النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كِتَابُ المَنَاقِبِ = ابن أَبِي يَعْقُوبَ. شَكَّ- قَالَ النَّبِيُّ ◌َلَ: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ - وَأَحْسِبُهُ: وَجُهَيْنَةُ- خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيم وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ، خَابُوا وَخَسِرُوا)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِيَّ بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ)). [انظر: ٣٥١٥ - مسلم: ٢٥٢٢ - فتح: ٦ / ٥٤٢] ٣٥٢٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُّهَ قَالَ: قَالَ: أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ - أَوْ قَالَ: شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ - خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ - أَوْ قَالَ يَوْمَ القِيَامَةِ - مِنْ أَسَدٍ وَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ. [مسلم: ٢٥٢١ - فتح: ٦ / ٥٥٠]. ذكر فيه ستة أحاديث: أحدها : حديث أبي هريرة : ((قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ.)) إلى آخره. سلف في مناقب قریش قريبًا . الحديث الثاني : حديث نافع عن عبد الله : ((غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ)). وأخرجه مسلم أيضًا. الثالث : حديث أبي هريرة # أيضًا بمثله ولم يذكر عصية وأخرجه مسلم أيضًا وشيخ البخاري في (الأول)(١) محمد بن غرير الزهري هو بضم الغين المعجمة، وهو محمد بن غرير بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، سكن صفة سمرقند. وشيخه في الثاني(٢) محمد. قيل: هو ابن سلام. وقيل: هو ابن (١) ورد بهامش الأصل: صوابه: الثاني. (٢) ورد بهامش الأصل: صوابه: الثالث. ٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == (أبي)(١) يحيى(٢). الرابع : حديث أبي بكرة ﴾ قال: قال رسول الله وَِّ ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ جُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي أَسَدٍ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؟). فَقَالَ رَجُلٌ: خَابُوا وَخَسِرُوا. فَقَالَ: ((هُمْ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ)). الخامس : حديث محمد بن أبي يعقوب - وهو محمد بن عبد الله بن أبي يَعْقُوبَ الضبي البصري- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ -وَأَحْسِبُهُ: وَجُهَيْنَةَ ابنِ أَبِي يَعْقُوبَ. شَكَّ- قَالَ النَّبِيُّ وَلَه: ((أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ -وَأَحْسِبُهُ: وَجُهَيْنَةُ- خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيم وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ، خَابُوا وَخَسِرُوا)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: (وَالَّذِيَّ نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ)). (١) ورد بهامش الأصل: حذف أبي هو الصواب. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: هو محمد بن يحيى الذهلي، وأنا أبو علي الغساني فقال بعد أن ذكر أبوابًا ذكر فيها البخاري محمد بن يحيى عن عبد الوهاب، فقال: نسبه ابن السكن في بعضها ابن سلام، وقد صرح البخاري باسمه في الأضاحي وغير موضع، فقال: حدثنا ابن سلام، ثنا عبد الوهاب. قال: وذكر أبو نصر أن البخاري يروي في ((التاريخ)) عن محمد بن سلام، وبندار محمد بن بشار، وأبي موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن عبد الله بن يوسف عن عبد الوهاب الثقفي انتھی. ٦٣ - كِتَابُ المَنَاقِبِ ويأتي في النذور، ومسلم في الفضائل، والترمذي في المناقب(١)، وقال: حسن صحيح. السادس : حديث أبي هريرة يه موقوفًا أسلم وغفار، وقد سلف الكلام على ذلك، وهذا الموقوف(٢) أخرجه مسلم من حديث إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة مرفوعًا. ودعاؤه لأسلم وغفار قيل: لأن دخولهما في الإسلام كان سلمًا من غير حرب، وكانت غفار تزن(٣) بسرقة الحاج، فأحب ◌ّ أن يمحو عنهم تلك السبة وأن يعلم أن ما قد سلف مغفور لهم، وأما عصية فهم الذين قتلوا القراء بيئر معونة(٤)، وقيل: إنما ذكر أسلم وغفار ومن ذكر معهم السابقتهم في الإسلام، وما كان فيهم من رقة القلوب ومكارم الأخلاق، والقوم الذين فضلوا عليهم لم يكونوا كذلك، لأنهم كانوا أهلاً له، وقد أريد بهذا أكثر القوم، وكان أسد خزيمة حلفاء بني أمية وشهد منهم بدرًا (١) برقم (٣٩٥٢). (٢) ورد في هامش الأصل: قوله: (الموقوف) فيه نظر وقد قدمت على الهامش فيها أنه ليس بموقوف، وأنه مرفوع، وممن نص عليه الخطيب البغدادي فيما إذا قال بعض أهل البصرة عن محمد - وهو ابن سيرين - عن أبي هريرة قال: قال: ولم يذكره التَّفي أنه يكون مرفوعًا. والله أعلم. (٣) أي: تُنَّهم، ومنه قول حضرمي بن عامر: جَزْءٌ فلاقيتَ مثلها عجَلًا إن كنت أزننتني بها كذبًا وقول حسان ۶﴾: حصان رزان ما تزن بريبة انظر: ((لسان العرب)) ١٨٧٥/٣ مادة (زنن). (٤) تقدمت القصة برقم (٣٠٤٥) كتاب: الجهاد، باب: هل يستأسر، وتأتي برقم (٤٠٨٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: غزوة الرجيع. ٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = سبعة عشر رجلًا وقتل عبد الله بن جحش يوم أحد وهو ابن أميمة عمة رسول الله، وأخته زينب بنت جحش التي زوَّجها الله رُسولَه بعد زید. فصل : تميم هو (ابن مرَّ)(١) بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (٢)، مشتق -كما قال ابن دريد- من الشدة والصلابة(٣). وقال المفجع في ((منقذه)): يربوع وتميم بطنان في عذرة. قال النابغة ليزيد بن الصعق: أَعْدَدْتُ يَرْبُوعًا لَكُمْ وَتَمِيْمًا (٤) جَمِّعْ مِحَاشَكَ يا يزيد فإِنَّنِي قال الشيخ أبو بكر عاصم في ((شرح الأشعار الستة))(٥): لم يرد النابغة تميم بن مر، وإنما أراد تميمة بن (ضبة)(٦) بن عذرة بن سعد(٧)، فرخم في غير النداء. وكذا قال الجاحظ في ((حيوانه)): يريد تميمة فحذف الهاء(٨). وعند الكلبي تميم بن حنبة بغير هاء في تميم، وكذا ذكره البلاذري ومن تبعه. (١) من (ص١). (٢) ((نسب قريش)) ص ٢٧٥، ((جمهرة أنساب العرب)) ص١٩٨. (٣) ((الاشتقاق)) ص٢٠١. (٤) ((شرح ديوان النابغة)) ص ٧٠، ((الحيوان)) ٤٧٢/٤، ((المعاني الكبير)) ١٢٤/١. (٥) عن الكتاب أنظر: ((فهرسة ابن خير)) ص٣٨٨. وأبو بكر هو عاصم بن أيوب البطليوسي (ت ٤٩٤). (٦) في ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص٤٤٧: (ضِنَّة بن سعد هُذَيم)، وانظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا ٢١٥/٥. (٧) ((شرح ديوان النابغة)) ص٧٠. (٨) ((الحيوان)) ٤/ ٤٧٢. ٦٥ كِتَابُ المَنَاقِبِ = ٧ - باب ذِكْرٍ فَحْطَانَ ٣٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ، عَنْ أَبِيِ الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ)). [٧١١٧ - مسلم: ٢٩١٠ - فتح: ٦ /٥٤٥] ذكر من حديث أبي الغيث -واسمه سالم مولى عبد الله بن مطيع العدوي- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ» . وقد سلف في حديث عبد الله بن عمرو الذي أنكره معاوية (١). وقوله: ( (بعصاه)) ) على المبالغة وأنه يعطى النصر، وسيأتي في الفتن، وأخرجه مسلم أيضًا . (١) تقدم قريبًا برقم (٣٥٠٠) باب: مناقب قريش. ٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٨ - باب مَا يُنْهَى مِنْ (دَعْوى)(١) الجَاهِلِيَّةِ ٣٥١٨ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَنْجٍ قَالَ: أَخْبَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَ، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَغَابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنَّصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنَّصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َرَ فَقَالَ: ((مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟)). ثُمَّ قَالَ: ((مَا شَأْنُهُمْ؟)). فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الُهَاجِرِيِّ الأَنَّصَارِيَّ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيئَةٌ)). وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِيِّ ابن سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا؟ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللهِ هذا الَخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَجَرِ: ((لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)). [٤٩٠٥، ٤٩٠٧ - مسلم: ٢٥٨٤ - فتح: ٦/ ٥٤٦] ٣٥١٩ - حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ تَتُهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَلّ. وَعَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَل قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ)). [انظر: ١٢٩٤ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٥٤٦/٦] حدثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أنَا ابن جُرَيْج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو ابْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ رسول الله وَّهِ، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَغَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَقَالَ: ((مَا بَالُ دَعْوِى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟)). ثُمَّ قَالَ: ((مَا شَأْنُهُمْ؟)). فَأَخْبِرَ بِكَسْعَةِ (١) كذا في الأصل وفي حاشيتها: نسخة: دعوة. وفي (ص١): دعوة. ٦٧ = كِتَابُ المَنَاقِبِ المُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ بََّ: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ)). وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا؟ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ نَبِيَّ اللّهِ هُذَا الَخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: ((لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)). الشرح: يأتي أيضًا في التفسير وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (١)، ومحمد شيخ البخاري هو ابن سلام فيما قيل(٢)، وبه جزم الدمياطي، وعند مسلم: قال سفيان: يرون أن هذِه الغزوة غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع. إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها : (ثاب) قال الداودي: معناه: خرج. والذي ذكره أهل اللغة أن ثاب يثوب إذا رجع. ومعنى (لعاب): يعلب بالحراب والدرق؛ لما فيه من القوة على التدرب بالحرب. وقوله: (فكسع أنصاريًّا): أي ضرب دبره قاله الهروي(٣)، وقال ابن فارس: الكسع بالتخفيف أن تضرب بيدك على دبر شيء أو برجلك (٤)، وقيل: بقدمك. وقيل: بصدرها، وقال الداودي: كسع ضرب، وقيل: هو ضربك بالسيف على مؤخره، وفي ((الموعب)) كسعته بما ساءه إذا تكلم فرميته على إثر قوله بكلمة تسوؤه بها . (١) الترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) ٢٧١/٥ (٨٨٦٣). (٢) جزم به أيضًا المزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٤٤/٢٧ (٣- ٥٨٤) ترجمة مخلد بن یزید. (٣) كما في ((النهاية في غريب الحديث)) ٤/ ١٧٣. (٤) ((مجمل اللغة)) ٧٨٤/٢ مادة: (كسع). وانظر: ((مقاييس اللغة)) ١٧٧/٥. ٦٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ثانیھا : معنى (تداعوا): استعانوا بالقبائل يستنصرون بهم في ذلك. والدعوى: الانتماء، وكان أهل الجاهلية ينتمون بالاستعانة إلى الآباء، ولا تكاد أكثر هذِه الأمة تنزع عن التداعي بالأنساب ويطعن بعضهم على بعض. وقوله: (يال الأنصار) كذا هو في معظم نسخ البخاري بلام مفصولة في