النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وفيه: أن لمولى اليتيمة أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها،
وهو قول مالك والشافعي(١).
فصل :
قال مثلَ قول عائشة في الآية ابن عباس(٢). وفيه: تزويجهن قبل
البلوغ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه(٣). وقيل: اليتامى في الآية
البالغات؛ احتجاجًا بحديث أبي هريرة : ((واليتيمة تستأمر في
نفسها)) (٤) لا يكون ذلك إلا بعد البلوغ وستكون لنا عودة إلى ذلك في
النكاح إن شاء الله.
(١) انظر: ((التفريع)) ٣٢/٢، ((بداية المجتهد)) ٩٤٦/٣، ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي
١٠ / ٧٢ - ٧٣.
وفيه: أخبرنا الشافعي، قال: ولا يكون للرجل تزويج نفسه أمرأة هو وليها، وإن
أذنت له في نفسها كما لا يشتري من نفسه شيئًا هو ولي بيعه، ولكن يزوجه إيّاها
السلطان أو ولي مثله في الولاية.
(٢) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٣٠٢/٤ - ٣٠٣ (١٠٥٧٠).
(٣) انظر: ((المبسوط)) ٢١٤/٤-٢١٥، ((تبيين الحقائق)) ١٢٢/٢-١٢٣.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩) وقال: وفي الباب عن أبي موسى
وابن عمر وعائشة. ثم قال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وابن حبان في
«صحیحہ)) ٩/ ٣٩٧ (٤٠٨٦).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٨٢٥)، ((صحيح الترمذي)) (٨٨٦).

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢- [باب] قوله:
﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ
الآيَة [النساء: ٦]
﴿وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦]: مُبَادَرَةً. ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أَعْدَدْنَا، أَفْعَلْنَا
مِنَ العَتَادِ.
٤٥٧٥- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا
فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ اليَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا، أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ
مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ، بِمَعْرُوفٍ. [انظر: ٢٢١٢ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٢٤١/٨]
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا
فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي والي اليَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا،
أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفٍ.
الشرح :
إسحاق هذا هو ابن منصور(١) كما صرح به خلف وأبو نعيم.
وهذا الأثر سلف في الوصايا عن عبيد بن إسماعيل بن أبي أسامة،
عن هشام، عن أبيه، عنها(٢). وسلف الكلام عليه واضحًا.
(١) جاء في هامش الأصل: قال المزي في ((أطرافه)) في تطريف هذا الحديث: أخرجه
في البيوع وفي التفسير عن إسحاق بن منصور، نسبه في التفسير ولم ينسبه في البيوع
عن عبد الله بن نمير.
(٢) سلف برقم (٢٧٦٥) باب: وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر
عمالته.

٢٠٣
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
وأخرجه في البيوع(١)، ومسلم أيضا(٢).
ومعنى (مبادرة) أن يكبروا فيأخذوها منكم.
وقوله: (﴿أَعْتَدْنَا﴾: أعددنا) يريد أن معناهما واحد؛ لأن العتيد:
الشيء المعد، قال تعالى: ﴿وَأَعِذُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةِ﴾ هذا قول
أبي عبيدة في ((مجازه))(٣) والآية نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه، كما قال
مقاتل؛ وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا فولي ميراثه عمه وروى
الطبري من حديث العرني (٤) مرسلا أنه وسلّ لما سأله عمه عما يأكل
من ماله، قال: ((غير متأثل منه مالا ولا واق مالك بماله))(٥)، وروى
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال:
إني لا أجد شيئًا، وليس لي شيء، وليتيمي مال قال: ((كل منه غير
مسرف ولا متأثل مالا))(٦) قال: وأحسبه قال: ((ربما تقد مالك بماله).
(١) سلف برقم (٢٢١٢) باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم ..
(٢) مسلم برقم (٣٠١٩) كتاب: التفسير.
(٣) ((مجاز القرآن)) ١٢٠/١، ٢٧٢.
(٤) هو الحسن بن عبد الله العرني البجلي الكوفي روى عن ابن عباس ولم يدركه،
وروى عن عمرو بن حريث وسعيد بن جبير، وروى عنه الحكم بن عتيبة وسلمة بن
كهيل، وهو ثقة من الطبقة الرابعة، وثقه ابن سعد والعجلي وأبو زرعة، وذكره
ابن حبان، وقال: يخطئ. وقال ابن معين: صدوق ليس به بأس. والراوي عن
الحسن العرني في هذا الحديث عمرو بن دينار، ولم أجد من نص على أنه روی
عنه، وسماعه هنا محتمل فكلاهما في طبقة واحدة (الطبقة الرابعة).
انظر: ((الجرح والتعديل)) ٤٥/٣ (١٩٤)، ((الثقات)) لابن حبان ١٢٥/٤،
((التقريب)) (١٢٥٢).
(٥) (تفسير الطبري)) ٦٠٢/٣ عن الحسن البصري أن رجلًا قال للنبي : ..
(٦) رواه بنحوه، أبو داود (٢٨٧٢) والنسائي ١١٣/٤ وابن ماجه (٢٧١٨) وأحمد
٢١٦/٢. قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٢٤١/٨: إسناده قوي وحسنه الألباني
في ((الإرواء)) (١٤٥٦) وفي ((صحيح أبي داود)) (٢٥٥٦).

