النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
==
الآية بقوله: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] أي: إن قوله:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ إِذْن من الله وإباحة، وتخيير في الفعل والترك.
وقوله: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَهِمَ﴾ عزم وجزم وأمر باتباع ملته
في جميع مناسك الحج وهذا منها .
ومعنى شعائر: ما ذكره من أعلام الله التي تدل على طاعته، وهي
ما كان من موقف أو سعي أو ذبح. وشعيرة بمعنى مشعرة(١)، والصفا
مقصور: مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام، وهو أنف من جبل
أبي قبيس، وهو الآن درج فوقه أزج كإيوان(٢)، كان عليه صنم على
صورة رجل يقال له: إساف بن عمرو، وعلى المروة صنم على صورة
أمرأة تدعى نائلة -وعكس مقاتل- بنت ذئب، ويقال: بنت سهيل،
زعموا أنهما زنيا في الكعبة فمسخا فوضعا على الصفا والمروة
للاعتبار، فلما طالت المدة عبدا .
وقال عياض: حولهما قُصَي فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر
بزمزم، وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندها، فلما فتح رسول الله وَيقل مكة
کسرهما .
وفي ((فضائل مكة)) لرزين: لما زنيا لم يمهلهما الله أن يفجرا فيها
فمسخهما فأخرجهما إلى الصفا والمروة، فلما كان عمرو بن لحي
نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم فطاف الناس بالكعبة وبهما(٣).
والصفا واحد، والمثنى صفوان، والجمع أصفاء.
(١) أنظر: ((جمال القراء)» ص٢٩٥.
(٢) أنظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٨١/٣.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٥٣/٤.
٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (الحجارة الملس التي لا تنبت شيئًا) يعني أن الأخر التي
يكون فيها طرف يأخذ التراب تنبت، وكذلك التي يكون فيها الشقوق.
وقوله: (والواحدة صفوانة) يريد واحدة صفوان، وأما واحدة
الصفا، فصفاة. قاله ابن التين.
والمروة: الحصاة الصغيرة قليلها مروات وكثيرها مرو، مثل تمرة
وتمرات وتمر، فقال الكفار: إنه حرج عليه أن يطوف بهما فأنزل الله
الآية.
٦٣
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٢٢- [باب] قَوْلِهِ:
[البقرة: ١٦٥]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾
أَضْدَادًا، وَاحِدُهَا نِدٌّ.
٤٤٩٧- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي ◌َمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرِىُ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ
اللهِ نِدَّا دَخَلَ النَّارَ)). وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَدْعُو لُه نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّةَ. [انظر:
١٢٣٨ - مسلم: ٩٢- فتح: ١٧٦/٨]
ثم ساق حديث عبد الله : قَالَ النَّبِيُّ وَ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرِىُ، قَالَ:
((مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ)). وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ
وَهْوَ لَا يَدْعُو لله نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ.
وقد سلف في أول الجنائز بمعناه ويأتي في النذور(١). وأخرجه
مسلم والنسائي (٢).
وما فسره في قوله: أندادًا. هو قول أبي عبيدة (٣)، وقال قتادة
وغيره: الند: المِثلُ(٤). وما ذكره عبد الله يؤيده قوله {وَّ: ((يخرج من
النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان))(٥).
(١) سلف برقم (١٢٣٨)، وسيأتي برقم (٦٦٨٣).
(٢) مسلم (٩٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ٦/ ٢٩٤ (١١٠١١).
(٣) ((مجاز القرآن)) ٣٤/١.
(٤) انظر: ((تفسير الطبري)) ٩٨/١-١٩٩.
(٥) سلف برقم (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان، ورواه مسلم
(١٨٤).
٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٣- [باب] قوله:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَبْلِىّ
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
وَعُفِىَ﴾ [البقرة: ١٧٨]: تُرِكَ.
