النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
إلا كفرًا ومعاصي على العناد والجحود، فذلك قدمه [و](١) قدمه ذلك
هو ما قدمه للعذاب والعقاب الحالَّين به، والمعاندون من الكفار هم
قدم العذاب في النار، وكذا قال ابن التين: لم يبين من المواضع
قدمه في هذا الحديث، ومن ذلك في حديث أبي سفيان: الرب
سبحانه، إلا أنه لم يرفع الحديث مرة ورفعه أخرى، قال: وأكثر
ما كان يوقفه أبو سفيان، كذا وقع يوقفه رباعيًا من أوقف يوقف،
والمشهور في اللغة وقفت الدابة وغيرها، قال ابن فارس يقال: للذي
يأتي الشيء ثم ينزع عنه قد أوقف (٢). فيحتمل أن يكون أوقفه ثم لم
يرفعه فيصح على هذا، وأكثر ما كان يوقفه.
والحاصل أن الثابت إما صريح الإضافة من غير رفع، وإما رفع من
غير تصريح بها .
قلت: وأما رواية (رجله) على ما ورد في بعض النسخ كما سلف
فإما أن يدعى أنها من تحريف بعض الرواة، أو تأول بالجماعة
كقولهم: رجل من جراد، أي: جماعة، كما نبه عليه ابن الجوزي،
ويكون مثل قول من قال: القدم جماعة. وضعفها ابن فورك حيث
قال: روي من وجه غير ثابت ((حتى يضع رجله فيها فيزوي)) (٣) وليس
بجيد منه وكذا قال بعده: أنه غير ثابت عند أهل النقل، وزعم بعضهم
أنه أراد بالقدم هنا قدم بعض خلقه، فأضيف إليه كما يقال: ضرب
(١) زيادة على الأصل كي يستقيم المعنى.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٢ /٩٣٤.
(٣) قال العيني في ((عمدة القاري)) ٣٣/١٦: قوله ((حتى يضع رجله)) لم يبين فيه
الواضع من هو؟ وقد بينه في رواية مسلم حيث قال: ((حتى يضع الله رجله))
والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأمير اللص، وقيل: يحلف الله ذلك اليوم، وقال بعضهم: أراده الجبار
المتجبر من الخلق؛ لأن ذلك من الأوصاف المشتركة دون الخاصة لله،
قال تعالى: ﴿كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ فإذا كان كذلك أحتمل أن يكون أراد
بالجبار جنس الجناية وأن جهنم لم تمتلئ إلا بهم، وقال بعضهم:
الجبار هنا إبليس؛ لأنه أول من تكبر على الله، والتكبر على الله
والتجبر بمعنى، وجهنم تمتلئ به وبشيعته ولا ينكر وصفهم بالجوارح،
والأعضاء(١).
وحكى الداودي أنهم من يخرج بشفاعته التقنيه من النار، وقيل: (إنه
مثل يراد به إثبات معنى لاحظ الظاهر الأسم فيه من طريق الحقيقة)(٢)
وإنما أريد بوضع الرجل عليها نوع من الزجر لها كما يقول القائل:
لشيء يريد محوه وإبطاله دخلته تحت رجلي، وضعته تحت قدمي ولما
خطب القَيّ عام الفتح قال: ((ألا إن كل دم ومأثرة في الجاهلية تحت
قدمي هاتين إلا سقاية الحاج وسدانة البيت))(٣) يريد محو تلك المآثر
وأكثر ما تضرب العرب من أمثالها بأسماء الأعضاء لا تريد أعيانها
كقولهم لمن ندم في شيء: سقط في يده، وكقولهم: رغم أنفه (٤)(٥).
(١) ((مشكل الحديث وبيانه)) ص١٣٤ -١٣٨، بتصرف.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) رواه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي ◌َّ من حديث جابر بن
عبد الله، وأبو داود (٤٥٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه (٢٦٢٨) من
حديث عبد الله بن عمر.
(٤) ورد بهامش الأصل حاشية: وزلت به قدمه إذا أخطأ.
(٥) قال الشيخ العثيمين في ((شرح العقيدة الواسطية)) ص ٤١٥. بعدما ذكر أقوال الأشاعرة
وأهل التحريف: فهؤلاء المحرفون فروا من شيء ووقعوا في شر منه؛ فروا من تنزيه
الله عن القدم والرجل، ولكنهم وقعوا في السفه ومجانبة الحكمة في أفعال الله رسومات . =

٢٨٣
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
ثالثها :
محاجَّة الجنة والنار تحتمل أن تكون بلسان الحال أو المقال ولا مانع
من أن الله يجعل لهما لسانا تميزان وتدركان به- كما سلف- يتحاجان،
ولا يلزم من هذا التمييز دوامه فيهما .