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي الحميدي في رواية عثمان بن فرقد قال: أنزلت في والي اليتيم
الذي يقوم عليه ويصلح في ماله إن كان فقيرًا يأكل بالمعروف.
وقول عائشة في الآية هو قول عمر، وقال عَبيدة وعطاء والشعبي
وأبو العالية: ليس له أن يأخذ منه إلا قرضًا (١)، وقال مجاهد:
لا يأخذ قرضًا ولا غيره(٢)، وبه قال مالك(٣)، وأبو يوسف، وقال:
الآية منسوخة نسختها: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً﴾(٤) وهذا ليس تجارة، فإن أحتاج إلى أن يسافر من
أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ولا يقتني شيئًا، وهو قول أبي حنيفة
ومحمد فيما حكاه النحاس. قال: وعن ابن عباس: نسخ الظلم
والاعتداء ونسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى تُظُلْمًا﴾ ..
٠
ثم افترق الذين قالوا: إن الآية محكمة فرقا، فقال بعضهم: إن
أحتاج أقترض ورد إذا أيسر(٥)، ونقل الطبري عن سعيد بن جبير أنه
إن حضر الموت ولم يوسر تحلله من اليتيم، وإن كان صغيرًا تحلله
من وليه(٦)، وهو قول جماعة من التابعين وفقهاء الكوفة، وقال
أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يجيء من الغلة، فأما المال الناضُّ
فليس له أن يأخذ منه شيئًا قرضًا ولا غيره(٧).
(١) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٥٩٧/٣-٥٩٨، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨٦٩/٣.
(٢) المصدر السابق ٥٩٨/٣.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٩٧/١١.
(٤) ((معاني القرآن)) للنحاس ٢٣/٢٠.
(٥) ((الناسخ والمنسوخ)) ١٤٦/٢ -١٤٧.
(٦) (تفسير الطبري)) ٥٩٨/٣ (٨٦١٠).
(٧) ذكره عن أبي قلابة القرطبي ٤٣/٥.

