النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
(ص) (وقال إبراهيم: ﴿أَفَتُنَّرُونَهُ﴾: أَفَتُجَادِلُونَهُ، وَمَنْ قَرَأَ أَفَتَمْرُونَهُ
يَعْنِي أَفَتَجْحَدُونَهُ)، هذا أخرجه عبد بن حميد، عن عمرو بن عون،
عن هشيم، عن مغيرة، عنه(١). وقال الشعبي: كان شريح يقرؤه
بالألف، وكان مسروق وابن عباس يقرآنها بحذفها، وهي قراءة حمزة
والكسائي، وقرأ الباقون بالألف ﴿فَتَمَارَوْاْ﴾: كذبوا(٢).
(ص) (﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾: بَصَرُ مُحَمَّدٍ وَّهِ، ﴿وَمَا طَغَى﴾: وَلَا جَاوَزَ
مَا رَأىْ) أي: ما جاوز ما أمره به ولا مال عما قصد.
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: (إِذَا هَوى): غَابَ) أخرجه عبد عن
عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عنه. وقال مجاهد: هو الثريا إذا
غارب، وقد سلف(٣).
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿أَغْفَى وَأَقْنَ﴾: أَعْطَى فَأَرْضَى) أخرجه
ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي،
عنه (٤). وقيل: ﴿أقنى﴾ من القنية. وقيل: أخدم. وقيل: ﴿وَلَّى﴾.
وقيل: يضع. وقيل في ﴿أغنى﴾: قنع(٥).
(١) رواه الطبري ٥١٢/١١ من طريق هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم النخعي، وذكره
السيوطي في ((الدر)) ١٥٨/٦ وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير
وابن المنذر.
(٢) ((الحجة للقراء السبعة)) ٦/ ٢٢٣٠.
(٣) ((الدر المنثور)) ٦/ ١٥٤.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) كما في ((تغليق التعليق)) ٣٢٤/٤.
(٥) أنظر: ((زاد المسير)) ٨٣/٨-٨٤.

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١- [باب]
٤٨٥٥- حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعْ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدِ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ
مَشْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها: يَا أُمَّتَاهُ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ◌َِّ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ:
لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ؟! مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ
مُحَمَّدًا ◌َِّ رَأىَ رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَفِّ
﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ
قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ
كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٧]
وَلَكِنَّهُ رَأَىُ جِبْرِيلَ الَّ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ. [انظر: ٣٢٣٤ - مسلم: ١٧٧ - فتح: ٦٠٦/٨]
ثم ساق البخاري حديث عائشة رضي الله عنها في الرؤية، وقد
سلف، وشيخه فيه حدثنا يحيى - هو ابن موسى الحداني - كما نسبه
ابن السكن، فيما حكاه الجياني(١).
وقولها: (قفَّ شعري) أي: أقشعر حين قام ما عليه من الشعر.
وقول مسروق لعائشة: (يا أمتاه) هو نداء كقوله: يا أباه عند الريف،
وإذا وصلوا قيل: يا أبة كـ ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ وإذا فتحوا للندبة
قالوا: يا أبتاه والهاء للوقف، ولا يقولون: يا أبتي، ولا يا أُمَّتي،
زعمًا أن الهاء بمنزلة قولهم: رجل يفعة، وغلام يفعة، واحتجاج
عائشة رضي الله عنها بالآيتين تريد نفي الرؤية في الدنيا وهو مذهبها،
والجمهور على أنه رآه بعيني رأسه(٢). والمراد بالإدراك الإحاطة.
(١) (تقييد المهمل)) ١٠٥٨/٣-١٠٥٩.
(٢) أنظر تفصيل القول في ذلك في ((تفسير الطبري)) ٥١٠/١١-٥١١، ((تفسير ابن أبي حاتم))
٣٣١٩/١٠، وانظر: ((زاد المسير)) ٦٨/٨، ((تفسير ابن كثير)) ٢٥٦/١٣-٢٦٠.

٣٠٣
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
وقولها: (ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين) الجمهور على أن
المراد: ولقد رآه -يعني: ربه وجبريل - والأول قول الحسن، والثاني
قول الجماعة كما نقله عنهم ابن التين. قال: ويدل على صحته
حديث ابن مسعود # الآتي أنه رأى جبريل له ستمائة جناح(١). زاد
غير البخاري: يتناثر من ريشه الدر والياقوت(٢).
(١) يأتي في الباب التالي برقم (٤٨٥٦).
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٤٧٣/٦ (١١٥٤٢) وأحمد ٤١٢/١، وابن حبان
٣٣٧/١٤ من طرق عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن
ابن مسعود .. الحديث.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢- [باب] قوله:
﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ
[النجم: ٩]
من حَيْثُ الوَتَرُ في القَوْسِ.
٤٨٥٦- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ
زِرًّا، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴿فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿ فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى
١٠
[النجم: ٩، ١٠] قَالَ: حَدَّثَنَا ابن مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأْىُ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحِ. [انظر:
٣٢٣٢ - مسلم: ١٧٤ - فتح: ٦١٠/٨]
ذكر فيه حديث زِرِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَّ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ
فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾﴾ [النجم: ٩، ١٠] قَالَ ابن مَسْعُودٍ: إنَّهُ
رَأَىْ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحِ. سلف في باب: الملائكة من كتاب:
بدء الخلق(١).
(١) برقم (٣٢٣٢) باب: إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء ..

٣٠٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
٣- [باب] قَوْلِهِ:
فَأَوَّحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى
[النجم: ١٠]
٤٨٥٧- حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ
فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى
قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ
[النجم: ٩، ١٠] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَنَّ مُحَمَّدًا وَِّ رَأىَ جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.
[انظر: ٣٢٣٢ - مسلم: ١٧٤ - فتح: ٦١٠/٨]
ذكر فيه حديث عبد الله المذكور أيضًا .

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤- [باب] قوله:
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىّ
[النجم: ١٨]
٤٨٥٨- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ،
[النجم: ١٨] قَالَ: رَأَى رَفْرَفَا
عَنْ عَبْدِ اللهِ عَُّ ﴿لَقَدْ رَأَ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىّ
أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأَفُقَ. [انظر: ٣٢٣٣ - فتح: ٨ / ٦١١]
ذكر فيه عن عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ
[النجم: ١٨] قَالَ: رَأَىْ رَفْرَفَا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ. وقد سلف هناك
أيضًا، قد سلف الكلام قريبًا على القاب. قيل: الرفرف: فراش.
وقيل: ثوب كان لباسًا له. وقيل: بساط. وفي حديث آخر: رأى
جبريل في حلي رفرف(١).
(١) رواه الترمذي (٣٢٨٣)، وأحمد ٣٩٤/١، والحاكم ٤٦٨/٢ قال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال الألباني
في: ((صحيح الترمذي)) (٢٦١٧): صحيح.

=
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٣٠٧
٥- [باب] قوله:
﴿أَفَرَءَيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
[النجم: ١٩]
٤٨٥٩- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الجَوْزَاءِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما في قَوْلِهِ: ﴿أَلَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ﴿١:١٩/٥٣﴾ [النجم: ١٩] كَانَ اللََّتُ
رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجّ. [فتح: ٨/ ٦١١]
٤٨٦٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ قَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((مَنْ حَلَفَ
فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزِىُ. فَلَيَقُلْ: لَا إِلَه إِلَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ:
تَعَالَ أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ)). [٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠ - مسلم: ١٦٤٧ - فتح: ٨ / ٦١١]
ساق فيه حديث أبي الأشهب - واسمه جعفر بن حبان- ثنا أبو الجوزاء -
بالجيم واسمه أوس بن عبد الله الربعي الأزدي البصري، قتل عام
الجماجم سنة ثلاث وثلاثين- عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿ الَّتَ
وَلْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] كَانَ اللََّتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الحَاجِّ.
هذا على قراءة من قرأ بتشديد التاء، وهو خلاف ما عليه الأكثر،
والوقف عليها بالتاء خلافًا للكسائي حيث وقف بالهاء(١). قال
ابن الزبير: كان رجلاً يلت لهم السويق، قيل: ويبيعه، فإذا شربوه
سمنوا، وكان رجلًا معظِّمًا، كذلك يقال: إنه عمرو بن لحي أو
ربيعة بن حارثة، ذكره السهيلى(٢)، وهو والد خزاعة، وعمَّر طويلًا.