(وسقطهم) بفتح القاف: ضعفاؤهم المحقرون منهم، يريد شواذ
الناس وعامتهم من أهل الإيمان الذين لا يقبلون السنة فتدخل عليهم
الفتنة فهم ثابتو الإيمان صحيحو العقائد وهم أكثر أهل الجنة، وأما
العارفون والعلماء العاملون والصلحاء المتعبدون فهم قليلون، وهم
أصحاب الدرجات العُلى.
وقوله: ( ((وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا))) هو دال - كما قال
النووي- لمذهب أهل السنة من أن الثواب ليس متوقفًا على الأعمال،
فإن هؤلاء يخلقون حينئذ، ويعطون في الجنة ما يعطون بغير عمل،
ومثله الأطفال والمجانين الذين لم يعملوا طاعة وكلهم في الجنة
بفضله، وفيه دلالة على سعة الجنة فقد جاء في الصحيح أن للواحد
فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها(١)، ثم يبقى فيها شيء يخلق، فينشئهم
الله لها (٢)، ويروى أن الله لما خلقها قال لها: أمتدي، فهي تتسع
دائمًا أسرع من النبل إذا خرج من القوس.
= والحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله تعالى قدمًا، وإن شئنا؛ قلنا: رجلا؛
على سبيل الحقيقة؛ مع عدم المماثلة ولا نكيف الرجل؛ لأن النبي ونَ﴾. أخبرنا بأن
لله تعالى رجلًا أو قدمًا، ولم يخبرنا كيف هذِه الرجل أو القدم وقد قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَ وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ
[الأعراف: ٣٣] اهـ.
يُنََِّ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (®)﴾
(١) سيأتي برقم (٦٥٧١)، كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار.
(٢) ((مسلم بشرح النووي)) ١٧/ ١٨٣ - ١٨٤.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢- [باب] قوله:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ ق:٢٩]
٤٨٥١- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّ جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ
لَيْلَةَ أَزْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ،
فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَاتُقْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا،
فَاقْعَلُوا)). ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
[انظر: ٥٥٤- مسلم: ٦٣٣ - فتح: ٥٩٧/٨]
٤٨٥٢- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحِ، عَنْ نُجَاهِدٍ، قَالَ
ابن عَبَّاسِ: أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا، يَغْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ،
[ق: ٤٠]. [فتح: ٥٩٧/٨]
ذكر فيه حديث جرير في الرؤية وقد سلف في الصلاة، وأثر مجاهد
قال: ابن عباس: أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني: قوله:
﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾ وقد سلف قريبًا .

٢٨٥
= كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
(٥١) ومن سورة وَالذَّارِيَاتِ
قَالَ عَلِيُّ الَُّ: الرِّيَاحُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ: تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِىّ
أَنْفُسِكُمْ﴾: تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ
مَوْضِعَيْنِ. ﴿فَرَاغَ﴾: فَرَجَعَ ﴿فَصَكَّتْ﴾: فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا
فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا. وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ.
﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ: لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾
يَعْنِي: القَوِيَّ ﴿زَوْجَيْنِ﴾: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، وَاخْتِلاَفُ
الأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ. ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ﴾: مِنَ
اللهِ إِلَيْهِ. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ
الفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا،
فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضُ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَهْلِ القَدَرِ،
وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ العَظِيمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَرَّةِ﴾: صَيْحَةٍ
﴿ذَنُوبًا﴾: سَبِيلًا. العَقِيمُ التِي لَاتَلِدُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ:
وَالْحُبُكُ أَسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿فِي غَمْرَةِ﴾: فِي ضَلَاَلَتِهِمْ
يَتَمَادَوْنَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا: تَوَاطَثُوا. وَقَالَ
﴿مُسَوَّمَةً﴾: مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا .
هي مكية، ونزلت بعد الأحقاف وقبل الغاشية، كما قاله
السخاوي(١).
(١) ((جمال القراء وكمال القراء)) ص٨.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
(ص) (قَالَ عَلِيٍّ هي: الرِّيَاحُ) رواه ابن أبي حاتم (١)، والحاكم
وقال: صحيح الإسناد (٢)، ورواه جويبر عن الضحاك عنه مطولًا.
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ: تُفَرِّقُهُ) قلت: يقال: ذرت الريح التراب،
وأذرت.
(ص) (﴿وَفِىّ أَنفُسِكُمْ﴾: تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ
مَوْضِعَيْنٍ) هو قول المسيب بن شريك(٣)، وقيل به التطوير.
(ص) (﴿فَرَاغَ﴾: فَرَجَعَ) أي: وعدل ومال.
(ص) (﴿فَصَكَّتْ﴾: جَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا) أي: كعادة
النساء إذا أنكرت شيئًا أو تعجبن منه.
(ص) (وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ) أي: وطئ بالأقدام
القوائم حتى يتفتت، کقولك: طريق مدوس، ومنه دياس الزرع، وقيل :
الرميم: الشيء البالي، ومنه ﴿وَهِىَ رَمِيمٌ﴾.
(ص) (﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ: لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ﴾)
قلت: فهو راجع إلى القدرة كما قال ابن عباس: قادرون، وعنه:
لموسعون الرزق على خلقنا (٤).
(ص) (﴿زَوْجَيْنِ﴾: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، وَاخْتِلاَفُ الأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ
فَهُمَا زَوْجَانِ) قلت: وكذا السعادة والشقاوة والجن والإنس، والليل
والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، والسهل
(١) انظر: ((الدر المنثور)) ١٣٣/٦.
(٢) ((المستدرك)) ٤٦٦/٢-٤٦٧.
(٣) رواه الطبري بنحوه عن عبد الله بن الزبير ٤٦٠/١١.
(٤) ذكره عنه البغوي في ((التفسير)) ٣٧٩/٧.

٢٨٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
والجبل، والشتاء والصيف، فقوله: ﴿خَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين ونوعين
مختلفین .
(ص) (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلَّا
لِيُوَحِّدُونِ) أي: فجعله خصوصًا للمؤمنين، وبه صرح ابن قتيبة(١) - أي
خلقنا، فالخلق يوم المعاذير في الذر ويوم الميثاق، وذاك للعبودية فعاتب
وأعد فمن عبده جازاه ومن عاند عذبه. وقيل: إلا ليقروا بالعبادة طوعًا
وكرهًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا﴾.
وقيل: إلا ليعرفون .
ثم قال البخاري: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ
بَعْضٌ، يعني بقدر، قال: وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ القَدَرِ).
(ص) (وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ العظيمة) قال مجاهد: ذنوبا: سجلًا(٢) هذا
أخرجه عبد بن حميد، عن روح، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه(٣).
وقال سعيد بن جبير: سجلًا، وقال قتادة: عذابًا، وقال الحسن:
دولة (٤)، وقال الكسائي: حقًّا .
ووصف الذنوب بالعظيم هو ما عبر به الشافعي في ((مختصره))(٥)
ولا يكون ذنوبًا حتى يكون ملآنًا، وقيل: فيها ماء قريب من الثلث.
(١) ((مشكل القرآن وغريبه)) ١٤١/٢.
(٢) فوق هذه الكلمة في الأصل علامة: (حـ)، وفي هامشها: ( سبيلا) وعليها نفس
العلامة.
(٣) رواه الطبري في ((التفسير)) ٤٧٧/١١ (٣٢٢٧٥) من طريق ورقاء وعيسى عن
ابن أبي نجيح عنه.
(٤) روى أثر سعيد بن جبير وقتادة والحسن الطبري في ((التفسير)) ١١/ ٤٧٧ -٤٧٨.
(٥) ((مختصر المزني)) ص٣٣.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
(ص) (﴿فِي غَمْرَةِ﴾: فِي ضلالة وفي نسخة: ضلالتهم يَتَمَادَوْنَ)
قلت: وقيل: في شبهة وفي غفلة، وقيل: في غلبة الجهل غافلون.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: وَالْحُبُكُ اُسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) هذا أخرجه
ابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه(١)، وقال مقاتل: الحبك: الطرائق
التي في الرمل من الريح (٢)، وقيل: الماء يصيب الريح فيركب بعضه
بعضًا، وقال أبو صالح: الخلق الحسن، وقال الجوزي: هو قَسَمٌ.
(ص) ﴿قُتِلَ اُلْخَرَّصُونَ﴾(٣): لعن، أي لعن الخراصون أي: الكذابون،
وقال ابن عباس: المرتابون(٤)، وقال: مجاهد: الكهنة(٥) .
(ص) (وَقَالَ غيره: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا) أي: العلامة.
(ص) (﴿صَرَّقِ﴾: صَيْحَةٍ) هو قول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره
كما أخرجه ابن أبي حاتم (٦) .
(ص) وقال مجاهد: العقيم: لا تلقح شيئًا أي: لا تنتج شجرًا
ولا تنشئ سحابًا، ولا رحم فيها ولا بركة(٧).
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا: تَوَاطَئُوا) أي: أوصى بعضهم بعضًا
بالتكذيب وتواطئوا عليه، والألف فيه ألف التوبيخ.
(١) رواه عنه الطبراي في ((التفسير)) ٤٤٥/١١ (٣٢٠٤١).
(٢) ذكره عنه البغوي في ((التفسير)) ٣٧١/٧ - ٣٧٢.
(٣) في الأصل: (قتل الإنسان) وما أثبتناه الصواب.
(٤) رواه الطبري في ((التفسير)) ٤٤٧/١١ (٣٢٠٦٦).
(٥) (تفسير مجاهد)) ٦١٢/٢ بلفظ: لعن الكذابون الذين يخرصون الكذب، يقولون لا
نبعث ولا يوقنون بالبعث، وذكره البغوي في ((تفسيره)) ٧/ ٣٧٢ بلفظ: هم الكهنة .
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما في ((الدر المنثور)) ١٣٨/٦، ورواه الطبري في ((التفسير))
٤٦٣/١١-٤٦٤ (٣٢١٩٦).
(٧) ((تفسير مجاهد)) ٢/ ٦٢٠.

٢٨٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
(٥٢) ومن سورة الطُّورِ
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مَكْتُوبٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الظُورُ
الجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ﴿رَقِّ مَّنشُورٍ﴾: صَحِيفَةٍ. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوع
﴾: سَمَاءٌ. ﴿اَلْسُجُورِ﴾: المُوقَدِ. وَقَالَ الحَسَنُ:
٥
تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ. وَقَالَ
مُجَاهِدٌ: ﴿أَتَهُم﴾: نَقَصْنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَمُورُ﴾: تَدُورُ.
أَحْلَمُهُ﴾: العُقُولُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿اَلْبِرَّ﴾: اللَّطِيفُ.
﴿كِسَفًا﴾: قِطْعًا. المَنُونُ: المَوْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ:
يَتَتَزَعُونَ﴾ : يَتَعَاطَوْنَ.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١- باب
٤٨٥٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ
اللهِ وَّ أَّ أَشْتَكِي فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)). فَطُفْتُ وَرَسُولُ
اللهِ وَ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [انظر: ٤٦٤- مسلم:
١٢٧٦ - فتح: ٦٠٣/٨]
٤٨٥٤- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثُونِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ عَُّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقْرَأُ فِي المغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا
بَلَغَ هذِه الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ (٢٥ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ
[الطور:
وَاُلْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمَّ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
٣٥-٣٧] كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ: يَقْرَأُ فِي الَمَغْرِبِ بِالطُّورِ. لَمْ
أَسْمَغْهُ زَادَ الذِي قَالُوا لي. [انظر: ٧٦٥ - مسلم: ٤٦٣ - فتح: ٦٠٣/٨]
هي مكية، قال الكلبي: إلا قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾
نزلت فيمن قتل ببدر من المشركين. وقال مقاتل: لما كذبت كفار قريش
أقسم الله بالطور، وهو الجبل -بلغة النبط- الذي كلم الله موسى عليه(١)
بالأرض المقدسة. وقال الجوزي: بمدين طور سيناء(٢). وفي ((تفسير
ابن عباس)) أنه الثّ خوف أهل مكة العذاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا
وقالوا: لن نؤمن بما جئت به. فأنزل الله يقسم (بستة)(٣) أشياء لنبيه
الكليفي أن العذاب نازل بهم.
(١) من هامش الأصل، وعليها: لعله سقط.
(٢) ((زاد المسير)) ٤٥/٨.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله بخمسة.

٢٩١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
-
(ص) (قَالَ مُجَاهِدٌ: الظُورُ الجَبَلُ (بِالسُّرْيَانِيَّةِ)(١) وهذا أخرجه
ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه، ورواه مرة عنه، عن
ابن عباس(٢). وقوله: (بالسريانية) لعله وافق لغتهم، وحكي عنه وعن
عكرمة وقتادة وغيرهما أنه جبل فقط، وكذا قال ابن فارس(٣)، وكذا
ما سيأتي عن أهل اللغة أنه جبل.
قال مقاتل بن حيان: هما طوران: طور زيتا، وطورتينا؛ لأنهما
ينبتان الزيتون والتين. وقال أبو عبد الله الحموي(٤) في ((مشتركه)):
طور زيتا مقصور أيضا جبل بالبيت المقدس. وفي الأثر: مات بطور
زيتا تسعون ألف نبي؛ قتلهم الجوع، وهو شرقي وادي سلوان،
والطور أيضًا جبل مطل على مدينة طبرية بالأردن وبأرض مصر أيضًا .
واختلف في طور سيناء، فقيل: هو جبل بقرب أيلة. وقيل: هو
بالشام. وسيناء حجازية، وقيل: شجر فيه، وطور عبدين أسم لبليدة
نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها المتصل بجبل الجودي، وطور
هارون جبل مشرف قبلي بيت المقدس، فيه -فيما قيل - قبر هارون
الَّ. وقال صاحب ((المحكم)): الجبل: الطور، وقد غلب على طور
سيناء جبل بالشام، وهو بالسريانية طورئ، والنسبة إليه طواري
وطوراني(٥)، وكذا قال القزاز وأبو عبيدة في ((مجازه)): كلُّ جبل
(٦)
طورٌ(٦).
(١) في الأصل بالفارسية، والصواب هو المثبت.
(٢) (تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠/ ٣٣١٤ (١٨٦٧١).
(٣) ((مجمل اللغة)) ٥٨٩/١.
(٤) ورد في هامش الأصل: يعني: ياقوتًا.
(٥) ((المحكم)) ٩/ ١٩٠.
(٦) ((مجاز القرآن)) ٢٣٠/٢.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل متمكن
فارتفعت وانتفخت وشمخت إلا الطور فإنه تواضع، وقال: أرضى بما
قسم لي الله، فكان الأمن عليه.
(ص) (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مَكْتُوبٍ) هو كما قال.
(ص) (﴿رَقِّ مَّنشُورٍ﴾: صَحِيفَةٍ) قلت: حكاه الجوزي عن مجاهد،
وذكره ابن عباس في ((تفسيره)) بزيادة: وذلك الرق ما بين المشرق
والمغرب. وقال مقاتل: ﴿فِى رَقِّ﴾ يعني: في أديم الصحف. قال
الجوزي: يريد القرآن. وقيل: التوارة. وقيل: اللوح المحفوظ.
وقيل: ما يكتبه الحفظة(١).
(ص) (﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: السَمَاء) قلت: سماها سقفًا؛ لأنها
للأرض كالسقف للبيت، دليله ونظيره ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَاً﴾ .
(ص) (﴿اَلْسْجُورِ﴾: المُوقَدِ) هو قول مجاهد فيما حكاه
الجوزي(٢)، يريد: المملوء نارًا. عن علي: هو بحر تحت العرش،
أي: (مملوء)(٣) ماءً يسمى نهر الحيوان، يحيي الله به الموتى فيما بين
النفختين. ويروى أن البحر -وفي رواية: البحار - تسجر يوم القيامة
نارًا .
(ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ)
وهذا رواه الطبري من حديث قتادة عنه، وعنه: المسجور: المملوء،
مثل قوله: ﴿ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وعن ابن عباس: المسجور:
(١) أنظر: ((زاد المسير)) ٤٥/٨ - ٤٦.
(٢) المرجع السابق ٤٨/٨.
(٣) كذا في الأصل، وعلق عليها في الهامش: لعله: مملوءًا.

كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٢٩٣
=
المحبوس(١). قال: وقال رسول الله وَله: ((سقف محفوظ وموج مكفوف
عن العباد))(٢).
(ص) (وقال مجاهد: ﴿أَنْتَهُم﴾: نقصناهم) أخرجه ابن أبي حاتم
من حديث ابن أبي نجيح، عنه(٣).
(ص) (﴿أَعْلَمُهُمْ﴾: عقولهم) أي: لأنهم كانوا يعبدون في الجاهلية
أهل الأحلام ويوصفون بالعقل، كنى عن العقل بالحلم؛ لأن الحلم
لا يكون إلا بالعقل.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿اَلْبِرَّ﴾: اللَّطِيفُ. ﴿كِسَفًا﴾: قِطْعًا.
المَنُونُ: المَوْتُ) هذا أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث علي بن
أبي طلحة عنه (٤).
ثم قال: (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَتَتَزَعُونَ﴾: يَتَعَاطَوْنَ) ما ذكره في البر
هو أحد الأقوال. وقيل: المحسن. وقيل: الصادق فيما وعد أولياءه.
وقيل: خالق البشر. وقيل: العطوف على خلقه. وقيل غير ذلك.
وقوله: (﴿كِسَفًا﴾: قطعًا) ويقال: قطعة. هو جمع كسفة كقربة
وقرب، ومن قرأ بالسكون على التوحيد، فجمعه أكساف وكسوف،
وهو واحد، ويجوز أن يكون جمع كسف كسدرة وسدر.
(١) ((تفسير الطبري)) ٤٨٣/١١.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٢٩٨) في حديث طويل عن الحسن عن أبي هريرة. وقال: هذا
حديث غريب من هذا الوجه. قال: ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد
قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
ورواه أحمد ٢/ ٣٧٠ عن الحسن عن أبي هريرة أيضًا.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٤٩٠/١١.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٣١٧.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (﴿اُلْمَنُونِ﴾: الموت) قال مجاهد: إنه حوادث الدهر(١).
وهو المعروف عند أهل اللغة. وقال أبو عبيدة: إنه الدهر. قال
ابن فارس: وإنما قيل للمنية: المنون؛ لأنه ينقص العدد ويقطع المدد
- قال الداودي: هو جمع منية. وليس كما ذكر؛ فقد قال الأصمعي:
إنه واحد لا جمع له. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له. وقال
الفراء: يقع للجميع وللواحد.
وقوله: (﴿يَتَنَزَعُونَ﴾: يتعاطون). أي: ويتبادلون ويتداولون.
ثم ساق البخاري حديث أم سلمة في طوافها راكبة. وقد سلف في
الصلاة(٢).
وفيه: طواف النساء ليلًا وفي حال صلاة الناس، والركوب فيه
للضرورة، وقد يستدل على طهارة روث ما يؤكل لحمه، وقد سلف
ما فيه.
ثم ساق أيضًا حديث جبير بن مطعم في قراءته العَيْه في المغرب
بالطور، وقد سلف أيضًا هناك مختصرًا. وقوله هنا: (فلما بلغ هذِه
الآية: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ إلى آخرها، كاد قلبي أن يطير): إنما
كان ذلك منه لحسن تلقيه (هذِه معنى)(٣) الآية ومعرفته بما تضمنته من
تبليغ الحجة، وهي آية صعبة جدًّا، وفيها قولان:
أحدهما: ليس هو بأشد خلقًا من خلق السماوات والأرض،
يخلقهما من غير شيء وهم خلقوا من آدم، وآدم من تراب.
(١) ((تفسير مجاهد)) ٦٢٦/٢.
(٢) برقم (٤٦٤) باب: إدخال البعير في المسجد للعلة.
(٣) كذا في الأصل ولعلها: معنى هذِه.

٢٩٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
ثانيهما: خلقوا باطلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون. واختار
الخطابي أن المعنى: أم خُلقوا من غير شيء خَلَقَهم فوجدوا بلا خالق؟
هذا محال؛ لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأسم فإن أنكروه فهم
الخالقون لأنفسهم، ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾. أي:
فليدعوا ذلك، ولا يمكنهم بوجه. ثم ذكر العلة التي عاقتهم عن
الإيمان وهي عدم اليقين، ولهذا انزعج جبير بن مطعم (١).
(١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٩١٢-١٩١٣.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
(٥٣) ومن سورة وَالنَّجْم
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو مِرَةِ﴾: ذُو قُوَّةٍ. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ
الوَتَرُ مِنَ القَوْسِ. ﴿ضِيْرَى﴾: عَوْجَاءُ. ﴿وَأَكْدَىَ﴾: قَطَعَ
عَطَاءَهُ (رَبُّ الشِّعْرِى): هُوَ مِرْزَمُ الجَوْزَاءِ (الَّذِي وَفَّى):
وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ ﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ ﴾﴾: أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
﴿سَمِدُونَ﴾ البَرْطَمَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَقَالَ
إِبْرَاهِيمُ: ﴿أَفَتُرُونَهُ﴾ أَفَتُجَادِلُونَهُ، وَمَنْ قَرَأَ: (أَفَتَمْرُونَهُ)
يَعْنِي أَفَتَجْحَدُونَهُ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ وَلِّ ﴿وَمَا
طَغَى﴾: وَلَاجَاوَزَ مَا رَأَىُ. ﴿فَتَمَارَوْأ﴾: كَذَّبُوا. وَقَالَ
الحَسَنُ: (إِذَا هَوى): غَابَ. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿أَغْنَى
وَأَقْنَى﴾ : أَعْطَى فَأَرْضَى.
هي مكية، قال مقاتل: غير آية نزلت في نبهان التمار وهي: ﴿الَّذِينَ
يَجْتَنِبُونَ كَبَيِرَ الْإِثْمِ﴾ وقال الكفار: إن محمدًا يقول هذا من تلقاء
نفسه(١)، فنزلت.
وهي أول سورة أعلنها رسول الله وَله بأمر الله، فلما بلغ آخرها
سجد، وسجد من بحضرته من الإنس والجن (٢)، نزلت بعد الإخلاص
وقبل عبس، كما قاله السخاوي(٣).
(١) أنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج ٧٠/٥، ((الوسيط)) للواحدي ١٩٣/٤.
(٢) سلف برقم (١٠٧١) كتاب سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين
والمشرك نجس ليس له وضوء.
(٣) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) للسخاوي ص٧.

٢٩٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
﴿وَالنَّحْمِ﴾ هو الثريا، وقيل: كل نجم(١). (إِذَا هَوى): إذا غرب،
وقيل: هو آيات القرآن(٢). وقيل: رسول الله وَل﴾ لما نزل من المعراج.
وقال جعفر بن محمد: (هَوى): انشرح من الأنوار، وانقطع عن غير
الله. قال ابن أبي لهب -واسمه لهب، وبه كني أبوه كما ذكره الحاكم
وغيره -: إني كفرت برب النجم، فنزلت، فقال القليقال: ((أما تخاف أن
يسلط الله كلبًا من كلابه عليك))، فسلط عليه الأسد في بعض أسفاره
فابتلع هامته(٣) .
(ص) (وقال مجاهد: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو قوة) أخرجه ابن أبي حاتم من
حديث ابن أبي نجيح عنه. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن (٤).
(ص) (﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: حيث الوتر من القوس) هو قول مجاهد
أيضًا (٥)، والقاب: القدر، وهو ما بين مقبض القوس وسيته، ولكل
قوس قابان، وهو القاب والقيب(٦). وقال مجاهد: القوس: الذراع
بلغة أزد شنوءة(٧).
(ص) (﴿ضِيرَكَ﴾: عَوْجَاءُ) أسنده عبد بن حميد، عن شبابة، عن
(١) أنظر: ((تفسير مجاهد)) ٦٢٧/٢، ((تفسير الطبري)) ٥٠٤/١١.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٠٣/١١ من طريق الأعمش عن مجاهد في قوله
﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ قال: القرآن إذا نزل.
(٣) رواه الحاكم ٥٣٩/٢، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) ص ٤٥٧ - ٤٥٨. قال
الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وحسنه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٣٩/٤.
(٤) رواه الطبري ١١/ ٥٠٥. وذكره السيوطي في ((الدر)) ١٥٦/٦ وعزاه إلى ابن جرير
وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) ((تفسير مجاهد)) ٦٢٨/٢.
(٦) أنظر: ((لسان العرب)) ٣٧٦٨/٦ مادة: قوب.
(٧) المصدر السابق.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ورقاء، عن ابن أبي نجيح عنه(١)، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة:
جائرة(٢)؛ حيث جعلتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم. وعن
ابن كثير همزها والباقون بعدمه(٣)، وأصلها ضيزى بضم الضاد، لأن
النحويين مجمعون - إلا من شذ منهم - أنه ليس في كلام العرب فِعلى
بكسر الفاء نعت، وإنما في كلامهم فَعلى بالفتح، وفُعلی بالضم،
وإنما كسرت الضاد لتصح الياء كقولهم بيض (٤).
۔
(ص) (﴿وَأَكْدَىّ﴾: قَطَعَ عَطَاءَهُ) أي: ومنع الخير. قال مجاهد: هو
الوليد بن المغيرة أعطى قليلا ثم قطع(٥). وقال السدي: نزلت في
العاصي بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق رسول الله وَلايه
في بعض الأمور. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي
جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق
فذلك قوله: ﴿وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْتَ (3)
أي: لم يؤمن به(٦) .
(ص) (﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾: هُوَ مِرْزَمُ الجَوْزَاءِ) هو قول مجاهد أيضًا،
أخرجه بالإسناد السالف(٧)، والمرزمان: مرزما الشعريين يريد الهنعة؛
لأن الشعرى كوكب يقابلها من جهة القبلة لا يفارقها، وهما نجمان
أحدهما في الشعرى والآخر في الذراع، قاله في ((الصحاح))(٨).
(١) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٥٢٢/١١. وذكره السيوطي في ((الدر) ١٦٤/٦ وعزاه إلى
عبد بن حميد.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١١/ ٥٢٢.
(٣) ((الحجة للقراء السبعة)) ٦/ ٢٣٢.
(٤) أنظر: ((ليس في كلام العرب)) لابن خالويه ٢٥٦ -٢٥٧.
(٥) (تفسير مجاهد)) ٦٣١/٢ -٦٣٢.
(٧) ((تفسير مجاهد)) ٢/ ٦٣٢.
(٨) ((الصحاح)) ١٩٣١/٥. مادة (رزم).
(٦) أنظر: ((زاد المسير)) ٧٨/٨.

٢٩٩
ـ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
وعبارة الثعلبي: الشعرى: كوكب خلف الجوزاء يتبعه يقال له:
مرزم الجوزاء، وهما شعريان: العَبور والغميصاء يقال: إنهما وسهيلًا
كانت مجتمعة فانحدرت سهيل قصده يمانيًّا فتبعته الشعرى العبور،
فعبر به المجرة، فسميت العبور، وأقامت الغميصاء، فبكت لفقد
سهيل حتى غمصت عينها -أي: سال دمعها- فسميت بالغميصاء؛
لأنها أخفى من الأخرى، وأراد هنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة
تعبدها، وأول من سن ذلك رجل من أشرافهم يقال له: أبو كبشة
عبد الشعرى العبور، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضًا والشعرى
طولًا، فلما خرج رسول الله وَّر على خلاف العرب في الدين شبهوه
بأبي كبشة؛ فسموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في
عبادة الشعرى(١). وعن قتادة: هو النجم الذي رأسه لا إله إلا الله.
وقال مقاتل: كان ناس من خزاعة وغسان وغطفان يعبدونها، ويقال
لها: المرزم. ووصفها أبو حنيفة في ((أنوائه)) فأوضح.
(ص) (﴿الَّذِى وَلَّ﴾: مَا فُرِضَ عَلَيْهِ) هو قول مجاهد (٢) كما أخرجه
عبد بالإسناد السالف. وقال قتادة: وفَّى بالطاعة والرسالة(٣). وفي
لفظ: ﴿وَقَّى﴾ ما فرض عليه(٤). وقيل: بالعشر التي ابتلي بها.
وقيل: بذبح ابنه واختتانه، وقد جعل على نفسه أن لا يقعد على
طعام إلا ومعه يتيم أو مسكين(٥). ووقَّى أبلغ من وَفَى؛ لأن الذي
امتحن به الفئة من أعظم المحن(٦).
(١) ذكره الزمخشري في ((الكشاف)).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١١/ ٥٣٢.
(٥) الطبري ٥٣٢/١١-٥٣٣.
(٦) انظر: ((زاد المسير)) ٧٩/٨.
(٢) ((تفسير مجاهد)) ٦٣٢/٢.
(٤) المصدر السابق ٥٣٣/١١.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
(®﴾: أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) هو كما قال.
(ص) (﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ
(ص) (﴿سَمِدُونَ﴾: البَرْطَمَةُ) قلت: وهو بفتح الباء وسكون الراء:
الانتفاخ من الغضب، ورجل مبرطم: متكبر. وقيل: متغضب. وقيل:
هو الغناء الذي لا يفهم.
(وَقَالَ عِكْرِمَة: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ) هذا والذي قبله أسندهما عبد بن
حميد، الأول عن مجاهد، والثاني عن عكرمة(١). ولما روى الأول،
عن ليث، عن مجاهد أنها البرطمة قال: قلت: وما البرطمة؟ قال:
الإعراض. وساق عن ابن عباس أنه الغناء، وكانوا إذا سمعوا القرآن
لعبوا وتغنوا (٢). وقال عكرمة: وهي بلغة أهل اليمن إذا أراد اليماني
أن يقول: تغن قال: أُسمد(٣). وقال قتادة ﴿سَِدُونَ﴾ غافلون(٤).
وقال صالح أبو الخليل: لما نزلت هذه الآية ما رُئي رسول الله وَجيله
ضاحكًا ولا متبسمًا حتى ذهب(٥)، وقيل: الهائم. وقيل: الساكت:
وقيل: الحزين الخاشع. وقيل: القائم: وقيل: مجيء الإمام إلى
الصلاة .
(١) (تفسير مجاهد)) ٦٣٣/٢، ورواه الطبري ٥٤٢/١١ من طريق أبي كريب عن
ابن عیینة، عن ابن أبي نجيح به.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٠٦/٢، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ص ٣٤٢،
والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٢٢٦٤)، والطبري في ((تفسيره) ١١/ ٥٤١،
والبيهقي ٢٢٣/١٠ وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١١٦/٧: رواه البزار ورجاله
رجال الصحيح. وأورده السيوطي في ((الدر)) ٦/ ١٧٣ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن
حميد والبزار وابن جرير وغيرهم.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٠٦/٢، وذكره القرطبي في ((التفسير)) ١٢٣/١٧.
(٤) الطبري ١١/ ٥٤٢.
(٥) أنظر: ((تفسير القرطبي)) ١٢٣/١٧.