النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ
=
أو سعيد(١)، وإن كنا لا نمنع أن يكون عبد الرحمن سأل، فإن ابن عباس
كان يسأله من أقدم منه صحبة وأعلم.
وقوله: (﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾) قيل: هي منسوخة بقوله:
خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧].
وأما قول ابن عباس: (إذا عرف الإسلام). فلعله ذكره تغليظًا على
ظاهر الآية، وقيل: معنى الآية أن يقتله مستحلا لقتله فيكون كافرًا
يستوجب الخلود. وقيل: نزل هذا بمكة الذي في الفرقان، وأنزل:
﴿يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] ثم أنزلت بالمدينة بعد
ثماني سنين ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ مبهمة لا مخرج لها.
وقوله: (﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾) على ما ذكره ابن عباس أي: من تاب من
الشرك ودخل الإسلام (٢) .
الحديث الخامس :
حديث الأوزاعي حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حدثني مُحَمَّد بْن
إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عبد الله بن عَمْرٍو
ابْنِ العَاصِي: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ برسول الله وَ ◌ّهِ. قَالَ:
بَيْنَا رسول اللهِوَّ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ،
فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ
بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ رسول الله ◌ِّهِ، قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ.
سلف آخر مناقب الصديق(٣).
(١) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٥٨٥.
(٢) في هامش الأصل: سيأتي قريبًا فصل يتعلق بحديث ابن عباس.
(٣) سلف برقم (٣٦٧٨).

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم قال البخاري: تَابَعَهُ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ
عُرْوَةَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو.
وَقَالَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ: قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العَاصِي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ العَاصِي.
متابعة ابن إسحاق رويناها في ((سيرته)) (١) أخرجها البزار عن أبي
طلحة موسى بن عبد الله، ثنا بكر بن سليمان، عن محمد بن
إسحاق، عنه(٢).
وقول عبدة أسنده أبو عبد الرحمن في کتابه عنه به من مسند عمرو بن
العاصي في كتاب التفسير(٣).
وقول محمد بن عمرو أخرجه أبو القاسم في ((معجمه)) عن عبد بن
عباد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمد به (٤). وكفى بالفاعل شقاوة،
وبالصديق ◌ُه رفعة.
فصل: يتعلق بحديث ابن عباس الذي قبله:
روى الواحدي في ((أسبابه)) عن ابن عباس قال: أتى وحشي بن
حرب إلى رسول الله وَّة، فقال: إني أشركت وقتلت النفس وزنيت
فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨] فقال: لعلي
ممن لا يشاء. فنزلت ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فقال: نعم،
الآن لا أرى شرطًا فأسلم(٥).
(١) ((سيرة ابن إسحاق)) ص٢١٢.
(٢) ((مسند البزار)) ٤٥٦/٦.
(٣) (تفسير النسائي)) ٢٥١/٢ - ٢٥٢.
(٤) رواه أبو القاسم الطبراني كما في ((المجمع)) ١٦/٦.
(٥) ((أسباب النزول)) ص٣٤٦.