٢٠٥
=
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وقال الحسن: أيما أحتاج أكل بالمعروف ولا قضاء، والمعروف
قوته. وهو قول النخعي وقتادة(١) .
واختلف عن ابن عباس، وعنه: أنه يقوت نفسه من ماله حتى
لا يحتاج إلى مال اليتيم (٢)، قال النحاس: وهو أحسن ما روي في
تفسير الآية(٣). وهو اختيار إلكيا الطبري(٤). وعن ابن عباس رواية
أخرى ذكرها ابن جرير عنه قال: يأكل بالمعروف: بأطراف أصابعه (٥).
ومذهب الشافعي أنه يجوز الأكل للفقير إذا انقطع عن كسب، ولا يرد
بدَله، ويأخذ أقل الأمرين من النفقة وأجرة عليه.
وعن الحسن بن حي: الأكل بالمعروف لوصي الأب دون وصي
الحاكم؛ لأنه يأخذ أجرًا فلا حاجة إلى الأكل أيضًا، بخلاف الأول.
وقال بعض العلماء منهم ربيعة ويحيى بن سعيد: أن المخاطب بهذِه
الآية ولي اليتيم إن كان غنيًّا وسع الولي عليه، وعفّ عن ماله، وإن
كان فقيرًا أنفق عليه بقدره(٦).
(١) قول الحسن رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦٠٢/٣ بمعناه، وابن أبي حاتم في
((تفسيره)) ٨٦٩/٣، أما قول النخعي وقتادة فرواه الطبري ٦٠٢/٣ والنحاس في
((الناسخ والمنسوخ)) ٢/ ١٥٠-١٥١.
(٢) رواه الطبري ٥٩٦/٣-٥٩٧، والحاكم ٣٠٢/٢ وقال: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٣) ((الناسخ والمنسوخ)) ١٥٣/٢.
(٤) ((أحكام القرآن)) ٢/ ١١٧. وإلكيا الطبري هو عماد الدين بن محمد الطبري
المعروف بإلكيا الهراس حدث عن زيد بن صالح الآملي، روى عنه سعيد الخير
وأبو الطاهر السلفي، توفي في محرم ٥٠٤هـ وكان يلقبونه شمس الإسلام. أنظر
ترجمته من («سير أعلام النبلاء)» ٣٥٠/١٩-٣٥٢.
(٥) ((تفسير الطبري)) ٥٩٩/٣ (٨٦٢٣).
(٦) رواه ابن أبي حاتم في (تفسيره)) ٨٧١/٣.

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهو من باب خطاب العين والمراد به: الغير، والخطاب لليتامى
والمراد به: الأولياء، وهو بعيد.
ونقل الطبري عن عائشة رضي الله عنها وغيرها : يضع يده مع أيديهم
ويأكل معهم بقدر خدمته وعمله، وقال عكرمة: يدك مع أيديهم ولا تتخذ
منه قلنسوة. وعن إبراهيم: بالمعروف ليس بلبس الكتان ولا الحلل
ولكن ما يسد الجوع ويواري العورة، وكذا ذكره عن مكحول(١).
ونقل النحاس عن عمر وغيره: أن له أن يأكل من جميع مال يتيمه إذا
كان يلي ذلك، وإن أتى على المال ولا قضاء عليه (٢)، وقد أوضحنا
الكلام على ذلك أيضا في الوصايا وأعدناه هنا؛ لبعد العهد به.
فائدة :
اختلف في الإشهاد في الآية: هل هو على وجه الندب؛ لأنه أمين
أو الإيجاب؛ لأنه أمين الأب فقط. وقال عمر بن الخطاب وسعيد بن
جبير: إنما هو على دفع الوصي ما استقرضه من مال اليتيم حال فقره(٣).
وفي الإشهاد فوائد: السلامة من الغُرْم عند الإنكار، وحسم مادة
تطرق سوء الظن بالولي وامتثال الأوامر، وطيب قلب اليتيم بزوال
ما كان يخشاه من فوات ماله ودوامه تحت الحجر. وعن بعض
أصحاب مالك أن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾
واحتج بها ابن القاسم في قوله: من دفع إليه مال ليدفعه إلى غيره أن
عليه أن يشهده وإلا غرم(٤).
(١) روىُ هُذِه الآثار الطبري في ((تفسيره)) ٥٩٩/٣ -٦٠٠.
(٢) ذكره أبو جعفر النحاس بمعناه في ((معاني القرآن)) ٢١/٢.
(٣) قاله القرطبي في ((تفسيره)) ٤٥/٥.
(٤) ((المدونة)) ٣٥٤/٤.

٢٠٧
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
وقال عبد الملك: لا شيء عليه إلا أن يقول: أشهد عليه أو أحص
معي، ومعنى الآية عنده دفع التنازع، وإلا فكل مولَى القولُ قوله(١).
(١) أنظر: ((مواهب الجليل)) ١٩٨/٧.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣- [باب] قوله:
﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَاَلْيَمَى وَالْمَسَكِينُ
الآية [النساء: ٨]
٤٥٧٦- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الشَّيْبَانِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ
اُلْقُرْبَ وَالَْى وَالْمَسَكِينُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: هِيَ نُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ
سَعِيدٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ. [انظر: ٢٧٥٩ - فتح: ٨/ ٢٤٢]
ذكر فيه حديث عكرمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما - أنها
مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعِيدٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، هذِه المتابعة
سلفت مسندة في الوصايا(١)، وذكرنا هناك عن الأكثرين أن ذلك على
الندب لا الإيجاب.
ومعنى: ﴿وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّقُرُوفًا﴾ يقال لهم: خذوا، بورك لكم. قاله
سعید بن جبير
(٢)
(١) سلف برقم (٢٧٥٩) باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَمَى
وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦٠٩/٣ بمعناه. وذكره النحاس في ((معاني القرآن))
٢٥/٢.