الموضعين، وفي بعضها بوصلها، وفي بعضها (يا آل) بهمزة ثم لام مفصولة(١)، واللام مفتوحة في الجميع وهي لام الاستغاثة(٢). والصحيح -كما قال النووي- بلام موصولة، ومعناه أدعو المهاجرين وأستغيث بهم(٣) . وقوله: ( ((ما بال دعوى أهل الجاهلية؟))) يقول: لا تداعوا بالقبائل ولا بالأحرار، وتداعوا بدعوة واحدة بالإسلام. وقوله: ( ((فإنها خبيثة)))، وفي رواية: ((منتنة)) أي قبيحة منكرة كريهة مؤذية؛ لأنها تثير الغضب على غير الحق والتقاتل على الباطل، وتؤدي إلى النار، كما جاء في الحديث الآخر: ((من دعا بدعوى الجاهلية فليس منا وليتبوأ مقعده من النار)) وتسميتها دعوى الجاهلية لأنها كانت من شعارهم كما سلف، وكانت تأخذ حقها بالعصبية، فجاء الإسلام (١) كتابتها بلام مفصولة، هي رواية أبي ذر الهروي، وبوصلها للباقيين المعتمد روايتهم في ((النسخة اليونينية)) ١٨٣/٤ ولم نعثر على نسخ فيها (يا آل). (٢) عن (الاستغاثة) انظر: ((شرح ألفية ابن مالك)) لابن الناظم ص ٥٨٧، ((أوضح المسالك)) ص٢٠٦، ((ضياء السالك إلى أوضح المسالك)) ٢٧٧/٣، ((همع الهوامع)) ٧١/٣. (٣) ((شرح مسلم)) ١٦/ ١٣٧. ٢٠ ٦٩ ـ كِتَابُ المَنَاقِبِ بإبطال ذلك، وفصل القضايا بالأحكام الشرعية، إذا تعدى إنسان على آخر حكم الحاكم بينهما وألزم كلا ما لزمه. ويتوجه للفقهاء في قوله : ((من دعا بدعوى الجاهلية)) بثلاثة أقوال - كما قال السهيلي: أحدها: يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطًا، اقتداء بأبي موسى الأشعري في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطًا حين سمع: يال عامر، قال أبو الفرج الأصبهاني: وأخذ عصاه وجاء معينًا . ثانيها: يجلد دون عشرة أسواط لنهيه ◌َّي أن يجلد أحد فوق عشرة أسواط(١). ثالثها: يوكل إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يراه من سد الذريعة، وإغلاق باب الشر، إما بالوعيد، وإما بالسجن، وإما بالجلد. فإن قلت: لم يُعاقبهما الشارع حين دعوا بها؟ قلت: قد قال: ( ((دعوها فإنها خبيثة أو منتنة)) ) فقد أكد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا (النهي)(٢) وجب أن يؤدب حتى يشم نتنها - كما فعل أبو موسى بالنابغة- إذ لا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة، والعقوبة عليها(٣). ثالثها : عبد الله بن أُبَيِّ، أكبر المنافقين، وهو الذي قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وكان زيد بن أرقم سمعه فبلغها عنه، فأنكر واحتج عنه أصحابه، وقالوا: لعل الغلام أوهم ففشيت المقالة في زيد فأنزل الله تصديقه، فمشى إليه النبي ◌َّ بذلك ليقر به وفرحا بما قال. (١) نهيه وَي و يأتي برقم (٦٨٤٨) كتاب: الحدود، باب: كم التعزير والأدب. (٢) في الأصل: الخبر، والمثبت من (ص١). (٣) ((الروض الأنف)) ١٧/٤-١٨. ٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وعبد الله هو الذي تولى كبره في عائشة رضي الله عنها . رابعها : إنما منع (عمر)(١) أن يقتل عبد الله بن أبي؛ لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه كما ذكره فيه، وفيه سياسة للدين؛ لأنه يقال لمن يريد أن يسلم: لا تغرر بنفسك لئلا يدعى عليك كفر الباطن، وفيه النظر للعامة على الخاصة. تنبيه : مما ورد في النهي عن الافتخار ما أخرجه الترمذي محسنًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((لينتهين أقوام أن يفتخروا بآبائهم الذين ماتوا إنما هم جمر جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب))(٢). خامسها : قول سفيان: (يرون أن هذِه الغزوة غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع)، يخالفه ما رواه أبو داود والنسائي أنه كان في غزوة تبوك(٣)، (١) من (ص١). (٢) الترمذي (٣٩٥٥)، وأحمد ٣٦١/٢، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٤٨٢). (٣) لم أعثر عليه في أبي داود والنسائي، ووقفت على ((سنن الترمذي)) (٣٣١٤) فوجدت ذلك من حديث