٤٤٩٨- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا،
قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ القِصَاصُ، وَلَمْ
تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لهذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَبْلِّ الْخَرُّ
بِالْحُرِّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ:
أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي العَمْدِ ﴿فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] يَتَّبِعُ
بِالْغْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] مِمَّا كُتِبَ
عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. ﴿فَمَنِ أُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَتَلَ
بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. [٦٨٨١ - فتح: ١٧٦/٨]
٤٤٩٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الأَنَّصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسَا حَدَّثَهُمْ عَنِ
النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ)). [انظر: ٢٧٠٣ - مسلم: ١٦٧٥ - فتح: ٨ / ١٧٧]
ثم ساق حديث مجاهد سمعت ابن عباس يقول: كَانَ فِي بَنِي
إِسْرَائِيلَ القِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَىْ لَهُذِهِ الأُمَّةِ:
﴿كُنِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِّ الْحُّ بِالْخُّ وَاَلْعَبْدُ بِلْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنَّ فَمَنْ
عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقْبَلَ
الدِّيَةَ فِي العَمْدِ ﴿فَتْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ
وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] مِمَّا كُتِبَ
عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. ومعنى ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾: قبول الدية
من العمد. وقيل: هو فيمن قتل وله وليان، فعفا أحدهما فللآخر أن
٦٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
يأخذ مقدار حصته من الدية.
وفيه تصريح بالنسخ المستفاد من الآية، وهو نسخ حكم بحكم القتل
في بني إسرائيل إلى تخيير من له الدم.
وقوله: (فالعفو أن يقبل الدية) دال على أن التخيير عنده للأولياء
لا للقاتل، وقد روي غيره، وهي مسألة خلاف لأهل العلم: هل
الواجب القود، والدية بدل عنه عند سقوطه، أو أحد الأمرين لا بعينه؟
وهما قولان للشافعي. أصحهما أولهما. هو خلاف أيضًا هل التخيير
للولي أو للقاتل؟ والمشهور عنه الأول(١).
وفي ((تفسير مقاتل)) أن حكم أهل الإنجيل العفو ولا قصاص
ولا دية. وتقتل الجماعة بالواحد، خلافًا لداود(٢). وحكي عن [ابن](٣)
الزبير وجابر والزهري(٤). وروى جويبر عن الضحاك: قال رسول الله
وَيلقى: ((لا يقتل أثنان بواحد)»(٥) وهذا كما ترى: ضعيف منقطع.
(١) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٣٩/٩.
(٢) أنظر: ((الاستذكار)) ٢٣٤/٢٥-٢٣٥.
(٣) ساقطة من الأصول، والمثبت من (الاستذكار)) ٢٣٥/٢٥، ((مصنف عبد الرزاق))
٩/ ٤٧٩.
(٤) روى أثري ابن الزبير والزهري عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٤٧٩/٩ (١٨٠٨٣ - ١٨٠٨٥).
(٥) لم أقف عليه من هذا الطريق، لكن روى ابن أبي شيبة ٤٥٤/٥ (٢٧٩٢٩)،
والطبري في ((تفسيره)) ٧٦/٨، والبيهقي ٨/ ٢٥ عن سعيد بن جبير في قوله تعالى:
﴿فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. قال: أن يقتل أثنين بواحد.
وروى البيهقي أيضًا ٨/ ٢٥ عن ابن عباس في هذه الآية قال: لا يقتل أثنين بواحد.
وقد روي ما قد يشبه معناه عن طلق بن حبيب، والضحاك، وقتادة كما عند الطبري
في ((تفسيره)) ٧٦/٨-٧٧. قالوا في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:
٣٣] قالوا: لا تقتل غير قاتله. وقد ذكر هذا القول الشافعي كما في ((السنن)) للبيهقي
٨/ ٢٥ ثم قال: وهذا يشبه ما قيل.
