النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ - ڪِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ كان النبي ولا يقرؤهما فأثبتهما. وعنه: أشهد لسمعتها من رسول الله ونَ﴾(١)، وكذا روي عن هلال بن أمية وهي آخر آية نزلت من السماء في قول بعضهم، وآخر سورة كاملة سورة براءة. وعن قتادة: آخر عهدنا بالوحي هاتان الآيتان خاتمة سورة براءة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ إلى ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(٢). فصل : هُذا وما سلف يدفع قول من أعترض وقال: كيف يثبت القرآن بخبر واحد؟ لأن عمر وهلالًا وأبيًّا وزيدًا وأبا خزيمة وخزيمة شهدوا بها، فلئن سلمنا ما قالوا -ولا نسلمه- فخزيمة أذكرهم ما نسوه، ولهذا قال زيد: وجدتها مع خزيمة -يعني: مكتوبة- ولم يقل: عرفني أنها من القرآن مع تصريح زيد بأنه سمعها من رسول الله وجلاله، أو يقال: إن خزيمة جعل الشارع شهادته بشهادتين، فإذا شهد في هذا وحده كان كافيا، ولعل هذا هو المراد من شهادته، كأن الله أطلع نبيه على هذا الأمر بعده، وأنه يحتاج إليه في شيء لا يوجد إلا عنده ويكتفي به. وهو من أعلام نبوته، وأما ما ذكره ابن التين من قوله لخزيمة لما جعل شهادته بشهادتین لا یعد یحتاج إلى تثبت، ويجوز أن يكون زيد سألهما ليقف على وجوه القراءة فيهما لا على وجدانهما . (١) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) ٣٠٢/٥ (١٠٥٣) عن سفيان عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة به. وقد رواه الطبري ٦/ ٥٢٤ (١٧٥٢٧) عن شيخه سفيان بن وكيع، ولكن جعل (عبيد بن عمير) بدل (جعدة). (٢) رواه الطبري ٦/ ٥٢٤ عن قتادة، عن أبي بن كعب قال: أحدث القرآن عهدًا بالله الآيتان: فذكرهما. ٤٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : عثمان ظ لم يصنع في القرآن شيئا، وأنما أخذ الصحف التي حفظها عمر عند حفصة وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاصي وأبي بن كعب في أثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فكتب منها مصاحف وسيرها إلى الأمصار؛ لأن حذيفة أخبره بالاختلاف في ذلك، فلما توفيت حفصة أخذ مروان ابن الحكم تلك الصحف فغسلها وقال: أخشى أن يخالف بعض القرآن بعضا، وفي لفظ: أخاف أن يكون فيه شيء يخالف ما نسخ عثمان. وإنما فعل عثمان هذا ولم يفعله الصديق ولا عمر؛ لأن غرض أبي بكر كان جمع القرآن بجميع حروفه ووجوهه التي نزل بها وهي على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك الغرائب، وقد جاء ذلك تصريحا به من قول عثمان لهؤلاء الكُتَّاب، فجَمْعُ أبي بكر غير جمع عثمان، وقصد بإحضار المصحف -وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظوه- سد باب المقالة، وأن يزعم زاعم أن في الصحف قرآنًا لم يكتب، ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئا مما لم يقرأ به فينكره، فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه. فصل : قوله: (أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال) الرقاع: جمع رقعة تكون من ورق ومن جلد وشيء شبهه. والأكتاف جمع كتف: وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه، والعسب جمع عسيب: وهو أصل جريد النخل العريض منه كانوا يكشطون طرفها ويتخذونها عصًا وكانوا يكتبون في طرفها العريض. ٤٤٣ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = وقال ابن فارس: عسيب النخل كالقضبان لغيره(١) . وقال الداودي: هي العيدان التي يمكن القراءة فيها، وذكر في التفسير، واللخاف وهو بالخاء المعجمة: وهي حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة، وقال الأصمعي فيها: عرض ورقة، وقيل: الخزف. فصل : (لم أجدها مع أحد غيره). قيل: يريد وجدها عنده مكتوبة، وقد كان القرآن مؤلفا على عهد رسول الله وَّر في صدور الرجال. هذا التأليف الذي يشاهد إلا سورة براءة كانت من آخر ما نزل لم يبين الشارع موضعها، ذكره ابن التين، قال: وبيانه في خبر ابن