٢٠٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
٤- [باب] قوله:
[النساء: ١١]
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ ﴾
٤٥٧٧- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابن جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ قَالَ:
أَخْبَرَنِي ابن مُتْكَدِرٍ، عَنْ جَابِرِ عَِّ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةً
مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِ النَّبِيُّ ◌َ لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ،
فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِيٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى.
أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. [انظر: ١٩٤ - مسلم: ١٦١٦ - فتح: ٢٤٣/٨]
ذكر فيه حديث ابن جُرَيْج، عن ابن المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ ﴾: عَادَنِي
رسول الله ◌َّهُ وَأَبُو بَكْرٍ فِيّ بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنٍ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ونَه
لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا
تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِىَ
أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١].
كذا وقع هنا، ووهم ابن جريج فيه إنما نزل في جابر الآية الأخيرة:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ كذلك رواه شعبة والثوري، وابن
عيينة، عن محمد بن المنكدر(١).
وقد أخرجه الطبري في الوضوء من حديث شعبة، عن محمد بن
(١) رواه البخاري (١٩٤) كتاب: الوضوء، باب: صب النبي ◌ُّر وضوءه على المغمى
عليه. من طريق شعبة عن محمد بن المنكدر به.
وبرقم (٦٧٢٣) كتاب: الفرائض. من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر،
به ورواه مسلم (١٦١٦) كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة. من طريق سفيان
-لعله الثوري- عن محمد بن المنكدر، به.
قال ابن حجر في ((الفتح)) ٨/ ٢٤٤: وكذا أخرجه مسلم من طريق سفيان الثوري
عن ابن المنكدر بلفظ: حتى نزلت آية الميراث.

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
المنكدر(١)، ويؤيده ما ورد في بعض الطرق.
وقول جابر: (يا رسول الله إنما يرثني كلالة) والكلالة: من لا ولد له
ولا والد، ولم يكن لجابر حينئذٍ ولد ولا والد. وأما آية الوصية فنزلت
في ورثة سعد بن الربيع، قتل يوم أحد، وخلف ابنتين وأمهما وأخاه،
فأخذ أخوه المال ولم يدع لهما شيئا فجاءت أمهما إلى رسول الله له
، فقالت: يا رسول الله، قتل أبوهما يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما
أخذ مالهما، والله لا ينكحان إلا ولهما مال، فقال العليئها: ((يقضي الله
في ذلك)) فنزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ فدعا عمهما
فقال: ((أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، ولك ما بقي))(٢).
وفي ((تفسير مقاتل)): نزلت في أوس بن مالك، وذلك أنه توفي وترك
امرأته أم كجّة الأنصارية وابنتين إحداهما أسمها صفية، وترك ابني عمه
عرفطة وسويدًا، ابني الحارث، فلم يعطياها ولا ولديها شيئًا(٣).
وفي ((تفسير الجوزي)) بدل سويد قتادة(٤)، وفي ((الكشاف)) مات
أوس بن الصامت وترك ثلاث بنات وزوجته أم كجَّة(٥)، وفي ((تفسير
ابن جرير)»: مات عبد الرحمن أخو حسان بن ثابت شاعر رسول الله
وَلّ وترك أمرأة يقال لها: أم كجَّة، وترك خمس أخوات، فجاءت
الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجّة ذلك إلى رسول الله وَّةٍ، فنزلت(٦).
(١) (تفسير الطبري)) ٦١٨/٣.
(٢) رواه أبو داود (٢٨٩١، ٢٨٩٢)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠).
قال الترمذي: هذا حديث صحيح. والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي
داود» (٢٥٧٣) وقال: إسناده حسن.
(٣) ((تفسير مقاتل)) آية ٧ سورة النساء.
(٥) ((الكشاف)) للزمخشري ٤١٧/١.
(٤) ((زاد المسير)) ١٨/٢.
(٦) ((تفسير الطبري)) ٦١٧/٣.

