النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
ـ كِتَابُ بدء الخلق
ومن حديثه أيضًا (مرفوعًا)(١): ((يدخل فقراء أمتي قبل أغنيائهم
بنصف يوم خمسمائة عام، ويدخلون جميعًا على صورة آدم، وصورته :
أثنا عشر ذراعًا طولًا في السماء، وستة عرضًا، والذراع كطول الرجل
الطويل منكم))؛ قال: وتفرد به أسد بن موسى(٢).
ورواه البيهقي في: ((بعثه)) بلفظ: ((على خلق آدم ثمانية عشر ذراعًا
في سبعة)) قال شمير -وبعضهم يقوله بالتاء- بن(٣) نهار: وما ذاك
الذراع؟ قال: كأطولكم رجلًا.
قال البيهقي: ورواية: ((ستين ذراعًا)) أصح(٤).
فصل :
الْحُور أصناف: صغار وكبار على ما اشتهته أنفس أهل الجنة.
قال القرطبي: روي أنه القَّهي وصف حوراء رآها ليلة الإسراء: ((كأن
جبينها الهلال، طولها ألف وثلاثون ذراعًا، في رأسها مائة ضفيرة، ما بين
الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة)).
وفي رواية ابن عباس: ((الحوراء تلبس (سبعين)(٥) ألف حلة مثل
شقائق النعمان، إذا أقبلت يرى كبدها من رقة ثيابها وجلدها،
وفي رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك لكل ذؤابة وصيفة ترفع
ذيلها)) وروي: أن الآدميات مع هذا كله أفضل منهن بسبعين ألف
ضعف (٦).
(١) من (ص١).
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٨/ ٣٥٧ (٨٨٦٥).
(٣) ((البعث والنشور)) ص٢٢٥-٢٢٦ (٤٥٠-٤٥١).
(٤) من (ص١).
(٥) ((التذكرة)) ص ٥٥٦، ٥٦٠.
(٦) أي: شتير.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
لَيْلَةِ البَدْرِ: هي ليلة أربع عشرة، وسميت بذاك؛ لأن القمر يبادر
طلوعه غروب الشمس، وقيل: الامتلاء القمر وحسنه وكماله، ومنه
قولهم: عين بدرة، إذا كانت ممتلئة جدًّا.
فصل :
عدم بصقهم وشبهه؛ لأن أغذيتهم في الجنة في غاية اللـافة
والاعتدال ليست بذي فضلة تستقذر، بل تستطاب وتستلذ.
وفي رواية أن ما في بطونهم يخرج رشحًا كرائحة المسك(١).
فصل :
(المجامر): المباخر. (والألوة): العود غير مطر، فارسي معرب،
بفتح الهمزة وضمها، حكاهما ابن التين، وقيل: بكسرها، وتخفف
وتشدد، وعند الهروي قال بعضهم: لوه، وليه، وتجمع الألوة
اللاوية، وقال الداودي: الألوة: اليد.
وفي رواية أخرى: ((ووقود مجامرهم الألوة)) كأنه أراد به الجمر الذي
يطرح عليه، ويروى لأعرابي وقف على قبر رسول الله وَّ﴾ حدثان وفاته،
فقال: هلَّا دفنتم رسول الله في سقط من الألوة أحوى ملبس ذهبًا.
فصل :
فإن قلت: أي حاجة لهم في البخور والامتشاط؛ لعدم تلبد شعرهم
وطيب ريحه؟ قلت: نعيم أهل الجنة، وكسوتهم ليس عن دفع ألم
أعتراهم، وكذا أكلهم ليس عن جوع ولا شربهم عن ظمأ، إنما هي
(١) رواه مسلم (٢٨٣٥) بلفظ: (قالوا: فما بال الطعام؟ قال: ((جشاء ورشح كرشح
المسك».

١٤٣
= ڪِتَابُ بدء الخلق
لذات متوالية ونعم متتابعة قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى
الآية [طه: ١١٨]. والحكمة فيه أن الله تعالى نعمهم في الجنة
بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم عليه ما لا يعلمه إلا الله.
فصل :
مذهب أهل السنة، وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها،
ويشربون يتنعمون بذلك وبغيره من ملاذها تنعمًا دائمًا لا نفاد له.
فصل :
قوله: ( ((زَوْجَتَانٍ)) ) كذا هو في الروايات بالتاء، وهو لغة متكررة في
الأحاديث وكلام العرب، والأشهر حذفها، قال تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وكان الأصمعي ينكر الأول فذكر له شعر
ذي الرمة، وفيه إثباتها فقال: إن ذا الرمة طال ما أكل المحل في
دكان البغاء، وأنشد له قول الفرزدق همام بن غالب، فلم يحر جوابًا.
قال أبو حاتم: وقد قرأنا عليه قبل هذا لأفصح العرب وهو أبو ذؤيب،
فذكر شعره ولم ينكره، وأنشد أبو حاتم عليه أيضًا أشعارًا.
فصل :
قوله: ( ((ويُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا)) ) أي: قدرهما، وهو ليس عن
تكليف وإلزام؛ لأن الجنة ليست بمحل ذلك، وإنما هو إلهام كما هو في
الرواية الأخرى: ((يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس))(١)،
وذلك أن تنفس الإنسان لابُدَّ له منه ولا كلفة عليه ولا مشقة في فعله،
وسر ذلك أن قلوبهم تنورت بالمعرفة وأبصارهم بالرؤية، ومن أحب
شيئًا أكثر من ذكره.
(١) رواه مسلم (٢٨٣٥) كتاب الجنة ونعيمها.

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قوله في الحديث الثاني: ( ((وَالَّذِينَ عَلَى (آثَارِهِمْ)(١) كَأَشَدِّ حَوْكَبِ
إِضَاءَةً)) ) معناه أن أبدان أهل الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم قاله
القرطبي، وقال الداودي: يعني على ضياء الزهرة.
فصل :
تعليق مجاهد ذكره الطبري(٢): عن محمد بن عمرو ثنا أبو عاصم،
ثنا عيسى، وأخبرنا بن مثنى، ثنا أبو حذيفة، (حدثنا شبل)(٣): قالا: ثنا
ابن أبي نجيح عنه ..
قال الطبري: والإبكار مصدر من قول القائل أبكر فلان في حاجته
يبكر إيكارًا، وكذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى
فذلك إبكار يقال منه: قد أبكر فلان وبكر يبكر بكورًا، ويقال من ذلك:
بكر النحل يبكر بكورًا، وأبكر يبكر إيكارًا، والباكورة من الفواكه: أولها
إدراكًا.
والعشي من حين تزول الشمس إلى أن تغيب؛ كما قال الشاعر:
فلا الظل من برد الصبح تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق.
فالفيء إنما يبدأ من الزوال ويتناهى بمغيبها (٤)، وعند النحاس أن
أبكر: إذا خرج من بين مطلع الشمس إلى وقت الضحى والعشي من
الزوال إلى الصباح ذكره ابن فارس(٥)، والمعروف: أنه من الزوال
(١) في الأصل: أثرهم.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٢٦١/٣ (٧٠١٩ -٧٠٢٠).
(٣) من (ص١).
(٤) السابق ٢٦١/٣.
(٥) ((مجمل اللغة)) ٦٦٨/٢ -٦٦٩.

١٤٥
كِتَابُ بدء الخلق
=
إلى الغروب، وقرئ (الأبكار) بفتح الهمزة على أنه جمع بُكْر، ويقال:
بكر وبكر وبگَّر وابتكر: إذا جاء أول الوقت.
وقاله ابن فارس: بكرت: أسرعت أي وقت كان، وأبكرت إذا
فعلت بكرة، قال: وقال قوم: كل من بادر إلى الشيء فقد أبكر إليه
وبكر أي وقت كان(١).
الحديث الثامن :
حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َُ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ: قَالَ ((لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِى
سَبْعُونَ أَلْفًا - أَوْ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ- لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ،
وَجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)).
هذا الحديث من أفراده(٢)، وعند الإسماعيلي: ((وَجُوهُهُمْ عَلَى
صُورَةِ القَمَرِ)) وعنده أيضًا: ((سَبْعُونَ أَلْفًا وسَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ بغير حساب))
وعند الحميدي: ((سَبْعُونَ أَلْفًا وسَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ سماطين آخذ بعضهم
ببعض))(٣).
ورواية البخاري. ((أَوْ)) قال ابن التين: هو شكٌّ من الراوي، وفي
رواية أخرى: ((هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى
ربهم يتوكلون وهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب))(٤).
وعند مسلم: عن عمران بن الحصين مرفوعًا: ((يدخل الجنة من أمتي
(١) السابق ١٣٢/١.
(٢) كأن المصنف -رحمه الله- تبع في ذلك الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين))
(٩٢٦) حيث جعله من أفراد البخاري؛ والحديث عند مسلم في (صحيحه)) (٢١٩)
كتاب الإيمان من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، به.
(٣) ((الجمع بين الصحيحين)) (٩٢٦)؛ بلفظ: ((سبعون ألفا أو .. )).
(٤) سيأتي برقم (٥٧٠٥).

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
سبعون ألفًا بغير حساب))، وفيه: فقال عكاشة: يا رسول الله، ادع الله أن
يجعلني منهم، قال: ((أنت منهم)) الحديث(١). والأفصح في عكاشة:
التشديد، قال ابن خالويه في كتاب ((ليس)): العامة تخففه وإنما هو
مشدد قال: وذلك أنه سأل رسول الله ◌َ ﴿ أن يجعله منهم في الجنة،
فدعا له، فقام آخر، فسأله، فقال: ((سبقك بها عُكَّاشة)) (والمعروف
ما أوردناه)(٢).
وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعًا: ((وعدني ربي أن يدخل الجنة
من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا،
وثلاث حَثَيَاتٍ مِن حَثَيَات ربي جلَّ وعزَّ)) ثم قال: غريب(٣).
وعند البزار من حديث أنس بلفظ: ((مع كل واحد من السبعين ألفًا
سبعون ألفًا)) (٤).
وعند الترمذي الحكيم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر مرفوعًا :
((إن الله أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب)) فقال عمر: هلا
استزدته؟ قال: «قد استزدته فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعين
ألفًا)) قال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته؟ قال: ((قد استزدته فأعطاني
هكذا)) قال أبو وهب روايه عن هشام، وفتح يديه قال هشام: هذا من الله
ما یدری ما عدده(٥).
(١) مسلم (٢١٨) كتاب الإيمان.
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢٤٣٧)، وصححه الألباني في ((ظلال الجنة)) (٥٨٨، ٥٨٩).
(٢) من (ص١).
(٤) رواه البزار في ((مسنده)) كما في ((كشف الأستار)) (٣٥٤٧)؛ وبنحوه رواه ابن عدي
في ((الكامل)) ١٦٠/٥ ترجمة ضرار بن عمرو.
(٥) ((نوادر الأصول)) كما في ((المختصر)) المطبوع ص٨٣-٨٤؛ كما رواه أحمد ١/
١٩٧.

١٤٧
- كِتَابُ بدء الخلق
وعند البيهقي في ((بعثه)) من حديث عتبة بن عبد السلمي مرفوعًا: ((إن
ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ثم يشفع
كل ألف لسبعين ألفًا، ثم يحثي له بكفه ثلاث حثيات)) فكبر عمر وقال:
إن السبعين الألف الأولين يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم،
وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر(١).
وروينا في ((الحلية)) من حديث قتادة عن أنس مرفوعًا: ((وعدني ربي
أن يدخل من أمتي الجنة مائة ألف)) فقال أبو بكر: يا رسول الله
لو استزدته.
قال: ((وهكذا)) وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك.
قالوا: يا رسول الله زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الخلق
كلهم الجنة بحثية واحدة.
فقال الَّ: ((صدق عمر)) ثم قال: غريب من حديث قتادة؛ تفرد به
عن قتادة أبو هلال محمد بن سليم الراسبي وهو ثقة(٢).
وفي كتاب ((الشفاعة)) للقاضي إسماعيل بإسناده من حديث عبد الرزاق،
عن معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنسٍ مرفوعًا: ((إن الله
وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف)) فقال أبو بكر: زدنا،
فقال: ((وهكذا)) فقال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال: دعني يا عمر،
وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا؟ قال عمر: إن شاء الله أدخل
خلقه الجنة بحثية واحدة، فقال التَّيْه: (صدق عمر))(٣).
(١) ((البعث والنشور)) ص١٦٩-١٧٠ (٣٠٠).
(٢) ((حلية الأولياء)) ٣٤٤/٢-٣٤٥.
(٣) رواه أحمد ١٦٥/٣، وعبدالرزاق في ((مصنفه)) ٢٨٦/١١ (٢٠٥٥٦)؛ وحكم عليه
الهيثمي بأن رجاله رجال الصحيح؛ ((المجمع)) ١٠/ ٤٠٤.

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم أسند من حديث قتادة عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه مرفوعًا :
(((إن الله وعدني)(١) أن يدخل الجنة من أمتي ثلثمائة ألف)) قال عمير:
يا رسول الله زدنا، قال: ((وهكذا)) بيده، فقال عمر بن الخطاب:
حسبك يا عمير .. الحديث(٢).
قال: وحدثنا ابن مثنى، أنا معاذ -في كتابه- بإسناده إلى عمرو بن
(عمير)(٣) مرفوعًا: ((وعدني الله أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا بغير
حساب)) قالوا: من هم يارسول الله؟ قال: ((الذين لا يكتوون .. )) إلى آخره
((وإني سألته أن يزيدني))، قال: ((وإن لك بكل رجل من السبعين ألفًا
سبعين ألفًا فقلت: إذًا لا يكملوا ذلك فقال: أكملهم من الأعراب)) (٤).
ثم ساق من حديث حميد، عن أنس مرفوعًا: ((يدخل من أمتي الجنة
سبعون ألفًا)) قالوا: يا رسول الله زدنا. قال: ((لكل واحد سبعون ألفًا))
قالوا: يا رسول الله زدنا. قال: ((لكل واحد سبعون ألفًا)) قالوا:
يا رسول الله زدنا، فملأ كفيه من الرمل قال: ((وعدد هذا)) فقالوا:
زدنا. فقال أبو بكر وعمر: أبعد الله من دخل النار بعد هذا(٥).
وعند الحكيم الترمذي من حديث (نافع)(٦) أن أم قيس حدثته أن
رسول الله وَّ خرج آخذًا بيدها حتى انتهى بها إلى بقيع الغرقد فقال:
(يبعث من هذِه سبعون ألفًا يوم القيامة في صورة القمر ليلة البدر،
(١) في الأصل: ((وعدني الله)).
(٢) رواه الطبراني ٦٤/١٧، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٤٠٥/١٠: أبو بكر بن عمير
لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) في الأصل: عمر؛ والمثبت من (ص١) وهو الصواب.
(٤) أورده ابن سعد في ((الطبقات)) ٧٤/٧؛ وكذا ابن عبدالبر في ((الاستيعاب)) ٣/
٢٧٣؛ وقال: في إسناده اضطراب.
(٥) سلف قريبا.
(٦) في الأصل: (رافع).

١٤٩
= ڪِتَابُ بدء الخلق
يدخلون الجنة بغير حساب))، فقام رجل فقال: يا رسول الله، ادع الله أن
يجعلني منهم قال: ((أنت منهم)) فقام آخر .. الحديث.
قال الترمذي: هذا من مقبرة واحدة، فما ظنك بجميع مقابر أمته(١).
وذكر ابن خالويه في كتاب ((ليس)) أن سيدنا إبراهيم الخليل قال:
يحشر من بانقيا سبعون ألف شهيد. وروينا في ((تاريخ الرقة)) للقشيري:
حدثني الميموني، ثنا أبي، ثنا عمي، عن عمرو بن ميمون -وكان
بالكوفة- بلغني أنه يحشر من ظهرها سبعون ألفًا يدخلون الجنة
بلا حساب، فأحببت أن أموت بها، فمات ودفناه بها.
فصل :
وروى الكلاباذي من حديث عبد العزيز اليمامي، عن عائشة،
قالت: فقدت رسول الله وسلّ ذات ليلة، فاتبعته فإذا هو في مشربة
يصلي، فرأيت على رأسه ثلاثة أنوار، فلما قضى صلاته قال: ((من
هذِهِ)) قلت: عائشة. فقال: ((هل رأيت الأنوار)) قلت: نعم. قال:
((إنَّ آتٍ أتاني من ربي جلَّ وعزَّ فبشرني أن الله جلَّ وعزَّ يدخل الجنة من
أمتي سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني في اليوم الثاني آتٍ من
ربي فبشرني أن الله يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفًا سبعين
ألفًا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني في اليوم الثالث آتٍ من ربي فبشرني
أن الله يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفًا المضاعفة سبعين
ألفًا بغير حساب ولا عذاب، فقلت: يا رب، لا تبلغ هذا أمتي. قال:
يُكمَّلون لك من الأعراب ممن لا يصوم ولا يصلي)».
قال الكلاباذي: اختلف الناس في الأمة من هم؟ فقال قوم: أهل
(١) في ((نوادر الأصول)) كما في المختصر المطبوع ص٨٤.

