عن واسع، عن عمه، عن سعد بن المنذر
الأنصاري البدري قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال:
((نعم إن استطعت))(٢).
وسعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية، أخي
ضبيعة وعبيد أولاد زيد أخي عزيز ومعاوية بن مالك، أخي حنش، وأخي
كلفة بني عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأوسي. ذكره ابن
حبيب في ((المحبر))(٣). وقال أبو أحمد العسكري: ذكر أنه أول من جمع
القرآن من الأنصار، ولم يجمعه من الأوس غيره.
فإن قلتَ: أبو زيد الذي ذكره أنس قيل: أسمه سعد بن عبيدة، فلعله
هُذا. قلتُ: لا فإن ذاك خزرجي. قال أنس: أحد عمومتي ونحن
ورثناه، وهذا أوسي، وسعد بن عباد أو عبادة. ذكره ابن مقسم
النحوي في ((السبيل إلى علم التنزيل)) عن الشعبي، وقيس بن السكن،
وهو أبو زيد السالف.
وأم ورقة بنت نوفل، وقيل: بنت عبد الله بن الحارث. ذكر ابن
سعد(٤) - فيما ذكره ابن الأثير(٥) - أنها جمعت القرآن. فهؤلاء تسعة
عشر، وتميم الداري كما سيأتي.
(١) ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد ص ١٧٧.
(٢) ((فضائل القرآن)) ص١٧٩، وفيه: عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد .
(٤) (الطبقات الكبرى)) ٤٥٧/٨.
(٣) ((المحبر)) ص ٢٨٦.
(٥) («أسد الغابة)) ٤٠٨/٧ (٧٦١٨).

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال القاضي أبو بكر: وجمعه عمرو بن العاصي، وأقرأه الظفيري
خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي الحج
سجدتان(١).
وعن محمد بن سيرين قال: جمع القرآن أربعة: أبي، ومعاذ، وزيد،
وأبو زيد.
(١) رواه أبو داود (١٤٠١)، وابن ماجه (١٠٥٧)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٢٣/١،
والبيهقي ٣١٤/٢، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٤٣٠/١ (٥٩١) من طريق
سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن
عبد الله بن منین، عن عمرو بن العاص، به.
والحديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه:
فقال الحاكم: هذا حديث رواته مصريون قد احتج الشيخان بأكثرهم، وليس في
عدد سجود القرآن أتم منه، ولم يخرجاه.
وقال النووي في ((المجموع)) ٥٥٤/٣، و((الخلاصة)) ٦٢٠/٢ (٢١٣٣): رواه
أبو داود وابن ماجه والحاكم بإسناد حسن.
وقال في موضع آخر من «المجموع، ٥٥٨/٣: حديث صحيح.
وكذا المنذري، فقال في كلامه على أحاديث ((المهذب)) كما في ((البدر المنير))
٢٥٧/٤: حديث حسن.
وحسنه أيضًا صدر الدين المناوي في كتابه «كشف المناهج والتناقيح في تخريج
أحاديث المصابيح)) ٤٠٩/١ (٧٤٢).
وضعفه آخرون أكثرون: فقال ابن الجوزي: هذا الحديث لا يعتمد عليه. وأعله
عبد الحق في «أحكامه)) ٢/ ٩٢ بعبد الله بن منين، فقال: لا يحتج به. وضعفه ابن
القطان في ((البيان)) ١٥٨/٣ - ١٥٩ (٨٦٩).
وقال الحافظ الذهبي في ((تنقيح التحقيق)) ١٩١/١: لم يصح، وأعله في ((المهذب))
٧٥٣/٢ بجهالة عبد الله بن منين، وضعفه أيضًا المصنف في ((البدر المنير))
٢٥٨/٤، والحافظ في ((التلخيص)) ٩/٢، وفي ((الدراية)) ٢١٠/١.
وأما الحافظ ابن كثير فلم يزد في ((الإرشاد)) ١/ ١٥٠ على قوله: إسناده غريب،
وضعفه أيضًا الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٢٤٨) ((تمام المنة)) ص٢٦٩.