٦٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي ((رءوس المسائل)) للقرافي إحدى الروايتين: إذا قتلت الجماعة
رجلًا، يقتل واحد منهم، ويجب على الباقين الدية، وهو مذهبنا إذا قتل
بعضهم أخذ حصة الباقين من الدية وتوزع على عدد رءوسهم(١).
قال الفراء: الآية نزلت في حيَّين من العرب كان لأحدهما طول على
الآخر في الكثرة والشرف؛ فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر؛ فقتل
الأوضع من الحيَّين من الشريف قتلى، فأقسم الشريف ليقتلن الذكر
بالأنثى، والحر بالعبد، وأن يضاعفوا الجراحات؛ فأنزل الله هذا
على نبيه، ثم نسخت بـ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢). وحكاه النحاس عن
ابن عباس.
وعنه: كان الرجل لا يقتل بالمرأة، ولكن يقتل الرجل بالرجل،
والمرأة بالمرأة؛ فنزلت: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٣).
وقال السدي: نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى فأمر رسول الله
وَ الر أن يقاد بينهما؛ ديات النساء بديات الرجال، وديات الرجال
بديات النساء(٤).
(١) في كون هذا القول مذهبًا للشافعية نظر؛ قال النووي في ((الروضة)) ١٥٩/٩: إذا
قتلت الجماعة واحدًا قتلوا به، وأثبت ابن الوكيل قولًا: إن الجماعة لا يقتلون
بالواحد، ونقل الماسرجسي عن القفال قولًا قديمًا أن الولي يقتل واحدًا من
الجماعة أيهم شاء، ويأخذ حصة الآخرين من الدين ولا يقتل الجميع، وهذان
القولان شاذان واهيان والمشهور قتل الجماعة بالواحد. اهـ
(٢) ((معاني القرآن)) للفراء ١٠٨/١-١٠٩.
(٣) رواه الطبري ١١٠/٢.
(٤) كذا وقع بالأصل قول السدي، وفي ((تفسير الطبري)) ١٠٩/٢: فأصلح بينهم النبي
وَلقر على أن يؤدي الحردية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصّهم
بعضهم من بعض.
٦٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وقال علي والحسن: إنه على التراجع، إذا قتل رجل أمرأة كان
أولياء المرأة بالخيار بين قتله وأداء نصف الدية، وفي عكسه بالخيار
بين قتلها وأخذ نصف الدية أو الدية كاملة. وإذا قتل رجل عبدًا؛ فإن
شاء سيده قتله وأخذ بقية الدية بعد ثمن العبد، وفي عكسه: إن شاءوا
قتلوه وأخذوا بقية الدية، وإن شاءوا أخذوا الدية (١).
وقيل: إن الآية معمول بها يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى
بالأنثى، ويقتل الرجل بالمرأة، وعكسه، والحر بالعبد وعكسه. لقوله
تعالى: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ، سُلْطَانًا﴾، ولقول رسوله عليه
أفضل الصلاة والسلام: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم)»(٢) وهو قول
الكوفيين في العبد خاصة إلا عبد نفسه، خلافًا للنخعي فيه(٣).
وعند أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما كانت النضير أشرف
من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا
قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة ودي بمائة وسق، فلما بعث رسول
الله ◌َيّ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فقالوا: بيننا وبينكم رسول
الله فأتوه، فنزلت: ﴿وَ إِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾(٤) [المائدة: ٤٢].
وقالت طائفة: الآية مبينة للحكم، النوع مع النوع فقط لا لأحدهما مع
الآخر فهي محكمة.
(١) السابق ١٠٩/٢.
(٢) رواه أبو داود (٢٧٥١) وابن ماجه (٢٦٨٥) وأحمد ٢١٥/٢ وعبد الرزاق ٢٢٦/٥
وابن الجارود في ((منتقاه)) ١٩٤/١ (٧٧١) كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) وله شاهد عن علي رواه النسائي
٢٤/٨ وأحمد ١١٩/١ والحاكم ١٥٣/٢ والدار قطني ٩٨/٣.
