النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
- كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل إلينا خبركم(١).
الحديث الرابع: حديث أبي حيان- بالمثناة تحت- يحيى بن
سعيد بن حيان عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، هرم بن عمرو بن جرير عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّ فِي دَعْوَةٍ، فَرُفِعَتِ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ - وَكَانَتْ
تُعْجِبُهُ- فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ الناسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، هَلْ
تَدْرُونَ .. )) الحديث بطوله، ويأتي في التفسير أيضًا .
والكلام عليه من وجوه :
أحدها :
قوله: (فرفعت). كذا في الأصول(٢)، وذكره ابن التين بلفظ: فرفع،
ثم قال: والصواب رفعت إلا أنه جائز على ما تقدم في المؤنث الذي
لا فرج له أنه يجوز تذکیره.
والذراع: مؤنثة، ولذلك قال: وكانت تعجبه قال: وهذا على ما في
بعض النسخ بضم الذراع، وأما بنصبها فهو بين، ويكون رسول الله وَاليه
هو رافعها، وتقرأ: فرفع بنصب الراء وهذا لا يحتاج إليه؛ أما أولًا: فلأن
الذي في أصولنا: فرفعت. وأما ثانيًا: فقد أسلفنا أن اللغويين جميعهم
على تأنيث الذراع وتذكيره إلا سيبويه، فإنه لا يرى فيه إلا التأنيث.
ثانیھا :
قوله: (وكانت تعجبه) إعجابه بها، ومحبته لها؛ لنضجها وسرعة
استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى.
(١) رواه بنحوه البيهقي في ((الشعب)) ٢٤٨/١ (٢٦٥).
(٢) رواية المصنف للصحيح هنا (فَرُفِعَتْ) وهي رواية أبي الوقت والذي في اليونينية:
(فَرُفِعَ) وهي الذي ذكر المصنف أن ابن التين ذكرها ولم يشر اليونيني رحمه الله إلى
أي خلاف فيها.

٣٠٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي الترمذي: عن عائشة رضي الله عنها، ما كان الذراع أحب إلى
رسول الله ﴾، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبًا. فكانت تعجل إليه؛
لأنها أسرعها نضجًا(١).
ثالثها :
قوله: (فنهس). أكثر الرواة على إهمالها، وفي رواية ابن ماهان
وأبي ذر: بالإعجام. (٢) وكلاهما صحيح؛ فمعنى المهملة: الأخذ
بأطراف الأسنان، والمعجمة: بالأضراس. قال القزاز: النهس: أخذ
اللحم بالأسنان، وقيل: هو القبض على اللحم ونثره عند أكله. قال
الأصمعي: هما واحد، وهو أخذ اللحم بالفم. وخالفه أبو زيد فقال
ما أسلفناه، وقال الداودي: نهس منه نهسة: أخذ منها بفيه.
رابعها :
قوله: ( ((أنا سيد الناس يوم القيامة))) أي: الذي يفوق قومه ويفزع
إليه في الشدائد، وخص يوم القيامة؛ لارتفاع سؤدده فيه وتسليم جميعهم
له، ولیکون آدم وجميع ولده تحت لوائه، ذكره عياض(٣).
وقد أسلفنا الجمع بين هذا وبين قوله: ((لا تخيروا بين الأنبياء)).
وقوله: «لا تفضلوني على يونس)). بأوجه:
ومنها: أنه كان قبل إعلامه بسيادة ولد آدم والفضائل لا تنسخ إجماعًا
فتعينت القبلية وبه جزم ابن التين هنا .
وزعم بعضهم أن النهي عن تفضيله على يونس أن التفضيل لشخص
يقتضي تنقيص الآخر، كأنه قال: قولوا ما قيل لكم ولا تفضلوا برأيكم،
(١) الترمذي (١٨٣٨) وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٥٨٢.
(٢) راجع هامش اليونينية الموضع السابق.

٣٠٣
كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
=
وليس المراد أنكم لا تعتقدوا تفضيل شخص على شخص، فقد قال
تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
ومنها: أن تفضيله عليه في صبره ومعاناة قومه، فإن نبينا فضل
الأنبياء بموهبة من الله.