٢١١
كِتَابٌ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وفي ((تفسير الطبري)) عن ابن عباس في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِكُمْ﴾ ذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض
للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تُعطى
المرأة الربع أو الثمن، وتُعطى الابنة النصف ويُعطى الغلام الصغير،
وليس من هؤلاء أحد يقاتل، أسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله
وَيه ينساه، ونقول له فيغيره(١).
وفي رواية عطاء ومجاهد عنه(٢) منه ما سيأتي على الأثر.
فائدة :
معنى ﴿يُوصِیگ﴾: یفرض عليكم.
(١) المصدر السابق ٣/ ٦١٧.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٦١٧.

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥- [باب] قوله:
* الآية [النساء: ١٢]
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾
٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَزْقَاءَ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ
مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأَنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
الشُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَزْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. [انظر: ٢٧٤٧ -
فتح: ٨/ ٢٤٤]
ذكر فيه حديث محمد بن يوسف وهو الفريابي، عن ورقاء هو
ابن عمر، عن ابن أبي نجيح هو عبيد الله، عن عطاء هو ابن أبي
رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ
الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظّ
الأُنْثَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ
لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
كذا ذكره البخاري عنه وذكر في الوصايا بسنده، ولم يذكر الثلث،
وهو على ما ذكره هناك من سقوطه(١)، ويأتي في الفرائض(٢). وقال
غيره: ليست الآية منسوخة، وكذا معنى الوصية للوالدين يعني: من
لا يرث من الوالدين والولد وسائر من ذكر من أهل الوارث. قالوا :
إنما يستعمل النسخ إذا لم يوجد تخصيص.
(١) سلف برقم (٢٧٤٧) باب: لا وصية لوارث.
(٢) برقم (٦٧٣٩) باب: ميراث الزوج مع الولد وغيره.

٢١٣
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
-
=
٦- [باب] قوله:
﴿لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَ﴾ الآية [النساء: ١٩]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
[النساء: ١٩]: لَا تَقْهَرُوهُنَّ. (حوبا) [النساء: ٢]: إِثْمًا. ﴿تَعُولُواْ﴾.
[النساء: ٤] تَمِيلُوا. ﴿فِلَةٌ﴾ [النساء: ٤] النِّحْلَةُ: المَهْرُ.
٤٥٧٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانُّ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الَحَسَنِ الشُّوَائِيُّ وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّ
عَنِ ابن عَبَّاسِ ﴿يَتَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ الْنِسَآءَ كَرْهًا وَلَا
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ
كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ
يُزَوِّجُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [٦٩٤٨ - فتح: ٢٤٥/٨]
ثم ساق حديث الشَّيْبَانِيّ: عن عكرمة، عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن
ابن عباس ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ﴾ الآية، قال: كانوا إذا
مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن
شاءوا يزوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها،
فنزلت هُذِه الآية في ذلك.
الشرح :
تعليق ابن عباس أسنده أبو محمد الرازي من حديث علي بن أبي
طلحة عنه به، والضحاك عنه بلفظ: لا تحبسوهن(١).
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٩٠٣/٣.