(٣) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٢٧/٢-٢٢٨، ٢٣٠.
(٤) أبو داود (٤٤٩٤).
٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فائدة :
أصل القصاص المماثلة والمساواة.
قوله: (﴿فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَتَلَ بَعْدَ
قَبُولِ الدِّيَةِ). وقال قتادة: يقتل ولا تؤخذ منه الدية (١).
ثم ذكر حديث الرُبَيِّع، وقد سلف في: الصلح، ويأتي في:
الديات(٢)، وفي سورة المائدة(٣).
وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه(٤).
وهو دال على جواز أخذ الدية في العمد، وذكر عبد بن حميد عن
علي ﴾: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلًا جاء قومه يصالحون
بالدية فيجيء القاتل وقد أمن على نفسهِ فيعمد ولي المقتول فيقتله، ثم
يطرح إليهم الدية(٥) .
واختلف العلماء فيمن قتل بعد أخذها على قولين: أحدهما أنه كمن
قتل ابتداء إن شاء قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة، وهو قول
جماعة منهم مالك والشافعي(٦) .
والثاني: عذابه القتل ولا يمكِّن الحاكم الولي من العفو، قاله قتادة
وعكرمة والسدي(٧) وغيرهم.
(١) رواه الطبري ١١٧/٢.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٩٤) باب: السن بالسن.
(٣) سيأتي برقم (٤٦١١) باب: قوله ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
(٤) أبو داود (٤٥٩٥)، والنسائي في ((المجتبى)) ٢٧/٨، وابن ماجه (٢٦٤٩).
(٥) رواه عبد بن حميد في ((تفسيره)) كما في ((الدر المنثور)) ٣١٧/١ لكن عن الحسن.
(٦) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢/ ٢٣٧.
(٧) انظر هُذِه الآثار في ((تفسير الطبري)) ٢/ ١١٧.
٦٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وفي أبي داود من حديث الحسن عن جابر ، ولم يسمع منه أنه
وَ لثم قال: لا أعفو عمن قتل بعد أخذ الدية(١).
وروي مرسلًا عن الحسن (٢) وكأنه أشبه. قال أبو الليث: معناه
عندنا: أنه إذا طلب الولي القتل، فأما إذا عفا عنه الثاني وتركه جاز
عفوه؛ لأنه قتل بغير حق فكان كالقاتل الأول؛ لأنه لو عفا عنه جاز
ذلك فكذلك الثاني(٣) .
(١) أبو داود (٤٥٠٧).
(٢) رواه البيهقي في «سننه)) ٥٣/٨ ثم قال: هذا منقطع. اهـ
(٣) ((بحر العلوم)) ١/ ١٨١.
٧٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
[باب] قوله:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
الآية [البقرة: ١٨٣]
٤٥٠١- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِ نَافِعْ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ
قَالَ: ((مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ)). [انظر: ١٨٩٢ - مسلم: ١١٢٦ - فتح:
٨/ ١٧٧]
٤٥٠٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: (مَنْ
شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَقْطَرَ )). [انظر: ١٥٩٢ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٨ / ١٧٧]
٤٥٠٣ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ وَهْوَ يَطْعَمُ فَقَالَ: اليَوْمُ عَاشُورَاءُ!
فَقَالَ: كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ، فَادْنُ فَكُلْ. [مسلم:
١١٢٧ - فتح: ١٧٨/٨]
٤٥٠٤- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا نَخْیَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِ أَبِي،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ
النَّبِيُّ وَّهَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ
رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ. [انظر:
١٥٩٢ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ١٧٨/٨].
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي: فرض، ﴿لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ أي: المفطرات وهو وصله إلى التقوى؛ لأنه يكف عن
الشهوات المؤدية إلى المعاصي.
٧١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=-
ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ
أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: ((مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ
يَصُمْهُ)) .
وأخرجه مسلم والنسائي(١).