ومنها: أنه من باب التواضع، أو يقال أن السيادة: التقدم، فكأنه
أشار بتقدمه في القيامة بالشفاعة على الخلق ولم يتعرض لذكر فضل.
ومنها: أن المنع في ذات النبوة والرسالة، فإن الأنبياء فيها على حد
واحد؛ إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال
والكرامات والرتب والألطاف.
وقال بعضهم: التفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة
أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته أبهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى
وأطهر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر.
وفي أبي داود من حديث عبد الله بن جعفر: ((ما ينبغي لنبي أن يقول:
أنا خير من يونس بن متى))(١) .
والضمير في أنا، هل هو عائد إلى رسول الله وَله أو إلى القائل؟
أي: لا يقول ذلك بعض الجاهلين من المتعبدين في عبادة أو علم،
فإنه لو بلغ من الفضائل ما بلغ، لم يبلغ درجة من درجات النبوة.
خامسها :
قوله: ( ((فيبصرهم الناظر))). كذا هنا، وجاء: ((فينفذهم البصر))(٢):
بفتح الياء وبذال معجمة على الأكثر، وروي بضم الياء قال أبو عبيدة:
(١) أبو داود (٤٦٧٠) بلفظ: ((إني خير)).
(٢) سيأتي برقم (٣٣٦١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿يَزِفُّونَ﴾

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
معناه: ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم.
قلت: هو كناية عن استيعابهم بالعلم، والله تعالى لا يخفى عليه
شيء والصواب قول من قال: بصر الناظر من الخلق. وعن أبي
حاتم: إنما هو بدال مهملة أي: يبلغ أولهم وآخرهم. قاله ابن
الأثير(١). والصحيح فتح الياء مع الإعجام.
والصعيد: وجه الأرض، وهي يومئذٍ مستوية لا عوج فيها ولا أمتا،
ويجعل الله في أبصارهم ما ينفذون به أبصارهم، وفي أصواتهم
ما يسمعون جميعهم .
قوله: ((إلى ما بلغنا)) الصحيح فتح غينه؛ لأنه تقدم: ((ما بلغكم)).
ولو كان بسكونها لقال: بلغهم. وضبطه بعض المتأخرين بالسكون،
وله وجه.
سادسها :
فيه: بعث آدم إلى نوح، ونوح إلى نبينا، قال محمد بن عبيد:
لا أحفظ سائره. قال ابن التين: وقول نوح ((ائتوا النبي)) وهم، إنما
دلهم على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى،
وعيسى على نبينا .
وجاء أن إبراهيم ذكر ثلاث كذبات وفي مسلم رابعا وهو: قوله
للكوكب(٢). ولم يعدها من أولئك؛ لأنه قالها حين الطفولية، وضعفه
القرطبي؛ لأن الله خص الأنبياء بسلامة الفطرة والحماية عن الجهل
بالله من أول نشأتهم وإلى تناهي أمرهم.
(١) ((النهاية في غريب الحديث)) ٩١/٥.
(٢) مسلم (١٩٤ / ٣٢٨) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة.

٣٠٥
كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
=
وقيل: إنه قال ذلك لقوله على جهة الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ
لهم والإنكار عليهم. وحذفت همزة الاستفهام أتساعًا .
وقيل: إنه قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن
ما يتغير لا يصلح للربوبية(١).
ومعنى الحديث كما قال ابن الأنباري: قلت قولًا يشبه الكذب في
ظاهر القول وهو صدق عند البحث؛ وذلك أنه لا يجوز ذلك على الأنبياء
بحال، واستعير هنا ذكر الكذب؛ لأنه بصورته، فسماه كذبًا مجازًا .
وقوله: ﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. أي: سأسقم، كقولك: إِنَّكَ
مَيِّتُ أي: ستموت، أو سقيم بما قدر عليه من الموت.
ويحتمل - كما قال القرطبي- أنه يريد سقيم الحجة عن الخروج
معكم؛ إذ لا يصح على ذلك حجة على جوازه(٢).