(١) أنظر: ((زاد المسير)) ٧١/٨ - ٧٢.
(٢) ((الروض الأنف)) ١/ ١٠٢.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال مجاهد: فلما مات عبدوه، وأحاطوا بقبره، وجعلوا موضع الذي
كان يلت فيه منسكًا ثم عبد (١). وقال أبو صالح: كان يقوم على
الأصنام ويلت لهم ذلك(٢).
وقال قتادة: اللات والعزى ومناة أصنام، اللات لأهل الطائف،
والعزى لقريش، ومناة للأنصار(٣). زاد غيره: وكانت في وجوه
الكعبة من حجارة(٤). وهذا مخالف لما سيأتي عن عائشة أن مناة
صنم بين مكة والمدنية(٥). وقيل: بمكة. وقال قتادة: بنخلة(٦)، وعن
ابن عباس أن مناة كان علي ساحل البحر يعبد، سميت مناة: لأنه
يمنى عليها دم الذبائح، أي: يراق. وكانت صنمًا لخزاعة وهذيل(٧).
وقال مقاتل: إنما سميت اللات؛ لأنهم أرادوا أن يسموا الله جميعهم
فقالوا: اللات.
قلت: وقيل: من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها أي: يطوفون،
وأرادوا أن يسموا العزيز جميعهم فسموا العزى، وأرادوا أن يسموا
(١) ذكره البغوي في ((التفسير)) ٧/ ٤٠٧، والسيوطي في ((الدر)) ١٦٣/٦ وعزاه لسعيد
ابن منصور والفاكهي.
(٢) رواه الطبري في ((تفسير ٥)) ١١/ ٥٢٠ من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل
عن أبي صالح.
(٣) رواه عبد الرزاق ٢٠٤/٢، وابن جرير في ((تفسيره)) ١١/ ٥٢١ وذكره السيوطي في
((الدر)) ٦٣/٦ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة.
(٤) ((تفسير الطبري)) ١١/ ٥٢٠-٥٢١.
(٥) سيأتي برقم (٤٨٦١).
(٦) قال ابن حجر في ((الفتح ((٦١٢/٨: وكانت اللات بالطائف، وقيل بنخلة وقيل
بعكاظ والأول أصح.
(٧) ذكره الزمخشري في ((الكشاف)) ٤/ ٣٠٠.

٣٠٩
= كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
منانًا جميعهم فسموا مناة. قلت: وقيل: العزى شجرة بعث الشارع
خالدًا إليها فقطعها(١). وقيل: وضعها لغطفان سعد بن ظالم(٢). وفي
((الموعب)) لأبي غالب عن أبي عمرو: العزى: النجم التي مع السماك
وفي ((روض الأنف)) كان عمرو بن لحي ربما نحر في الموسم عشرة
آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة. وقيل: إن اللات من سوق
الحجيج كان من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم
يمت، ولكنه دخل في الصخرة، فأمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتا
يسمى اللات، ويقال: دام أمره وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة
سنة(٣). قال في ((المحكم)): وأرى العزى تأنيث الأعز(٤)، كالكبرى
من الأكبر، فاللام فيه ليست بزائدة، والوجه زيادتها .
ثم ساق البخاري حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ضُه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّه :
(مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزِىُ. فَلْيَقُلْ: لا إله إِلَّ اللهُ. وَمَنْ
قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ)).
الشرح :
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة في النذور(٥) والأدب
والاستئذان.
(١) ذكر سرية خالد بن الوليد إلى العزى ابن سعد في ((الطبقات)) ١٤٥/٢-١٤٦،
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٧٧/٥.
(٢) أنظر: ((تفسير البغوي)) ٤٠٨/٧.
(٤) (المحكم)) ٣٤/١.
(٣) ((الروض الأنف)) ١٠٣/١.
