النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
١٠- [باب] قَوْله:
﴿ إِنَّمَا اُلْخَفِّرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ﴾ [المائدة: ٩٠]
وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْأَزْلَمُ﴾ [المائدة: ٩٠]: القِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ
بِهَا فِي الأُمُورِ. وَالنُّصُبُ: أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا، وَقَالَ
غَيْرُهُ: الزُّلَمُ: القِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الأَزْلَامِ.
وَالِاسْتِقْسَامُ: أَنْ يُجِيلَ القِدَاحَ فَإِنْ نَهَتْهُ أَنْتَهَى، وَإِنْ أَمَرَتْهُ
فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ. وَقَدْ أَعْلَمُوا القِدَاحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ
يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا، وَفَعَلْتُ مِنْهُ: قَسَمْتُ، وَالْقُسُومُ المَصْدَرُ.
٤٦١٦- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ
عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ
الَخَمْرِ، وَإِنَّ فِي المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةِ، مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ. [٥٥٧٩- فتح:
٢٧٦/٨]
٤٦١٧- حَدَّثَنَا يَغْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ
صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ ﴿: مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هذا الذِي تُسَمُّونَهُ
الفَضِيخَ. فَإِّ لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانَا وَفُلَانَا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ
الخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرَّمَتِ الَخَمْرُ. قَالُوا: أَهْرِقْ هذِهِ القِلَالَ يَا أَنَسُ. قَالَ:
فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا، وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح:
٢٧٧/٨]
٤٦١٨- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
صَبَّحَ أُنَاسَّ غَدَاةَ أُحُدِ الَخَمْرَ، فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا.
[انظر: ٢٨١٥- فتح: ٢٧٧/٨]
٤٦١٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى وَائِنُ إِذْرِیسَ، عَنْ أَبي
حَيَّنَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابن عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ◌َّه عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ نَّهَ يَقُولُ:

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أَمَّا بَغْدُ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الَخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالثَّمْرِ،
وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. [٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٩، ٧٣٣٧ - مسلم:
٣٠٣٢ - فتح: ٢٧٧/٨]
(وقال ابن عباس: الأزلام: القِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ). كذا
أسنده ابن المنذر وابن أبي حاتم، قال: وروي عن الحسن وغيره
نحوه(١)، وقد سلف إيضاحه.
(ص): النصب والأنصاب: أصنام يذبحون عليها، وصله ابن أبي
حاتم (٢) والطبري(٣) أيضا.
(ض): غيره الزلم: القدح لا ريش له، وهو واحد الأزلام،
والاستقسام: أن يحيل القداح، فإن نهته أنتهى، وإن أمرته فعل
ما تأمره، وقد أعلموا القداح أعلاما بضروب يستقسمون بها، وفعلت
منه: قسمت، والقَسوم المصدر.
الزلم- بفتح الزاي واللام وفيه لغة أخرى، وهي ضم الزاي وقوله :
(لا ريش له) عبارة ابن فارس. القداح: السهم بلا قذذ ولا نصل،
والقدح الواحد من قداح الميسر(٤). وظاهرها مغاير.
والنصب: واحد الأصنام ولذا تكون بسكون الصاد، ونصب بفتح
النون، قال القتبي: هو حجر كانت الجاهلية تنصب وتذبح عنده
فيجمد الدم. والميسر: القمار.
ثم ساق البخاري حديث ابن عمر: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَإِنَّ فِي
(١) (تفسير ابن أبي حاتم)) ١١٩٨/٤.
(٢) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١١٩٨/٤.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٤/ ٤١٤-٤١٥.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٧٤٦/٢.

٣٠٣
ـ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ. كذا رواه، وذكر بعدُ
عن والده عمر خمسة فذكر العنب ولا مخالفة، فكل واحد روى ما حفظ
من الأصناف كما قاله الداودي، واعترضه ابن التين فقال: ليس ببيّن لأن
ابن عمر لم يبين شيئا، ولم يترك صنفا إنما تركه عمر.
وما قاله ليس بالبين فقد ذكره عمر. كما ستعلمه، وهذا الحديث من
رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن نافع، عنه. قال الحميدي:
ليس له عن نافع عنه في ((الصحيح)) غيره(١).
ثم ساق حديث أنس : مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هُذا الذِي
تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ. وإنّى لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ
فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ .. الحديث سلف في المظالم بنحوه وأخرجه
مسلم. وقوله: (أَهرق هذِه القلال) هو بفتح الهمزة والهاء وكسر الراء.