فاعتذر عما دعوه إليه حتى يخلوا بالأصنام فيكسرها .
وقيل: كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت ولو كان الذي قاله
لا تورية فيه لكان جائزًا في دفع الظالم، وقد اتفق العلماء على أنه
لو جاء ظالم يطلب إنسانًا مختفيًا ليقتله، أو يطلب وديعة الإنسان
ليأخذها غصبًا وسأل عن ذلك، وجب على من علم ذلك إخفاؤه وهو
كذب جائز بل واجب.
وفي حديث آخر عند البخاري: ((اثنتين في ذات الله، وواحدة في شأن
سارة))(٣) وهو أيضًا في ذات الله كما قال بعضهم؛ لأنها سبب دفع كافر
(١) ((المفهم) ٤٣١/١ - ٤٣٢.
(٢) ((المفهم)) ٤٣٣/١.
(٣) هُذا لفظ رواية مسلم (٢٣٧١) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم القَيّلا،
وسيأتي بنحوه برقم (٣٣٥٨).

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عن مواقعة فاحشة وصيانة لقرابته.
وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ [الأنبياء: ٦٣] قال الكسائي: يقف عند قوله:
﴿بَّ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ﴾(١).
قال ابن قتيبة: معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم(٢).
وقوله للجبار المجوسي: (أختي) لأن مذهبهم أن الأخت إذا كانت
زوجة، كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره، وقيل: كان من
مذهب الجبار أن من له زوجة لا يجوز أن تتزوج إلا أن يقتل الزوج فاتقاه
إبراهيم بهذا القول، وقد أسلفنا الكلام في ذلك و ذكرناه هنا للبعد عنه.
سابعها :
قوله لنوح: ( ((أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)) ) قال الداودي:
هذا هو الصحيح، قال: وروي أن آدم نبي مرسل، وروي في ذلك حديث
عن النبي وَ ل﴾(٣)، وقيل: هو نبي وليس برسول، وقيل: رسول وليس
بنبي .
قلت: ولا يصح؛ لأن من لازم الرسالة النبوة، وذكر أن شيث
رسول الله.
قال: والصحيح ما هُهنا، والنساب يقولون: إن إدريس جد نوح
(١) هكذا هنا، وقال النووي في ((شرح مسلم)) ١٢٥/١٥: وقال الكسائي: يوقف عند
قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ أي فعله فاعله، فأضمر، ثم يبتدئ فيقول ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا
فَسَثَلُوهُمْ﴾ عن ذلك الفاعل. وانظر ((الفتح)) ٦/ ٣٩٢.
(٢) ((تأويل مشكل القرآن)» ص٢٦٨.
(٣) رواه ابن حبان في (صحيحه)) ٧٦/٢ - ٧٧ (٣٦١) من حديث طويل لأبي ذر،
وفيه: قلتُ يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: ((آدم))، قلتُ: يا رسول الله أنبي
مرسل؟ قال: ((نعم .. )).

٣٠٧
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
أبو أبيه، وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس : إن إلياس هو إدريس.
وفي حديث الإسراء أنه قال لرسول الله وَله: مرحبًا بالنبي الصالح
والأخ الصالح(١)، فلو كان جد نوح لقال: مرحبًا بالولد الصالح. كقول
آدم وإبراهيم.
وقال ابن جرير في ((تاريخه)): من زعم أن الله تعالى ابتعث إدريس
إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمع له علم الماضين، وأن الله
تعالى زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة، وذلك قول الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى
﴿٨ صُفٍ إِزَهِيمَ وَمُوسَى ﴾﴾ قال: يعني بالصحف
الضُّحُفِ الْأُولَ
الأولى، الصحف التي أنزلت على ابن آدم شيث، وإدريس(٢) .
وذكر ابن عباس -فيما حكاه عياض -: إذا دخل أهل النار النار،
وأهل الجنة الجنة فيبقى آخر زمرة من الجنة وآخر زمرة من النار،
فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: ما نفعكم إيمانكم، فيدعون ربهم
ويضجون، فيسمعهم أهل الجنة، فيسألون آدم وغيره بعده في الشفاعة
لهم، فكل يعتذر حتى يأتوا محمدًا وَلّ فيشفع لهم، فذلك المقام
المحمود، ونحوه أيضًا عن ابن مسعود ومجاهد، وذكره علي بن
الحسين [عن](٣) رسول الله ◌َي}(٤).
وذكر الغزالي أن من إتيانهم من آدم إلى نوح ألف سنة، وكذا بين كل
نبي حتى يأتوا نبينا، قال: والرسل يوم القيامة على منابر، والعلماء
العاملون على كراسي، وهؤلاء هم الذين يطلبون من آدم فمن بعده
الشفاعة .
(١) سيأتي قريبًا برقم (٣٣٤٢) من حديث أبي ذر.
((تاريخ الطبري)) ١٠٧/١.
(٢)
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى ◌َيرٍ)) ٢١٨/١ - ٢١٩.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن برجان(١) في ((إرشاده): يليهم رؤساء أهل المحشر طلب
من يشفع لهم وهم العلماء وهم رؤساء أتباع الرسل.
وأما حديث أبي الزعراء عن ابن مسعود: ويشفع نبيكم رابع أربعة
جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم (٢) فقال البخاري:
أبو الزعراء لا يتابع عليه، والمشهور والمعروف أن نبينا أول شافع(٣).
فائدة :
قوله: ( ((إن ربي غضب غضبًا)) ) ليس على الحقيقة وإنما هو عبارة
عن المخاوف التي تحضر إليه ويرغبون بها (٤).
الحديث الخامس :
حديث أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، عن
سفيان، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، عن الأسود بن يزيد، عن
عبد الله أن رسول الله بَّله قرأ: (﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾) مثل قراءة العامة،
ويأتي في أحاديث الأنبياء أيضًا والتفسير، وهذا قد بينه أبو داود
فقال: بضم الميم وفتح الدال وكسر الكاف(٥).
وقال الفراء في ((معانيه)) المعنى: مذتكر وإذا قلت مفتعل فيما أوله
ذال صارت الذال وتاء الافتعال دالا مشددة. قال: وبعض بني أسد
(١) هو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمي الإشبيلي. انظر: ((سير الأعلام))
٣٣٤/٢٢، ((كشف الظنون)) ٦٩/١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٧/ ٥١٠-٥١٢ (٣٧٦٢٦) من طريق سلمة بن
كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود.
(٣) ((التاريخ الكبير)) ٢٢١/٥ (٧٢٠).
(٤) سيأتي الكلام عن إثبات صفة الغضب في كتاب التوحيد.
(٥) أبو داود (٣٩٩٤).

٣٠٩
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
يقولون: مذكر. (يقلبون الدال)(١) فتصير ذالًا مشددة. وحدثني الكسائي
عن إسرائيل، والعزرمي، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قلت لعبد
الله: فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ أو مدكر؟ فقال: أقرأني رسول الله وَّ ﴿مُذَّكِرٍ﴾
بالدال(٢).
وقال الداودي: أدغمت التاء في الدال. واعترضه ابن التين فقال:
ليس كما ذكر، وإنما أصله مذكر بذال معجمة، فاجتمع حرفان متقاربان
في المخرج والأول ساكن وألفينا الثاني حرفًا مهموسًا، فأبدلناه بحرف
مجهور يقاربه في المخرج وهو الدال غير معجمة، ثم قلبت الذال دالاً
وأدغمت في الدال التي هي غير معجمة.
(١) في ((معاني القرآن)): فيُغَلُبُون الذال.
(٢) ((معاني القرآن)) ١٠٧/٣.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٤- باب
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَلَا نَثَّقُونَ
٢٣
١٢٤
[الصافات: ١٢٣ - ١٢٩]
(٧٨)
إلى قوله ﴿ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اْأَخِرِينَ
قَالَ ابنِ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ (﴿سَلَمُّ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ
إِنَّا
٣٠
إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
[الصافات: ١٣٠ - ١٣٢]. يُذْكَرُ عَنِ ابن مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ
ـه: أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِذْرِيسُ.
الشرح :
قال ابن إسحاق: هو إلياس بن تسبي بن فنحاص بن العيزار بن
هارون بن عمران.
وقال بعض أهل العلم: بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد مهلك حزقيل.
وقال وهب: إن الله لما قبض حزقيل، وعظم في بني إسرائيل الأحداث،
ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها فبعث الله
إليهم إلياس رسولًا .
وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون بتجديد
ما نسوا من التوراة، فكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل أسمه
أحاب، وله أمرأة اسمها إزبل، وكان يسمع منه ويصدقه، وكان بنو
إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يقال له بعل.
قال ابن إسحاق: وسمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بعل
إلا أمرأة يعبدونها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وهم
لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك الملك، ثم أنه قال يومًا

٣١١
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
لإلياس: والله ما أدري ما تدعو إليه إلا باطلًا، والله ما أدري فلانًا وفلانًا
-فعدد ملوكًا مثله من ملوك بني إسرائيل متفرقين بالشام يعبدون الأوثان-
إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون، ملوكًا ما نقص دنياهم.
فيزعمون أن إلياس استرجع ثم رفضه وخرج عنه، وفعل ذلك الملك
فعل أصحابه من عبادة الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد
أبوا إلا الكفر، فُذكِرَ لي أنه أوحي إليه أنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك حتى
تكون أنت الذي تأذن لهم في ذلك، فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم
المطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت المواشي والهوام
والشجر، ولما دعا عليهم استخفى شفقًا على نفسه منهم فكان حيثما
كان وُضِع له رزق، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في مكان قالوا: لقد
دخل إلياس هذا المكان (فيطلبوه) (١)، ويلقى أهل ذلك المنزل منهم
شرًا، ثم أنه أستأذن الله في الدعاء لهم فأذن له، فجاءهم وقال: إن
كنتم تجيبون، إن الذي أدعوكم إليه هو الحق وإنكم على باطل
فأخرجوا أوثانكم وما تعبدون واجأروا إليهم فإن استجابوا لكم فهي
كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ما أنتم
عليه، ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه، قالوا: أنصفت، فخرجوا
بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم فعرفوا ما هم عليه من الضلالة، ثم
سألوا إلياس الدعاء فدعا ربه، قال: فمطروا لساعتهم فحيت بلادهم
فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فدعى الله
أن يقبضه فكساه الريش وألبسه النور، وقطع عليه لذة المطعم
والمشرب، فكان إنسيًا ملكًا أرضيًا سمائيًا يطير مع الملائكة.
(١) في الأصل عليها: (كذا)، وفي الحاشية: الجادة: فيطلبونه.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذكر الحاكم حديثًا صحح إسناده عن أنس أنه اجتمع مع سيدنا
رسول الله صل في بعض السفرات(١)، وخالفه ابن الجوزي في
تصحيحه (٢) .
فصل :
ما ذكره عن ابن مسعود وابن عباس روى الأول عبد بن حميد في
((تفسيره)) من حديث أبي إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عنه به، والثاني:
ذكره جويبر عن الضحاك عنه.
فصل :
فعامة
قال أبو جعفر: اختلف القراء في ﴿سَلَمُّ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ
قراء مكة والبصرة والكوفة (إلياسين) بكسر الألف (٣)، وكان بعضهم
يقول: هو أسم إلياس ويقول: إنه كان يسمى باسمين إلياس وإلياسين
مثل: إبراهيم إبراهام. ويستشهدون بأن جميع ما في السورة من قوله
﴿سَلَمُ﴾ إنما هو سلام على النبي الذي ذكر دون آله، فكذلك إلياسين
إنما هو سلام على إلياس دون آله.
(١) ((المستدرك)) ٦١٧/٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه
الذهبي بقوله: بل موضوع، قبح اللهُ من وضعه، ما كنت أحسب ولا أجوز أن
الجهل يبلغ بالحاكم إلى أن يصحح هذا، وإسناده: حدثنا أحمد بن سعيد
المعداني، ثنا عبد الله بن محمود، ثنا عبدان بن سيار، ثنا أحمد بن عبد الله
البرقي، ثنا يزيد البلوي، فإما هذا افتراه، وإما ابن سيار. ا.هـ كلام الذهبي.
(٢) ((الموضوعات)) ٣١٨/١- ٣١٩ (٤٠٨) من طريق آخر غير طريق الحاكم، وقال:
هذا حديث موضوع، لا أصل له.
(٣) قوله: ﴿إِلَّ يَاسِينَ﴾ قرأه نافع وابن عمر بالمد في (إل) وفتح الهمزة وكسر اللام،
وقرأ الباقون بغير مد، وإسكان اللام، وكسر الهمزة. أنظر: ((الحجة)) ٥٩/٦،
((الكشف عن وجوه القراءات)) ٢/ ٢٢٧.

٣١٣
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
وكان بعض أهل العربية يقول: إلياس أسم عبراني والألف واللام
منه، ويقول: لو جعلته عربيًا من [الإلسى] (١) فتجعله إفعالًا [مثل](٢)
الإخراج والإدخال، ويقول: قد: سلم على إلياسين، فجعله بالنون،
والعجمي من الأسماء قد يفعل به العرب هذا، وهي في بني أسد
تقول: هذا إسمعين قد جاء وسائر العرب باللام، وإن شئت ذهبت
بإلياسين إلى أن تجعله جميعًا فتجعل أصحابه داخلين في أسمه كما
تقول لقوم رئيسهم المهلب: جاءتكم المهالبة والمهلبون، فيكون
بمنزلة قولهم الأشعرين بالتخفيف.
وعامة قراء المدينة (آل ياسين) بقطع آل من ياسين، وعن بعضهم أنه
كان يقرأ: (الياس) بترك الهمز في ألف إلياس ويجعل الألف واللام
داخلين على ياس للتعريف، ويقولون إنما كان اسمه ياس أدخلت
عليه ألف ولام. وقال السدي: ﴿سَلَمُ عَلَى إِلَّ يَاسِينَ
وفي قراءة عبد الله: (إدراسين)؛ لأن عبد الله كان يقول: إلياس هو
إدريس. دلالة واضحة على خطأ من قال: عني بذلك سلام على آل
محمد، وفساد قراءة من قرأ: (وإن الياس) بوصل النون من إن
بإلياس(٣).
(١) في الأصول: الألسن، والمثبت من ((تفسر الطبري)).
(٢) في الأصول: من، والمثبت من ((تفسير الطبري)).
(٣) ((تفسير الطبري)) ٥٢٣/١٠- ٥٢٤.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥ - باب ذِكْرٍ إِذْرِيسَ الَلِئْل:
[مريم: ٥٧]
٥٧
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا
٣٣٤٢ - قَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ
أَنَسٌ: كَانَ أَبُو ذَرِّ ◌َ﴾، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: ((فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ،
فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ
مُمْتَلِيٍّ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي
إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: اقْتَحْ.
قَالَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا جِبْرِيلُ. قَالَ: مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ. قَالَ :
أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاقْتَحْ. فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ
وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى،
فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ:
هذا آدَمُ، وهذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ
أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ التِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ،
وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَىْ. ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ
لِخَازِنِهَا: اُفْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ)). قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ
وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ إِذْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ لِ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ،
غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ. وَقَالَ أَنَسَّ:
(فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ:
مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ
وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ:
مَرْحَبًّا بِالنَّبِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ: عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ
بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قَالَ:

٣١٥
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
هذا إِبْرَاهِيمُ)). قَالَ: وَأَخْبَرَنِيِ ابن حَزْمٍ، أَنَّ ابن عَبَّاسِ وَأَبَا حَيَّةَ(١) الأَنَّصَارِيَّ كَانَا
يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: (ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوِى أَسْمَعُ صَرِيفَ
الأَقْلَام)). قَالَ ابن حَزْمٍ وَأَنَّسُ بْنُ مَالِكِ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((فَفَرَضَ
اللهُ عَلَّيَّ خَمْسِينَ صَلََّةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: مَا
الذِي فُرِضَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَّةً. قَالَ: فَرَاجِعْ
رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَجَعْتُ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا،
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ
إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَجَعْتُ،
فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدى.
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبََّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ
أَنْطَلَقَ حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ المُنْتَهَى، فَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ
[الْجَنَّةَ] فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللَّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْلُك)). [انظر: ٣٤٩ - مسلم: ١٦٣
-فتح ٣٧٤/٦]
ثم ساق حديث ابن شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ ﴾: كَانَ أَبُو ذَرِّ
يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ
جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ» .. الحديث بطوله، هذا
الحديث سلف في كتاب الصلاة واضحًا، وسلف الكلام على الإسراء
قريبًا، وذكر هنا أن إبراهيم في السادسة، وسلف قبل هذا أنه في
السابعة من حديث أنس عن مالك بن صعصعة.
وقوله: ((ثم مررت بموسى ثم بعيسى)) المشهور أن عيسى في
الثانية وكذا يحيى كما سلف في الحديث المشار إليه وقد سلف تفسير
(ورفعناه مكانًا عليًا)، وروى ابن وهب أنه كان يعمل مثل عمل جميع
(١) في هامش ((اليونينية)): حَبَّة. قال القسطلاني: وهو الصواب.

٣١٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(أهل)(١) الأرض يعني يومئذٍ، وقد أسلفنا الكلام على إدريس في كتاب
الصلاة .
قال وهب فيما حكاه ابن قتيبة: كان طوالًا، ضخم البطن والصدر،
قليل شعر الجسد، كثير شعر الرأس، وكانت إحدى أذنيه أكبر من
الأخرى، وكانت في جسده نكتة بيضاء من غير برص، وكان رقيق
الصوت والمنطق، قريب الخطو، واستجاب له (ألفا)(٢) إنسان ممن
كان يدعوهم فلما رفعه الله اختلفوا بعده، وأحدثوا الأحداث، ورفع
وهو ابن ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة(٣).
وقد أسلفنا هذا أيضًا هناك.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما فيما حكاه الطبري في ((تاريخه)):
كان بينه وبين نوح ألف سنة (٤).
وخط بالقلم بعد آدم وتنبأ وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان
وعشرون سنة، وأنزلت عليه ثلاثون صحيفة.
وهو أول من سبى من ولد قابيل واسترق منهم، ودعا خنوخ قومه
وأمرهم بطاعة الله فلم يقبلوا منه.
وحديث أبي ذر مرفوعًا: ((أربعة من المرسلين سريانيون: آدم وشيث
وخَنوَخ وهو أول من خط بالقلم))(٥). وسلف هناك.
(١) من (ص١).
(٢) هكذا في الأصل، (ص١)، وفي ((المعارف)): ألف.
(٣) ((المعارف)) ص٢٠-٢١.
(٤) ((تاريخ الطبري)) ١١١/١.
(٥) (تاريخ الطبري)) ١٠٦/١- ١٠٧، وحديث أبي ذر رواه أيضًا ابن حبان في
((صحیحه)) (٣٦١)، وقد تقدم تخريجه.

٣١٧
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: سألت كعبًا عن رفع إدريس
فقال: كان عبدًا تقيًا يرفع له من العمل الصالح ما يرفع لأهل الأرض
في زمانه، فعجب الملك الذي كان يصعد بعمله، فقال: رب ائذن لي
أزوره، فلما جاءه قال: يا إدريس أبشر فإنه يرفع لك من العمل
الصالح ما يرفع لأهل الأرض، فسأله أن يشفع له عند ملك الموت
في تأخير أجله ليزداد عبادة، فقال الملك: إن الله لا يؤخر نفسًا إذا
جاء أجلها، قال: قد علمت ولكنه أطيب لنفسي، فصعد به الملك
وسأل ملك الموت في أمره، فنظر في كتاب معه فقال: والله ما بقي
من أجل إدريس شيء، فمات مكانه وهو في السماء الرابعة(١).
ولا يلزم من هذا كون غيره أرفع مكانًا منه؛ لأنه لم يذكر أنه أعلى
من كل أحد. وادعى بعضهم أنه لم يرفع إلى السماء من هو حي غيره
وينتقض بعيسى .
١٦٠٠
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٤٤/٦ (٣١٨٧٤)، وفيه: عن عكرمة عن ابن عباس ..

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦- باب فَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
ج
﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]
وَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَلُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ - ٢٥]
فِيهِ: عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ
النَّبِيِّ وَله .
يريد بحديث عطاء ما قدمه عنه مسندًا في كتاب بدء الخلق(١)،
وبحديث سليمان بن يسار ما ذكره في سورة الأحقاف مسندًا ويأتي (٢).
قال ابن عرفة: كانت منازل قوم عاد في الرمال وهي: الأحقاف،
ويقال للرمل إذا عظم واستدار: حقف. وقال الأزهري: هي رمال
مستطيلة بناحية شحر(٣)، قال غيره: والحقف عند أهل اللغة: الرمل
المنحني، وجمعه: أحقاف.
فائدة :
قال ابن هشام: هود اسمه عابر ويقال: عيبر بن أرفخشذ، ويقال:
النخشد ، ويقال: الفخشد بن سام بن نوح. وقال قتادة فيما ذكره عبد بن
حميد: كانت عاد أحياء باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال
لها الشحر.
وقال ابن قتيبة: هود هو (ابن) (٤) عبد الله بن رياح بن محارب ابن
(١) سلف برقم (٣٢٠٦) باب: ما جاء في قوله ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ اُلْرِيَحَ بُشْرًا﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٨٢٩) باب: قوله ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾.
(٣) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٨٧٥/١ مادة [حقف].
(٤) من (ص١).

٣١٩
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكان أشبه ولد (آدم بآدم) (١)
خلا يوسف. وكانت عاد ثلاثة عشر قبيلة، ينزلون الرمل، وبلادهم
أخصب بلاد وديارهم بالدو والدهناء وعالج ويَبرين ووَبار وعمان إلى
حضرموت إلى اليمن ، فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز وغيطانًا،
فلما هلكوا ألحق هود بمكة حتى توفي بها (٢).
(١) هكذا في الأصول، وفي ((المعارف)): إرم بإرم.
(٢) ((المعارف)) ص٢٨.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
- باب قَوْلِ اللّه تعالى:
﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦]
شَدِيدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: عَتَتْ عَلَى
الخُزَّانِ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامِ حُسُومًا﴾
[الحاقة: ٧]: مُتَتَابِعَةً ﴿فَتَرَ الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ
خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أُصُولُهَا ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ
٨
الحاقة: ٨]: بَقِيَّةٍ.
٣٣٤٣ - حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدِ، عَنِ ابن
عَبَّاسِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ
بِالدَّبُورِ)). [انظر: ١٠٣٥ - مسلم: ٩٠٠ -فتح ٣٧٦/٦]
٣٣٤٤ - قَالَ: وَقَالَ ابن كَثِيرٍ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن أَبِي نُعمِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: بَعَثَ عَلِيّ ◌َهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِلَّ بِذُّهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَرَبَعَةِ الْأَفْرَعِ: بْنِ
حَابِسِ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرِ الفَزَارِيِّ، وَزَيْدِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي
نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ العَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنَّصَارُ،
قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا! قَالَ: ((إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ)).
فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَخْلُوقٌ،
فَقَالَ: أَتَّقِ اللهَ يَا نُحَمَّدُ. فَقَالَ: ((مَنْ يُطِعِ اللّهَ إِذَا عَصَيْتُ، أَيَأْمَنُنِي اللهُ عَلَى أَهْلِ
الأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي؟!)). فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ - أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ،
فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِيِّ هذا - أَوْ فِي عَقِبِ هذا - قَوْمٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ،
لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ
الإِسْلاَم، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)). [٣٦١٠،
٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١، ٦٩٣٣، ٧٤٣٢ - مسلم: ١٠٦٤ -فتح ٣٧٦/٦]
٣٣٤٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