عباس: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما البسملة ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان القَّة تنزل عليه الآيات فيقول: ((ضعوها في موضع كذا)). وكانت الأنفال أول ما نزل عليه بالمدينة وبراءة آخر ما نزل عليه من القرآن، وكانت تشبه قصتها، فتوفي رسول الله وَل﴿ قبل أن يبين أمرها، وظننت أنها منها، فمن أجل ذلك جعلتها في السبع الطوال(٢) . (١) ((مجمل اللغة)) ٦٦٧/٢، مادة: (عسب). (٢) رواه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، وأحمد في ((المسند)) ٥٧/١، والنسائي في ((الكبرى)) ١٠/٥ (٨٠٠٧) والحاكم في ((المستدرك)) ٢٢١/٢، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين: وقال = ٤٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - اعلیة٣ سُورة يُونُسَ ١- [باب] وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَأَخْتَلَطَ﴾ [يونس: ٢٥]: فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ. وَ ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ [يونس: ٦٨]. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]: مُحَمَّدٌ وَِّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَيْرٌ. يُقَالُ: ﴿تِلْكَ ءَايَاتُ﴾ [يونس: ١]: يَعْنِي هذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ وَمِثْلُهُ. ﴾ [يونس: ٢٢] المَعْنَى: ◌ْحَقَّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِكُمْ. ﴿دَعْوَنُهُمْ﴾ [يونس: ١٠]: دُعَاؤُهُمْ ﴿أُحِيطَ بِهِمٌ﴾ [يونس: ٢٢]: دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْنَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] ﴿فَأَنْبَعَهُمْ﴾ [يونس: ٩٠] وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿عَدُوًّا﴾ [يونس: ٩٠]: مِنَ العُدْوَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] قَوْلُ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]: لأُهْلِكُ مَنْ الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (١٤٠): رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير يزيد = الفارسي ولم تثبت عدالته. اهـ قلت: وفي الحديث تأكيد لقول البيهقي في ((المدخل)) كما ذكره السيوطي في (الإتقان)) ٢١٨/١ ((إن آيات القرآن وسوره كانت مرتبة على عهد النبي ◌َّ عدا الأنفال وبراءة)) اهـ وفيه أيضًا: أن ابن عباس كان يرى أن السبع الطوال أولها : البقرة، وآخرها الأعراف ثم يونس. وتتمة لذلك انظر: ((البرهان)) للزركشي ٢٤٤/١-٢٤٦. ٤٤٥ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = دُعِيَ عَلَيْهِ وَلأَّمَاتَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]: مِثْلُهَا حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: مَغْفِرَةٌ. ﴿ الْكِبِيَآءُ﴾ [يونس: ٧٨]: المُلْكُ. [فتح: ٣٤٥/٨] هي مكية، قال الكلبي: إلا ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي اُلْآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فمدنية. نقله عنه أبو العباس في ((مقامات التنزيل)) قال: وما بلغنا أن فيها مدنيًّا غيرها، وفي ((تفسير ابن النقيب)) عن الكلبي أنها مكية إلا قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية [يونس: ٤٠] فمدنية . وقال مقاتل: كلها مكي غير آيتين ﴿فَإِن كُتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ إلىْ ﴿اَلْخَسِرِينَ﴾ [يونس: ٩٤ - ٩٥] فمدنيتان. وعند ابن مردويه عن ابن عباس: فيها روايتان: أشهرهما عنه مكية(١)، وثانيهما: مدنية. وفي ((تفسير ابن النقيب)) عنه: كلها مكية إلا ثلاث آيات فإنهن نزلن بالمدينة: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍ﴾ إلى آخرها. قال: وقيل: نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة(٢). (ص) (وَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: ﴿فَأَخْتَلَطَ ﴾: فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث علي عنه(٣). (١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٣٤/٣. (٢) أنظر: ((زاد المسير)) ٣/٤. (٣) الذي في ((تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤١ (١٠٣١٤) من طريق عثمان بن عطاء، عن أبيه ورواه الطبري ٥٤٦/٦ (١٧٦١٣) من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس. ورواه أيضًا ابن المنذر كما في ((الدر المنثور)) ٥٤٥/٣. ٤٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= (ص) (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ محمدًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَيْرٌ) الأول قول الحسن وقتادة، يريد أن يشفع لهم(١)، وقول مجاهد هذا أسنده أبو محمد البستي(٢) من حديث ابن أبي نجيح، عنه. ثم روي عنه أيضًا: صلاتهم وتسبيحهم. وعن ابن عباس: سبق لهم السعادة في الذِّكر الأول. وعن السدي قال: قدم يقدمون عليه عند ربهم. وعن الربيع بن أنس: ثواب صدق(٣). قلت: وعن ابن عباس أيضًا منزل صدق، وقيل: القدم: العمل الصالح(٤). (ص) (يُقَالُ: ﴿يَلْكَ ءَايَتُ﴾ يَعْنِي: هُذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ وَمِثْلُهُ) أسنده ابن أبي حاتم، عن السدي، عن أبي مالك: تلك آيات الله، يعني: أعلام الدين، وعن الحسن: آيات الكتاب، قال: التوراة والزبور. وعن قتادة: الكتب التي خلت قبل القرآن(٥). (ص) (﴿حَّ إِذَا كُنْتُمْ فِ اٌلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ المَعْنَى: بِكُمْ) قلت: ويجوز أن يكون عودًا بعد الخطاب إلى الإخبار. (ص) (﴿فَأَنْبَعَهُمْ﴾ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ) يعني: وصلًا وقطعًا. وقال (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٢٨/٦ (١٧٥٥٥). (٢) هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي، حدث عن ابن راهويه وغيره، وحدث عنه أبو حاتم بن حبان، له ((السنن)) وقيل ((مسند)). انظر: ترجمته في ((الإكمال)) لابن ماكولا ٤٣١/١-٤٣٢، ((الأنساب)» للسمعاني ٢٠٩/٢، ((سير أعلام النبلاء)» ١٤٠/١٤. (٣) هُذِه الآثار رواها الطبري ٥٢٨/٦-٥٢٩ ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١٩٢٢/٦ - ١٩٢٤، ورجح الطبري أن تكون بمعنى الأعمال الصالحة. (٤) رواه الطبري ٦/ ٥٢٧ (١٧٥٤٥) عن مجاهد. (٥) ((تفسير ابن حاتم)) ٦/ ١٩٢١-١٩٢٢. ٤٤٧ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = الأصمعي: الثاني: أدركه ولحقه، والأول: أتبع أثره، أدركه أو لم يدركه، وكذا قاله أبو زيد وغيره، وقيل: بوصلها في الأمر: أقتدى به، وبالقطع خيرًّا أو شرًّا، وهو قول أبي عمرو(١). (ص) (﴿عَدُوًّا﴾: مِنَ العُدْوَانِ) أي في قوله: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًّا﴾ (و)(٢) ظلماً وعدوانًا(٣). (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِلْخَيْرِ﴾ قَوْلُ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ. ﴿لَقُضِىَ إِلَتِهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: لأُهْلِك مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلأَمَاتَه) أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه(٤)، وقيل: إنه قولهم: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقرأ ابن (عامر)(٥) (لقَضَى) بفتح القاف والضاد، وفتح لام ﴿أَجَلُهُمْ﴾، والباقون بضم القاف وكسر الضاد ورفع لام أجلهم(٦). (ص) (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾: مِثْلُهَا حُسْنَى، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: مَغْفِرَةٌ) صلے أسندها ابن أبي حاتم من حديث الضحاك عنه(٧)، وقيل: الجنة. وقال غيره: النظر إلى وجهه. (١) انظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٣١٣/٣، ((تفسير القرطبي)) ٣٧٧/٨ وفيهما عزو القراءة بوصل الألف لقتادة، وعزاها ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٥٩/٤، والبناء في ((إتحاف فضلاء البشر)) ص٢٥٤ للحسن. (٢) هكذا بالأصل، ولعل الصواب: (أي). (٣) انظر: ((تفسير الوسيط)) للواحدي ٥٥٨/٢، ((تفسير البغوي)) ١٤٨/٤. (٤) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ١٩٣٢ (١٠٢٥٥). (٥) في الأصل: (عباس) مُضَبَبٌ عليها، وفي الهامش: صوابه عامر. (٦) أنظر: ((الحجة)) للفارسي ٢٥٣/٤، ((الكشف)) لمكي ٥١٥/١. (٧) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ١٩٤٤ (١٠٣٣٧). ٤٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قلت: أخرجه مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب مرفوعًا (١). قال أبو العباس الدمشقي: وروي عن ابن أبي ليلى قوله. وقال الترمذي: إنما أسندها حماد ورواه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله(٢). قلت: أسنده سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب وشعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب مرفوعًا بزيادة: ((الحسنى شهادة أن لا إله إلا الله)) رواهما ابن مردويه، وذكر له شاهدًا من حديث أبي بن كعب وغيره من الصحابة، وحكاه مرفوعًا عن الصديق(٣)، وذكره البيهقي في (بعثه)) من حديث جابر (٤). (ص) (﴿اَلْكِبْرِيَةُ﴾: المُلْكُ) أسنده أبو محمد بن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه، وفي رواية الأعمش عنه: الكبرياء في الأرض: العظمة (٥) . (١) مسلم (١٨١) كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ثقيل. (٢) الترمذي (٣١٠٥). (٣) أنظر: ((الدر المنثور)) ٥٤٦/٣-٥٤٧. (٤) ((البعث والنشور)) ص ٢٤٩ (٤٩٣). (٥) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ١٩٧٣ (١٠٥٠٩)، (١٠٥٠١٠). ٤٤٩ = كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = [باب] قوله: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ الآية وَتُنَجِّكَ﴾ [يونس: ٩٢] نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَهْوَ النَّشَزُ المَكَانُ المُرْتَفِعُ. ٤٦٨٠- حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرْ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ وَّ المَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هذا يَوْمٌّ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ لأَصْحَابِهِ: ((أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا)). [انظر: ٢٠٠٤ - مسلم: ١١٣٠ - فتح: ٣٤٨/٨] (ص) (﴿نُنَجِيكَ﴾: نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ) أي: موضع مرتفع (وَهْوَ النَّشَزُ وهو المَكَانُ المُرْتَفِعُ) قيل: السِّرُّ فيه أنهم كانوا يعبدونه فأراهم الله إياه بعد غرقه، وقيل: غرق هو وقومه فخرج وحده، وقرئ بالحاء (١)، أي: ننحيك وحدك. وقيل: ببدنك، وقيل: بجسدك. أي: عريانًا بغير روح)(٢). ساق فيه حديث أَبِي بِشْرٍ - وهو جعفر بن أبي وحشية إياس الواسطي - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ .. الحديث في صوم عاشوراء، وقد سلف في الصوم من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير، عن عمه، عن ابن عباس فراجعه، وأخرجه في الهجرة (٣)، (١) عزاها ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٦٠/٤ لابن السميفع. وعزاها الماوردي في ((تفسيره)) ٤٤٩/٢ ليزيد اليزيدي، وقال: وحكاها علقمة عن ابن مسعود. (٢) ما بين القوسين ورد في المخطوط قبل الباب، وما رتبناه هو المناسب والموائم لترتيبها حسب نص البخاري. (٣) سلف برقم (٣٩٤٣). ٤٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ويأتي في طه(١)، قال مقاتل: وذلك أن بني إسرائيل قالوا: إن القبط لم يغرقوا، فأوحى الله إلى البحر فطفا بهم على وجهه، فنظروا إلى فرعون على الماء فمنذ يومئذ إلى يوم القيامة تطفو الغرقى على الماء فذلك. قوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ يعني: لمن بعدك إلى يوم القيامة. وعند الثعلبي: فقالت بنو إسرائيل لما أخبرهم موسى بهلاك القبط: ما مات فرعون ولا يموت أبدًا، فأمر تعالى البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرًا كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل البحر