النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
أرض الله واسعة يعني: المدينة فتهاجروا فيها يعني: إليها (١). زاد
ابن إسحاق فيهم الحارث بن زمعة بن الأسود، والعاصي بن منبه بن
الحجاج(٢).
وروى ابن المنذر في ((تفسيره)) من حديث محمد بن شريك، عن
عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان قوم من أهل مكة
قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم
بدر، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء
مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت فكتب إلى من بقي من
المسلمين بمكة بهذِه الآية وأنه لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم
المشركون فأعطوهم الفتنة ونزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا
بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ﴾ (٣) الآية [العنكبوت: ١٠] فكتب إليهم المسلمون
بذلك فحزنوا، ثم نزل فيهم ﴿ثُمَّ إِّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ
بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ [النحل: ١١٠]. فكتبوا إليهم بذلك ففرحوا فأدركهم
المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل (٤).
فائدة :
التوفي هنا: قبض الروح خلافًا للحسن، حيث قال: هو الحشر إلى
النار(٥). و﴿تَوَفَّهُمُ﴾ إن شئت جعلته ماضيًا فيكون في موضع نصب،
(١) ((تفسير مقاتل)) [النساء، آية ٩٧]، [الأنفال، آية: ٤٩].
(٢) ((سيرة ابن إسحاق)) ص٢٨٩-٢٩٠.
(٣) في الأصل بعد قوله: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾ (وباليوم الآخر) وعليها علامة الحذف (لا ...
إلى).
(٤) رواه ابن المنذر في ((تفسيره)) كما في ((الدر المنثور)) ٣٦٥/٢.
(٥) أنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي ١٧٧/٢.

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أو رفعًا على الاستقبال والمعنى تتوفاهم. الملائكة ملك الموت -كما
سلف- وأعوانه، وهم ستة: ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة الأرواح
الكافرين. و﴿ظَالِىّ﴾ نصب على الحال، وظلم النفس هنا: تركهم
الهجرة وخروجهم مع قوم إلى بدر، ورجوعهم إلى الكفر، وقيل:
بالشك الذي حصل في قلوبهم حين رأوا قلة المسلمين.
﴿فِيمَ كُمْ﴾ : سؤال توبيخ وتقريع، أي: أكنتم في أصحاب محمد
أم مشركين؟
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً﴾ قال: إذا
عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها (١) .
وقال الحسن: قال رسول الله وَلي: ((من فر بدينه من أرض إلى أرض
وإن كان شبرًا من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد
صلى الله عليهما وسلم))(٢).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١٠٤٧/٣.
(٢) أخرجه الثعلبي كما في ((روح المعاني)) للألوسي ١٢٦/٥.

٢٦٣
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٢١- [باب قوله]:
إِلَّا [الْمُسْتَضْعَفِينَ](١) مِنَ الْرِجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
* (الآية)(٢) [النساء: ٩٨]
وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
٤٥٩٧- حَدَّثَنَا أَبُو الثُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ
ابنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] قَالَ: كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ
الله. [انظر: ١٣٥٧ - فتح: ٢٦٣/٨]
ثم ساق حديث ابن عباس السالف قريبًا، ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ كانت
أمي ممن عذر الله.
(١) في الأصل (المستضعفون) وهو مخالف للتلاوة، وفي اليونينية ٦ / ٤٨: (المستضعفين)
ليس عليها تعليق.
(٢) فوقها في الأصل: كذا.

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٢- [باب] قوله:
﴿ فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمُّ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا
٩٩)
[النساء: ٩٩]
٤٥٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
◌َهُ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ وَّه يُصَلَّى العِشَاءَ إِذْ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)). ثُمَّ قَالَ قَبْلَ
أَنْ يَسْجُدَ: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَام، اللَّهُمَّ
نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ أَشْدُدْ
وَطْأَتَّكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ أَجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)). [انظر: ٨٠٤- مسلم:
٦٧٥ - فتح: ٢٦٤].
كذا وقع في الأصول، ووقع في رواية الشيخ أبي الحسن: (فعسى
الله أن يعفو عنهم) والتلاوة: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ وكذا عند أبي ذر وغيره كما
أسلفناه. وإذا أخبر الله أن يترجى شيء فهو واجب كذلك النطق به. وقال
مجاهد - فيما حكاه الجُوزي - في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هم قوم أسلموا
وثبتوا على الإسلام، ولم يكن لهم عجلة في الهجرة فعذرهم الله بقوله :
﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ .
ثم ساق البخاري حديث أبي هريرة # في الدعاء على أولئك النفر.
وقد سلف في أول الاستسقاء وفيه الدعاء في الصلاة بما ليس في
القرآن خلافًا لأبي حنيفة(١).
5
(١) انظر: ((المبسوط)) ١٩٨/١، ((بدائع الصنائع)) ٢٣٦/١-٢٣٧، ((المنتقى)) ١٦٨/١،
(طرح التثريب)) ١٠٦/٣، ((المجموع)) ٤٥١/٣، ((المغني)) ٢٣٦/٢-٢٣٧.