وذكره ابن التين بلفظ: إن الخمر (الذي)(٢) أهريقت(٣). ثم قال: صوابه
هريقت أو أريقت، وأما الجمع بين الهاء والهمزة فليس بجيد؛ لأن الهاء
بدل من الهمزة فلا يجمع بينهما .
وقوله: (غير فضيخكم) يريد الغالب من الخمر الفضيخ وغيرها
بسر، والفضيخ: البسر يشدخ ويترك في وعاء من غير أن تمسه نار.
وقال ابن فارس: هو رطب يشدخ وينبذ (٤).
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) ٢٨٥/٢.
(٢) فوقها في الأصل (كذا) فأثبتناها كما هي، والجادة أن تكتب (التي) كما هي في
الباب التالي.
(٣) هي لفظ حديث الباب التالي مباشرة. فلعل ابن التين بادر بشرحه هنا وعنه نقل
المصنف. والله أعلم.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٧٢٣/٢.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والقلة: الكوز اللطيف الذي تقله اليد ولا يثقل عليها. قالها
الخطابي. وزاد: القلة أيضا: الجرة يقلها الرجل القوي(١). والذي
قال أهل اللغة: أن القلة ما يقله الإنسان من جرة أو حبٍّ من غير
تحدید(٢).
وفيه العمل بخبر الواحد وامتناع التخليل خلافا لأبي حنيفة، فإن
خللت جاز أكلها عند مالك خلافا لنا .
ثم ساق حديث جابر: صَبَّحَ أُنَاسٌ غَدَاةَ أُحُدِ الخَمْرَ، فَقُتِلُوا مِنْ
يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا. سلف معناه في المظالم
من حديث أنس(٣)، والمغازي والجهاد (٤).
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ عُمَرَ عَلَى مِنْبَرِ رسول
الله وَلّه يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ
خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا
خَامَرَ العَقْلَ.
وذكره في الاعتصام والأشربة وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي(٥) وقد سلف الجمع بينه وبين حديث ابنه ابن عمر أول الباب.
(١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٨٣٧-١٨٣٨.
(٢) ((الفائق)) ١٨٤/٣.
(٣) سلف برقم (٢٤٦٤) باب: صب الخمر في الطريق.
(٤) سلف في الجهاد برقم (٢٨١٥) باب: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ﴾،
وفي المغازي برقم (٤٠٤٤) باب: غزوة أحد.
(٥) أبو داود (٣٦٦٩)، الترمذي (١٨٧٤)، النسائي ٢٩٥/٨.

٣٠٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
١١- [باب] قوله:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾
الآية [المائدة: ٩٣]
٤٦٢٠- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ
الَخَمْرَ التِي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ. وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِيِ النُّعْمَانِ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي
مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الَخَمْرِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادِىُ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَخْرُجْ فَانْظُرْ
مَا هذا الصَّوْتُ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هذا مُنَادٍ يُنَادِي: أَ إِنَّ الَخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ.
فَقَالَ لِي: آَذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا. قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ. قَالَ: وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ
الفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ! قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم:
١٩٨٠ - فتح: ٢٧٨/٨]
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﴾ أَنَّ
الخَمْرَ التِي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ.
وزادني مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي
طَلْحَةَ .. الحديث.
وقد سلف في المظالم، رواه هناك عن محمد بن عبد الرحيم، أنا
عفان، ثنا حماد، وسياقه هنا أعلى.
وأبو النعمان: هو محمد بن الفضل السدوسي عارم. وروى مرة عن
رجل، عنه - كما وقع لمسلم والأربعة- قال البخاري: تغير بآخره(١)،
وكان بعيدًا من العرامة وهي الشدة والقسوة.
(١) ((التاريخ الكبير)) ٢٠٨/١.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه أيضا في الأشربة(١)، ومحمد هذا هو ابن سلام- كما جاء
معرفا به في بعض النسخ(٢).
(١) سيأتي برقم (٥٥٨٢).
(٢) وقع في هامش ((اليونينية)): البيكندي، وعليها رمز أبي ذر. وهي التي اعتمدها
ابن حجر، وقال في ((الفتح)) ٢٧٩/٨: وقوله: (وزادني في محمدٌ البيكندي عن
أبي النعمان) كذا ثبتت لأبي ذر، وسقط لغيره: البيكندي. ومراده أن البيكندي
سمعه من شيخهما أبي النعمان بالإسناد المذكور فزاده فيه زيادة.