وحديث عائشة رضي الله عنها كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا
نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَقْطَرَ)).
وذكر بعده حديثًا آخر عنها: وقد سلفا في الصوم(٢).
وذكر حديث عبد الله قال: دَخَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ وَهْوَ يَطْعَمُ فَقَالَ:
اليَوْمُ عَاشُورَاءُ! فَقَالَ: كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ
رَمَضَانُ تُرِكَ، فَادْنُ فَكُلْ.
وقد ذكره في أيام الجاهلية.
(١) مسلم (١١٢٦)، والنسائي ٢٠٤/٤.
(٢) برقم (١٨٩٣).
٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٥- [باب] قَوْله:
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ إلى ﴿َتَعْلَمون﴾ [البقرة: ١٨٤]
وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنَ المَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللهُ. وَقَالَ
الحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: فِي المُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى
أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا؛ تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ. وَأَمَّا الشَّيْخُ
الكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ؛ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا
أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْم مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. قِرَاءَةُ العَامَّةِ
وَيُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَهْوَ أَكْثَرُ.
٤٥٠٥- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْخْ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثْنَا
عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ، سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَعَلَى الذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ). قَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالْأَةُ الكَبِيرَةُ
لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. [فتح: ١٧٩/٨]
ثم ساق حديث عَطَاءٍ، عن إسحاق، أنا روح، ثنا زكريا بن إسحاق،
ثنا عمرو بن دينار، عن عطاء.
سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَعَلَى الذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ).
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ
لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمِ مِسْكِينًا .
الشرح:
معنى (معدودات): قضى مثلها إذا أفطرها وفي التتابع خلاف،
ونقل ابن التين عن مالك وأصحابه أنه يفرقها إن شاء، قال:
٧٣
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
وقيل: إن أفطرها متتابعة قضاها كذلك، وإن كانت متفرقة قضاها
كذلك، وهُذِهِ الآية منسوخة، بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾
وكذا بينه سلمة كما ستعلمه، وأبعد من قال: إن الهاء في (يطيقونه)
تعود إلى الفدية إذ لا ذكر لها. وقيل: معناها كمعنى (يُطوّقونه)، أنهم
يتكلفون الصوم على مشقة. وقد أوضحنا ذلك في بابه فراجعه منه.
٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٦- [باب]
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]
٤٥٠٦- حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ قَرَأَ: فِذْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.
[انظر: ١٩٤٩ - فتح: ١٨٠/٨]
٤٥٠٧- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الَحَارِثِ، عَنْ بُكَثِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَزِيدَ مَؤْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: لَا نَزَّلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْتَدِيَ، حَتَّى
نَزَلَتِ الْآيَةُ التِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا. [مسلم: ١١٤٥ - فتح: ٨ /١٨١] قال أبو عبد الله: مَاتَ
بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.
·
ذكر فيه أثر ابن عمر وسلمة بن الأكوع وقد سلفا في الصيام (١) مع
الكلام عليهما. والبخاري روى أثر سلمة، وقال: مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.
وهو كما قال، وكان بكير بن عبد الله هو ابن الأشج، مات بالمدينة سنة
سبع عشر ومائة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين،
وقيل: سنة سبع وعشرين(٢)، ومات يزيد بن أبي عُبيد بالمدينة سنة
ست أو سبع وأربعين ومائة(٣).
وأثر عطاء رواه ابن جريج عنه(٤).
(١) في باب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ﴾.
(٢) أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٢٤٢/٤ (٧٦٥).
(٣) أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٢٠٦/٣٢ (٧٠٢٨).
(٤) رواه عبد الرزاق ٢١٩/٤ عن ابن جريج عنه.
وللبخاري مع هذا الأثر قصة رواها الحاكم في ((معرفة علوم الحديث» ص٧٥
حيث ساق بسنده إلى البخاري أنه قال: أعتللت بنيسابور علة حفيفة وذلك في =
٧٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وأثر الحسن وإبراهيم أخرجهما عبد بن حميد، وكذا أثر أنس(١).
وإسحاق السالف هو ابن إبراهیم کما صرح أبو نعيم في ((مستخرجه))،
وروح هو ابن عبادة، وزكرياء ثقة، وعمرو لا يسأل عنه، وعطاء هو
ابن أبي رباح أسلم كما صرح به خلف وغيره، وإن كان روى عن
ابن عباس عطاء بن يسار أيضًا .
شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه فى نفر من أصحابه فقال لى: أفطرت
=
يا أبا عبد الله؟ فقلت: نعم. قال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. فقال:
أخبرنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض
أفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا﴾ قال
البخاري: ولم يكن هذا عند إسحاق.
(١) عزا آثار الحسن وإبراهيم وأنس إلى عبد بن حميدٍ السيوطيُّ كما في ((الدر المنثور))
٣٢٦/١، ٣٢٧.
٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
٢٧- [باب] قوله:
﴿أُحِلَى لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]
٤٥٠٨- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ. وَحَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ ◌َُِ. لَا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ
رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. [انظر: ١٩١٥- فتح:
٨/ ١٨١]
ذكر فيه حديث البراء : لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ
النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى:
﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنَكُمْ
الآية [البقرة: ١٨٧].
الشرح :
(الرفث): الجماع عند ابن عباس (١) وقيل: منعوا من إتيانهن (ما
ناموا)(٢). وقوله: ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ﴾ أي: الرخصة أو الولد
أو ليلة القدر (٣).
(١) رواه الطبري ١٦٦/٢، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣١٥/١.
(٢) في الأصل: (ما لم يناموا)، وهو خطأ؛ يبينه ما رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره))
١/ ٣١٥ عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام على ثلاثة أحوال، كانوا يأكلون
ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا من ذلك ..
(٣) أنظر: ((تفسير الطبري)) ١٧٥/٢ - ١٧٦.
٧٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
٢٨- [باب] قَوْلِهِ:
وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ مِنَ اُلْفَجْرِ﴾
إلى قوله ﴿عَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
الْعَاكِفُ: المُقِيمُ.
٤٥٠٩- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ
الشَّغبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَنْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، حَتَّى كَانَ بَغْضُ اللَّيْلِ
نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي. قَالَ: ((إِنَّ
وِسَادَلَكَ إِذَا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ)). [انظر:
١٩١٦ - مسلم: ١٠٩٠ - فتح: ٨ / ١٨٢]
٤٥١٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ◌َّ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الَخَيْطُ الأَبَيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ؟
أَهُمَا الَخَيْطَانِ؟ قَالَ: ((إِنَّكَ لَعَرِيضُ القَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ)). ثُمَّ قَالَ: ((لَا بَلْ
هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ)). [انظر: ١٩١٦ - مسلم: ١٠٩٠ - فتح: ٨/ ١٨٢]
٤٥١١- حَدَّثَنَا ابن أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو
حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: وَأُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
مِنَ أَلْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلْ يُنْزَلْ ﴿مِنَ اٌلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَكَانَ رِجَالٌ
إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الَخَيْطَ الأَبَيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَهُ ﴿مِنَ اٌلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَلِمُوا أَنَّمَا
يَغْنِي: اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. [انظر: ١٩١٧ - مسلم: ١٠٩١ - فتح: ٨ / ١٨٢]
ذكر فيه حديث عدي من طريقين، وحديث سهل وقد سلفا في
الصوم (١).
(١) سلفا برقم: (١٩١٦، ١٩١٧).
٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٩- [باب] قَوْلِهِ:
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىْ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]
٤٥١٢- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ
كَانُوا إِذَا أَخْرَمُوا فِي الَجَاهِلِيَّةِ أَتَوْا البَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ
تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأَ﴾.