(٥) ورد بهامش الأصل: يعني أخرجه البخاري في هذه الكتب: في التفسير هنا،
والنذور [٦٦٥٠] والأدب [٦١٠٧] والاستئذان [٦٣٠١] أما مسلم ففي الأيمان
والنذور [(١٦٤٧) باب: من حلف باللات والعزى]، وفيه أخرجه أبو داود
[(٣٢٤٧) باب: الحلف]. وكذا الترمذي [(١٥٤٥)]، وقال: حسن صحيح. وكذا =

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والحلف بفتح الحاء وكسر اللام وإسكانها أيضًا. أما الحلف بكسر
الحاء وإسكان اللام فإنه العهد. والحكمة في النهي عن الحلف بغير الله
أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ولا عظيم في الحقيقة سواه. قال
ابن عباس: لأن أحلف مائة مرة فآثم خير من أن أحلف مرة واحدة بغير
الله(١). وإنما أمره بكلمة التوحيد بعد ذلك؛ لأنه تعاطى تعظيم الأصنام
صورة، فإن أراد حقيقة كفر، وممن صرح به ابن العربي (٢)، فإذا حلف
باللات أو غيرها من الأصنام، أو قال: إن فعلت هذا فأنا بعد يهودي
أو نصراني أو بريء من الإسلام، أو من الشارع، أو من القرآن أو نحو
ذلك، فيمينه غير منعقدة، وعليه الاستغفار ويقول: لا إله إلا الله،
ولا كفارة عليه، وإن فعله -وفاقًا للأئمة الثلاثة مالك والشافعي
وأحمد والجمهور- رُدَّ لسانه إلى الحق، وقلبه إلى الحق تطهيرًا لما
وقع منه. وقال أبو حنيفة. تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله:
أنا مبتدع أو بريء من رسول الله أو اليهودية، وأمره بالصدقة. وفي
مسلم: ((فليتصدق بشيء)) من باب التكفير لهُذِه المعصية، ولا يتقدر
بشيء كما هو صريح ما أوردناه. قال الأوزاعي: ويتصدق بمقدار
ما كان يريد أن يقامر به، وعن بعض الحنفية أن المراد بها كفارة اليمين.
والقمار: مصدر قامره مقامرة، إذا أراد كل واحد أن يغلب صاحبه
في عمل أو قول ليأخذ مالا من غلب، ولا شك في حرمته، واستثني منه
سباق الخيل بشروطه.
= النسائي فيه [٧/ ٧] وابن ماجه في الكفارات [(٢٠٦٦) باب: النهي أن يحلف بغير
الله]. فالحاصل أن الأئمة الستة أخرجوه، والله أعلم.
(١) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٤٠٠/٥، ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٠٥/١١.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٧/ ١٧.

٣١١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
-
وفيه دلالة لمذهب الجمهور - كما حكاه القاضي (١) - أن العزم على
المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه، بخلاف الخاطر الذي
لا استقرار له، وظاهر الحديث - كما قال القرطبي - وجوب الصدقة،
وقول: لا إله إلا الله في حق الأول(٢).
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٠٤/٥.
(٢) ((المفهم)) ٦٢٦/٤.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦- [باب] قوله:
﴿وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ
٢٠
[النجم: ٢٠]
٤٨٦١- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ عُزْوَةَ: قُلْتُ
لِعَائِشَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ التِي بِاْشَلَّلِ
لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَزْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٥٨] فَطَافَ رَسُولُ اللهِ فَـّ وَالْسْلِمُونَ. قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاهُ بِالْشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ: عَنِ ابنِ شِهَابٍ، قَالَ عُزْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ في
الأَنَّصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لَمِنَاةَ. مِثْلَهُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنَّصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لَمِنَاةَ - وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ
مَكَّةَ وَالْدِينَةِ - قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، كُنَّا لَانَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالَزْوَةِ تَعْظِيمًا لَمِنَاةَ. نَحْوَهُ.
[انظر: ١٦٤٣ - مسلم: ١٢٧٧ - فتح: ٦١٣/٨]
ذكر فيه حديث عُرْوَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ
التِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَطَافَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ: عَنِ
ابن شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ
وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. نحوه. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ-
وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَأَّةَ وَالْمَدِينَةِ - قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، كُنَّا لَانَطُوفُ بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ. نَحْوَهُ.
هذا الحديث سلف في الحج من حديث شعيب، عن الزهري، عن

٣١٣
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
عروة، عن عائشة مطولًاً(١). وأخرجه هنا من حديث الحميدي عن
سفيان، عن الزهري. وأخرجه مسلم والترمذي (٢)، وسلف في سورة
البقرة أيضًا(٣)، وقد أسلفت لك آنفًا الكلام على مناة.