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
و﴿كَرْهًا﴾: بالفتح، والضم قليل(١) بمعنى، والمختار كرهًا يُكره
على الشيء والكره من قبله: المشقة، و(تقهروهن) في بعض النسخ
بدله (تنتهروهنَّ)(٢) وهي رواية الشيخ أبي الحسن، وقيل: (يحبسوهن)
كما سلف.
ويروى أن الرجل كان يتزوج المرأة فلا تعجبه فيضارها حتى تفتدي
منه. الحُوب: الإثم - كما ذكره- وهو ما أسنده أبو محمد الرازي في
(تفسيره)) عن عكرمة، عنه. وعبارة غيره أنه الذنب العظيم(٣).
وقُرئ (حَوبا) بفتح الحاء و(حابا)(٤)، وما ذكره في ﴿تَعُولُواْ﴾ قاله
جماعة(٥)، وأسنده ابن المنذر في ((تفسيره)) عن ابن عباس(٦)، وذكر
نحوه مرفوعًا أن معناه: تجوروا وقال زيد: أن لا يكثر عيالكم، وبه
قال الشافعي(٧)، وأنكره المبرد(٨) .
(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (كَرْها) بفتح الكاف، وقرأ حمزة والكسائي (كُرْها)
بالضم. أنظر ((الحجة للقراءات السبعة)) لأبي علي الحسن الفارسي ١٤٤/٣.
(٢) أنظر ((هامش اليونينية)) حديث رقم (٤٥٧٨) ٤٤/٦ ط. دار طوق النجاة.
(٣) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨٥٦/٣-٨٥٧.
(٤) قراءة الجمهور بضم الحاء والحسن بفتحها وهي لغة بني تميم وغيرهم .
انظر: ((البحر المحيط)) ٣/ ١٦١.
(٥) روى ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣/ ٨٦٠ من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم،
حدثنا محمد بن شعيب عن عمر بن محمد بن زيد عن هشام بن عروه، عن أبيه، عن
عائشة، عن النبي ◌َِّ ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ قال: ((لا تجورو)). قال ابن أبي حاتم: قال
أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف، وروي عن ابن عباس وعائشة
ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والنخعي، وقتادة، والسدي أنهم قالوا: تميلوا.
(٦) ذكره السيوطي في ((الدر)) ٢١١/٢.
(٧) قول زيد والشافعي أخرجهما ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٣/ ٨٦٠.
(٨) ذكره النحاس في ((معاني القرآن)) ١٥/٢.

٢١٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
-
وقوله: (النِّحلة: المهر)، قيل: يعني به: الأزواج، ويروى: أن
الولي كان يأخذ الصداق لنفسه، فأمره الله بالدفع إلى النساء. وقيل:
كان يجعل البضع صداقًا فنهوا عن ذلك، وقيل: ﴿فِلَةٌ﴾: دينًا،
وقيل: فرضًا مسمى(١)، وقال المبرد: معنى ﴿ِلَةٌ﴾: أنه كان يجوز
أن لا يعطي من ذلك شيئا ففرض الله إياه، وقيل: لا يكون نحلة
إلا ما طابت به النفس، فأما ما أكره فلا يكون نحلة.
واعترض الإسماعيلي فقال: قوله: ﴿ِلَّةٌ﴾ إن كان هذا التفسير من
قول أبى عبد الله ففيه نظر، وقد قيل في ذلك غير وجه، ولعل ذكر أقربها
منها نحلة، أي: يعطونها على غير عوض من مال يكنز منه لهن في ذلك.
قال: وقيل: ﴿ِلَةٌ﴾: ينحلونها، أي: إيتائهن الصداق ما التزمتم أن
تدینوا به وتعتقدوه نحلة.
قلت: هذا التفسير من قول ابن عباس، كما أسنده أبو محمد الرازي
في ((تفسيره)) من حديث علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة:
(٢)
المهر (٢) .
وقال (أبو عبيدة)(٣) في ((المجاز)): نحلة: عن طيب نفس بالفريضة
التي جعل الله لهم (٤).
وقال الزجاج عن بعضهم: هو من الله لهن نحلة أن جعل على
الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا في الغرم(٥).
(١) المصدر السابق ٣/ ٨٦١.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٨٦١/٣.
(٣) في الأصل (أبو عبيد) والصحيح ما أثبتناه.
(٤) ((مجاز القرآن)) ١١٧/١.
(٥) قاله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ٣٥٣٢/٤، وانظر ((معاني القرآن)) للنحاس ١٧/٢.