٢٦٥
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٢٣- [باب] قوله:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ﴾
الآية [النساء: ١٠٢]
٤٥٩٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الَحَسَنِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابن ◌ُرَيْجٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي يَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿إِن كَانَ بِكُمْ
أَذَّى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَ﴾ [النساء: ١٠٢] قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَ
جَرِيحًا. [فتح: ٢٦٤/٨]
ثم ساق عن يعلى -وهو ابن مسلم - عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضََ﴾
[النساء: ١٠٢] قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَ جَرِيحًا .
رخص لهم في وضع السلاح بسبب ما يثقل عنهم حملها بسبب
ما ذكر من المطر والضعف، وأمرهم بأخذ الحذر مع ذلك خشية
الغفلة فیهجم علیھم.

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٤- [باب] قوله:
ج
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
فِي الْكِتَبِ فِى يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ١٢٧]
٤٦٠٠- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ﴿وَيَسْتَغْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْعَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ
اليَتِيمَةُ، هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِيِ العِذْقِ، فَيَزْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا،
وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ، فَيَعْضُلَهَا، فَنَزَّلَتْ هذِه الآيَةُ.
[انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح: ٢٦٥/٨]
ثم ساق حديث عائشة السالف في أوائل هذه السورة فراجعه.

٢٦٧
= ڪِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٢٥- [باب] قوله:
﴿ وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزَّا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
الآية [النساء: ١٢٨]
وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿شِقَاقَ﴾ [النساء: ٣٥]: تَفَاسُدٌ. ﴿وَأُحْضِرَتِ
اُلْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ
كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]: لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجِ.
﴿نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]: بُغْضًا.
٤٦٠١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
[النساء: ١٢٨]. قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَزْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا،
فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلِّ. فَنَزَلَتْ هَذِه الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [انظر: ٢٤٥٠ - مسلم:
٣٠٢١ - فتح: ٢٦٥/٨]
(وَقَالَ ابْنِ عَبَّاس: ﴿شِقَاقَ﴾: تَفَاسُدٌ ﴿اَلْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: هَوَاهُ فِي
الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَّيْهِ، ﴿كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾: لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ،
﴿نُشُوزًا﴾: بُغْضًا).
أخرج ذلك ابن أبي حاتم بإسناده إليه.
وقيل: الشقاق: العداوة، وحقيقته أن كلًّا من المتعاديين في شق
خلاف شق صاحبه.
واختلف في معنى: ﴿خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] فقال
أبو عبيدة: أيقنتم. وخطأه الزجاج وقال: لو أيقنًّا لم نحتج إلى
الحكمين. و﴿خِفْتُمْ﴾ على بابها .

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال عطاء في ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]: يعني:
الشح في الأيام أو في النفقة، أي أن المرأة تشح بالنفقة على
ضرائرها وأبنائهن (١). وقال سعيد بن جبير: هذا في المرأة تشح
بالمال والنفس(٢). وتفسيره المعلق بما نقله ذكره الحسن أيضًا. وقال
قتادة: كالمسجونة(٣)، والبغض في النشوز هو بسبب إساءة عشرتها
ومنعها نفقته ونفسه.
ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في تفسير النشوز، وقد سلف
في المظالم. وتفسير عائشة للآية قال ابن المسيب وسليمان بن يسار:
نزلت في رافع بن خديج طلق امرأته تطليقة وتزوج شابة، فلما قاربت
أنقضاء العدة قالت: أنا أصالحك على بعض الأيام. فراجعها، ثم لم
تصبر فطلقها، ثم سألت ذلك فراجعها، فنزلت(٤). وسلف نحوه هناك
من رواية الشافعي. وقال علي: هي المرأة تكون عند الرجل وهي
دميمة أو عجوز تكره مفارقته فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام
أو أربعة(٥)، وقد بسطنا ذلك بأكثر من هذا هناك، فراجعه.
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٩٤٥/٣.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٠٩/٤.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره) ٣١٠/٤.
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٠٧/٤.
(٥) رواه الطبري في «تفسيره)) ٣٠٥/٤، وابن أبي حاتم ١٠٨٠/٤.

٢٦٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٢٦ - [باب] قوله:
﴿إِنَّ الَُْفِقِينَ فِى الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]
وَقَالَ ابنِ عَبَّاسٍ: أَسْفَلَ النَّارِ، ﴿نَفَقًّا﴾ [الأنعام: ٣٥]:
سَرَبًا .
٤٦٠٢- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي
إِرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ
ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ. قَالَ الأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ
يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الهِ،
وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَرَمَانِي بِالْخُصَا،
فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى
قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ. [فتح: ٢٦٦/٨]
(وَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ: أَسْفَلَ النَّارِ، نَفَقًّا: سَرَبًا).
أسندهما ابن أبي حاتم عنه (١)، ثم ساق إلى الأَسْوَدِ قال: كُنَّا فِي
حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ
النِّفَاقُ عَلَى قَوْمِ خَيْرٍ مِنْكُمْ. قَالَ الأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ يَقُولُ:
﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ
اللهِ، وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فتفرق أَصْحَابُهُ، فَرَمَانِي
بِالْحَصَا، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَا
قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللهُ
عَلَيْهِمْ.
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٤ /١٠٩٨، ١٢٨٤.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الشرح :
ما ذكره في تفسير الدرك الأسفل هو كذلك. أي: أسفل درج
جهنم. وعبارة مقاتل تعني: الهاوية. قال ناس لرسول الله له: قد
كان فلان وفلان منافقين فتابوا منه، فكيف يفعل الله بهم؟ فنزلت:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ قال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من حديد تغلق
عليهم -وروي: من نار - ثم تطبق عليهم(١)، والأدراك لغة: المنازل
والطبقات، والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان. وقرأ حمزة
بالسكون(٢)، واختار الزجاج الفتح، قال: وعليه أقتصر المحدثون،
والدركات للنار، والدرجات للجنة. والنار سبعة أطباق طبق فوق
طبق، سميت بذلك لتداركها وتتابع بعضها فوق بعض، وعذبوا أشد
من عذاب الكافرين لاستهزائهم ومداجاتهم.
وقوله: (سَرَبًا) أي: في الأرض، له مخلص إلى مكان. النفاق هو
إظهار خلاف ما يبطن، مأخوذ من النافقاء وهو موضع اليربوع، فإذا
طلب (منه)(٣) خرج من النافقاء. شبه المنافق به لخروجه من الإيمان.
ومقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا فكانوا
خيرًا من أولئك التابعين لمكان الصحبة والصلاح كمجمع ويزيد ابني
جارية بن عامر؛ كانوا منافقين فصلحت حالهما واستقامت، وكأنه
أشار بالحديث إلى تقلب القلوب، نبه عليه ابن الجوزي. وقال
ابن التين: كأن حذيفة حذرهم أن ينزع منهم الإيمان؛ لأن الأعمال
بالخواتيم .
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٣٦/٤، وابن أبي حاتم ١٠٩٨/٤.
(٢) أنظر ((الحجة للقراء السبعة)) ١٨٨/٣.
(٣) علق في الهامش: لعله: (من القاصعاء).

٢٧١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وتبسم عبد الله يحتمل أن يكون عجب لحذيفة وما قام به من القول
بالحق وما حذر منه.
وقوله: (كانوا خيرًا منكم ثم تابوا) يعني أنهم لما تابوا كانوا خيرًا
من هؤلاء وإن كانوا من أفاضل طبقتهم؛ لأن أولئك فضلتهم الصحبة كما
سلف.
خاتمة :
أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافق لهذه الآية، ومن كفر من
أصحاب المائدة، وآل فرعون، قال تعالى: ﴿فَإِّ أُعَذِبُهُ عَذَابًا لَّ أُعَذِّبُهُ,
أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. وقال: ﴿أَدِْظُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾
[غافر: ٤٦] روي ذلك عن عبد الله بن عمرو. وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: فأولئك هم (المؤمنين)(١) حاد عن كلامهم غيظًا
لهم.
(١) هكذا في الأصل، والجادة: المؤمنون.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٧- [باب] قَوْلِهِ:
إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]
ج
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَ﴾ [النساء: ١٦٣].
٤٦٠٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّمَ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ
يُونُسَ بْنِ مَتَى)). [انظر: ٣٤١٢ - فتح: ٨ / ٢٦٧]
٤٦٠٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ، عَنِ النَّبِيِّ يََّ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ
كَذَبَ)). [انظر: ٣٤١٥ - مسلم: ٢٣٧٦ - فتح: ٨ / ٢٦٧]
هُذا متصل بقوله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَهِمْ كِتَبًا مِّنَ
السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] فأعلم الله أن أمره كأمر النبيين الذين قبله
يوحى إليه كما يوحى إليهم.
ثم ذكر حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((مَا يَنْبَغِي
لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)).
وحديث أبي هريرة : عَنِ النَّبِّ نَ ◌ّ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ
يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ)).
سلفا في مناقب يونس مع الجواب عنه، وقال الداودي: يريد:
لا يقول أحد ذلك، فلو أراد النبي ◌َّ- لكان نهيه قبل أن يعلم أنه خير
البشر، فيقول: كذب من قال ما لم يعلم.

٢٧٣
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٢٨- [باب] قوله:
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ
إِنِ أُمُّ هَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ: أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ
وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُنْ لََّا وَلَدٌ ﴾ [النساء:
وَالْكَلَالَةُ: مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبِّ أَوِ ابنِ، وَهْوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ
النَّسَبُ.
٤٦٠٥- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ البَرَاءَ
قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَّلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ﴾. [انظر: ٤٣٦٤-
مسلم: ١٦١٨ - فتح: ٢٦٧/٨]
ثم أسند عن البراء قال: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ
يَسْتَفْتُونَكَ﴾ .
الشرح :
أثر البراء سلف في المغازي ويأتي في سورة براءة(١)، وأخرجه في
الفرائض أيضا (٢). وظاهر ما ذكره في الكلالة أنه جعلها مصدرًا لمن لم
يرثه أب أو ابن، وقد روي عن علي وزيد وابن مسعود وابن عباس أنهم
قالوا: إنها من لا ولد له ولا والد(٣)، وهو قول البصريين، قالوا: هو
مثل قوله: رجل عقيم إذا لم يولد له، مأخوذ من الإكليل، كأن الورثة
أحاطوا به، وليس له أب ولا ابن، وقيل: مِن كَلَّ يَكِلُّ، يقال: كلَّت
(١) برقم (٤٦٥٤)، باب: قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٦٧٤٤).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٠٢/٦، و((تفسير الطبري)) ٦٢٢/٣ عن ابن عباس.

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ---
الرحم إذا تباعدت، وطال انتسابها، منه: كل في مشيه إذا انقطع لبعد
المسافة، وقيل: إنها الورثة، فقيل: هم من سوى الولد، وقيل:
والوالد، قاله أهل المدينة والكوفة. وقيل: هم الإخوة للأم، وقيل:
الإخوة من كانوا، وقيل: هم من سوى الولد وولد الولد . - ذكره
الداودي- وقيل: إنها المال. قاله عطاء. وقيل: الفريضة. وقيل:
المال والورثة، وقال ابن دريد: هم بنو العم ومن أشبهه. وقيل: هم
العصبات كلهم وإن بعدوا، وقيل: هو مصدر كما في البخاري ليس
للورثة ولا للمال، قيل: مثل قولهم: قتل فلان صبرًا وأدخل كرهًا .
ووقف عمر ﴾ فيها عند سؤاله؛ وقال لابن عباس: أحفظ عني
ثلاثًا: أني لم أقل في الكلالة ولا الجد شيئًا ولم [أستخلف](١)
أحدًا (٢). وقيل: الكلالة الميت والحي إذا لم يكن ولد ولا ولد ولد
له هذا يرث بالكلالة وهذا يورث بها. قيل: وعلى قول من قال: إن
بها من لا ولد له يرث الإخوة مع الأب، وهو قول شاذ. وقيل: هذِه
الآية في الأخت من الأب والتي قبلها من الإخوة للأم، قال
الداودي: وفي الآية دليل أن الأخت ترث مع البنت خلافًا لابن
عباس القائل: إنما ترث الأخت إذا لم يكن بنت، واحتج بهذه الآيةِ،
قال: ويدل على إرثها معها قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُنْ لََّا وَلَدٌ﴾
فلو كان كما قال ابن عباس لم يرث الأخ مع البنت ولا مع البنات،
وهذا لا يقوله أحد، وقد ورث الشارع البنت النصف، وبنت الابن
السدس، وللأخت ما بقي.
(١) في الأصل: (أتخلف).
(٢) رواه أحمد ٢٠/١، والطيالسي ٣٠/١-٣١ (٢٦).

٢٧٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وروي أن جابر بن عبد الله قال لرسول الله وَله في طريق مكة عام حجة
الوداع: إن لي أختًا، فما آخذ من ميراثها؟ فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾
الآية. وقيل: إنها من آخر ما أنزل من الأحكام رواه أبو داود(١).
وفي النسائي عن جابر قال: اشتكيت فدخل علي رسول الله وَّل،
فقلت: يا رسول الله، أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: ((أحسِن)) قلت:
الشطر؟ قال: ((أحسِن)) ثم خرج وتركني ثم دخل علي فقال: ((لا أراك
تموت من وجعك هذا، إن الله أنزل وبين ما لأخواتك وهو الثلثان))
فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾(٢) .
ولعبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: نزلت
ورسول الله ◌َّ﴾ في مسيرٍ له وإلى جانبه حذيفة فبلغها رسول الله حذيفة
فبلغها حذيفة لعمر، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها رجاء أن
يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: أن ظننت أن إمارتك تحملني أن
أحدثك فيها ما لم أحدثك، قال عمر: لم أرد هذا رحمك الله(٣).
وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي من حديث طاوس: أن
عمر أمر حفصة أن تسأل رسول الله وَله عن الكلالة، فسألته، فقال: ((أو لم
تكفه آية الصيف)) قال سفيان: أي: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَ﴾
قال: فأتت بها عمر، فقرأها، فلما بلغ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾.
طرح الكتف من يده، وقال: اللهم من بينت له، فلم تبين لي(٤)،
(١) أبو داود (٢٨٨٨) عن البراء أنها آخر آية نزلت في الكلالة.
(٢) النسائي في ((الكبرى)) ٦٩/٤ (٦٣٢٤).
(٣) ((تفسير عبد الرزاق)) ١٧٣/١ (٦٦١).
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٠٥/١٠ (١٩١٩٤) عن ابن عيينة، عن عمرو بن
دینار، عن طاوس.

٢٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقيل: إن السائل عن هذا هو عمر. حكاه المنذري، وفي أبي داود، قيل
لأبي إسحاق السبيعي: آية الصيف هي من مات ولم يدع ولدًا ولا والدًا؟
قال: كذلك ظنوا أنه كذلك (١)، وكان الصديق يرى أن الكلالة ما عدا
الوالد والولد، وعمر يرى ما عدا الولد؛ فلما طعن عمر قال: إني
لأستحيي أن أخالف أبا بكر، فرجع إلى قوله(٢)، وقيل: إن آخر كلام
عمر أنها من لا ولد له ووافق الصديق ابن عباس وباقي الصحابة.
(١) أبو داود (٢٨٨٩).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٨١/٤.

٢٧٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
(٥) ومن سورة المَائِدَةُ
[قَالَ سُفْيَانُ: مَا فِ القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى
تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]
مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢] يَعْنِي مَنْ
حَرَّمَ قَتْلَهَا إلَّا بِحَقِّ حَبِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا. ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾.
[المائدة: ٤٨]: سَبِيلاً وَسُنَّةً].

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلے
ـوء
[المائدة: ١]
١- باب
وَاحِدُهَا حَرَامٌ. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [المائدة: ١٣] بِنَقْضِهِمْ ﴿الَّتِىِ
كَثَبَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٢١] جَعَلَ اللهُ ﴿تَبُوَأَ﴾ [المائدة: ٢٩]
تَحْمِلُ ﴿دَابِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] دَوْلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ الإِغْرَاءُ
التَّسْلِيطُ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] مُهُورَهُنَّ. قَالَ سُفْيَانُ مَا
فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ
التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]
مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢] يَعْنِي مَنْ
حَرَّمَ قَتْلَهَا إلَّا بِحَقِّ حَبِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا. ﴿شِرْعَةً
وَمِنْهَاجَّأَ﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلاً وَسُنَّةً المُهَيْمِنُ الأَمِينُ،
القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَىْ كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ. [فتح: ٢٦٨/٨].
هي مدنية. قال مقاتل: نزلت نهارًا(١)، وقال غيره: ونزلت بعدها
التوبة. وقال السخاوي. هي في الإنزال بعد براءة عند أكثر العلماء.
قال: وذهب إلى أنه ليس فيها منسوخ؛ لتأخرها. وقال آخرون: فيها
عشرة مواضع منسوخة، وقال بعضهم فيما حكاه الناس فيها آية واحدة
منسوخة، ثم ذكر ستة لتكملة سبعة (٢).
قلت: ونزلت ﴿اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بعرفة، وآية التيمم نزلت
بالأبواء. ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [المائدة: ٦٧] نزلت بذات الرقاع
و﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الشَّهِدِينَ﴾
[المائدة: ٨٢-٨٣] قيل: نزلت قبل الهجرة ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
(١) حكاه عن ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٢٦٧/٢.
(٢) ((جمال القراء، وكمال الإقراء)) ص٢٩٥-٣٠٢.

٢٧٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
[المائدة: ١١] قيل نزلت بنخلة في الغزوة السابعة. وقيل: بالمدينة في
شأن كعب بن الأشرف. ذكره صاحب ((مقامات التنزيل))(١).
وذكر أبو عبيد، عن محمد بن كعب القرظي: أن هُذِه السورة نزلت
في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته، فأندر كتفها فنزل
(٢)
عنها(٢).
وعند الثعلبي: قرأها الَّة في خطبته يوم حجة الوداع قال: ((يا أيها
الناس، إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا
حرامها))(٣).
واحدها حرام)، أي: وأنتم محرمون لئلا يحرج
(ص):
علیکم .
(ص): ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وهو من استهلال الصبي، واستهل
المطر: خرج من السحاب، وأهل بالحج: تكلم به وأظهره،
واستهللنا وأهللنا الهلال، كل هذا من الظهور بعضه من بعض.
(١) هو الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الرزاي الضرير - ويقال له:
البصير- وكان ولد أعمى، وكان يتوقد ذكاءً، استملى على الحافظ عبد الرحمن
ابن أبي حاتم، حدث ببغداد وانتخب عليه الدارقطني، ووثقه الخطيب. آخر من
مات بالري من أصحاب ابن أبي حاتم، مات في رمضان سنة تسع وتسعين
وثلاثمائة ونسب إليه هذا الكتاب ابن حجر في ((فتح الباري)) ٧/ ١٣٠، والعيني في
((عمدة القاري)) ٧ / ٩٩.
وانظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٤٣٥/٤، ((تذكرة الحفاظ)) ١٠٤٨/٣، ((شذرات
الذهب)» ٣/ ١٥٣.
(٢) ((فضائل القرآن)) ص٢٣٩ وفيه: (فانصدع) مكان (فأندر).
(٣) روى الحاكم موقوفًا على عائشة قالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها
من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. ((المستدرك)) ٢/ ٣١١.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
هذا الحديث في بعض النسخ وجزم في ((الكشاف)) بأن المراد
-أيضا- رفع الصوت لغير الله، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند
الذبح(١).
(ص): (﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ فبنقضهم)، يريد أن (ما) زائدة، مثل قوله:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ودخلت (فبما) للمصدر، وكذا كل
ما أشبهه، وهذا أسنده ابن المنذر عن قتادة، قال -أعني قتادة -:
نقضوه من وجوه كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء
الله، ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه(٢).
(ص): (وقال غيره: الإغراء: التسليط) لعله: يعني بالغير غير من
فسر ما قبله، وقد نقلناه عن قتادة.
وقال في ((الكشاف)) فأغرينا ألصقنا وألزمنا. مِنْ غرى بالشئ إذا
ألزمه ولصق به. وأغراه به غيرُه. ومنه الغِراء الذي يلصق به(٣) .
(ص): (﴿اَلَّتِى كَتَبَ اللَّهُ﴾ جعل الله)، عبارة ((الكشاف)) قسمها
وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ انها لكم(٤). و﴿ اَلْأَرْضَ اُلْمُقَدَّسَةَ﴾
بيت المقدس أو أريحاء أو فلسطين أو دمشق والشام، وكان إبراهيم
صعد جبل لبنان فقيل له: أنظر، فما نظره بصرك فهو مقدس وميراث
لذريتك من بعدك.
كل هذا أسنده ابن المنذر عن مجاهد.
(١) ((الكشاف)) ١٦/٢.
(٢) رواه ابن المنذر في ((تفسيره)) كما في ((الدر المنثور)) ٢/ ٤٧٤ وزاد السيوطي نسبته
إلى عبد بن حميد.
(٣) ((الكشاف)) ١٨/٢.
(٤) ((الكشاف)) ١٨/٢.