فائدة :
عبد الرحمن بن خالد هذا هو أمير مصر لهشام، ثبت، مات سنة
سبع وعشرين ومائة، وأخرج له مسلم متابعة (٤).
(١) برقم (١٦٤٣) باب: وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله.
(٢) مسلم (١٢٧٧) باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به
والترمذي (٢٩٦٥).
(٣) برقم (٤٤٩٥) باب: قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِرِ اللّهِ﴾.
(٤) انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٢٧٧/٥، ((الجرح والتعديل)) ٢٢٩/٥، ((تهذيب
الكمال)» ٧٦/١٧.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٧- [باب] قوله:
فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُ واْ﴾
[النجم: ٦٢]
٤٨٦٢- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ سَجَدَ النَّبِيُّ ◌ََّ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ
وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ. تَابَعَهُ ابن ◌َهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابن عُلَيَّةَ ابن
عَبَّاسِ. [انظر: ١٠٧١ - فتح: ٦١٤/٨].
٤٨٦٣- حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِّ أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَه قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ ﴿ وَالنَّحْمِ﴾.
[النجم: ١]. قَالَ فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّ رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفَّا مِنْ
تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهْوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. [انظر: ١٠٦٧-
مسلم: ٥٧٦- فتح: ٨ / ٦١٤].
ذكر فيه حديث أبي معمر -وهو عبد الله بن عمرو المقعد- ثَنَا عَبْدُ
الوَارِثِ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: سَجَدَ
النَّبِيُّ وَّهِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ. تَابَعَهُ
إبراهيم بن طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابن عُلَيَّةَ ابن عَبَّاسٍ.
قال: وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ- وهو محمد بن
عبد الله بن الزبير الكوفي، مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين - ثَنَا
إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾
قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ ﴿وَالنَّجْرِ﴾ [النجم: ١]. قَالَ:
فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفَّا مِنْ
تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَ أَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهْوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.

٣١٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
وقد سلف هذا، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصلاة،
وكذا متابعة ابن طهمان، وأخرج حديث عبد الله في المبعث
والمغازي(١)، وأخرجه أيضًا مسلم وأبو داود (٢) والنسائي(٣).
وقوله: (ولم يذكر ابن علية) أي: عن أيوب ابن عباس). أي: إنما
قاله مرسلًا عن عكرمة كما أوضحه خلف.
(١) سلف برقم (٣٩٧٢) باب: قتل أبي جهل.
(٢) أبو داود (١٤٠٦).
(٣) النسائي ٢/ ١٦٠.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(٥٤) سورة ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ
١
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾: ذَاهِبٌ ﴿مُزْدَجَرٌ﴾: مُتَنَاهٍ.
﴿وَأَزْدُجِرَ﴾: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا ﴿وَدُسْرٍ﴾: أَضْلاَعُ السَّفِينَةِ،
﴿لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللهِ. ﴿مَخْضَرٌ﴾:
يَحْضُرُونَ المَاءَ. وَقَالَ ابن ◌ُجُبَيْرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ النَّسَلاَنُ،
الخَبَبُ السِّرَاعُ. وَقَالَ غَيْرُهُ (فَتَعَاطَى) فَعَاطَهَا بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا .
﴿ اَلُْخْتَظِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ. ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ اُفْتُعِلَ
مِنْ زَجَرْتُ. ﴿كَفَرَ﴾ فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا
صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. ﴿مُسْتَقَرٌ﴾ عَذَابٌ حَقٌّ، يُقَالُ:
الأَشَرُ: المَرِّحُ وَالتَّجَبُّرُ.
هي مكية، قال مقاتل: إلا ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِيرٌ ﴾﴾ إلى
قوله: ﴿وَأَمُرُ﴾ وفي ((تفسيره)): إلا آية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾، فإنها نزلت في
أبي جهل يوم بدر، ونقل أيضًا عن الكلبي غيره، روى أبو جعفر عن
الربيع بن أنس قال: هذا يوم بدر (١) - يعني أن الجمع هزموا فيه- فأما
الآية عليه، وجاء تأويلها يوم بدر كما رواه حماد، عن أيوب، عن
عكرمة(٢).