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج بغير مهر: أرثك وترثيني، فتقول
المرأة: نعم، فنزلت(١).
وأثر ابن عباس الثاني ذكره في الإكراه بعد، فقال: وقال الشيباني:
وحدثني عطاء أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس(٢)،
والسوائي بضم السين وفتحها. وأخرجه الإسماعيلي أيضًا من حديث
سليمان الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان الرجل في
الجاهلية إذا تزوج المرأة فمات عنها قبل أن يدخل بها حبستها عصبته
أن تنكح أحدًا حتى تموت فيرثونها؛ فنزلت، ثم قال: هذِه الرواية
يخالف معناها حديث أسباط، يعني: الذي في الباب.
وللطبري من حديث عطاء الخراساني وغيره، عن ابن عباس نحوه،
ومن حديث محمد بن أبي أمامة سهل بن حُنيف، عن أبيه قال: لما توفي
أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج أمرأته وكان ذلك لهم في
الجاهلية، فنزلت. وسمى المرأة عَكرمةُ كبيشةَ ابنة معن بن عاصم
الأوسي(٣)، وسمى الواحدي الأبن حصنًا(٤).
وفي ((تفسير مقاتل)): نزلت في (قيس)(٥) بن أبي قيس بن الأسلت
وفي امرأته هند بنت صبرة وفي الأسود بن خلف الخزاعي في أمرأته
حُيية بنت أبي طلحة بن عبد العزى، وفي منظور بن سيار الفزاري
وفي أمرأته مليكة بنت خارجة المزنية تزوجوا نساء آبائهم بعد موت
(١) أنظر: ((زاد المسير)) ١٠/٢.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٤٨) باب: من الإكراه.
(٣) (تفسير الطبري)) ٦٤٧/٣.
(٤) ((أسباب النزول)) ص١٥١.
(٥) كذا في الأصل، وفي ((تفسير مقاتل)) (محصن).

٢١٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
آبائهم، فأتين رسول الله وَّه فقلن: يا رسول الله، لم يدخلوا بنا، وما
أنفقوا علينا، فنزلت. قال مقاتل: ثم انقطع الكلام.
ثم قال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ كان الرجل يضر بامرأته لتفتدي منه،
ولا حاجة له فيها، يقول: لا تحبسوهن ﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾
من المهر ثم أستثنى ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يعني: العصيان البين،
وهو النشوز(١)، وقال عكرمة والحسن العُرني: كان الرجل يرث أمرأة
ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صدقتها، فنهوا عن ذلك،
وعن أبي مجلز: كان ذلك في الأنصار. وعن عطاء: كان أهل
الجاهلية يحبسون المرأة على الصبي يكون فيهم. وعن مجاهد: كان
ابنه الأكبر الذي ليس ابنها أحق بها، أو ينكحها غيره. وعن الزهري
وأبي مجلز: كان هذا في حي من الأنصار، كان الرجل إذا توفي
وخلف أمرأة ألقى عليها وليه رداءً فلا تقدر أن تتزوج(٢).
قال غيرهما: ويتزوجها بغير مهر، وربما ضارها، فلا تقدر أن
تتزوج حتى تفتدي منه، فنزلت. والمعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن
من أزواجهن، فتكونوا أزواجًا لهن. وقيل: لا تتزوجوهن لترثوهن
كرهًا، فالمكروه العقد الموجب له. وقال السُّدِّي: كان الرجل يموت
أبوه أو أخوه أو ابنه، ويترك زوجة، فإن سبق وارث البيت فألقى
عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ
مهرها، فإن سبقت فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها .
وقال ابن زيد: كانت الوراثة في أهل يثرب، يموت الرجل، فيرث
ابنهُ أمرأةً أبیه کما یرث أمه، لا تستطيع أن تمتنع، فإن كان صغيرًا حبست
(١) ((تفسير مقاتل)) آية ١٩ سورة النساء.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٣/ ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٤٩.

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها. وعن مقسم: كانت
المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان
أحق الناس بها. وقال (أبو عبيدة)(١) في ((المجاز)) فممن تزوج أمرأة
أبيه فؤُلِد له منها: الأشعث بن قيس(٢)، تزوج أبوه قيس بن سعد
(بنت)(٣) أمرأة أبيه معدي كرب فولدت له الأشعث، وأبو عمرو بن
أمية خُلِّف على العامرية أمرأة أبيه فولدت له أبا معيط.
وقال الأزهري: كان الرجل إذا مات وله أمرأة وولد من غيرها ذكر
يقول: أنا أحق بامرأته فيمسكها على العقد الذي كان عقده أبوه ليرثها
[و] ما ورثته من أبيه، فأعلم الله أن ذلك حرام. وعند الطبري عن
ابن عباس وابن شهاب: كانوا يعضلون أيَاماهُنَّ وهن كارهات للعضل
حتى يمتن فيرثوهن أموالهن.
وعن ابن زيد: كان العضل بمكة: ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها
أن لا توافقه فيفارقها على أن ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب
ذلك عليها، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته - أو قال: أرضته- أذن لها
(١) في الأصل أبو عبيد، وما أثبتناه هو الصواب.
(٢) الأشعث بن قيس هو ابن قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن
معاوية بن الحارث الأصفر.
انظر ترجمته من ((الاستيعاب)) ١/ ٢٢٠، ((أسد الغابة)) ١١٨/١، ((الإصابة)) ٥١/١.
ذكر العيني في ((عمدة القاري)) ١٠/ ٢٠٤ أن ابن عم له أسمه معدان بن الأسود بن
سعد بن معديكرب الكندي، وأن قيسًا والأسود أخوان.
فعلى هذا يكون سعد بن معديكرب هو الذي تزوج أمرأة أبيه معديكرب وأنجب
الأسود أخا قيس لأمه.
وهذا هو الموافق لترجمته، لا كما ذكر المصنف والله أعلم.
(٣) كذا في الأصل، ولعلها زائدة.