٤٨٣
كِتَابٌ مَنَاقِبٍ الأَنصَارِ
=
وروى الطبري في ((تفسيره)) عن أبي هريرة ﴾ أن أمرأة سألته فقالت:
إني زنيت وولدت فقتلته، فهل لي من توبة؟ فقال(١): لا، ولا نعمة عين،
ثم سأل رسولَ الله وَلَه فقال: (([بئس](٢) ما قلتَ لها))، ثم قرأ هذا الآية
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ الآية(٣).
وحكى النحاس عن بعض العلماء أنه لا توبة لمن يقتل مؤمنًا
متعمدًا، وبعض من قاله قال: الآية التي في الفرقان منسوخة بآية
النساء، ومن العلماء من قال: له توبة؛ لأن هذا مما لا يقع ناسخ
ولا منسوخ؛ لأنه خبر ووعيد، ومنهم من قال: إنه تحت المشيئة،
وقيل: جزاؤه إن جازاه. وقيل: قتله مستحلا .
والأول يروى عن زيد بن ثابت وابن عباس(٤) من طرق صحاح مع
ما روى ابن مسعود مرفوعًا: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)»(٥) وقوله
وَالر: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض))(٦)، و((من
أعان على قتل مسلم جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من
رحمة الله))(٧) .
(١) في الأصل: فقال: ((بئس ما قلت لها)). اهـ وورد في الهامش تعليق نصه: لعله
بحذف ((بئس ما)). [قلت: والصواب أن الجملة هذِه مقدمة وحقها التأخير؛ فهي
من قول النبي ◌َّ، يرشدك إليه ما بعده].
(٢) ليست في الأصل، والمثبت من الطبري، وأظن أن هذا الاضطراب والذي قبله ينم
عن سقط، والله أعلم.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٤١٦/٩ (٢٦٥١٥).
(٤) أثر زيد أخرجه النسائي ٧/ ٨٧ وأما أثر ابن عباس فأخرجه البخاري (٤٧٦٢)
ومسلم (٣٠٢٣).
(٥) سيأتي برقم (٦٠٤٤).
(٦) سيأتي برقم (٧٠٧٧، ٧٠٧٩، ٧٠٨٠) عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٢٦٢٠) والبيهقي ٢٢/٨ من طريق يزيد بن زياد الشامي، عن =

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والقول الثاني عليه جماعة من العلماء، وهو مروي عن زيد بن ثابت
وابن عباس، وروي عنه أنها نزلت في أهل الشرك، وأن التي في النساء
منسوخة نسختها. وحجة القائلين به ظاهرة من قوله تعالى ﴿وَإِنِِّ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ
تَابَ وَءَامَنَ﴾ [طه: ٨٢]، ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]
وهذِه أخبار لا يقع فيها ناسخ.
والقول الثالث عليه الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، وقول من
قال: إن كان مستحلًّا قاله عكرمة؛ لأنه روى أن الآية نزلت في رجل قتل
مؤمنًا متعمدًا ثم أرتد، وقول من قال: فهو جزاؤه إن جازاه قاله
أبو مجلز. قال النحاس: وغلطه فيه بين(١).
وقال ابن الحصار في ((ناسخه)): إذا لم تتوارد الآي على حكم
واحد فلا تعارض بينهما، وإنما نزلت آية النساء فيمن قتل مؤمنًا
متعمدًا للتكذيب من غير جهالة، فتكذيبه كتكذيب إبليس، وعلماء
اليهود والنصارى المتعمدين بجحد ما أنزل الله، ولذلك قال ابن
عباس: لا توبة له، فالآية على هذِه ليست عامة في الكافرين، فكيف
= الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال البيهقي: يزيد منكر الحديث.
وقال الذهبي في ((الميزان)) ٤/ ٤٢٥: سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال باطل
موضوع. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٧٤/٥ من طريق حكيم بن نافع، عن
خلف بن حوشب، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وقال
أبو نعيم: غريب تفرد به حكيم عن خلف. وأخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» ٩/
٣٥٠ من طريق ابن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري. وأورده
ابن الجوزي في «الموضوعات)) ٢/ ١٠٤ من حديث أبي هريرة وعمر وأبي سعيد،
وأعلها كلها ثم قال: قال أحمد: ليس هذا الحديث بصحيح. والحديث ضعفه
الألباني أيضًا، أنظر: ((الضعيفة)) (٥٠٣).
(١) حكى ذلك النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ٢١٧/٢ - ٢٢٦.