(١) رواه الطبري في «تفسيره)) ١١ / ٥٦٧.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) كما في ((تفسير ابن كثير)) ٣٠٣/١٣ من طريق أبي
الربيع الزهراني، عن حماد به.
ورواه الطبري في «تفسيره)) ٥٦٧/١١ من طريق معمر عن أيوب، عن عكرمة أن
عمر قال: فلما كان يوم بدر رأيت النبي ◌َّل يثب في الدرع ويقول: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ
وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ ®

٣١٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
-
وسيأتي عن عائشة رضي الله عنها أنها مكية أيضًا(١).
(ص) (وقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسْتَمِرٌ﴾: ذَاهِبٌ) هذا أخرجه عبد بن
حميد، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه(٢). وعن قتادة:
إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا: إنما هذا عمل السحر
يوشك أن يستمر ويذهب(٣). وروى عبد الرزاق عن معمر، عن
قتادة، عن أنس: ﴿مُسْتَعِزٌّ﴾: ذاهب(٤). وكذا ذكره ابن أبي زياد عن
ابن عباس ومقاتل في ((تفسيره))(٥).
(ص) (﴿مُزْدَجَرٌ﴾: متناهي ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا ﴿ وَدُسُرِ﴾:
أَضْلاَعُ السَّفِينَةِ، ﴿لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللهِ.
﴿تُخَضَرٌ﴾: يَحْضُرُونَ المَاء) هذا أخرجه ابن أبي حاتم، عن حجاج بن
حمزة، عن شبابة به(٦).
ومعنى ذاهب فيما سلف، أي: سيذهب ويبطل، وقاله الفراء أيضًا
واحتقر(٧) .
وقال الزجاج: دائم(٨) وقيل: قوي في نحوس، وقيل: مر. وقيل:
نافذ ماض فيما أمر به. وقيل: يشبه بعضه بعضًا.
(١) سيأتي برقم (٤٨٧٦).
(٢) رواه الطبري ٥٤٧/١١. وذكره السيوطي في (الدر)) ١٧٧/٦ وعزاه للفريابي
وعبد بن حميد وابن جرير.
(٣) الطبري ١١/ ٥٤٧ -٥٤٨.
(٤) ((تفسير عبد الرزاق)) ٢/ ٢٠٧.
(٥) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٥٤٨/١١.
(٦) أنظر: ((الدر المنثور)) ١٧٥/٦.
(٧) ((معاني القرآن)) ١٠٤/٣.
(٨) ((معاني القرآن)) ٨٢/٥.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقيل: هو يوم الأربعاء الذي لا يدور في الشهر، لعله آخر يوم
أربعاء من الشهر(١). وقيل: مستحكم بحكم.
وقوله: (﴿مُزْدَجَرٌ﴾: متناهي) يريد: متناهيًا وهو مفتعل من زجرت
الشيء، وأبدلت من التاء دالًا، (كمركب)(٢)، وقول البخاري فيما
سيأتي: متْذكر، هو بإسكان التاء، وضبط ابن التين بفتحها وتشديد
الكاف. وقوله في ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ هو معنى قول الحسن، قال: مجنون
وتوعدوه بالقتل(٣).
وقال البخاري بعد (﴿وَأَزْدُجِرَ﴾: أَقْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ) وفسر قتادة
الدسر بالمسامير (٤). قال: وواحد الدسر: دسار(٥)، ككتاب وكتب.
وقوله في ﴿جَزَآءُ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ قيل فيه أيضًا: قيل: المعنى: جزاء
لمن جحد- يعني: نوحًا- فنجيناه ومن معه وأهلكنا الباقين جزاء له، كما
ذكره بعد؛ حيث قال: كفر، يقول: فعلنا به وبهم ما فعلنا جزاء لما صنع
بنوح وأصحابه(٦).
وقوله في ﴿تُخَضَرٌ﴾ أي: كل من له نصيب يحضر ليأخذه.
(ص) (وَقَالَ ابن جُبَيْرِ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ النَّسَلاَنُ، الخَبَبُ السِّرَاعُ) هذا
أخرجه ابن المنذر عن موسى، ثنا يحيى، ثنا شريك، عن سالم،
(١) أنظر ((تفسير البغوي)) ٧/ ٤٣٠.
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصحيح: كمرتكب.
(٣) أنظر: ((الدر المنثور)) ١٧٩/٦.
(٤) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢/ ٢٠٧، والطبري ١١/ ٥٥٢، وأورده السيوطي في
((الدر)) ١٧٩/٦ وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير.
(٥) انظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ٢/ ٢٤٠، ((تفسير الطبري)) ٥٥٢/١١.
(٦) أنظر: ((تفسير الطبري)) ١١/ ٥٥٤.

٣١٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
عنه(١). وفي رواية قتادة: عامدين إلى الداعي. أخرجه عبد بن حميد(٢).
وقيل: مسرعين في خوف (٣). وقيل: ناظرين إلى الداعي. وقال أحمد بن
يحيى: المهطع: الذي ينظر في ذل وخشوع ولا يتبع بصره (٤). والنسَّلان
بفتح النون والسين: مشية الذئب إذا أعنق.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَعَاطَهَا بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) كذا هو (فعاطها)
وفي بعض النسخ: (فعطاها) قال ابن التين بعد أن ذكره باللفظ الأول:
لا أعلم له وجهًا إلا أن يكون من المقلوب الذي قلبت عينه على لامه؛
لأن العطو: التناول، فيكون المعنى: فتناولها بيده. وأما عوط فلا أعلمه
في كلام العرب، وأما عيط فليس معناه موافقًا لهذا. والذي قال بعض
المفسرين: فتعاطى عقر الناقة فعقرها. وقال ابن فارس: التعاطي:
الجرأة، والمعنى: تجرأ فعقر(٥).
(ص) (﴿اَلْمُخْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) أي: وهو بفتح الحاء
من حظار وكسرها، وهذا أخرجه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن
معمر، عن قتادة(٦). وعن مجاهد: هو الرجل يهشم الخيمة(٧).
(١) رواه الطبري ٤٦٨/٧ من طريق هاشم بن القاسم عن أبي سعيد المؤدب، عن
سالم، عن سعيد بن جبير، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣٣٢٠/١٠ من طريق
شریك عن سالم به.
(٢) ((الدر المنثور)) ١٧٨/٦. وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((التفسير)) ٢/ ٣٤٣، والطبري في ((تفسيره)) ٤٦٨/٧ عن قتادة.
(٤) أنظر: ((تفسير الفخر الرازي)) ١٤١/١٩.
(٥) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٦٧٤ (مادة: عطو).
(٦) رواه عبد الرزاق في ((التفسير)) ٢٠٩/٢، وذكره السيوطي في ((الدر)) ١٨٢/٦ وعزاه
الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة بلفظ: كرماد محترق.
(٧) ((تفسير الطبري)) ١١/ ٥٦٢.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن جبير: يسقط من الحائط (١). وقال ابن عباس: كالحشيش
تأكله الغنم (٢).
(ص) (﴿مُسْنَقَرٌ﴾ُ عَذَابٌ حَقٌّ): دائم عام أستقر فيهم حتى يفضي إلى
عذاب الآخرة.
(ص) (ويُقَالُ: الأَشَرُ: المَرَحُ) أي: في غير طاعة والتجبر. وقرئ:
(الأشرّ) بتشديد الراء، وبضم الشين وتخفيف الراء (٣)، وربما كان الفرح
من النشاط (٤).
(١) ((تفسير الطبري)) ٥٦٢/١١، قال ابن كثير في ((تفسيره)) ٣٠١/١٣: وهذا قول
غريب.
(٢) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٣٣٢١/١٠، ((النكت والعيون)) للماوردي ٤١٧/٥، ((تفسير
البغوي)) ٧/ ٤٣١، السيوطي في ((الدر)) ١٨٣/٦ وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ((شواذ القراءات)) لابن خالويه ص١٤٨، ((المحتسب)) لابن جني ٢٩٩/٢، وممن
قرأ بتشديد الراء أبو قلابة، وممن قرأ بتخفيف الراء مجاهد، والأزدي.
(٤) قاله أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) ٢٤١/٢.