٥٥
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
واختلفوا في عثمان وتميم الداري وأبي الدرداء، وأما رواية أنس:
(جمع). السالفة فلا بد من تأويلها، فإنه قد جمع تلاوته وأحصاه حفظًا
أعلام الصحابة ممن لا يحصى كثرة.
فالجواب: أنه يريد من الأنصار خاصة دون قريش وغيرهم، أو يريد
جمعه بجميع وجوهه ولغاته وحروفه وقراءاته التي أنزلها الرب تعالى،
وأذن للأمة فيها، وخيرها في القراءة بما شاءت منها، أو يريد: أشتهر
أو لم يشتهر بجمع متفرقه، وحفظ ما كان ينزل وقتًا دون وقت إلى
أنقضاء نزوله وكمال جمعه، أو يريد: الأخذ من في رسول الله وَل
تلقيًا أو أخذًا دون واسطة، أو يريد أن هؤلاء ظهروا به وانتصبوا
لتعليمه وتلقينه، أو يريد جمعه في صحف أو مصحف. ذكرها أجمع
أبو عمرو الداني.
ويحتمل -كما قال ابن العربي - أنه لم يجمع ما نسخ منه وزيل رسمه
بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته إلا هؤلاء
الأربعة، ويبعد أن يكون معنى: جمع القرآن: سمع له وأطاع وعمل
بموجبه، يؤيد رواية أحمد في كتاب ((الزهد)) أن أبا الزاهرية أتى
أبا الدرداء؛ فقال: إن ابني جمع القرآن؛ فقال: اللهم غفرًا، إنما
جمع القرآن من سمع له وأطاع.
وذكر المازري أنه يحتمل أن يراد أنه لم يذكره أحد عن نفسه سوى
هؤلاء؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام رسول الله
وَالل حيًّا، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله، واستجازه هؤلاء، ومرادهم
أنهم أكملوا الحاصل منه، أو يحتمل أن يكون من سواهم لم ينطق
بإكماله خوفًا من الرياء واحتياطًا على الثبات، وهؤلاء الأربعة أظهروه
لأمنهم على أنفسهم، أو لرأي اقتضاه ذلك عندهم، وكيف يعرف

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
النقلة أنه لم يكمله إلا أربعة، وكيف يتصور الإحاطة بهذا، والصحابة
متفرقون في البلاد، وهذا لا يتصور حتى يلقى الناقل كل رجل منهم
فيخبره عن نفسه بأنه لم يكمل القرآن، وهذا بعيد تصوره عادة، وكيف
وقد نقل الرواة إكمال بعض النساء لقراءته؟!
وقد اشتهر حديث عائشة رضي الله عنها، وقولها : كنت جارية حديثة
السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن (١). وكيف يظن بأبي بكر وعمر أنهما لم
يحفظاه؟! على أن الذي رواه ليس بنص جلي، وذلك أن قصاراه أن
أنسًا قال: جمع القرآن على عهده أربعة. فقد يكون المراد: لا أعلم
سوى هؤلاء، ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين(٢).
وحديث أنس حاول بعض الملحدة به القدح في الثقة بنقل القرآن،
ولا متروح لها في ذلك؛ لأنا لو سلمنا أن يكون الأمر كما ظنوه، وأنه لم
يكمله سوى أربعة، فإنه قد حفظ جميع أجزائه (مئوين)(٣) لا يحصون،
وما من شرط كونه متواترًا أن يحفظ الكلَّ الكلُّ؛ بل الشيء الكثير إذا
روى جزءًا منه خلق كثير علم ضرورة، وجعل متواترًا، والجواب عن سؤال
من سأل عن وجه الحديث من الإسلاميين، فإنه يقال له: علم ضرورة
من تدين الصحابة ومبادرتهم إلى الطاعات والقرب التي هي أدنى
منزلة من حفظ القرآن لا يعلم منه أنه محال -مع كثرتهم - أن لا يحفظ
منه إلا أربعة، وأيضًا فيمن يعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة بحيث
هو، وكان الكفار في الجاهلية يعجبون من بلاغته، ونحن نعلم من عادة
(١) سلف برقم (٢٦٦١)، ورواه مسلم (٢٧٧٠).
(٢) انتهى من ((المعلم بفوائد مسلم)) للمازري ٣٤٥/٢-٣٤٦.
(٣) كذا في الأصل، ولم نجد هذا الجمع في كتب اللغة وشرح الحديث، ولعل
الصحيح: مئون. والله أعلم.

٥٧
كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
=
العرب شدة حرصها على تحفظ الكلام البليغ، ولم يكن لها شغل
ولا صنعة إلا سوى ذلك، فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ
القرآن سوى هذا لكان أدل الدلائل على أن الخبر ليس على ظاهره.
قال(١): وقد عددنا من حفظنا منهم وسميناهم نحو خمسة عشر
صاحبًا ممن نقل عنه حفظ القرآن في كتابنا المترجم بـ((قطع لسان
النائح)) وأشرنا فيه إلى تأويلاته لهذا الخبر، وذكرنا اضطراب الرواة
في هذا المعنى، فمنهم من زاد في هذا العدد، ومنهم من نقص عنه،
ومنهم من أنكر أن يجمعه أحد(٢).
وقال القرطبي: إنما نشأ هذا ممن يظن أن لهذا الحديث دليلَ
خطاب، فإنه لا يتم له ذلك حتى يقول: تخصيص هؤلاء بالذكر يدل
على أنه لم يجمعه أحد غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب سلم
من ذلك بقوله به، فأكثرهم يقول: أن لا دليل خطاب لها باتفاق أئمة
الأصول، ولا يلتفت لقول الدقاق فيه، فإنه واضح الفساد، ولئن
سلمنا أن لا تقع الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يصار إليه
إذا لم يعارضه المنطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به،
وههنا أمران أولى منه (من الاتفاق)(٣): النقلُ الصحيح، وما يُعلم من
ضرورة العادة، وقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعة من الصحابة
حفظوه، فمنهم الخلفاء الأربعة، وقد تواترت الأخبار بأنه قتل
باليمامة سبعون ممن جمع القرآن (٤) وكانت اليمامة قريبة من وفاة
(١) هو المازري.
(٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٣٤٤/٢ -٣٤٥.
(٣) في ((المفهم)) ٣٧٩/٦: (بالاتفاق).
(٤) أنظر ما سلف برقم (٤٧٨).

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
رسول ◌َ﴾، فالذين بقوا في ذلك الجيش لم يقتلوا أكثرُ من أولئك
أضعافًا، وإذا كان ذلك جيشًا واحدًا، فانظر كم بقي في مدن الإسلام
إذ ذاك في عساكر أخر ممن جمع القرآن، فيظهر من هذا أن الذين
جمعوا القرآن على عهده لا يحصيهم أحد، ولا يسعهم عدد.
فإن قلتَ: إذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خص هؤلاء
الأربعة بالتزكية دون غيرهم؟
فالجواب: أنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلق غرض المتكلم بهم دون
غيرهم، أو بقول: إن هؤلاء في ذهنه دون غيرهم(١).
فلما ذكر القاضي أبو بكر وجوه التأويل أنه لم يجمعه على جميع
الوجوه، أو أنه لم يجمعه تلقينًا، أو من أنتصر له قال: تظاهرت
الروايات أن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله وَله
لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول لهم، وقد ثبت عن الصديق
بقراءته في المحراب بطوال السور التي لا يتهيأ حفظها إلا لأهل
القدرة على الحفظ والإتقان، منها: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن
أنس: أن الصديق قرأ في الصبح بالبقرة؛ فقال عمر: كادت الشمس
أن تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين(٢).
وقد علم أن كثيرًا من الحفاظ وأهل الدربة بالقرآن يتهيبون الصلاة
بالناس بمثل هذِه السور الطوال وما دونها، وهذا يقتضي أن أبا بكر
كان حافظًا، وقد صح الخبر أنه بنى مسجدًا بفناء داره بمكة قبل
الهجرة، وأنه كان يقوم فيه بالقرآن ويكثر بكاؤه ونشيجه عند قراءته،
(١) انتهى من ((المفهم)) ٣٧٩/٦ - ٣٨٠ بتصرف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣١٠ (٣٥٤٥)، والبيهقي ٣٨٩/٢.

٥٩
= كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
ويقف عليه نساء المشركين وولدانهم يسمعون قراءته(١)، ولولا علمه وَاله
ذلك لم يقدمه للإمامة مع قوله: ((يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله))(٢).
وكذلك تظاهرت الروايات عن عمر رضي الله عنه أنه كان يؤم الناس
بالسور الطوال، وقرأ مرة بسورة يوسف في الصبح، فبلغ إلى قوله
﴿وَأَنْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حتى سمع بكاؤه من وراء
الصفوف (٣). وقرأ مرة سورة الحج وسجد فيها سجدتين (٤).
روى عبد الملك بن عمير، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود رضي
الله عنه قال: كان عمر أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين
الله(٥). ولولا أن هذِه كانت حالته، وأنه من أقرأ الناس لكتاب الله لم
يكن الصديق بالذي يضم إليه زيد بن ثابت، وأمرهما بجمع القرآن،
واعتراض ما عند الناس، ويجعل زيدًا تبعًا له؛ لأنه لا يجوز أن
ينصب لاعتراض القرآن وجمعه من ليس بحافظ.
وأما عثمان فقد اشتهر عنه أنه كان ممن جمع القرآن على عهد رسول
الله وَلّ، وأنه كان من أهل القيام به، وقد قال حين أرادوا قتله فضربوه
بالسيف على يده فمدها، وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل (٦)،
(١) سلف برقم (٤٧٦).
(٢) رواه مسلم (٦٧٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣١٢ (٣٥٦٥) عن عبد الله بن شداد، بنحوه.
وسلف في حديث مقتل عمر الطويل (٣٧٠٠) قال عمرو بن ميمون: وربما قرأ
سورة يوسف أو النحل.
(٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٩٠/٢.
(٥) رواه الحاكم ٨٦/٣.
(٦) رواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١٢٦/١ (١٣٢)، والطبراني ١ / ٨٤
(١١٩). قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٩٤: إسناده حسن.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقالت زوجته: إن تقتلوه فإنه كان يحيي الليل بجميع القرآن في ركعة (١).
وكذلك علي بن أبي طالب قد عرف حاله في فضله ومناقبه، وعرف
سعة علمه، ومشاورة الصحابة له، وإقرارهم بفضله، وتربية النبي ◌ُّ له،
وأخذه له بفضائل الأخلاق، ورغبته التَيْئلا في تخريجه وتعليمه، وما كان
يرسخه له، ويثبته عليه من أمره، نحو قوله: ((أقضاكم علي))(٢). ومن
البعيد أن يقول هذا فيه وليس من قراء الأمة، وقد كان يقرئ القرآن،
وعليه قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وغيره. وروى همام، عن ابن أبي
نجيح، عن عطاء بن السائب: أن أبا عبدالرحمن السلمي حدثه قال:
ما رأيت رجلا أقرأ للقرآن من عليّ بن أبي طالب؛ صلى بنا الصبح
فقرأ سورة الأنبياء، فأسقط آية، فقرأ ثم رجع إلى الآية التي أسقطها
فقرأها، ثم رجع إلى مكانه الذي انتهى إليه لا يتتعتع (٣).
فإذا صح ما قلناه مع ما ثبت من تقدمهم وتقدمة الرسول لهم وجب
أن يكونوا حفاظًا للقرآن، وأن يكون ذلك أولى من الأخبار التي ذكر فيها
أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله و لو أربعة ليس فيهم أحد من هؤلاء
الأئمة القادة، الذين هم عمدة الدين وفقهاء المسلمين.
فصل :
قوله في حديث ابن مسعود: (فوجد منه ريح الخمر، فضربه الحد)
هو حجة لمالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز أن الحد عندهم
(١) رواه الطبراني ١/ ٨٧ (١٣٠) عن محمد بن سيرين، قال الهيثمي ٩/ ٩٤: إسناده
حسن.
(٢) سلف نحوه برقم (٤٤٨١) من حديث عمر قال: ((أقضانا علي)) ويلفظ المصنف
ذكره العجلوني في ((الكشف)) (٤٨٩) مبينًا رواياته وألفاظه المتعددة، فلينظر.
(٣) ((تقييد المهمل)) ٧٠٨/٢ وتمام كلامه: عن أبيه، فقلب.