٤٨٥
== ڪِتَابُ مَنَاقِبِ الأنْصَارِ
يدخل فيها المؤمنون، وكيف يشكل حكم هذِه الآية على عالم؟ وآية
الفرقان نزلت في الكفار.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها نزلت -يعني آية النساء- في
مقيس بن صبابة قتل أخوه (١) هشام في غزوة ذي قرد سنة ست
مسلمًا، أصابه رجل من الأنصار، وهو يرى أنه من الكفار(٢).
وزعم ابن منده أن ذلك كان ببني المصطلق فأرسل رسول الله وَالاله
زهير بن عياض الفهري إلى بني النجار فجمعوا لمقيس بن صبابة
الدية، فلما قبضها قتل زهيرًا ورجع إلى مكة مرتدًّا، فقال:
وترت به فهرًا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع
وأدركت ثأري واضطجعت موسدًا وكنت إلى الأوثان أول راجع
فأهدر رسول الله وَّ دمه فقتل يوم الفتح كافرًا، وقال القاضي
إسماعيل: وهُذِه الآية حكم من أحكام الآخرة، ليس بالناس حاجة
أن يبرموا فيه قولا، غير أنا نرجو قبول التوبة من عباده المسلمين
أجمعین .
وروي أن رجلاً قال لسفيان: إني أريد أن أقتل رجلًا فهل لي من
توبة؟ قال: لا. وقال لمن قتل واستفتاه في ذلك: لك توبة. أراد
بالأول تعظيم القتل؛ لئلا يقع فيه، وبالثاني لئلا يقنط.
(١) في هامش الأصل: قاتل أخيه. [قلت: لعل المراد منه الإشارة إلى أن مقيس قتل
قاتل أخيه كما سيأتي].
(٢) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٢٧٤٣/٥، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
٢٧٧/١.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٠ - باب إِسْلَامُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ
لضمعنه
٣٨٥٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ حَمَّدِ الآمُلِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بنُ مُجَالِدٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ
يَاسِرٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ وَمَا مَعَهُ إِلَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ، وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ. [انظر: ٣٦٦٠
- فتح: ٧ / ١٧٠]
ذكر فيه حديث عمار: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ
أَعْبُدٍ، وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ.
وقد سلف في مناقب الصديق.

٤٨٧
كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنصَارِ
=
٣١ - باب إِسْلَامُ سَعْدٍ بن أبي وقاص
مضـ
٣٨٥٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمْ قَالَ: سَمِعْتُ
سَعِيدَ بْنَ اُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ
إِلَّ فِي اليَوْمِ الذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِّ لَثُلُثُ الإِسْلَامِ. [انظر:
٣٧٢٦ - فتح: ٧ / ١٧٠]
ذكر فيه حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص ﴿ مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ
إِلَّا فِي الْيَوْمِ الذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامِ، وَإِنِّي لَئُلُثُ
ے
الإِسْلامِ.
وقد سلف في مناقبه أيضًا(١)، وأنه لا تنافي بينه وبين حديث عمار
الذي قبله، وأسلم وهو ابن سبع عشرة، وهاجر إلى المدينة قبل قدومه
◌َالڼ، وشهد بدرًا والمشاهد.
فائدة :
في إسناده (هاشم) وهو: ابن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.
(١) سلف برقم (٣٧٢٧).

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٣٢ - باب ذِكْرُ الجِنِّ، وَقَوْلُ اللّهِ تَعَالَى:
﴿قُلُ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]
٣٨٥٩ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مِشْعَرُ، عَنْ
مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَشْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ◌َ بِالْجِنِّ
لَيْلَةَ أَسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَغْنِي: عَبْدَ اللهِ- أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
[مسلم: ٤٥٠ - فتح: ١٧١/٧]
٣٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِ جَدِّي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ أَنَّهُ كَانَ يَجْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ بَِّ إِدَاوَةً؛ لِوَضُوئِهِ
وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا، فَقَالَ: ((مَنْ هذا؟)). فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ:
((ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِي بِعَظْم وَلَا بِرَوْثَةٍ)). فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَعْمِلُهَا
فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ أَنْصَرَّفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ:
مَا بَالُ العَظُمْ وَالرَّؤْثَّةِ؟ قَالَ: ((هُمَا مِنْ طَعَام الجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيِينَ
- وَنِعْمَ الجِنُّ- فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْم وَلَا بِرَوْثَةٍ
إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا)). [انظر: ١٥٥ - فتح: ٧ / ١٧١]
ذكر فيه حديث معن بن عبد الرحمن عن أبيه قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوفًا :
مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ وَ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ أَسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ
- يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ- أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
وحديث (أبي هريرة)(١) أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ رسول الله وَّهِ إِدَاوَةً.
الحديث سلف في الطهارة (٢).
(١) في الأصل: ابن مسعود، وهو وهم، والصواب ما أثبتناه؛ ولذا ورد في هامش
الأصل: إنما هو حديث أبي هريرة لا خلاف فيه.
(٢) سلف برقم (١٥٥).

٤٨٩
كِتَابُ مَنَاقِبِ الأَنصَارِ
-
وزاد هنا: (حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟
قال: ((هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن-
فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا
عليها طعامًا)). قال ابن عباس: في الآية إنما أوحي إليه قول الجن(١).
والنفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من ثلاثة إلى عشرة.
ومعن (٢) هذا هو ابن ابن مسعود، وكذلك عن أبيه -يعني:
عبد الرحمن- قال: حدثني أبوك -يعني عبد الله بن مسعود، و(آذن):
بالمد أي: أعلمه، ومعنى ((ابغني أحجارًا)) في حديث (أبي هريرة)(٣):
أطلب لي، وهو موصول ثلاثي يقال: بغيتك الشيء: طلبته لك،
وأبغيتكه -هو رباعي -: أعينك على طلبه، والأول المراد بالحديث.
وفيه: الدعاء لهم.
والوفد: القوم يقدمون، وقوله: ((إلا وجدوا عليها طعامًا)) أي:
حقيقة، وقد جاء: ((تجدونها أوفر ما كان لحمًا سمينًا)) (٤).
وقال ابن التين: يحتمل أن يجعل الله ذلك عليها، ويحتمل أن
يذيقهم منها طعامًا، ويقل ذلك ويكثر، وفي مسلم أن البعر زاد
دوابهم(٥)، وقال: في الروثة ((هذا ركس))، وسلف في الطهارة(٦).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٥٨/١٢.
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٧/ ١٧٢: هو كوفي ثقة، ما له في البخاري إلا هذا الموضع.
(٣) في الأصل: ابن مسعود، والمثبت الصواب كما تقدم، وكذا جاء في هامش
الأصل: تقدم أنه أبو هريرة أعلاه في الهامش.
(٤) لم أره بتمامه، وهو عند مسلم برقم (٤٥٠) بلفظ: ((أوفر ما يكون لحمًا)).
(٥) مسلم (١٥٠/٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح ...
(٦) سلف برقم (١٥٦).

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فائدة :
أسلفنا في باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم (١) قريبًا أنهم كانوا تسعة
فيما ذكره الزجاج، وقيل: سبعة، وكانوا من نصيبين كما في الحديث.
وقيل: من اليمن، وكانوا يهود، وقيل: مشركين، وفي ((تفسير ابن
عباس)) أسماؤهم: سليط، شاصر، وحاصر، وحيفا، ولما، ولحقم،
والأرقم، والأدرس، وسلف هناك غير ذلك(٢).
(١) سلف برقم (٣٢٩٦).
(٢) وانظر: ((تفسير ابن كثير)) ٤٤/١٣، ((غرز التبيان)) لابن جماعة ص ٤٤٧، ((تفسير
مبهمات القرآن)) للبلنسي ٥٠١/٢ - ٥٠٤، ((الدر المنثور)) ١٧/٦.

٤٩١
كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ
=
الله
عنه
٣٣ - باب إِسْلَامُ أَبِي ذَوِّ
٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا المُثَنَّى،
عَنْ أَبِي ◌َمْرَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَا بَلَغَ أَبَا ذَرِّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ◌َّ
قَالَ لأَخِيهِ: أَزْكَبْ إِلَى هذا الوَادِي، فَاغْلَمْ لِي عِلْمَ هذا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيّ،
يَأْتِيهِ الَخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ أَثْتِنِي. فَانْطَلَقَ الأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ
مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِ ذَرَّ، فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ
بِالشِّغرِ. فَقَالَ مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةً،
فَأَتَى المَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ◌َلَ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَغْضُ
اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلَيَّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ
عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ أَحْتَمَلَ قِزْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى المَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ اليَوْمَ وَلَا يَرَاهُ
النَّبِيُّ ◌ََّ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلَيَّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ
يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا
كَانَ يَوْمَ الثَّالِثِ، فَعَادَ عَلِيّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الذِي أَقْدَمَكَ؟
قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ. فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ. قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ،
وَهْوَ رَسُولُ اللهِ وََّ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَغْنِي، فَإِّ إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ
كَأَنِّي أُرِيقُ الماءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَغْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي. فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ
حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ وَّ: ((ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي)). قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَّى المسْجِدَ، فَنَادِى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّ اللهَ، وَأَنَّ ◌ُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ قَامَ القَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ،
وَأَتَى العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ، أَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ وَأَنَّ طَرِيقَ
تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ؟! فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الغَدِ لِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ
العَبَّاسُ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٥٢٢ - مسلم: ٢٤٧٤ - فتح: ٧ /١٧٣]

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واسمه جندب بن جنادة على الأصح، من السابقين، وفيه عدة
أقوال أخر، الغفاري، أحد النجباء من الصحابة، ويقال فيه أيضًا:
أبو الذر.
أمه: رملة بنت الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليل. ولما رآه الشارع
لم يذكر أسمه قال: ((أنت أبو نملة)). مات بالربذة بعد الثلاثين أو قبلها
قال ابن التين: وهو بدري. قلت: كذا قال: ولم يشهدها(١).
ذكر فيه حديث أبي جمرة - بالجيم - عن ابن عباس رضي الله عنهما
في إسلامه.
وقوله: (اركب إلى هذا الوادي) يعني: وادي مكة الذي به
المسجد .
قوله: (وكلامًا ما هو بالشعر). يعني: القرآن. والشنة: القربة
البالية.
وكراهة السؤال عن رسول الله وَ له يحتمل أن يكون خوفًا على رسول
الله وخوفًا من مخالفة إرادته، وخوفًا على نفسه أن يعرض بها الإهانة قبل
معرفة الأمر.
وقوله: (أما آن للرجل أن يعلم منزله؟) أي: ما حان، وقال أبو بكر
في الهجرة: أما نال الرحيل.
قال الداودي: نال وآن وآل بمعنى واحد. و(يقفوه): يتبعه.
وقوله: (حتى دخل على رسول الله وَ له، ودخلت معه). استنبط منه
الداودي الدخول بدخول المتقدم قال: وهذا قبل الاستئذان، وهو
(١) انظر ترجمته في ((الحلية)) ١٥٦/١- ١٧٠، («أسد الغابة)) ٩٩/٦، ((تهذيب الكمال))
٢٩٤/٣٣، و((السير)) للذهبي ٤٦/٢-٧٨.

٤٩٣
كِتَابٌ مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ
=
عجيب منه، فإنه كان حينئذ كافرًا(١) وكانوا مختفين، ولا توحد الأحكام
في مثل هذا، كما نبه عليه ابن التين.
وقوله: (لأخرجن بها بين ظهرانيهم). أي: في جميعهم.
قال ابن فارس يقال: هو نازل بين ظهرانيهم وظهريهم، ولا يقال:
ظهرانيهم يريد بكسر النون(٢).
(١) في هامش الأصل: فيه نظر لا يخفى.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٦٠٣/١ مادة ظهر.

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٤ - باب إِسْلَامُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ
٣٨٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ:
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي مَسْجِدِ الكُوفَةِ يَقُولُ: والله لَقَدْ رَأَيْتُنِي
وَإِنَّ عُمَرَ لَوْثِقِي عَلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدَا أَزْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ
بِعُثْمَانَ لَكَانَ. [٣٨٦٧، ٦٩٤٢ - فتح: ١٧٦/٧]
ذكر فيه حديث قيس : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ يَقُولُ:
والله لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ، وَلَوْ أَنَّ
أُحُدًا أَرْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ لَكَانَ.
وذكره في الباب بعده: سمعه يقول للقوم: لو رأيتني موثقي عمر
على الإسلام أنا وأخته وما أسلم، ولو أن أحدًا أنقض لما صنعتم
بعثمان لكان محقوقًا أن ينقض.
معنى (ارفض): زال من مكانه وتفرقت أجزاؤه، وكذلك (انفض)
بالفاء، ومنه قوله: ﴿لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وفض
الجدار(١) وفله واحد، قاله الخطابي(٢).
قال(٣): ولو رواه راوٍ (انقض) -بالقاف- كان معناه تقطع وتكسر،
والقضيض ما يكسر من الحجارة ويقطع منها. وعبارة ابن فارس: أنقض
الحائط: وقع(٤)، ومنه ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] أي: يتكسر
ويهدم، وقوله: (لكان محقوقًا أن ينقض) أي: واجبًا عليه، يقال:
(١) في الأصل الجدار وما أثبتناه من ((إعلام الحديث)).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٦٧٦/٣.
(٣) أي: الخطابي في ((الأعلام)).
(٤) ((مجمل اللغة)) ٧٢٩/٣، مادة (قضض).

٤٩٥
كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ
=
حق عليك أن تفعل كذا، وأنت حقيق أن تفعله، ومحقوق أن تفعل ذلك،
ومعنى موثقي عمر على الإسلام أي: ضيق عليه، وأهانه، وهذا تمثيل.
وقال الداودي: يقول: لو تحركت [القبائل](١) وطلبت بثأر عثمان
لكان أهلًا لذلك، ولكن سعيدًا ممن تخلف عن القتال، وخشي أن
( ... )(٢) الأمر إلى ما يريده فكف، وكذلك قال الحسن بن علي: إن
عليًّا أراد أمرًا فتتابعت عليه الأمور، فلم يجد منزعًا، ومعنى(٣) موثقي
عمر على الإسلام: أي: ضيق عليه وأهانه، وقد أسلفنا ترجمة
سعيد بن زيد في آخر مناقب أبي عبيدة بن الجراح(٤) فراجعهُ من ثم.
(١) زيادة مثبتة من ((الفتح)) ١٧٦/٧ يستقيم بها السياق.
(٢) كلمة غير مقروءة في الأصل، وكذا عَلَّم عليها الناسخ مستشكلها، ولعل صورتها
التقريبية: يراجأ.
(٣) في الهامش من الأصل: تقدم أعلاه قريبًا.
(٤) سلف برقم (٣٧٤٥) كتاب فضائل الصحابة.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٥ - باب إِسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ
٣٨٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةَ مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ.
[انظر: ٣٦٨٤ - فتح: ٧ / ١٧٧]
٣٨٦٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ قَالَ: فَأَخْبَرَنِي جَدِّي زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ فِي الدَّارِ
خَائِفًا، إِذْ جَاءَهُ العَاصِ بْنُ وَائِلِ السَّهْمِيُّ أَبُو عَمْرٍو، عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرَةِ، وَقَمِيصُ
مَكْفُوفٌ بِحَرِيرٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الَجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ؟
قَالَ: زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونِ إِنْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْكَ. بَعْدَ أَنْ قَالَهَا
أَمِنْتُ، فَخَرَجَ العَاصِ، فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمُ الوَادِي، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا:
نُرِيدُ هذا ابن الَخَطَّبِ الذِي صَبَا. قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. فَكَرَّ النَّاسُ. [٣٨٦٥ - فتح: ٧/
١٧٧]
٣٨٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُهُ
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: لَما أَسْلَمَ عُمَرُ أَجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ،
وَقَالُوا: صَبَا عُمَرُ - وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي - فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ،
فَقَالَ: قَدْ صَبَا عُمَرُ، فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ، فَقُلْتُ:
مَنْ هذا؟ قَالُوا: العَاصِ بْنُ وَائِلٍ. [انظر: ٣٨٦٤ - فتح: ٧ /١٧٧]
٣٨٦٦ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ، أَنَّ
سَالَمَا حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيْءٍ قَطْ يَقُولُ: إِّي لأَظُنُّهُ كَذَا.
إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّبِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ، فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ
هذا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِتَهُمْ، عَلَيّ الرَّجُلَ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ،
فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمٍ أَسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. قَالَ: فَإِّ أَغْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّ مَا أَخْبَرْتَنِي.
قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا

٤٩٧
كِتَابُ مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ
=
يَوْمًا فِي السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الفَزَعَ، فَقَالَتْ: أَلْ تَرَ الجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا وَيَأْسَهَا مِنْ بَغْدِ
إِنْكَاسِهَا وَلُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَخْلَاسِهَا؟ قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ، بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ
رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ، لَمْ أَسْمَغْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ، يَقُولُ:
يَا جَلِيخ، أَمْرٌ نَجِيخ، رَجُلٌ فَصِيحٌ، يَقُولُ: لَا إِله ◌ِلَّ أَنْتَ. فَوَتَبَ القَوْمُ، قُلْتُ: لَا أَبْرَحُ
حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هذا. ثُمَّ نَادِىُ يَا جَلِيخِ، أَمْرٌ نَجِيخ، رَجُلٌ فَصِيحٍ، يَقُولُ: لَا إله إِلَّ
الله. فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ: هذا نَبِيٌّ. [فتح: ٧ /١٧٧]
٣٨٦٧ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ المثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ
قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ يَقُولُ لِلْقَوْمِ: لَوْ رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَرُ عَلَى الإِسْلَامِ أَنَّا
وَأُخْتُهُ وَمَا أَسْلَمَ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدَا أَنْقَضَّ لَما صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ.
[انظر: ٣٨٦٢ - فتح: ٧ /١٨٧]
ذكر فيه أحاديث :
أحدها: قول عبد الله بن مسعود : مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ
ظُه. وقد أسلفناه في مناقبه(١) .
ثانيها :
حديث عمر بن محمد قَالَ: فَأَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ
أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا هُوَ فِي الدَّارِ خَائِفًا، إِذْ جَاءَهُ العَاصِي بْنُ وَائِلِ السَّهْمِيُّ
أَبُو عَمْرٍو، عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرَةٍ، وَقَمِيصٌ مَكْفُوفٌ بِحَرِيرٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي
سَهْم، وَهُمْ حُلَفَا ؤُنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ؟ قَالَ: زَعَمَ
قَوْمُكُ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونِي إِنْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْكَ. بَعْدَ أَنْ قَالَهَا
أَمِنْتُ، فَخَرَجَ العَاصِي، فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمُ الوَادِي، قَالَ: أَيْنَ
تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نُرِيدُ هذا ابن الخَطَّابِ الذِي صَبَأ. قَالَ: لَا سَبِيلَ
إِلَيْهِ. فَكَرَّ النَّاسُ.
(١) سلف برقم (٣٦٨٤).

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحبرة -بكسر الحاء وفتح الراء -: برد موشى مخطط. وكفة
القميص: حاشيته بالضم، وإذا استطال الثوب كف أي: عطف،
وعبارة الداودي الحِبر: ثياب تصبغ باليمن وهي مستحبة في الكفن
قلت: للتأسي به .
ومعنى (صبأ): خرج من دينه إلى دين آخر ومنه الصابئون، ومعنى
(فكرَّ الناس): رجعوا .
ثالثها :
قول ابن عمر رضي الله عنهما: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ أَجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ
دَارِهِ، وَقَالُوا: صَبأ عُمَرُ -وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرٍ بَيْتِي - فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ
قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: صَبأ عُمَرُ. فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ
النَّاسَ تَصَدَّعُوا فَقُلْتُ: مَنْ هُذا؟ قَالُوا: العَاصِي بْنُ وَائِلٍ .
القباء: بفتح القاف ممدود من قبوت الشيء إذا جمعته، قاله ابن
دريد(١) .
وقوله: (وأنا غلام) جاء أنه ابن خمس سنين، وفي رواية: قلت:
يا أبة من هذا جزاه الله خيرًا. قال العاصي بن وائل لا جزاه الله خيرًا.
قوله: (فوق ظهر بيتي) أنكره الداودي، وقال: المحفوظ: فوق ظهر
بيتنا. وتعقبه ابن التين وقال: إنه ليس بصحيح لأنها الآن بيته، وكانت
قبل هذا لأبيه، فإنه كان حكى أنه كان على ظهر بيته الذي هو الآن
ملكه(٢) .
(١) ((جمهرة اللغة)) ٣٧٥/١.
(٢) قال الحافظ معقبًا: ولا يخفى عدم الاحتياج إلى هذا التأويل، وإنما نسب ابن
عمر البيت إلى نفسه مجازًا، أو مراده المكان الذي كان يأوي فيه سواء كان ملكه
أم لا. ثم وجَّه قوله رحمه الله بكلام مانع فانظره. أنظر ((الفتح)) ١٧٨/٧.

٤٩٩
كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ
=
رابعها :
حديث عبد الله بن عمر : مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيْءٍ قَظُ يَقُولُ: إِنِّي لأَظُنُّهُ
كَذَا. إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ، فَقَالَ: لَقَدْ
أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هُذَا عَلَىْ دِينِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَيَّ
الرَّجُلَ. فَدُعِيَ بَه، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْم اُستَقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ
رجلًا مسلمًا. قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي. قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ
فِي الجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَا أَنَا يَوْمًا
فِي السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الفَزَعَ، قَالَتْ:
أَلَمْ تَرَ الجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا
وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ (إنساكها)(١)
وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا؟
قَالَ عُمَرُ: صدقت بينا أَنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ،
فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ، لَمْ أَسْمَعْ صَارٍخًا أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ، يَقُولُ: يَا جَلِيحْ،
أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إله إِلَّا الله. فَوَثَبَ القَوْمُ، فقلت:
لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هُذا. ثُمَّ نَادِى يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ
فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إله إِلَّ اللهُ. فَقُمْتُ فَمَا نَشِبت أَنْ قِيلَ: هُذا نَبِيٌّ .
الشرح:
قوله: (ما سمعت عمر .. ) إلى آخره هو من قوله القائل: ((إن يكن في
أمتي محدثون فإنه عمر ﴾))(٢).
(١) كذا في الأصل بتقديم السين على الكاف، وهو هكذا في شرح الداودي كما ذكر
الحافظ في ((الفتح)) ٧/ ١٨٠، بينما الذي في الصحيح: إنكاسها، بتقديم الكاف
على السين.
(٢) سلف برقم (٣٤٦٩).

٥٠
٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (فما أعجب ما جاءتك به جنيتك) هو من استراق الجن
السمع إذا قضى الله أمرًا صعق الملائكة حين يسمعون كلامه ﴿حَتَّىَ إِذَا
فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ﴾ [سبأ: ٢٣]، فيذكرون
ما سمعوا فیسمعه من یلیھم فیذکرونه ثم كذلك حتى يتكلم به ملائكة
الهواء، فتخطف الجن الخطفة فتلقها إلى جن يليه قبل أن يأخذه
الشهاب، فيوحيها إلى الكاهن، فيزيدون فيها أكثر من مائة كذبة.
وقوله: (وإيلاسها) أي: يأسها، قاله ابن فارس، أو إبعادها كما قاله
الداودي، أحتج ابن فارس بقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومنه
اشتق إبليس(١) .
وقوله: (من بعد إنساكها) يعني: أنها يأست من السمع بعد أن كانت
ألفته. قال ابن فارس: النسك المكان الذي يألفه(٢)، وروى الداودي:
من بعد إيناسها، وقال: يعني أنها كانت تأنس إلى ما تسمع(٣).
وقوله: (وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَخْلَاسِهَا؟) يعني: تفرقهم ونفارهم؛
كراهة الإسلام.
وقوله: (يا جليح) إما أن يكون نادى اسمًا أو أراد الارتفاع.
والنجيح: الظافر بحاجته والمصيب من الآراء نجيح.
فائدة: هذا الرجل الجميل هو سواد بن قارب كما ذكره البيهقي في
(دلائله))(٤) .
(١) ((مجمل اللغة)) ١٣٥/١، مادة [بلس].
(٢) ((مجمل اللغة)) ٨٦٥/٢، مادة [نسك].
(٣) عَقَّب الحافظ قائلًا: ولم أر ما قاله في شيء من الروايات. ((الفتح)) ٧/ ١٨٠.
(٤) ((دلائل النبوة)) ٢٤٨/٢.
٠