٢١٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وإلا عضلها. وأولى الأقوال بالصحة -كما قال أبو جعفر - قول من
قال: هو الزوج الكاره لصحبة المرأة المضيقة عليها .
واختلف في الفاحشة، هنا، فعن الحسن وغيره: هو الزنا. وسلف
أنه النشوز، والأولى -كما قال أبو جعفر - أنه يعني به: كل فاحشة من
بذاء اللسان على الزوج أو أذى له. يأتي بمعنى الفواحش أتت بعد أن
تكون ظاهره بينة، بظاهر الكتاب والسنة (١)، وهو قوله في رواية جابر،
((فإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن
ضربا غير مبرح))(٢).
وفي حديث ابن عمر زيادة: (ولا يعصينكم في معروف))(٣)، وهذا
يبين فساد قول من قال: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: منسوخ
بالحدود؛ لأن الحدود حق الله على من زنا، وأما العضل لتفتدي
المرأة من الزوج ما آتاها يحق لزوجها، كما عضله إياها إذا نشزت
لتفتدي منه (حق) (٤) له، وليس أحدهما يبطل حق الآخر، وقد سلف
العضل في سورة البقرة.
(١) ((تفسير الطبري)) ٦٥٣/٣.
(٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) كتاب الحج، باب: حجة النبي ؛
صَلىالله
(٣) أخرجه عبد بن حميد ٥٥/٢-٥٦ (٨٥٨).
(٤) كذا في الأصل، والجادة (حقًّا) والله أعلم.

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٧- [باب] قوله:
﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونََّ
الآية [النساء: ٣٣]
وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿مَوَالِىَ﴾ أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً. (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)
[النساء: ٣٣] هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ، وَهْوَ الحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى
أَيْضًا: ابن العَمِّ. وَالْمَوْلَى: المُنْعِمُ المُعْتِقُ. وَالْمَوْلَى:
المُعْتَقُ. وَالْمَوْلَى: المَلِيكُ. وَالْمَوْلَى: مَوْلَّى فِي الدِّينِ.
٤٥٨٠- حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِذْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ
مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾.
[النساء: ٢٣] قَالَ: وَرَثَةً. ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كَانَ الُهَاجِرُونَ لَا
قَدِمُوا المَدِينَةَ بَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنَّصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِهِ، لِلْأَخُوَّةِ التِي آَخَى النَّبِيُّ ◌َِّ بَيْنَهُمْ
فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿ وَأَلَّذِينَ
عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مِنَ النَّصْرِ، وَالرِّفَادَةِ، وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ،
وَيُوصِي لَهُ. سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ، وَسَمِعَ إِذْرِيسُ طَلْحَةَ. [انظر: ٢٢٩٢ - فتح: ٨ /٢٤٧]
موالي: أولياء ورثة (والذين عاقدت أيمانكم) هو مولى اليمين وهو
الحليف، والمولى أيضًا: ابن العم، والمولى: المنعم بالعتق،
والمولى: المُعْتَق، والمولى: المليك، والمولى: المولى في الدين.
قلت: أو الناصر أو المحب، وغير ذلك مما ذكرته في كتاب
((المنهاج)) وهذا بحسب اللغة، وإلا فالمراد هنا ما ذهب إليه أكثر أهل
اللغة، وقيل: هم بنو العم.
ثم ساق حديث أبي أُسَامَةَ حماد بن أسامة، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ
طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله