النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ كِتَابُ بدء الخلق = قال ابن الصلاح: ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر، ولقضوا بأن المراد اليمن وأهله وما هو مفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: (أتاكم أهل اليمن)) والأنصار من جملة المخاطبين بذلك. فهم إذًا غيرهم، وكذا قوله: ((جاء أهل اليمن)). وإنما جاء حينئذٍ غير الأنصار، ثم إنه وصفهم بما يقتضي بكمال إيمانهم ورتب عليه الإيمان، فكان ذلك إشارة للإيمان إلى من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأن من أتصف بشيء، وقوي إيمانه به، وتأكد اضطلاعه، نسب ذلك الشيء إليه؛ إشعارًا بتميزه به فكذا (حال)(١) أهل اليمن حينئذٍ في الإيمان وحال الوافدين منه في حياته وفي أعقابه كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما، ممن سلم قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم كذلك؛ إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم؛ فلا منافاة بينه وبين قوله: ((الإيمان في أهل الحجاز)). ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذٍ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه. وهذا هو الحق في ذلك(٢). فائدة : قوله: ( ((الإِيمَانُ يَمَانٍ))). أصله: يماني، فخففوا ياء النسبة، كما قالوا: تهامون، وأشعرون، وسعدون. وكذلك يقال: سيف يمان. (١) من (ص١). (٢) ((شرح مسلم)) للنووي ٣٢/٢-٣٣. ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : قوله: ( ((الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ))). زعم السهيلي أنهما لمسمى واحد كقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَتِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] والبث: هو الحزن، ويحتمل -كما قال القرطبي - أن يقال: القسوة: يراد بها أن تلك القلوب لا تلين ولا تخشع لموعظة، وغلظها؛ لعدم فهمها(١). وقوله: ( ((عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ)) ). أي: إنهم يبعدون عن الأمصار فيجهلون معالم دينهم، ذكره الداودي. وقوله: ( ((فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ) هو بدل من ( ((الفدادين))) أي: القسوة في ربيعة ومضر الفدادين، يعني: من بالعراق منهما، فمن مضر: العراق وبنو تميم وربيعة، وهم أهل بدو بنواحي البصرة. قال الأحنف لعمر أول ما قدم عليه وفد العراق: إنا نزلنا سبخة هشاشة طرف لنا (بالفلاة)(٢)، وطرف لنا بالماء الأجاج فيأتينا ما يأتي في مريء النعامة، وإن من إخواننا من أهل الأمصار نزلوا في مثل حدقة البعير من المياه العذب فتأتيهم فواکههم لم تخضد، فإن أنت لم ترفع خسیسنا وتجبر وکیسنا بعطاء تفضلنا به على سائر الأمصار نهلك(٣). فصل : قرنا الشيطان: جانبا رأسه، وقيل: هما جمعاه اللذان يغويهما الناس. وقيل: شيعتاه من الكفار. والمراد بذلك: أختصاص المشرق بمزيد تسلط الشيطان ومن الكفر. قال الخطابي: ضرب المثل بقرن (١) («المفهم)) ١/ ٢٣٧. (٢) في الأصل: القلادة، والصواب ما أثبتناه كما في ((تاريخ الطبري)). (٣) ((تاريخ الطبري)) ٤٩٥/٢. ٢٤٣ كِتَابُ بدء الخلق = الشيطان فيما لا يحمد من الأمور (١). وقيل: المراد به ما ظهر من العراق من الفتن كوقعة الجمل وصفين والخوارج، فإن أصل ذلك ومنبعه بالعراق ومشرق نجد، وهي مساكن ربيعة ومضر، إذ ذاك(٢). الحديث الرابع: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدَِّكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأى شَيْطَانًّا)). وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣). و ((الدِّيكَة)): جمع ديك -بكسر الدال وفتح الياء- على وزن قردة، جمع قرد وهو ذكر الدجاج، كما قاله ابن سيده، وقوله: وزقته الديك بصوت أزقًا (٤). إنما أنث على إرادة الدجاجة؛ لأن الديك دجاجة أيضًا، والجمع القليل: أدياك، والكثير: ديوك وديكة. وأرض مداكة: كثيرة الديكة(٥)، وعن الداودي: وقد يسمى الديك دجاجة؛ والدجاجة تقع على الذكر والأنثى. فصل : فيه دلالة أن الله جعل للديك إدراكًا، كما جعله للحمير، وأن كل نوع من الملائكة والشياطين موجودان، وهذا معلوم في الشرع قطعًا، والمنكر لشيء منها كافر، كما نبه عليه القرطبي قال: وكأنه إنما أمر (١) ((غريب الحديث)) ٢٩٥/٢. (٢) ((المفهم)) ٢٣٨/١-٢٣٩. (٣) مسلم (٢٧٢٩). (٤) هو قول غيلان الربعي في أرجوزة طويلة؛ وجاء بالمحكم: وزقت الديك بصوت زقّاء. (٥) ((المحكم)) ٧/ ٨٠. ٢٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = بالدعاء عند صراخ الديكة؛ لتؤمن الملائكة على ذلك؛ ولتستغفر له وتشهد له بالتضرع والإخلاص فتتوافق الدعوتان، فتقع الإجابة(١). ومنه يؤخذ استحباب الدعاء عند حضور الصالحين. وأما التعوذ بعد نهيق الحمار؛ فلأن الشيطان إذا حضر يخاف شره فيتعوذ منه. وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: ((لا تسبوا الديك؛ فإنه يدعو إلى الصلاة))(٢). وعند البزار: صرخ الديك قريبًا من رسول الله وَم له فقال رجل: اللهم العنه. فقال القَّة: ((مه، كلا إنه يدعو إلى الصلاة))(٣). وعند أبي موسى الأصبهاني في ((ترغيبه)) من حديث مُعمَّر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع: حدثني أبي، عن أبيه أبي رافع قال: قال رسول الله وَله: ((لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانًا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان كذلك فاذكروا الله تعالى، وصلوا (عليَّ) (٤)). فائدة : ينبغي أن يتعلم من الديك خمسة - نبه عليها الداودي -: حسن الصوت، والقيام بالسحر، والسخاء، والغيرة، وكثرة النكاح. الحديث الخامس : حديث جَابِرٍ ﴾: ((إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُوا صِبْيَانَكُمْ)) الحديث، وقد سلف حكمه قريبًا في باب: صفة إبليس وجنوده، وفي (١) ((المفهم)) ٧/ ٥٧-٥٨. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٣/ ٣٧-٣٨ (٥٧٣١). (٣) ((مسند البزار)) ١٦٨/٥ (١٧٦٣). (٤) في (ص١): على محمد. ٢٤٥ = كِتَابُ بدء الخلق رواية لم يذكر التسمية، وأغفله المزي في ((أطرافه)) تبعًا لخلف، واقتصرا على عزوه إلى صفة إبليس، وزعما أن البخاري رواه في الأشربة عن إسحاق بن منصور، عن روح(١)، ورواه هنا عن إسحاق غير منسوب، ونسبه أبو نعيم هنا في رواية: ابن إبراهيم. وقال الجياني: (قال البخاري)(٢) في باب: ذكر الجن وتفسير سورة البقرة والرقاق: ثنا إسحاق: حدثنا روح. ولم أجد إسحاق هذا منسوبًا عند أحد من شيوخنا في شيء من هذِه المواضع. وقد حدث البخاري في تفسير سورة الأحزاب وسورة ﴿صَّ﴾ عن إسحاق بن إبراهيم، عن روح، وحدث في الصلاة في موضعين، وفي الأشربة في غير موضع. عن إسحاق بن منصور عن روح. كذا قال(٣). الحديث السادس : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرِى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّ الفَارَ، إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ)). فَحَدَّثْتُ بها كَعْبًا، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا من رسول الله ◌َّهِ يَقُولُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِي مِرَارًا. فَقُلْتُ أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟! الشرح : عند مسلم ((الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه)). الحديث، والظاهر أنه قال هذا أولًا ثم أعلم بعد بما رواه مسلم من حديث ابن مسعود، وذكر عنده العقلية القردة والخنازير أهنَّ (١) ((تحفة الأشراف)) ٢٣٢/٢ (٢٤٤٦). (٢) من (ص١). (٣) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٩٧٣. ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مسخ؟ فقال: ((إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا))(١)، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. وقال ابن قتيبة: أنا أظن أن القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت، إلا أن يصح هذا الحديث. قلت: قد صح. وقال ابن التين: قوله في الفأرة على ما ذكره من الظن لا يقطع فيه بشيء. فصل : سبب أمتناع المسخ من شرب لبن الإبل؛ لأن شحومها وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون الغنم. فصل : قوله: (أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟!). وفي نسخة: أقرأ التوراة وهذا بهمزة استفهام، وهو استفهام إنكار معناه: ما لي علم ولا عندي شيء إلا عن رسول الله وَله ولا أنقل من التوراة. الحديث السابع: حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها في قتل الأوزاغ. سلف في الحج (٢)، وحديث أُمِّ شَرِيكِ مثله، وهو الحديث الثامن ويأتي في أحاديث الأنبياء(٣) وأخرجه مسلم أيضًا (٤). وقول أم شريك لا يضاد قول عائشة: لم أسمع الَّ أمر بقتله؛ لأنها لم تسمع جميع مقالته، والزيادة من الثقة مقبولة. والأوزاغ: جمع وزغ، ووزغ: جمع وزغة. (١) مسلم (٢٦٦٣). (٢) سلف برقم (١٨٣١). (٣) يأتي برقم (٣٣٥٩). (٤) مسلم (٢٢٣٧، ٢٢٣٩) ٢٤٧ = كِتَابُ بدء الخلق الحديث التاسع والعاشر: حديث عَائِشَةَ من طريقيه وكذا ابن عمر من طريقيه في قتل ذي الطفيتين. سلف قريبًا الكلام عليه في الباب قبله، وقوله أنه التَّئا هَدَمَ حَائِطًا لَهُ، فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ، فَقَالَ: ((انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ)). فَنَظَرُوا، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). (سَلْخ): بنصب السين(١)، وكسرها أولى؛ لأنه أسم كما قاله ابن التين. و ((جِنَّان)): بكسر الجيم وتشديد النون الأولى، وهو جمع جان كما سلف. وقوله: (نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ). قال مالك: أراد بيوت المدينة، وقيل: أراد المدينة وغيرها. واستحسن مالك ذلك في غير المدينة، وقال فيما وجد في الصحراء: يقتل ولا يتقدم إليها. وقد سلف ذلك أيضًا. (١) في هامش الأصل: ينبغي أن يقول بفتح. ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٦ - باب خَمْسَ مِنَ الدَّوَابٌّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ ٣٣١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ)). [انظر: ١٨٢٩ - مسلَم: ١١٩٨ - فتح ٣٥٥/٦] ٣٣١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َِّ قَالَ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَّهُنَّ وَهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ: العَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ)). [انظر: ١٨٢٦ - مسلم: ١١٩٩ - فتح ٦ /٣٥٥] ٣٣١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما رَفَعَهُ قَالَ: ((خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الفُوَبْسِقَةَ رُبَّمَا أَجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ)). قَالَ ابن جُرَئِجٍ وَحَبِيبٌ، عَنْ عَطَاءِ: ((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ)). [انظر: ٣٢٨ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح ٦ / ٣٥٥] ٣٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا يَخْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ مَّارِ فِي غَارٍ ﴾ [المرسلات: ١] فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ غُرْفًا مِنْ جُخْرِهَا، فَابْتَدَزْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ: (وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا)). وَعَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ، قَالَ: وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً. وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ. وَقَالَ حَقْصُ وَأَبُو مُعَاوِيَةً وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. [انظر: ١٨٣٠ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح ٣٥٥/٦] ٢٤٩ كِتَابُ بدء الخلق ٣٣١٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَىِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((دَخَلَتِ أَمْرَأَةُ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ)). [انظر: ٢٣٦٥ - مسلم: ٢٢٤٢ - فتح ٣٥٦/٦] قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ المَقْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ مِثْلَهُ. [مسلم: ٢٢٤٣] ٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ فَ لَه قَالَ: ((نَزَلَ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً)). [انظر: ٣٠١٩ - مسلم: ٢٢٤١ - فتح ٦/ ٣٥٦] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ وابن عمر ﴾، في ذلك وسلفا في الحج. وحديث جَابِرِ ثُ: ((خَمِّرُوا الآنِيَةَ)). وقد سلف في الباب قبله وغيره، حديث ابن مسعود ﴾ في الحية سلف في الحج(١)، وزاد البخاري هنا تعليقًا عن حفص أسنده البخاري عن ولده عمر في الحج عنه، وتعليقًا عن أبي معاوية، أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، عنه. قال ابن مسعود: نزلت ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ على رسول الله وَّ ليلة الجن، ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار بمنى، فنزلت (٢). وقوله: (فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا رَطْبَةً مِنْ فِيهِ). أي: مستطابة سهلة كالثمرة الرطبة السهلة الجَنْىِ. (١) برقم (١٨٣٠). (٢) مسلم (٢٢٣٤). ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقيل معنى (لَنَتَلَّقَّاهَا): لنسمعها منه لأول نزولها كالشيء الرطب في أول أحواله. وبه جزم ابن التين، والأول أوقع تشبيهًا، ويدل عليه قوله الَّ في الخوارج: ((يقرؤون القرآن رطبًا لا يجاوز حناجرهم))(١). أي: يستطيبون تلاوته ولا يفهمون معانيه. وقوله: ( ((وُقِيَتْ شَرَّكُمْ)) ) أي: قتلكم إياها؛ فإنه شر بالنسبة إليها، وإن كان خيرًا بالنسبة إلينا. وفيه: دلالة على صحة قول من قال باستصحاب الحال في أصل الضرر في أنواع الحيات. وفيه: دلالة على قتل الحية في الحرم. والجحر: الكهف. فصل : في حديث جابر : ((أَوْكُوا الأَسْقِيَةَ)) أي: شدوها بالوكاء: وهو الخيط. ((وأَجِيفُوا الأَبْوَابَ)) أي: أغلقوها، يقال: جفأت الباب: أغلقته، ذكره القزاز، وهذا خلاف رواية البخاري؛ لأن أجيفوا لامه فاء، وجفأت لامه همزة. قال ابن التين: وما رأيت أحدًا من أهل اللغة ذكر هذه الكلمة غير القزاز. وقوله: ( ((واكفتوا صِبْيَانَكُمْ)) ) أي: ضموهم، ومنه: ﴿أَلَ نَجْعَلِ اْأَرْضَ كِفَانًا ﴾﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: يمشون على ظهرها أحياء، وإذا ماتوا ضمتهم إليها، وكل من ضم شيئًا فقد كفته، وهو بكسر الفاء وهو ما في ابن فارس(٢). قال ابن التين: والأكثر بالضم، والفويسقة: الفأرة. (١) سيأتي برقم (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤). (٢) ((مجمل اللغة)) ٧٨٨/٣ (كفت). ٢٥١ = كِتَابُ بدء الخلق فصل : ذكر فيه أيضًا حديث ابن عُمَرَ وأبي هريرة ﴾: ((دَخَلَتِ آمْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ)). وقد سلف في الشرب من حديث ابن عمر(١)، وهو دليل على جواز اتخاذها ومنع تضييعها وأنه من الكبائر. ذكره الداودي. وفيه: جواز رباطها إذا أطعمت. والخشاش مثلث الخاء. وقال ابن التين: هو بالفتح: دوابها. وعند ابن (عيينة)(٢) بكسرها، إلا الخشاش من صغار الطير، فهو وحده بالفتح. فصل : ساق البخاري هنا حديث الهرة من طريق ابن عمر وأبي هريرة، وسلف طريق أسماء في باب: ما يقرأ بعد التكبير(٣)، وسلف طريق ابن عمر في الشرب كما أسلفناه. وفي رواية للبخاري في حديث ابن عمر: ((حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار)) (٤). وانفرد به مسلم من حديث جابر، ذكره في الكسوف، ولفظه: ((وعرضت عليَّ النار فرأيت امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها)»(٥) الحديث. وفي أخرى له: ((رأيت في النار أمرأة حميرية سوداء طويلة)) (٦). ولم يقل: من بني إسرائيل. (١) سبق برقم (٢٣٦٥). (٢) في هامش الأصل: لعل الصواب: قتيبة. (٣) سبق برقم (٧٤٥). (٥) مسلم (٩٠٤). (٤) سبق برقم (٢٣٦٥). (٦) مسلم (٩٠٤). ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر (١)، (وأخرجه أحمد من حديث جابر)(٢) (٣). فصل : هُذِه المرأة يجوز أن تكون كافرة، لكن ظاهر الحديث إسلامها، وعذبت على إصرارها على ذلك. وليس في الحديث تخليدها. نعم، روى الحافظ أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) أنها كانت كافرة، وكذا البيهقي في ((البعث والنشور)) عن عائشة(٤). فيكون من جملة استحقاقها النار حبس الهرة، وأبداه القاضي أحتمالًا(٥)، وأنكره النووي(٦) فاستفده. (فصل)(٧) : ذكر فيه أيضًا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ في قتل النمل، وفيه: ((فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً)). وقد سلف في أثناء الجهاد (٨). وفيه: أنه لم يعب عليه قتل التي لدغته. وكره مالك قتله لمن آذاه، وقيل: إنما يقتلها من كان قاطنًا غير مسافر وعسر عليه الانتقال، ولم يجد ما يزيله به فيقتلها حينئذٍ بغير النار. (١) ((صحيح ابن حبان)) (٢٨٣٨، ٥٦٢٢). (٢) من (ص١). (٤) ((البعث والنشور)) ص٥٣ (٥٢). (٦) ((شرح مسلم)) ٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨. (٧) ليست في الأصل، والمثبت من الهامش، حيث علق الناسخ قائلًا: صحيح أن يقول هنا: فصل. وكأنه سقط من الصفحة الرئيسية. (٨) سبق برقم (٣٠١٩). (٣) أحمد ٢/ ٣٧٤. (٥) ((إكمال المعلم)) ٣٤٤/٣. ٢٥٣ - كِتَابُ بدء الخلق ١٧ - باب إِذَا وَقَعَ الذّبَابُ في إناء أَحَدِكُمْ، فَإِنَّ في أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً ٣٣٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌َُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِ لّ: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابٍ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدى جَنَاحَيْهِ دَاءَ وَالأُخْرِى شِفَاءَ)). [٥٧٨٢ - فتح ٦ / ٣٥٩] ٣٣٢١ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الَحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ يَّه قَالَ: ((غُفِرَ لإِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسٍ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشرُ، فَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَتَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ)). [٣٤٦٧ - مسلم: ٢٢٤٥ - فتح ٦ /٣٥٩] ٣٣٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا، أَخْبَرَبِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَثُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلِّ قَالَ: (لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ)). [٣٢٢٥ - مسلم: ٢١٠٦ - فتح ٣٥٩/٦] ٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ. [مسلم: ١٥٧٠ - فتح ٦ /٣٦٠] ٣٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُّو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عََّ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مِ: ((مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ)). [انظر: ٢٣٢٢ - مسلم: ١٥٧٥ - فتح ٦ / ٣٦٠] ٣٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَبِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ: أَخْبَرَبِي السَّائِبُ بْنُّ يَزِيدَ، سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرِ الشَّنَئِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَنِ أَقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطٌ)). فَقَالَ الشَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ بََّ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هذِهَ القِبْلَةِ. [انظر: ٢٣٢٣ - مسلم: ١٥٧٦ - فتح ٦ / ٣٦٠] ترجم بنص الحديث الذي ساقه بعد من حديث عُبَيْدٍ بْنِ حُنَيْنِ عن أبي هُرَيْرَةَ ﴾: ((إِذَا وَقَعَ الذَّبَابُ فِي شَرَابٍ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أحد جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الآخَرِ شِفَاءَ)). وهو من أفراده، ورواه الدارمي في ((مسنده)) من هذا الوجه، ثم رواه من حديث حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبي هريرة ، قال غير حماد: عن ثمامة، عن أنس مكان أبي هريرة، وقوم يقولون: عن القعقاع، عن أبي هريرة ظ﴾. وحديث عبيد بن حنين أصح(١). ولأبي داود وابن حبان في ((صحيحه)): وأنه يتقي بجناحه الذى فيه الداء(٢). ولأبي نعيم في ((الطب)) من حديث أبي سعيد نحوه سواء، وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء(٣). وأخرجه أحمد(٤)، وابن ماجه(٥) وابن حبان(٦). وفي الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب عن سلمان نحوه (٧). ومن حديث أنس بإسناد ضعيف(٨). (١) ((مسند الدارمي)) ١٢٩٧/٢-١٢٩٨ (٢٠٨١، ٢٠٨٢). (٢) أبو داود (٣٨٤٤)، وابن حبان (١٢٤٦، ٥٢٥٠). (٣) ((الطب النبوي)) لأبي نعيم ٦٤٠/٢-٦٤١ (٦٩٣). (٤) أحمد ٢٢٩/٢، عن أبي هريرة، ٢٤/٣ عن أبي سعيد الخدري. (٥) ابن ماجه (٣٥٠٤). عن أبي سعيد؛ و(٣٥٠٥) عن أبي هريرة. (٦) ابن حبان (١٢٤٧). (٧) الدار قطني ١/ ٣٧. (٨) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (٢٨٦٦). ٢٥٥ = كِتَابُ بدء الخلق ثم الكلام عليه من وجوه : أحدها : الشراب هنا يدخل فيه كل المائعات قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: ٦٩] والجناح حقيقة للطائر، ويقال للآدمى استعارة؛ قال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. ثانيها : قوله: ( ((وفي الآخَرِ شِفَاءً))). كذا هو ثابت في النسخ بإعادة حرف الجر، وجاء في رواية حذفها، وهو دال على من يجوز العطف على عاملين، وهو رأي الأخفش والكوفيين فيقرأ إذن بجر: ((الآخر))؛ معلقًا على ((أحد))، ونصب ((شفاء))؛ عطفًا على ((داء))، والعامل في ((أحد)) حرف الجر الذي هو ((في))، والعامل في ((داء)) إن، فقد شركت الواو في العطف على العاملين الذين هما في ((وإن)). وسيبويه لا يجيز ذلك، يؤيده رواية ((الكتاب)) بإثبات حرف الجر، وقد أجازه في المثل: ما كل سوداء تمرةً ولا بيضاء شحمة(١). فتمرة بالنصب على إعمال (ما)، ولا بيضاء شحمة: بالرفع فيهما على الاستئناف، فإن كان روي في الحديث: ((والآخر شفاء)). بالرفع فيهما، فهو على هذا الوجه، ويخرج به عن العطف على عاملين، ولكنه يحتاج إلى حذف مضاف في قوله: ((وَالآخرِ شِفَاءً)) أي: ذو شفاء. وأيضًا ففي اللفظ مجاز وهو كون الداء في أحد الجناحين. ثالثها : اختلف العلماء فيما لا نفس لها سائلة تقع في الماء القليل أو المائع کالذباب ونحوه، هل ینجسه؟ (١) ((الكتاب)) ٦٥/١. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأظهر قولي الشافعي: المنع، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه لهذا الحديث مع أن نفسه نجسة على الأصح خلافًا لأبي حنيفة. وفي روثها وجه بطهارته، والأصح النجاسة. ثالثها: الأمر بالغمس إنما هو لمقابلة الداء بالدواء، كما أخبر به الشارع، فحينئذٍ في إلحاق غير الذباب به نظر وقد جاء التثليث في غمسها على وجه المبالغة، رواه الضياء في ((الأحاديث المختارة)) من طريق يحيى بن صاعد، ثنا محمد بن معمر، ثنا أبو عتاب سهل بن حماد، ثنا عبد الله بن المثنى، حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: كنا عند أنس بن مالك فوقع ذباب في إناء، فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الماء ثلاثًا وقال: بسم الله. وقال: إن رسول الله وَل أمرهم أن يفعلوا ذلك(١). وفيه: إياحة التداوي. ويحتمل أن يكون الداء: ما يعرض في نفس المترفهين من التكبر عن أكله، حتى ربما كان سببًا لترك ذلك الطعام وإتلافه. والدواء: ما يحصل مع قمع النفس وحملها على التواضع، لكنه مجاز والحقيقة أنه يتعلق بالأمراض وبرئها. وقد تعجب قوم من اجتماع داء ودواء في شيء واحد، وليس بعجب؛ فإن النحلة تعسل من أعلاها وتلقي السم من أسلفها؛ والحية القاتل سمها يدخل في لحمها في الترياق؛ والذباب يدخلونه في أدوية العين فيسحقونه مع الإثمد؛ ليقوي البصر، ويأمرون بستر وجه الذي بعضه الكلب من الذباب؟ ويقولون: إن وقع بصره عليه تعجل هلاكه. نبه عليه ابن الجوزي. (١) ((الأحاديث المختارة)) ٢٠٦/٥-٢٠٧ (١٨٣٥). ٢٥٧ كِتَابُ بدء الخلق = رابعها : واحد الذَّبَاب: ذبابة، كما قال ابن التين: قال (أبو المعاني)(١) في ((المنتهى)): الذب - بالضم -: الذباب، وجمع الذباب: ذبان، ولا تقل: ذبانة، والجمع القليل: أذبة، كغراب: أغربة وغربان. وقال أبو هلال العسكري: الذباب واحد، والجمع: ذبان، والعامة تقول: ذبانة للواحد. والذبان للجمع، وهو خطأ. وقال أبو حاتم السجستاني: تقول: هذا ذباب للواحد وذبابان في التثنية، ولا يقال: ذبانة ولا ذبابة. وقال ابن سيدَهْ في ((محكمه)): لا يقال ذبابة، إلا أن أبا عبيدة رواه عن الأحمر، والصواب: ذباب واحد، وفي التنزيل: ﴿وَإِن يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ فسروه بالواحد(٢). وحكى سيبويْهِ عن العرب: ذب في جمع ذباب. قال الجاحظ: عمر الذبان أربعون يومًا (٣) وهو في النار، وليس تعذيبًا له وإنما ليعذب به أهل النار؛ لوقوعه عليهم؛ فإنه لا شيء أضر على المكلوم من وقوعه على كلمه. وقال أبو محمد المالقي النباتي في ((جامعه)»: ذباب الناس يتولد من الزبل، وإن أخذ الذباب الكثير فقطعت رءوسها، ويحك بجسدها الشعرة التي في الأجفان حكًا شديدًا، فإنه يبرئه. وإن سحق الذباب بصفرة البيض سحقًا ناعمًا، وضمدت بها العين التي فيها اللحم الأحمر من داخل؛ فإنه يسكن من ساعته، وإن حك بالذباب في موضع داء الثعلب حكًا شديدًا فإنه يبرئه، وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وجعه. (١) كذا بالأصل، وصوابها (أبو المعالي)، وتقدم التنبيه على ذلك غير مرة. (٢) ((المحكم)) ١١/ ٥٣. (٣) ((الحيوان)) ٢٥٩/١. ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الخطابي: قال بعض من لا خلاق له: كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحيه؟ وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم الداء وتؤخر الدواء؟ وما أداها إلى ذلك؟ وهو سؤال جاهل أو متجاهل؛ وذلك أن عامة الحيوان جمع فيها بين الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة (هي)(١) أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، لولا تأليف الله لها، ويقال لهذا الجاهل: إن الذي ألهم النحلة -وشبهها من الدواب- إلى بناء البيوت وادخار القوت، هو الملهم للذباب ما تراه في الكتاب(٢). ثم ذكر البخاري في الباب خمسة أحاديث : أحدها : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((غُفِرَ لإِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسٍ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشرُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَتَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ)). هذا الحديث سلف في الشرب من حديث أبي هريرة أن رجلًا فعل ذلك(٣)، وكذا ذكره في الطهارة في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان(٤)، فلعلهما قصتان، والمومسة: المرأة الفاجرة، ويأتي في ذكر بني إسرائيل، وأخرجه مسلم أيضًا(٥)، والركي: البئر. (١) في الأصل: (في)، والمثبت من مصدر التخريج. (٣) سبق برقم (٢٣٦٣) باب فضل سقي الماء. (٢) ((معالم السنن)) ٤/ ٢٣٩. (٤) سبق برقم (١٧٣) باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، وهذا التبويب سقط من إحدى نسخ البخاري، ولعلها التي وقف عليها المصنف، وما أورده المصنف هو التالي لهذا الباب. (٥) مسلم (٢٢٤٤). ٢٥٩ ــ كِتَابُ بدء الخلق وفيه: دلالة على قبول عمل المرتكب الكبائر من المسلمين، وأن الله يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير من الخير؛ تفضلًا منه. الحديث الثاني : حديث أَبِي طَلْحَةَ: ((لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ)). وقد سلف قريبًا في باب إذا قال أحدكم آمين. الحديث الثالث : حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنه وبَّ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ. وأخرجه مسلم أيضا(١). الرابع : حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﴾: ((مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا نقص مِنْ عَمَلِهِ كُلِّ يَوْم قِيرَاطٌ، إِلَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ)). وحديث سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرِ الشنوي أَنَّهُ سَمِعَ النبيِ وَ يَقُولُ: ((٥ أَقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطَ)). وحديث أبي هريرة # وسفيان سلفا في أثناء المزارعة(٢)، قال ابن التين: وما ذكره في الكلاب من الأحاديث هو في كلاب الدور. قال: وفيه دليل أن قاتلها مأجور لا قيمة عليه. قلت: وذكره لها في هذا الباب لما يأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أنهم من الجن، والترجمة قريبة من ذكر الجن. وحديث نافع عن ابن عمر هنا مطلق، وحدیث عبد الله بن دينار عنه : (إلا كلب صيد وكلب غنم أو ماشية)) ردها للأول، فإن القصة واحدة والراوي واحد، وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع. (١) مسلم (١٥٧٠). (٢) سلفا برقم (٢٣٢٢، ٢٣٢٣). ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فصل : وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك وأصحابه وكثير من العلماء فقالوا: تقتل الكلاب إلا ما أستثني منها ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا بل محكمًا، وقام الإجماع على قتل العقور منها. واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه؛ فقال إمام الحرمين: أمر الشارع أولًا بقتلها كلها ثم نسخ ذلك ونهى عن قتلها، إلا الأسود البهيم، ثم أستقر الشرع على النهي عن قتل جميعها إلا الأسود من حديث ابن مغفل. ومعنى: (البهيم شيطان) بعيد عن المنافع، قريب من المضرة، وهُذِه أمور لا تدرك بنظر ولا يتوصل إليها بقياس، وإنما ينتهى إلى ما جاء عن الشارع، كما نبه عليه ابن عبد البر قال: وقد روي عن ابن عباس أن الكلاب من الجن، وهي (بقعة)(١) الجن، فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا إليها الشيء فإن لها أنفسًا. يعني: أعينًا(٢). وفي لفظ: السود منها جن والبقع منها جن. قال صاحب ((العين)): الحن: حي من الجن منهم الكلاب البهم (٣). وفي ((الباهر)): الحن - بالكسر -: ضرب من الجن. قال ابن الأعرابي: هم سفلة الجن وضعفاؤهم. وأنشد: * مختلف نجواهم حن وجن % قال ابن عديس: يقال كلب حني. وروي عن الحسن وإبراهيم أنهما يكرهان صيد الكلب الأسود البهيم، وإليه ذهب أحمد وبعض أصحابنا لا يحل الصيد إذا قتله، وقال الشافعي ومالك والجمهور بحله كغيره. (١) في الأصول: ضعيفة، والمثبت من مصدر التخريج. (٢) ((التمهيد)) ٢٢٩/١٤. (٣) ((العين)) ٢٩/٣.