محمد بن كعب القرظي عن زيد بن أرقم ﴾ قال الترمذي: حسن صحيح، وفيه: أن زيد بن أرقم حدَّث أن عبد الله بن أبي قال في غزوة تبوك. فذكره. وقد ذكر ابن كثير في «تفسيره)) ٨/١٤ هذه القصة من كتاب = ٧١ = كِتَابُ المَنّاقِبِ ويؤيد الأول كثرة المسلمين في غزوة تبوك، فكأن ابن أبي لا يستطيع أن يقول ما قال. وغزوة المصطلق يأتي عند البخاري أنها كانت في سنة أربع عند ابن عقبة، وست عند ابن إسحاق(١)، وعند الواقدي سنة خمس (٢). وقال السدي - فيما حكاه أبو العباس الضرير في ((مقامات التنزيل)) -: غزا ◌َّ بني المصطلق من خزاعة، وكان مع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جعال، وكان مع جعال فرس له يقوده فحوض لعمر حوضًا، فبينا هو قائم على الحوض إذ أقبل رجل من الأنصار يقال له: وبرة بن سنان الجهني -وسماه أبو عمر سنان بن (تيم)(٣) وكان حليفًا لابن أبي- فقاتله فتداعيا بقبائلهما. وفي ((الأسباب)) للواحدي: الغفاري اسمه جهجاه بن [سعيد بن] (٤) = ابن أبي حاتم بإسناده عن سعيد بن جبير مرسلًا .. فذكره بنحوه. ثم قال رحمه الله : وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير، وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك. فيه نظر، ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق. (١) قبل رقم (٤١٣٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق. (٢) ((المغازي)) ٤٠٤/١. (٣) في الأصل: تميم، وفي ((الاستيعاب)) ٢١٦/٢ ترجمة (١٠٧٢) سنان بن تيم، وكذا هو في ((الإصابة)) ٨٢/٢ (٣٤٩٥). (٤) في (أسباب النزول)) ص٤٥١ جهجاه بن سعيد. وفي (س) جهجاه بن سعد. وبعد مراجعة ((الاستيعاب)) ٣٣٣/١ (٣٦٠) وجدت في ترجمته أنه يقال له: جهجاه بن سعيد بن سعد بن حرام بن غفار. اهـ فلعله سقط من ((أسباب النزول)) بن سعد، وسقط من الأصل بن سعيد هذا هو الوجه الأول لذلك. = وهناك وجه ثان: أنه المصنف عزاه هنا إلى جده على عادة العرب في ذلك. ٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == سعد، والأنصاري اسمه سنان، فلما تداعيا أعان جهجاهًا رجل من المهاجرين، يقال له: جُعال بعين مهملة(١). قال ابن الأثير: ومن قالها بالفاء فقد صحف (٢). وذكر البخاري في الباب أيضًا حديث عبد الله عن النبي ◌ٍُّ: ((ليس منَّا من ضرب الخدود .. )) الحديث سلف في الجنائز. و(سفيان) فيه هو الثوري، و(إبراهيم) هو النخعي، أي: ليس عمله من عملنا، وهذا من النياحة، وما كان ينجو منها أمرأة إلا القليل، بايع رسول الله النساء على ذلك فما وفى منهن غير خمس (٣). = ووجه ثالث: أن كلمة (سعد) التي في النسخة الأصل محرفة عن (سعيد) التي هي في ((أسباب النزول))، و((الاستيعاب)). والوجه الأول أولى -والله أعلم - للجمع بين الترجمة وما في النسخة الأصل. (١) ((أسباب النزول)) ص٤٥١. (٢) ((أسد الغابة)) ٣٣٨/١. (٣) في هامش الأصل: هذا فيمن بايع مع أم عطية وليس المراد أن نساء المسلمات لم يف منهن غير خمس، كذا ذكره والله أعلم. ٧٣ كِتَابُ المَنَاقِبِ ٩ - باب قِصَّةٍ خُزَاعَةَ ٣٥٢٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ آدَمَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفُّ أَبُو خُزَاعَةَ)) [فتح: ٦ / ٥٤٧] ٣٥٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ قَالَ: البَحِيرَةُ: التِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَخْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ التِي: كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لَآلِهَتِهِمْ، فَلَا يُجْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ بْنِ لُحَيِّ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). [٤٦٢٣ - مسلم: ٢٨٥٦ - فتح: ٦ / ٥٤٧] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عُهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه قَالَ: ((عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبُو خُزَاعَةَ)) . وحديث سَعِيد بْنِ المُسَيِّبِ قَالَ: البَحِيرَةُ: التِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ التِي: كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لَآلِهَتِهِمْ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ه: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلَّه : ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). الشرح : قال الزبير: وخزاعة تقول: كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر من غسان، ويأبون هذا النسب، والله أعلم إن كان رسول الله ◌َي٤ قال ما روي، فرسول الله وَل أعلم، وما قال فهو الحق. وقيل لهم: خزاعة، لأنهم تخزعوا من بني مازن بن الأزد في إقبالهم معهم أيام سيل العرم لما صاروا إلى الحجاز فافترقوا فصار قوم إلى عمان وآخرون إلى الشام. ٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال حسان بن ثابت فلما قَطَعنَا بَطْنَ مَرِّ تَخَزَّعَت خَزاعَةٌ مِنَّا فِي جُمُوعٍ كَرَاكِرٍ(١) وانخزعت أيضًا بنو أفصى (٢) بن حارثة بن عمرو، وأفصى هو عم عمرو بن لحي. وقال الكلبي: إنما سموا خزاعة لأن بني مازن بن الأزد لما تفرقت الأزد باليمن نزل بنو مازن على ماء عند زبيد يقال له: غسان، فمن شرب منه فهو غساني، وأقبل بنو عمرو بن لحي فانخزعوا من قومهم فنزلوا ثم أقبل بنو أسلم ومالك وملكان بنو (أفصى)(٣) بن حارثة فانخزعوا أيضًا فسموا خزاعة، وتفرق سائر الأزد، وأول من سماهم هذا الأسم جذع بن سنان الذي يقال فيه: خذ من جذع ما أعطاك (٤) وذلك أنه لما رآهم قد تفرقوا قال: أيها الناس، إن كنتم كلما أعجبتكم بلدة أقامت منكم طائفة، كما أنخزعت خزاعتكم هذِه، أوشكتم أن يأكلكم أقل حي وأذل قبيل. وقال صاحب ((الموعب)): خزاعة أسمه عمرو بن لحي، ولحي أسمه ربيعة، سمي خزاعة لأنه أنخزع فلم يتبع عمرو بن عامر حين ظعن عن اليمن بولده، وسمي عمرو مزيقيا؛ لأنه مزق الأزد في البلاد، وقيل: لأنه كان يمزق كل يوم حلة. وفي ((حلى العلى)) لعبد الدائم القيرواني: مزيقيا أسمه عمرو بن عامر لحي. وقال ابن هشام في (تيجانه)): أنخزعت خزاعة في أيام ثعلبة العنقاء بن عمرو بعد وفاة عمرو. (١) ((ديوانه)) ص٣٦٨، هبطنا بدل: قطعنا، وحلول بدل: جموع. (٢) في الأصل: (فصى) غير منقوطة، والتصويب من ((الاشتقاق)) ص ٤٧٧ . (٣) في الأصل: قصي. (٤) ((جمهرة الأمثال)) ٤٢١/١، ((مجمع الأمثال)) ٢٤١/١. ٧٥ كِتَابُ المَنَاقِبِ = وهذا كما قال الرشاطي مذهب من يرى أن خزاعة من اليمن. وأما من يراها من مضر يقول: هو عمرو بن لحي بن قمعة، واحتج بحديث الباب وأورده بلفظ: ((رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار)). وروى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة : سمعت رسول الله يقول لأكثم: ((رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار إنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحامي)). قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: حدثت أن رسول الله وَل قال: ((رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، فسألته عمن بيني وبينه من الناس، فقال: هلكوا)). وحدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق، فرآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذِه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذِهِ نعبدها ونستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في (بني)(١) إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت (١) في الأصل: زمن، وهو تحريف، ولا يستقيم السياق به. والمثبت من ((السيرة لابن هشام)). ٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى (تنسخ)(١) ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبتهم، حتى خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلال، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج (والعمرة)(٢) وشبه ذلك(٣). وروى ابن منده من حديث محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة : سمعت رسول الله وَلّ يقول لأكثم بن أبي الجون الخزاعي: ((يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه برجل منك به، ولا منه بك))، فقال أكثم: عسى يضر بي شبهه! فقال ◌َّ: ((لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيب السوائب، وحمى الحامي)) رواه يونس ومحمد بن سلمة وغيرهما عن ابن إسحاق عن محمد التيمي(٤) . وقال ابن سعد: أكثم بن أبي الجون عبد العزى بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضَبِيس(٥) بن حرام بن (حُبْشِيَّة) (٦) بن كعب بن عمرو بن لحي، (١) في ((سيرة ابن هشام)) سلخ. (٢) من (ص١). (٣) ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٨١-٨٢. (٤) رواية محمد بن مسلمة عند ابن أبي عاصم في ((أوائله)) (٨١). (٥) فَعِيل من قولهم: رجل ضَبِيس، إذا كان سيئ الخُلق ((الاشتقاق)) ص (٢٧٩). (٦) في الأصل: حبشة، والتصويب من ((الاشتقاق)) ص (٢٧٦)، وحُبْشِيَّة: ضَرْب من النمل الكبار. والاسم على الصواب في ((جمهرة أنساب العرب)) ص ٢٣٧ -٢٣٨. ٧٧ كِتَابُ المَنَاقِبِ = وهو الذي (قال له)(١) رسول الله وَله: ((رفع لي الدجال فإذا رجل آدم جعد وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون))، فقال أكثم: يا رسول الله هل يضرني شِبهي إياه؟ قال: ((لا، أنت مسلم وهو كافر))(٢). وقد سلف أن أقرب الناس شبهًا بالدجال ابن قطن، قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية(٣). قلت: هو عبد العزى بن قطن بن عمرو بن حبيب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن جَذِيمة -وهو المصطلق- بن سعد بن عمرو بن لحي، أمه هالة بنت خويلد(٤) . وذكر الكلبي في كتاب ((الأصنام)): أن قمعة هي بنت مضاض الجرهمي(٥)، وفي ((الجمهرة)): أم عمرو أسمها فهيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي ومنه تفرقت خزاعة، وإنما صارت الحجابة إلى عمرو من قبل فهيرة الجرهمية كان أبوها آخر من حجب من جرهم وقد حجب عمرو. وفي (تفسير مقاتل)): ((رأيت عمرو بن لحي رجلًا قصيرًا أشقر له وفرة، وهو أول من نصب الأوثان حول الكعبة وغير دين الحنيفية .. ))، الحديث. قال السهيلي: وذكر بعض أهل النسب أن عمرو بن لحي (١) في الأصل: (قاله)، وفي هامشها: (لعله قال له) والتصويب منه، ومن مطبوع ((الطبقات الكبرى)) ٤/ ٢٩٢. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٢/٤. (٣) برقم (٣٤٤١) كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَ﴾. (٤) قال مصعب الزبيري في ((نسب قريش)) ص ٢٣٠ - ٢٣١: أما هالة بنت خويلد فولدت أبا العاصي بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس وكان يقال له الأيمن أهـ فلعل فيما ذكره المصنف هنا نظر بين. (٥) ((الأصنام)) ص (٨). ٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = كان حارثة بن ثعلبة قد خلف على أمه بعد أن [آمت](١) من قمعة، ولحي صغير - واسمه ربيعة- فتبناه حارثة وانتسب إليه، فعلى هذا يكون النسب صحيحًا بالوجهين جميعًا إلى حارثة بالتبني وإلى قمعة بالولادة [وكذلك أسلم بن أفصى بن حارثة، فإنه أخو خزاعة، والقول فيه كالقول في خزاعة](٢) وقد قيل في أسلم بن أفصى: إنهم من بني أبي حارثة بن عامر (لا من بني حارثة)(٣) فعلى هذا لا حجة في الحديث لمن نسب قحطان إلى إسماعيل، ومن حجة من نسب خزاعة إلى قمعة قول المعطل يصف قومًا من خزاعة: لَعَلَّكم مِن أُسْرَةٍ قَمَعِيَّةٍ إِذَا حَضَرُوا لَا يَشْهِدُونَ المُعَرَّفَا وقد روي أن أول من بحر البحيرة رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع آذانهما وحرم ألبانهما، قال ◌َ له: ((رأيته في النار تخبطانه بأخفافهما وتعضانه