[البقرة: ١٨٩]. [انظر: ١٨٠٣ - مسلم: ٣٠٢٦ - فتح: ١٨٣/٨]
ذكر فيه حديث البراء ه كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من
ظهره فأنزل الله الآية المذكورة، وقد سلف في الحج (١)، قيل: كانت
تفعله قریش.
(١) برقم (١٨٠٣).
٧٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
=
٣٠- [باب] قَوْلِهِ:
وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الِدِينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْ فَلاَ عُدْوَانَ
[البقرة: ١٩٣]
(١٩٣)
إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
٤٥١٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَتَّاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ قَّدْ
ضُيِّعُوا، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ◌ََّ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ
اللّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي. فَقَالَا: أَمْ يَقُلِ اللهَ ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]
فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ للهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ
فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ. [انظر: ٣١٣٠ - فتح: ٨ /١٨٣]
٤٥١٤- وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحِ، عَنِ ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ
شُرَئِحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو المعَافِرِيِّ أَنَّ بُكَثْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَّى
ابن عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا، وَتَتْرُكَ
الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَّ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟ قَالَ: يَا ابن أَخِي بُنِيَ الإِسْلَامُ
عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَوات الَخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ،
وَحَجِّ البَيْتِ. قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ إِلَى ﴿أَمَرَ اللَّهُ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَقَائِلُوهُمْ
حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟! [البقرة: ١٩٣] قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، وَكَانَ
الإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ، وَإِمَّا يُعَذِّبُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الإِسْلَامُ
فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ. [انظر: ٨، ٣١٣٠ - مسلم: ١٦ - فتح: ١٨٤/٨]
٤٥١٥- قَالَ فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَكَأَنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا
أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْقُوا عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيَّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ وٍَّ وَخَتَتُهُ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ
فَقَالَ: هذا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. [انظر: ٣١٣٠ - فتح: ١٨٤/٨]
٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي
فِتْنَةِ ابن الزُّبَيْرِ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ ضُيِّعُوا، وَأَنْتَ ابن عُمَرَ وَصَاحِبُ
رسول الله وَل﴿ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ دَمَ
أَخِي. فَقَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تعالى: ﴿وَقَائِلُهُمْ خَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة:
١٩٣] فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لله، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ
أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ.
وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ
شُرَيْحِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍوَ المَعَافِرِيِّ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُ، عَنْ
نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ. الحديث.
والمراد بالفتنة في الآية الشرك كما قاله ابن عباس وغيره(١)، ويكون
الدين لله أي: يخلص التوحيد لله، قاله ابن عباس أيضًا(٢)، وعبارة قتادة
وغيره: حتى يقولوا: لا إله إلا الله(٣). وعبارة الحسن وزيد بن أسلم:
حتى لا يعبد إلا الله (٤)، والظالم من أبى أن يقول: لا إله إلا الله، قاله
قتادة وعكرمة. وعن الربيع: هم المشركون(٥)، وأضمر بعضهم في قوله:
﴿فَإِ أَنَهَوْ﴾ أي: أنتهى بعضهم ﴿فَلَ عُدْوَنَ إِلَّا عَلَى التَّلِينَ﴾ منهم، وأباه
بعضهم، وهذا على وجه المجازاة لما كان من المشركين الاعتداء،
يقول: افعلوا بهم مثل (الذي)(٦) فعلوا بكم (٧).
(١) رواه الطبري ٢/ ٢٠٠ وقاله مجاهد وقتادة والسدي والربيع.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣٢٨/١.
(٣) رواه الطبري ٢/ ٢٠١.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم ٣٢٨/١.
(٥) روىُ هُذِه الآثار الطبري ٢٠١/٢.
(٦) في الأصل: الذين، والمثبت هو المناسب للسياق.
(٧) انظر: ((تفسير الطبري)) ٢٠١/٢، ٢٠٢.