ميتا أبدًا. فإن قلت: فقد ذكر بعد أن نوحًا لما أرسل الغراب لينظر له الأرض رأى جيف الغرقى فلهى بها عن حاجة نوح. قلت: الماء قد نضب فإذا رأى الجيف، وهنا إنما هو وجوده واستقراره. فائدة : ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن السدي قال: خرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين لكبره، ومعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها أنثى(٢). وقال ابن عباس رفعه: ((كان مع فرعون سبعون قائدًا مع كل قائد سبعون ألفًا)) ذكره ابن مردويه. فائدة : البحر الذي غرق فيه فرعون -واسمه الوليد بن مصعب بن الريان أبو مرة. وقال الثعلبي: أبو العباس من بني عمليق بن لاود بن أرم بن (١) سيأتي برقم (٤٧٣٧). (٢) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ١٩٨١ (١٠٥٥٧). ٤٥١ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = سام بن نوح- القلزم - بضم القاف وحكى ابن السمعاني فتحها - موضع على ساحل البحر بين مصر ومكة (١)، وكنيته أبو خالد لطول بقائه. فائدة : وصح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا «إن جبريل حثى في في فرعون التراب حين ألجمه الغرق خشية أن تدركه الرحمة)) صححه ابن حبان(٢) والحاكم وقال: إنما لم يخرجاه؛ لأن أكثر أصحاب شعبة وقفوه على ابن عباس(٣)، وله شاهد فذكره، وحسنه الترمذي وصححه مرة واستغربه(٤). قلت: وله شواهد أخر(٥). وفي ((تفسير ابن مردويه)) ومن حديث أبي هريرة(٦) وابن عمر مرفوعًا(٧). (١) انظر: ((معجم البلدان)) ٤/ ٣٨٧. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٤ / ٩٧ (٦٢١٥). (٣) ((المستدرك)) ٣٤٠/٢. (٤) ((سنن الترمذي)) (٣١٠٧، ٣١٠٨). (٥) في هامش الأصل: لعل الواو زائدة. (٦) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٧١/٦ (٨٢٣٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٤/٧ (٩٣٩٠). (٧) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) ٣٩٦/٢ (١٥٦٩). ٤٥٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١١- ومن سورة هُودٍ = وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: (بَادِئَّ الرَّأي) مَا ظَهَرَ لَنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْجُودِيِّ﴾ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ : ﴿أَقْلِ﴾ أَمْسِكِي. ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ. ﴿لَا جَرَمَ﴾، بَلَى. ﴿وَفَارَ النَّنُّورُ﴾ نَبَعَ المَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ. [فتح: ٨٤٨/٨] هي مكية، وقيل: إلا آية ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُ﴾ [هود: ١٢] وقال مقاتل: إلا آيتين ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ﴾ [هود: ١١٤] و﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءَ﴾ [هود: ١٧] نزلت في ابن سلام وأصحابه(١) . (ص) (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ) وقد سلف الكلام فيه في براءة. (ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: (بَادِي الرَّأي) مَا ظَهَرَ لَنَا) هذا أسنده أبو محمد من حديث عثمان بن عطاء، عن أبيه، عنه(٢)، كما سلف في أحاديث الأنبياء. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْجُودِيِّ﴾: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ) هذا أسنده أبو محمد من حديث ابن أبي نجيح عنه كما سلف: تشامخت الجبال وتطاولت وتواضع هو لله فلم يغرق، فأرست عليه السفينة(٣). وقيل: إن جبل الجودي بالموصل، وقيل: بآمد وهما من الجزيرة. وقال ياقوت: إنه جبل مطل على جزيرة ابن عمر على دجلة فوق الموصل، (١) انظر: ((زاد المسير)) ٧٢/٤. (٢) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ٢٠٢٢ (١٠٨١٥)، عن عطاء من قوله. (٣) السابق ٦/ ٢٠٣٧ (١٠٩١٥). ٤٥٣ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = بالقرب من قرية ثمانين(١). قال بعضهم: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة أنبياء: حراء بنبينا، والجودي بنوح، والطور بموسى صلى الله عليهم رسلم. وقال عمر فيما ذكره ابن مردويه: لما أستوت السفينة على الجودي لبث نوح ما شاء الله ثم أذن له فهبط على الجبل، ودعا الغراب فقال: أتتني بخبر الأرض، فانحدر الغراب على الأرض وفيها الغرقى من قوم نوح، فجعل يأكل فأبطأ على نوح فلعنه، ودعا الحمامة فأمرها فلم تلبث إلا قليلًا حتى جاءته تنفض وريشة في منقارها، فقالت: أهبط فقد أنبتت الأرض، فبارك نوح فيها وفي بيت يأويها وأن تحبب إلى الناس، وقال: ولولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أن يجعل رأسك من ذهب(٢) . وذكر الثعلبي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير وكانت من الساج. وفي رواية: طولها ثمانون ذراعًا وعرضها خمسون ذراعًا، وبابها في عرضها، وارتفاعها في السماء ثلاثون ذراعًا . (ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ) هُذا أسنده أبو محمد الحنظلي من حديث أبي المليح عنه(٣). (١) ((معجم البلدان)) ٨٤/٢، ١٧٩. (٢) رواه ابن مردويه، كما في ((الدر المنثور)) ٦٠٥/٣. (٣) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٠٧٣/٦ (١١١٤١) من طريق أبي مليح، عن ميمون بن مهران. ٤٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿أَقْلِ﴾ أَمْسِكِي. ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ بَلَى. ﴿وَفَارَ النَّنُورُ﴾ نَبَعَ المَاءُ) هذا رواه أيضا من حديث علي بن طلحة عنه(١). (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ) يقال: أقلعت السماء بعدما أمطرت: إذا أمسكت. قال أبو عبيدة: إنما قيل له: عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالسكر(٢). و[لا](٣) جرم: لابد، ولا محالة. وأصله من جرم. أي: كسب. وقوله: (﴿وَفَارَ﴾ نبع ) أي: ظهر على وجه الأرض، وقيل لنوح: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت وأصحابك في السفينة. وهو قول ابن عباس وعكرمة والزهري. وعن ابن عباس: يريد التنور الذي يخبز فيه. قال الحسن: كان تنورًا من حجارة(٤). (١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٠٣٦/٦ (١٠٩١٠)، ٢٠٦١/٦ (١١٠٥٦)، ٢٠١٩/٦ (١٠٧٩٥)، ٢٠٢٨/٦ (١٠٨٥٤). (٢) ((مجاز القرآن)) ٢٩٣/١. وفيه: لأنه يعصب الناس بالشر. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٣٨/٧ - ٤٠، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٠٢٩/٦. ٤٥٥ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = ١- [باب ج وأَلَا إِنَهُمْ يَقْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَحَاقَ﴾ [هود: ٨]: نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ. ﴿يَئُوسٌ﴾: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَبْتَبِسُ﴾ [هود: ٣٦]: تَحْزَنْ. ﴿يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] شٌَّ وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ. ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ [هود: ٥]: مِنَ اللهِ إِنِ ج أَسْتَطَاعُوا . ٤٦٨١- حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ نُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ قَالَ ابن جُرَيْجِ أَخْبَبِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يَقْرَأُ (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْتَوْنِي صُدُورُهُمْ) قَالَ سَأَلَّتُهُ عَنْهَا فَقَالَ أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُقْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ. [٤٦٨٢، ٤٦٨٣ - فتح: ٣٤٩/٨] ٤٦٨٢- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ قَرَأَ: أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ. قُلْتُ: يَا أَبَا العَبَّاسِ مَا تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ أَمْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي، أَوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي، فَتَزَلَتْ ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُوُنَ صُدُوَرَهُمْ﴾ [هود: ٥]. [فتح: ٣٤٩/٨] ٤٦٨٣- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو قَالَ: قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿أَّ إِنَهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥] وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ [هود: ٥]: يُغَطَّونَ رُءُوسَهُمْ ﴿سِىّءَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧]: سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧]: بِأَضْيَافِهِ ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الَّلِ﴾ [هود: ٨١]: بِسَوَادٍ. وَقَالَ تُجَاهِدٌ: ﴿أَنِبُ﴾ [هود: ٨٨]: أَرْجِعُ. [فتح: ٨ / ٣٥٠] ٤٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (ص) (﴿أَّ إِنَهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾) إلى قوله: (﴿الصُّدُورِ﴾). چ يقال: ثنيت الشيء ثنيًا إذا عطفته وطويته، وكان طائفة من المشركين يقولون: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم بنا، فأخبر الله تعالى عما كتموه. ومعنى ﴿يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾: يطوونها على عداوته. قال قتادة: وذلك أخفى ما يكون من ابن آدم إذا ثنى صدره واستغشى ثيابه وأضمر همه في نفسه(١). ومعنى ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ ليتواروا عنه ويكتموا عداوته، فقال تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: النفوس. قاله ابن عباس. وقيل: استخفوا من الله. قال الواحدي: نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلًا حلو الكلام يلقى رسول الله وَله بما يحبه وينطوي بقلبه على ما يكره فنزلت(٢). وقرأ الجمهور: (لا يَثنون) بفتح الياء، وعن سعيد بن جبير ضمها. وستأتي له تتمة بعد. (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَحَاقَ﴾: نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ) أي: العذاب. (ص) (يَئُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) أي لشديد اليأس من رحمة الله وسعة رزقه كفور لنعمته. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَبْتَبِسْ﴾: تَحْزَنْ) هو قول الفراء(٣) والزجاج، وقال ابن عباس: لا تغتم (٤). (١) رواه الطبري في تفسيره)) ٦/ ٦٢٦ (١٧٩٦٣)، وابن أبي حاتم ١٩٩٩/٦ - ٢٠٠٠ (١٠٦٦٤). (٢) ((أسباب النزول)) ص٢٧١. (٣) ((معاني القرآن)) ١٣/٢. (٤) انظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٤/ ١٠٠. ٤٥٧ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ - (ص) (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ) قد سلف، وقد أخرجه أبو محمد عن مجاهد(١). (ص) (﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾: مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وقد سلف أيضا . ج ثم ساق عن مُحَمَّدٍ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسِ يَقْرَأُ: (أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ)(٢) فسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ. ثم رواه بعد ذلك وفيه: قُلْتُ: يَا أَبَا العَبَّاسِ مَا هو؟ فذكره. (تَثْنَوْنِي) على وزن يحلولي جعل الفعل للصدور. أي: تلتوي، ووزن (تَثْنَوْنِي) تَفْعَوْعِل على بناء المبالغة في ميل الصدور والعطف. كما تقول: أستوسقت الإبل: اجتمعت، واعشوشبت الأرض، واحلولت الدنيا، ونحو ذلك، وماضي (تثنوني): أثنونيت، وهو بكسر النون الأخيرة. قال ابن التين: وروي بفتحها، وليس بالبين. قلت: وروي بالمثناة فوق وتحت أيضا، وقيل: بحذف النون الأخيرة على وزن ترعوي. وقوله: (يتخلوا) روي بالخاء المعجمة من الخلوة، وبالمهملة، حكاهما ابن التين، ثم قال عن الشيخ أبي الحسن أن الثاني أحسن، ولعله يريد أنه يرقد على حلاوة قفاه، فيقال: يحلا(٣). (١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ١٩٩٩ (١٠٦٥٨). (٢) وهي قراءة شاذة. أنظر: ((شواذ القرآن)) لابن خالويه ص٦٤. (٣) قال الجوهري في ((الصحاح)) ٢٣١٩/٦: وقع فلان على حُلاوة القفا بالضم، أي على وسط القفا. ٤٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (فيفضوا إلى السماء) أى: يكشفون حتى يراهم من فيها . يقال: أفضى الرجل إلى امرأته: إذا باشرها . ثم روى عن عَمْرِو قَالَ: قَرَأَ ابن عَبَّاسِ: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ). ثم قال: (وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: أنهم يُغَُّونَ رُءُوسَهُمْ). مراده بالغير: غير عمرو بن دينار، وقد رواه أبو محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، ثنا معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس به (١) . (ص) (﴿سِّءَ بِهِمْ﴾: سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ) لأنهم أتوه في صورة غلمان جرد فلما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه . (ص) (﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾: بِأَضْيَافِهِ) أي: ضاق صدره، وعظم المكروه عليه، قال الزجاج: يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد بالمكروه فيه مخلصا (٢) . (ص) (﴿يِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ﴾: بِسَوَادٍ) من الليل، أي: سواد يغشى بعد مضي قطعة صارت منه، وهذا وما قبله أسنده أبو محمد عن ابن عباس(٣) . (ص) (﴿سِجِّيلٍ﴾: الشَّدِيدُ الكَبِيرُ. سِجِيلٌ وَسِجِّينٌ، وَاللَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: (١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٩٩٨/٦ (١٠٦٥٥) بلفظ: يكنون. (٢) أنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي ١٣٦/٤. (٣) (تفسير ابن أبي حاتم)) ٦/ ٢٠٦٥. ٤٥٩ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضَاحِيَةً ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّينَا) وذكر البخاري في تفسير سورة الفيل عن ابن عباس: ﴿سِجِيلٍ﴾ سَنْك، وَكِلْ بالفارسية. فسنك: حجر، وكل: طين. وهذا البيت هو لتميم بن مقبل، وهو من جملة قصيدة ذكر فيها ليلى زوج أبيه، وكان خلف عليها، فلما فرق بينهما الإسلام ذكرها، وقال: تواصت. بدل: تواصى. و(رجلة) قال ابن التين: رويت بفتح الراء وكسر الجيم جمع راجل، وروي بكسر الراء والجيم أي: ذي رجلة. قال: والبيض بفتح الباء جمع بيضة، أراد: بيضة الحديد. ومعنى ضاحية: ظاهرة. يقال: ضحی یضحى، وضحا يضحا: إذا أصابته الشمس، ومنه: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] والمعنى: أنهم يضربون مواضع البيض وهي التروس. وقال الحسين بن الفضل النيسابوري(١): هو فعیل من السجن، فإنه یثبت من وقع فيه فلا يبرح مكانه. وقال المؤرج: سجين وسجيل، أي: دائم. ورواه ابن الأعرابي: سخينًا بالخاء المعجمة، أي: سخنًا حارًّا. يعني: الضرب. وعند أبي نصر: هي حجارة من سجيل طبخت بنار جهنم -أعاذنا الله منها- متكوب عليها أسماء القوم(٢). قال الأزهري: لما أعربته العرب صار فيها(٣). (١) هو أبو يعلى البجلي، الحسين بن الفضل بن عمير، المفسر، اللغوي، المحدث. أنظر: ترجمته في: ((سير الأعلام)) ٤١٤/١٣. (٢) (الصحاح)) ١٧٢٥/٥. (٣) (تهذيب اللغة)) ١٦٣٤/٢. ٤٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال غيره: إنه عربي. وقال مجاهد: هو بالفارسية(١). وقيل إنه أسم لسماء الدنيا. وقال عكرمة: سجيل: بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منها نزلت الحجارة. وقيل: هو جبال في السماء، وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] وقيل غير ذلك. وقال قتادة: ﴿مِّن سِجِيلٍ﴾: من طين يؤيده قوله في موضع آخر: ﴿حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣](٢) وأنكر على البخاري تفسير السجين بالشديد؛ إذ لو كان كذلك لكان حجارة سجيلا؛ لأنه لا يقال: حجارة من شديد؛ لأن شديدًا نعت. (١) رواه الطبري ٩١/٧ (١٨٤٣٨) - (١٨٤٤١). (٢) هُذِهِ الآثار ذكرها ابن الجوزي في ((تفسيره)) ١٤٤/٤-١٤٥، والقرطبي ٩/ ٨٢.