بأفواههما))(٤). وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت، ونفت جرهم عن مكة [قد](٥) جعلته العرب ربًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا أتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة، حتى إنه [ليقال](٦) اللات الذي يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخرة (١) في الأصل: حملت، والتصويب من ((الروض الأنف))، وبه يستقيم السياق . (٢) تتمة من ((الروض الأنف)) لتمام الجملة؛ لأن ذكره (وقد قيل) لابد وأن يكون قبله قول مجزوم به، وهو الذي أثبتناه في الصلب. والله الموفق. (٣) من (ص١). (٤) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٥٦/٧ (٣٥٨٣٠). (٥) زيادة يقتضيها السياق من ((الروض الأنف)). (٦) زيادة يقتضيها السياق من ((الروض الأنف)). ٧٩ كِتَابُ المَنَاقِبِ = اللات، ويقال: إن اللات كان من ثقيف فلما مات قال لهم عمرو: إنه لم يمت ولكنه دخل في الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها وأن يبنوا عليها بيتًا يسمى اللات. ودام أمر عمرو وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة سنة(١). وذكر أبو الوليد الأزرقي في ((أخبار مكة)): أن عمرًا فقأ أعين عشرين بعيرًا، وكانوا من بلغت إبله ألفًا فقأ عين بعيرها وإذا بلغت ألفين فقأ العين الأخرى(٢). قال الراجز: وكان شُكرُ القَومِ عِندَ المِنَنِ كَيَّ الصَّحِيحَاتِ وَفَقْءَ الأَعيُنِ وهو الذي زاد في التلبية: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وذلك أن الشيطان تمثل في صورة شيخ يلبي معه فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك فأنكر ذلك عمرو بن لحي فقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: تملكه وما ملك فإنه لا بأس به، فقالها عمرو فدانت بها العرب (٣)، قال ابن إسحاق: فيوحدون بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده(٤). قال مقاتل: نزلت هذه الآية في مشركي العرب من قريش وكنانة وعامر بن صعصعة وبني مدلج والحارث وعامر بن عبد مناة وخزاعة وثقيف، وكان عمرو بن لحي أمرهم بذلك في الجاهلية. (١) ((الروض الأنف)) ١٠٠/١-١٠٢. (٢) ((أخبار مكة)) ١/ ١٠٠، وقد ذكره المصنف من كتاب السهيلي، ونقله السهيلي بنحو ألفاظ أبي الوليد في ((تاريخه)) فسياق أبي الوليد أتم، فراجعه. (٣) ((الروض الأنف)) ١/ ١٠٢. (٤) كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٨٢. ٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فصل : (والسائبة): هي الأنثى من أولاد الأنعام كلها، كان الرجل يسيب لآلهته ما شاء من إبله وبقره (وغنمه ولا يسيب إلا الأنثى وظهورها وأولادها وأصوافها)(١) وأوبارها للآلهة، وألبانها ومنافعها للرجال دون النساء قاله مقاتل. وقيل: هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناثًا لم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتج بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل إلى آخر ما فعل بأمها فهي البحيرة بنت السائبة(٢). وقال ابن عباس : هي(٣) أنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكرًا نحروه، وأكله الرجال والنساء جميعًا، وإن كانت أنثى شقوا أذنها (٤). وتلك البحيرة لا يجز لها وبر، ولا يذكر عليها اسم الله إن ركبت ولا إن حمل عليها، وحرمت على النساء، ولبنها للرجال خاصة، فإذا ماتت أشترك الرجال والنساء في أكلها . وقال الثعلبي: كانوا إذا ولدوا السقب بحروا أذنه، وقالوا: اللهم إن عاش فعيي، وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه، وأما السائبة: فكان الرجل منهم يسيب من ماله شيئًا، فيجيء به إلى السدنة، فيدفعه (١) من (ص١). (٢) هذا القول ذكره الفراء في ((معاني القرآن)) ٣٢٢/١، وقد ذكره البغوي في ((تفسيره)) ١٠٧/٣. (٣) الضمير هنا يعود لزامًا على البحيرة لا السائبة: فليعلم كما يأتي . (٤) ذكرها ابن كثير في ((تفسيره)) ٣٩١/٥.