والحاصل أن البخاري سمع الحديث من أبي النعمان مختصرًا، ومن محمد بن
سلام البيكندي عن أبي النعمان مطولًا. وتصرف الزركشي فيه غافلًا عن زيادة أبي
ذر فقال: القائل (وزادني) هو الفربري، و(محمد) هو البخاري، وليس كما ظن
رحمه الله وإنما هو کما قدمته. اهـ

٣٠٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
-
١٢- [باب] قَوْلِهِ:
تلے
لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
الآية [المائدة: ١٠١]
٤٦٢١- حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُغْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ عَهُ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَ خُطْبَةً مَا
سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)).
قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ:
ے
فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
رَوَاهُ النَّضْزُ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ. [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٢٨٠/٨]
٤٦٢٢- حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
الْجُوَيْرِيَةِ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ وَ
اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ - تَضِلُّ نَاقَتُهُ -: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ
فِيهِمْ هذِهِ الآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
[المائدة: ١٠١] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا. [فتح: ٨ /٢٨٠]
ذكر فيه: حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ (عَبْدِ الرَّحْمَنِ)(١) الجَارُودِيُّ، أنا
أَبِي، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ ﴾، قَالَ: خَطَبَ النبي
خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَظُ، قَالَ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا
وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)). قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِنَّهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ
خَنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هُذِه الْآيَةُ:
﴿لا
تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
رَوَاهُ النَّضْرُ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةً.
(١) في الأصل: (عبد الحميد) وهو خطأ.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
هذا الحديث أخرجه أيضا في الرقاق والاعتصام(١)، ومسلم
والترمذي والنسائي(٢)، ورواية النضر أخرجها مسلم عن جمع، عنه
منهم: محمود بن غيلان. وأخرجه الإسماعيلي من حديث خلاد بن
أسلم عنه، ورواية روح ستأتي في الاعتصام عن محمد بن
عبد الرحیم، عنه(٣). ومسلم عن محمد بن معمر عنه.
والخنين هو بخاء معجمة. قال النووي في ((شرح مسلم)): هكذا هو
في معظم النسخ ولمعظم الرواة(٤).
قال القرطبي: وهو المشهور وهو خروج الصوت من الأنف بغنة،
وعند العذري بحاء مهملة(٥)، وممن ذكرها القاضي (٦) وصاحب
(التحرير)). وقال الخطابي: الحنين بكاء دون الأنتحاب. قلت:
وأصله من حنين المرأة وهو نزاعها إلى ولدها، وإن لم يكن عند ذلك
صوت. وقال ابن فارس: وقد يكون حنينها صوتها، ويدل عليه ما جاء
في الحديث من حنين الجذع(٧).
قال الخطابي: وقد يجعلون الحنين والخنين واحدًا، لأن الحنين من
الصدور، والخنين -بالخاء معجمة- من الأنف. ومنه قول الشاعر:
(١) سيأتي في الرقاق برقم (٦٤٦٨) باب القصد والمداومة على العمل، وبرقم
(٦٤٨٦) باب قول النبي ◌ّ: ((لو تعلمون ما أعلم ... )).
ويأتي في الاعتصام برقمي (٧٢٩٤-٧٢٩٥) باب: ما يكره من كثرة السؤال .
(٢) الترمذي (٣٠٥٦)، النسائي في ((الكبرى)) ٣٣٨/٦ (١١١٥٤).
(٣) سيأتي برقم (٧٢٩٥).
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) ١٥/ ١١٢.
(٥) ((المفهم)) ٦/ ١٦٥.
(٦) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٣٠.
(٧) ((مجمل اللغة)) ٢١٩/١.

٣٠٩
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
فلن يرجع الموتى خنين المآتم(١).
قلت: هو الفرزدق يخاطب زوجة ومات لهما ابنان، وأوله:
فما ابناك إلا من بني الناس فاعلمي
وهذا صرح به القزاز يعني: أنهما بمعنى.
وأنشد المبرد هذا البيت -بالحاء المهملة- قال: وأنشد له أيضا
بالخاء المعجمة(٢)، وعند ابن سيده: الخنين من بكاء النساء دون
الانتحاب، وقيل: هو تردد البكاء حتى يصير في الصوت غنة. وقيل:
هو رفع الصوت بالبكاء، وقيل: صوت يخرج من الأنف خن يخن
خنينًا. [والخنين](٣) أيضا: الضحك إذا أظهره الإنسان فخرج خافيًا
والفعل كالفعل(٤)، وقال في الحاء المهملة: الحنين: الشديد من
البكاء والطرب، وقيل: هو صوت الطرب، كان ذلك عن حزن
(٥)
أو فرح(٥).
فصل :
قيل: الآية نزلت في قوم كانوا يسألونه القّها استهزاء. وسيأتي بعد،
وقيل: قال رجل: يا نبي الله، أفرض الحج كل سنة؟ قال: ((لو قلتها
لوجبت ولو وجبت فتركتموها لكفرتم)) (٦).
(١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٨٤٠.
(٢) ((الكامل في اللغة والأدب)) ١/ ١٨٧.
(٣) ليست بالأصل، والمثبت من ((المحكم)).
(٤) ((المحكم)) ٣٧٦/٤.
(٥) ((المحكم)) ٣٧٣/٢.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وروى أحمد من حديث أبي البختري عن علي ﴾ قال: لما نزلت
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: الحج في كل عام
يا رسول الله؟ فسكت، فنزلت ﴿لَا تَشْشَلُوا﴾ الآية(١).
وقيل: نزلت في الذين سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة،
ألا ترى أنه بعده ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾ قاله سعيد بن جبير
حكاه ابن أبي حاتم وقال مقسم: هي فيما سألت الأمم أنبياءها عن
الآيات (٢) .
تنبيه :
إنما نهى عن السؤال؛ لأنه تعالى أحب الستر؛ رحمة لعباده،
وأحب أن لا يقترحوا المسائل.
فائدة :
قيل: القائل: من أبي؟! هو عبد الله بن حذافة السهمي بما ذكره
البخاري في الاعتصام(٣)، وقيل: أخوه قيس فيما ذكره العسكري.
وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن جحش وعبد الله بن حذافة كما
قال التَّ: ((يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج)) فقال عبد الله: في كل
عام؟ .. الحديث، وفيه: ((أيها الناس إن الدنيا قد رفعت لي ورفعت لي
أنساب العرب. فأنا أنسبهم رجلا رجلا)) (فقام)(٤) رجل، فقال: يا رسول
الله، أين أنا؟ قال: ((في الجنة)) ثم قام آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟
(١) أصله في مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: الحج مرة في العمر.
(٢) ((المسند)) ١١٣/١.
(٣) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٢١٨/٤.
(٤) سيأتي برقم (٧٢٩٤).

٣١١
كِتَابٌ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
==
قال: ((في الجنة)) ثم قام آخر فقال مثل ذلك، فقال: ((في النار)) فقام
ابن حذافة وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال:
((حذافة)) ثم قام رجل من بني عبد الدار فقال: يا رسول الله، من
أبي؟ قال: ((سعد)) نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر فقال: يا رسول الله،
أستر علينا ستر الله عليك، فإنا قوم قريب عهد بالشرك، فنزلت الآية.
ثم قال البخاري: (حدثنا الفضل بن سهل) وهو الأعرج الثقة مات
سنة خمس وخمسين ومائتين ببغداد، (ثنا أبو النضر) هاشم بن القاسم
مات ببغداد أيضا سنة سبع ومائتين، (ثنا أبو خيثمة) وهو زهير بن
معاوية الحافظ مات بعد السبعين ومائة، فلج قبل موته بنحو سنة، (ثنا
أبو الجويرية) وهو حطان بن خفاف بن زهير الكوفي تابعي، (عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم يسألون رسول الله وَله
استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟
فأنزل الله هذه الآية) حتى فرغ من الآية كلها، وقد أسلفنا هذا أولا ،
وهذا في البخاري خاصة.
(١) في الأصل: فقال.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
١٣- [باب] قوله:
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَاِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ﴾
[المائدة: ١٠٣]
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٦] يَقُولُ: قَالَ اللهُ. ﴿وَإِذْ﴾
[المائدة: ١١٦] هَا هُنَا صِلَةٌ، المَائِدَةُ أَصْلُهَا مَفْعُولَةٌ؛ كَعِيشَةٍ
رَاضِيَةٍ، وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَالْمَعْنَى: مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرِ،
يُقَالُ: مَادَنِي يَمِيدُنِي. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾ [آل
عمران: ٥٥] مُمِيتُكَ .
٤٦٢٣- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: البَحِيرَةُ: التِي يُمْنَعُ دَرُّهَا
لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَخْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ، لَا يُحْمَلُ
عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَ: ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ
الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). وَالْوَصِيلَةُ: النَّاقَةُ
البِكْرُ، تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الإِبِلِ، ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى. وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ
وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالأَخْرِىُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرُ. وَالْحَامِ فَخْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضَّرَابَ
المَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ، وَأَغْفَوْهُ مِنَ الَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ
شَيْءٌ، وَسَمَّوْهُ الحَامِيَ. وَقَالَ لِي أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ
سَعِيدًا قَالَ: يُخْبِرُهُ بهذا قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ: نَحْوَهُ. وَرَوَاهُ
ابن الهَادِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
◌َدليله. [انظر:
٣٥٢١ - فتح: ٢٨٣/٨]
٤٦٢٤- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَغْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الكَرْمَانُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ
إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: قَالَ

٣١٣
= ڪِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
رَسُولُ اللهِ وَلَّ: ((رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ،
وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٢٨٣/٨]
(﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ﴾ أي: يقول الله، ﴿وَإِذْ﴾ هنا صلة)، هو كما قال.
(ص): (المائدة أصلها مفعولة كعيشة راضية وتطليقة بائنة،
والمعنى: ميد بها صاحبها من خير يقال: مادني يميدني).
هذا قول أبي عبيد أنها مأخوذة من العطاء(١).
وقال الزجاج: هي مدى من ماد يميد إذا تحرك (٢)، وقيل: هي من
مادني يميدني إذا أنعشني فكأنها ناعشة، وقيل: من ماد يميد إذا أطعم
وهي متقاربة سوى قول الزجاج، وهي سفرة حمراء عليها سمكة
مشوية بلا فلوس(٣) ولا شوك وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل،
وحولها من جميع البقول إلا الكراث وخمسة أرغفة على واحد زيتون
وآخر سمن، وآخر عسل، وآخر قديد، وآخر جبن.
وأغرب مجاهد فقال: ما نزلت وهذا مثل ضرب (٤)، وحلف الحسن
عليه أن القوم لما سمعوا الشرط استغنوا، وقالوا: لا نريد(٥)، والصواب
ما سلف.
وقال كعب: نزلت يوم الأحد فلذلك أتخذه النصارى عيدًا(٦).
(١) هو في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ١٨٢/١.
(٢) ((معاني القرآن وإعرابه)) ٢٢٠/٢.
(٣) هكذا في الأصل و((الكشاف)) ٧٥/٢، وفي ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٤/ ١٢٤٧،
و(الدر المنثور)) ٦١١/٢: ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك
(٤) رواه ابن أبي حاتم ٤ /١٢٤٨ (٧٠٣٣).
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٣٥/٥.
(٦) البغوي في ((تفسيره)) ٤٥٨/٢.

٣١٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال أبو حاتم: المائدة الطعام بعينه، والعوام يظنونها الأخونة،
واحدته خوان.
وقوله: (وتطليقة بائنة) غير ظاهر إلا أن يريد المطلق أبان الطلقة
وأعلم بها، وإلا فالظاهر أنها فرقت بين الزوجين فتكون فاعلة على
بابها .
(ص): (وقال ابن عباس: ﴿مُتَوَفِيكَ﴾: مميتك) هذا رواه ابن أبي
حاتم من حديث علي بن طلحة عنه. وهذا اللفظ هو في سورة آل
عمران، وفيها ﴿فَلَمَّا تَفَّيْتَنِى﴾ قال وهب -كما حكاه ابن أبي حاتم:
توفاه الله حین رفعه(١) .
ثم ساق عن ابن المُسَيِّبِ قَالَ: البَحِيرَةُ: التِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ،
فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لَآلِهَتِهِمْ، لَا يُحْمَلُ
عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ
عَامِرِ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ)).
ما ذكره في البحيرة قال ابن عباس: فهذا إذا نتجت خمسة أبطن(٢)،
وقال ابن فارس: سبعة أبطن(٣) وكان آخرها ذَكَرًا شقوا أذنها وخلوها
لا تمنع من مرعى ولا شراب وعمدوا إلى الخامس فنحروه فأكله
الرجال خاصة، قيل: والنساء(٤)، وإن كانت أنثى استحيوها وتركوها
مع ابنها بعد شقهم أذن الأم وتركهم الانتفاع بها للنساء فقط، وإن
كان ميتة أشترك فيها الرجال والنساء.
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٦٦١/٢.
(٢) رواه الطبري ٥/ ٩٠، وابن أبي حاتم ١٢٢٠/٤.
(٣) ((مجمل اللغة)) ١١٧/١.
(٤) هكذا في الأصل، والذي في التفاسير: أنه يأكله الرجال دون النساء.

٣١٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
واختلف في اشتقاقها قيل: من بحر: إذا شق. وقيل: هذا من
الاتساع في الشيء.
والسائبة كما ذكره، وهي المخلاة تذهب حيث شاءت، وكان الرجل
إذا قدم من سفر أو برأ من مرض قال: ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة،
وقيل: هو ما ينذره إذا برأ من مرضه [ ... ](١) فلا ولاء عليه.
والوصيلة: الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة أو سبعة، وكان
الأخير ذكرًا ذبحوه للآلهة، وأكل منه الرجال والنساء، فإن كانت أنثى
أستحيوها وإن كان ذكرًا وأنثى استحيوهما جميعا، وقال: إنها وصلت
أخاها ولم يشرب من لبنها إلا الذكور، وتلا ابن عباس رضي الله
عنهما: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩].
وقيل: إنها إذا ولدت ستة أبطن عدتهن عناقين، وفي السابع عناقًا
واحدًا. حكاه الهروي.
والحامي: البعير إذا ولد وَلَدُ ولده، قالوا قضى ما عليه وحمى
ظهره، فيترك. وقيل: إذا أدرك من ولده عشرة فحول، قالوا: حمى
ظهره، فخلي.
فصل :
وقوله: ( ((عمرو بن عامر))) إنما هو عمرو بن لحي. واسم لحي
ربيعة ابن حارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، وقيل: لحي بن
ربيعة ابن إلياس بن مضر، نبه عليه الدمياطي.
و((قصبه)) واحد الأقصاب: الأمعاء.
(١) كلمة غير واضحة بالأصل. يُشبه أن تكون (فيعد). وعبارة ((الفتح)) ٢٨٤/٨: كان
الرجل ينذر إن برئ من مرضه أو قدم من سفره ليسيبن بعيرًا.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
(ص): والوصيلة: الناقة البكر تبكر أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد
بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس
بينهما ذكر. والحامي: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا
قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه
شيء وسموه الحامي قد سلف ذلك، وقيل في الغنم خاصة وقد سلف.
ثم قال: (وقال أبو اليمان: أنا شعيب، عن الزهري. قال: سمعت
سعيدًا قال: يخبره بهذا). قلت: سلف في الفضائل تصريحه لسماعه له
من أبي اليمان بقوله: حدثنا أبو اليمان(١).
(قال: وقال أبو هريرة #: سمعت النبي ◌َّ .. نحوه).
(ورواه ابن الهادي، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة
سمعت النبي ◌َ﴿ نحوه). قلت: أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم من
حدیث اللیث عن ابن الهادي به.
ثم ساق من حديث يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي
الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا،
وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ، وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). ومعنى يحطم :
یکسر .
(١) سلف برقم (٣٥٢١) كتاب: المناقب، باب: قصة خزاعة.

=
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٣١٧
١٤- [باب] قوله:
﴿وَكُنْتُ عَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ؟
الآية [المائدة: ١١٧]
٤٦٢٥- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ
سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَلَ فَقَالَ:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا - ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا
أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] إِلَى آَخِرِ الآيَةِ -
ثُمَّ قَالَ: أَا وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ
بِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشَّمَالِ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي. فَيُقَالُ إِنَّكَ
لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا
دُمْتُ فِهِمٌّ فَلَمَّا تَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ﴾ [المائدة: ١١٧] فَيُقَالُ: إِنَّ هؤلاء
لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ)). [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح:
٢٨٦/٨]
ساق فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ
وَرِِّ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةَ عُرَاةً غُرْلًا .. ))
الحديث سلف في مناقب إبراهيم سنة، ويأتي في سورة الأنبياء
والرقاق(١)، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي(٢).
والأغرل: الذي لم يختتن فبقيت معه غرلته، وهي القلفة والجلدة
التي تقطع في الختان، كما سلف هناك بلغاته.
(١) سيأتي في تفسير سورة الأنبياء برقم (٤٧٤٠)، وفي الرقاق برقم (٦٥٢٦) باب:
كيف الحشر.
(٢) الترمذي (٣١٦٧)، والنسائي ١١٧/٤.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الداودي: في قوله: ((يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات
الشمال)) إلى آخره لعلهم منافقون، وقيل: هم مسلمون قصروا في
بعض الحقوق. ومعنى ((مرتدين على أعقابهم)) أي: مقصرين في بعض
المنازل، وهو أشبه بقوله: ((لا تدري ما أحدثوا بعدك)) والمنافقون
كانوا كذلك، وأيضا بقوله: ((من أمتي)) وليسوا من أمته.

٣١٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
١٥- [باب] قَوْلِهِ:
صِى
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ إلى قوله:
الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]
٤٦٢٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّغْمَانِ قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ،
وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشَّمَالِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
شَهِيدًا مَّ دُمْتُ فِهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
[ انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠- فتح: ٢٨٦/٨]
ذكر فيه حديث ابن عباس المتقدم، وهو يبين أن قول عيسى اليوم:
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ الآية على جهة التسليم لله، وقد علم أنه لا يغفر
الكافر، وقال المبرد: المعنى وإن تغفر لهم كذبهم عليَّ. وقال
الزجاج: علم عيسى أن فيهم من آمن، فالمعنى: إن تعذبهم على
كفرهم وفريتهم فقد استحقوا ذلك، وإن تغفر لمن تاب منهم بعد
الافتراء والكفر(١).
وقول من قال: إن عيسى لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فأخبر.
(يبعد)(٢) لأن الأخبار لا تنسخ. وقيل: علم عيسى أنهم يعصون
بعده، فقال: وإن تغفر لهم ما أحدثوا من المعاصي.
(١) ((معاني القرآن وإعرابه)) ٢٢٤/٢.
(٢) غير واضحة بالأصل ولعل الصواب ما أثبتناه. والله أعلم.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(٦) ومن سُورَةِ الأَنْعَامِ
ق آَلَ ابن عَبَّاسِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ﴾ مَعْذِرَتَهُمْ.
﴿ مَّعْرُوشَتٍ﴾: مَا يُعْرَشُ مِنَ الكَرْم وَغَيْرٍ ذَلِكَ.
﴿حَمُولَةً﴾ [الأنعام: ١٤٢]: مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا. ﴿وَلَبَسْنَا﴾
[الأنعام: ٩]: لَشَبَّهْنَا. ﴿وَيَنَْوْنَ﴾ [الأنعام: ٢٦]:
يَتَبَاعَدُونَ. ﴿تُبْسَلَ﴾: تُفْضَحُ ﴿أُبْسِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٤٢]:
أَفْضِحُوا. ﴿بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ﴾ البَسْطُ الضَّرْبُ.
﴿أُسْتَكْثَرْتُمْ﴾: أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا. ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ
: جَعَلُوا لله مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلشَّيْطَانِ
وَالأَوْثَانِ نَصِيبًا. ﴿أَكِنَّةٌ﴾ [الأنعام: ٢٥] وَاحِدُهَا كِنَانٌ
﴿أَمَّا أَشْتَمَلَتْ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى،
فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا؟ ﴿مَسْفُوحًا﴾: مُهْرَافًا.
﴿وَصَدَفَ﴾: أَعْرَضَ. (أَبْلِسُوا): أُوبِسُوا. وَ﴿أُبْسِلُوا﴾ :
أُسْلِمُوا. ﴿سَرْمَدًا﴾: دَائِمًا. ﴿أَسْتَهْوَتْهُ﴾: أَضَلَّتْهُ.
﴿يَمْتَرُونَ﴾: يَشُكُّونَ. ﴿وَقْرٌ﴾: صَمَمٌ، وَأَمَّا الوِقْرُ:
الحِمْلُ. ﴿أَسَطِيرُ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهِيَ
التُّرَّهَاتُ. ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ مِنَ البَأْسِ، وَيَكُونُ مِنَ البُؤْسِ.
﴿جَهْرَةُ﴾ مُعَايَنَةً. ﴿الضُورِّ﴾ جَمَاعَةُ صُورَةٍ، كَقَوْلِهِ:
سُورَةٌ وَسُوَرٌ. ﴿مَلَكُوتَ﴾: مُلْكٌ، مِثْلُ: رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ
رَحَمُوتٍ، وَيَقُولُ: تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ. ﴿وَإِنِ
تَعْدِلْ﴾: تَقْسِطْ، لَا يُقْبَلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ اليَومِ ﴿جَنَّ﴾