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الملة، وقال آخرون: كل مبعوث إليه ولزمته الحجة بالدعوة، ويجوز أن
تكون الأمة كل مبعوث إليه، ولكن تختلف أحوالهم، فمنهم من بعث إليه
ودعي فلم يجب كأهل الأديان من أهل الكتاب وسائر المشركين، فهؤلاء
لا يدخلون الجنة أبدًا، ومنهم من دعي أجاب ولم يتبع من جهة أستعمال
ما لزمه بالإجابة، فهو مؤمن بإجابته إلى ما دعي إليه من التوحيد
والرسالة، وإن لم يستعمل ما أمر به تشاغلًا عنه وخلاعة وتجوزًا،
فهؤلاء من أمة الدعوة والإجابة، وليسوا من أمة الأتباع، ومنهم من أجاب
إلى ما دعي واستعمل ما أمر به، فهذا من أمة الدعوة والإجابة والاتباع،
فيجوز أن يكون هؤلاء الأعراب من أمة محمد من طريق الإجابة له
إيمانًا بالله ورسوله وبما جاء به ولم يستعملوا ما جاء به، فهؤلاء
ليسوا من أمته على معنى الأتباع؛ لأنهم لم يتبعوه ولم يسلكوا طريقه.
فمعنى: ((يكملون لك من الأعراب)» أي: من آمن بك ولم يتبعك
استعمالًا لما جئت به؛ لأن قوله: ((لا تبلغ هذا أمتي)) وقوله تعالى:
(يكملون لك من الأعراب)). يشير إلى أن هؤلاء الأعراب ليسوا من
أمته، فيجوز أن يكون ذلك على معنى ما قلناه.
ومعنى قوله: ((لا تبلغ هذا أمتي)) يعني من أتبعني وآمن بي، فكأنه
يقول: لا يبلغ هذا العدد من أتبعني استعمالًا لما جئت به، وهذا
كالحديث الذي حدثناه، ثم ساقه من حديث أبي صالح، عن أبي
هريرة - أو عن أبي سعيد- شك الأعمش.
قال رسول الله وَله: ((اشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، من لقي
الله بها غير شاك لم يحجب عن الجنة))(١).
(١) رواه مسلم (٢٧) كتاب الإيمان.

١٥١
كِتَابُ بدء الخلق
=
وذكر الشيخ أبو العباس أحمد بن القسطلاني في كتاب جمع فيه
أخبار مشايخ لقيهم: سمعت الشيخ أبا الربيع: كان الشيخ أبو الحكم
يتكلم يومًا في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]
واستطرد إلى حديث الشفاعة التي يقول فيها: ((وأعطيت هكذا وهكذا
يمينًا وشمالاً ووراءً))، وحثى رسول الله وَّل عن يمينه وشماله وورائه،
فقال أبو بكر: يا رسول الله، يكفينا فقال عمر: يا أبا بكر، دع رسول
الله يبشرنا ووراءه فقال أبو بكر: يا عمر لنا نحن حثية من حثيات ربنا
قال: فكان أبو بكر أفقه الرجلين؛ لأنه علم أنه إحراج فخاف
التطويل؛ فقال: يكفينا.
قال الشيخ أبو الحكم: وأقول أنا: ما استئناها إلا لعظيمة يقتضيها
لم يطلع عليها اللوح ولا القلم، يعني: الاستثناء في الآية السالفة.
الحدیث التاسع :
حديث أَنَسِ ﴾: أُهْدِيَ لِلنَّبِّ وَِّ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ
الحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ
سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هذا)).
الحديث العاشر:
حديث البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَل﴿ ◌ِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ،
فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهِ وَلِينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَمَنَادِيلُ».
وقال: ((أَفْضَلُ)) بدل ((أحسن)) وأخرجه في المناقب واللباس والنذور(١)،
وأخرجه مسلم أيضا(٢)، والسندس: هو رقيق الديباج، والإستبرق صفيقه.
(١) سيأتي برقم (٣٨٠٢، ٥٨٣٦، ٦٦٤٠).
(٢) مسلم (٢٤٦٨) كتاب فضائل الصحابة.

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والمنديل: مفعيل من ندلت الشيء إذا نقلته، فكأنه ينقل الندل، وهو
الوسخ من الأيدي.
فائدة :
علق عن سعيد، عن قتادة، عن أنس أن أكيدر دومة أهدى لرسول الله
صَلَاللهِ (١)
عَادبيـ
وسلم
وأسند الإسماعيلي هذا التعليق.
وعلق عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أنه العليّ لبسها، وذلك قبل
أن ينهى عن الحرير.
قال الإسماعيلي: وسعيد أثبت في قتادة وأضبط من شيبان، لا سيما
إذا روى عنه الثقات، وذكروا عنه الخبر، وهو أشبه؛ لأنه لا ينهى عنه
وهو يلبسه إلا أن يبين أنه مخصوص به، ثم ذكر سنده إلى ابن زريع، عن
سعيد، ثنا قتادة، ثنا أنس: أن أكيدر أهدى لرسول الله وَّل جبة من
سندس من قبل أن ينهى عن لبس الحرير فلبسها. الحديث.
وفي رواية: وذلك قبل أن يُحرَّمَ الحرير.
الحديث الحادي عشر:
حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ مرفوعًا: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).
الحديث سلف في الجهاد (٢)، وأخرجه مسلم أيضا(٣).
قال الداودي: يعني في حسنه وبهجته.
(١) سلف برقم (٢٦١٦).
(٢) سلف برقم (٢٧٩٤).
(٣) مسلم (١٨٨١) كتاب الإمارة.

١٥٣
- كِتَابُ بدء الخلق
وقال غيره: يعني أنه دائم لا يفنى فكان أفضل مما يفنى وإن كان
الفاني أكبر حجمًا.
الحديث الثاني عشر:
حديث أَنَس بْن مَالِكِ عَهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ
الرَّاكِبُ فِي ظِلَّهَا مِائَةَ عَام لَا يَقْطَعُهَا)).
الحديث الثالث عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ه، عَنِ رسول الله وَل
قَالَ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الزَّاكِبُ فِي ظِلُّهَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَاقْرَءُوا
[الواقعة: ٣٠]. وَلَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكُمْ فِي
إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍ نَمْدُودِ
الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ)) وسلف في الجهاد(١).
وذكر الطرقي أن هذا من زيادة ابن أبي عمرة يعني: الراوي عن أبي
هريرة في الحديث.
وروى ابن المبارك من حديث ابن أبي خالد، عن زياد مولى بني
مخزوم، سمع أبا هريرة يقول: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في
ظلِّها مائة عام))، فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق والذي أنزل الفرقان على
لسان محمد، لو أن رجلًا ركب حقة أو جذعة، ثم سار في أصل
تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرمًا، إن الله تعالى غرسها بيده،
ونفخ فيها من روحه، وما في الجنة نهر إلا ويخرج من أصلها(٢).
وفي لفظ: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين)) أو
قال: ((مائة سنة))، وهي: شجرة الخلد(٣).
(١) سلف برقم (٢٧٩٣).
(٢) ((الزهد)) (٢٦٧).
(٣) السابق (٢٦٦).

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي الترمذي عن أسماء سمعت النبي ◌َّ ذكر سدرة المنتهى قال:
((يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة أو يستظل بظلها (مائة سنة
راكب)(١))) شك يحيى؛ ثم قال: حسن صحيح.
ولابن عبد البر من حديث عتبة بن عبد السلمي مرفوعًا: ((شجرة
طوبى تشبه الجوزة)) قال رجل: يا رسول الله ما عظم أصلها؟ قال:
((لو رحلت جذعة ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا))(٢)،
ولابن وهب من حديث شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: ((طوبى
شجرة (في الجنة)(٣) ليس فيها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير
حسن ولا ثمرة إلا وهي فيها))(٤)، وسيأتي في باب صفة الجنة والنار
من الرقاق من حديث سهل بن سعد، وأبي سعيد(٥).
فصل :
المراد بظِلِّهَا: راحتها ونعيمها من قولهم: عز ظليل، وقيل معناه:
ذُراها وناحيتها وكنفها كما يقال: أنا في ظلك، أي: في كنفك،
وإنما أحوج إلى هذا التأويل؛ لأن الظل المتعارف عندنا إنما هو
وقاية حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس، وإنما هي أنوار
متوالية، لا حر فيها ولا قر، بل لذات متوالية ونعم متتابعة.
فصل :
القاب: القَدْر. والقوس هو: العربي.
(١) كذا بالأصل؛ وعند الترمذي (٢٥٤١): مائة راكب.
(٢) ((التمهيد)) ٣٢٠/٣-٣٢١.
(٣) من (ص١).
(٤) ذكره القرطبي في ((التذكرة)) ص ٥٣٠.
(٥) سيأتي برقم (٦٥٥٢، ٦٥٥٣).

=
١٥٥
= كِتَابُ بدء الخلق
وقال مجاهد: قاب قوس: أي: قدره ذراع، وهو بلغة أزد شنوءة.
وقال الداودي: القاب: ما بين القوس والوتر.
الحديث الرابع عشر:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قال: ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ
عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ کَوْكَبِ دُرِّيٌّ فِي
السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَىْ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلَا
تَحَاسُدَ، لِكُلِّ أُمْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنَ الحُورِ العِينِ، يُرى مُخَّ سُوقِهِنَّ مِنْ
وَرَاءِ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ)).
والزمر: الجماعات في تفرقة والزمرة واحدتها.
الحديث الخامس عشر:
حديث البَرَاءِ بَُّ، عَنِ النَّبِيِّ بِ ◌ِّهِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ: ((إِنَّ
لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ)).
سلف في الجنائز(١)، وذلك لأنه مات قبل أن يفصل عن أمه، ولعلَّ
ولدان المؤمنين مثله، قاله ابن التين.
وروي أنه الثّ لما مات ابنه القاسم بكت خديجة فقال: ((ما
يبكيك؟)) قالت: در ثديي يا رسول الله. قال: ((إن له مرضعًا في
الجنة)) قالت: لو علمت ذلك ما بكيت. قال: ((إن شاء ربك ذلك))
قالت: بل أصدق الله ورسوله(٢).
(١) سلف برقم (١٣٨٢).
(٢) لم أقف عليه والمشهور أن المرضع التي في الجنة قيلت في حق ابنه إبراهيم، كما
تقدم برقم (١٣٨٢)، والله أعلم.

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحديث السادس عشر:
حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ
يَتَرَاءونَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تتراءون الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي
الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: ((بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ)).
وفي رواية: ((وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما))، وأخرجه مسلم
أيضًا(١)، قال أبو عبد الله محمد بن يحيى: هذا حديث محفوظ
غريب من رواية مالك، ورواه فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن
يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا (٢)، لست أدفع حديث فليح أن يكون
عطاء قد حفظه عنهما(٣).
وعند مسلم من حديث سهل بن سعد مثله(٤)، زاد الحكيم الترمذي
عن صالح بن محمد، حدثني سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن
سهل بن سعد يرفعه في قوله : ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾
[الفرقان: ٧٥]. (قال: ((الْغُرْفَةَ)(٥): من ياقوتة حمراء أو زبرجدة
خضراء، أو درة بيضاء، ليس فيها فصم ولا وصل، وإن أهل الجنة
ليتراءون ... )) الحديث.
(١) مسلم (٢٨٣١) كتاب الجنة.
(٢) رواه الترمذي (٢٥٥٦)؛ وقال: حسن صحيح.
(٣) نقله عن أبي عبدالله محمد بن يحيى - وهو الذهلي - الدراقطنيُّ في ((الغرائب)) كما
في ((الفتح)) ٣٢٧/٦.
(٤) مسلم (٢٨٣٠).
(٥) من (ص١).

١٥٧
= كِتَابُ بدء الخلق
وفيه: ((وإن أبا بكر وعمر منهم .. )) الحديث(١)، ثم روى من حديث
ابن مسعود مرفوعًا: ((المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء، في
رأس العمود سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم لأهل الجنة، كما تضيء
الشمس لأهل الدنيا))(٢).
وفي الترمذي من حديث علي مرفوعًا: ((إن في الجنة لغرفًا يرى
ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها)). فقال أعرابي: لمن هي
يا رسول الله؟ فقال: ((لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام
الصيام، وصلى بالليل والناس نيام)) (٣)، وأخرجه صاحب ((الحلية))
أيضًا من حديث جابر (٤).
وفي ((البعث والنشور)) للبيهقي من حديث الحسن، عن عمران بن
حصين وأبي هريرة # سئل رسول الله وَّ عن قوله: ﴿وَمَسَكِنَ
طَيِّبَةٌ﴾ [التوبة: ٧٢] قال: ((قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون
دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زمردة خضراء، وفي
كل بيتٍ سريرٌ، على كل سرير سبعون فراشًا، على كل فراش زوجة
من الحور، وفي كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونًا من
الطعام، في كل بيت سبعون وصيفة)) الحديث(٥).
(١) في ((نوادر الأصول)) كما في المختصر المطبوع ص٢٧٣، وضعفه الألباني في
((ضعيف الجامع)) (٣٩٢٥).
(٢) المراجع السابق ص٢٧٣، وقال العراقي: سنده ضعيف، ((تخريج الإحياء)) ٢/
١٥٨ (١٧٧٥).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢٥٢٦)، وقال: غريب؛ وحسنه الألباني في ((صحيح الترمذي))
(٢٠٥١).
(٤) ((حلية الأولياء) ٣٥٦/٢.
(٥) ((البعث والنشور)) ص ١٦٠ (٢٨١)، قال ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٥٧٨/٣ =

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وهو ظاهر في اختلاف الغرف في العلو والصفة، وذلك بحسب
اختلاف أصحابها في الأعمال.
فصل :
((الْغَابِرَ)): يروى بالياء، اسم فاعل من غار، وروي: ((الغارب))
بتقديم الراء والمعنى واحد، وروي غالبًا بياء موحدة ومعناه: الذاهب
أو الباقي؛ لأن غبر من الأضداد، يريد أن الكوكب حالة طلوعه
وغروبه يبعد عن الأبصار فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بينه بقوله: ((بين
المَشْرِقِ أو الْمَغْرِبِ)) وروي: العازب بعين مهملة وزاي ومعناه:
البعيد، وروي: ((الغاير)) ذكره ابن الحذاء . .
وقوله: ( ((فِي الأُفقِ)) ) كذا هنا، وعامة نسخ مسلم ((من الأفق)) كما
قال النووي(١)، وقال القاضي(٢): ((من)) هنا لابتداء الغاية، وصوب
بعضهم ما في البخاري، وقال القرطبي: إنها أوضح (٣).
وقوله: ( ((يتراءون))) وفي أخرى: ((يرون أهل عليين كما يرى
الكوكب الدري في أفق السماء)» (٤)، ودري -بكسر الدال- فعيل، من
درأت كأنه يدرأ الشياطين، ودري على مثال الدر، ومن قرأ (دريء)،
فهو عند أكثر أهل العربية لحن؛ إذ ليس في كلام العرب فعيل،
= (١٨٠٤): هذا حديث موضوع على رسول الله وَّل، وفي إسناده: جسر، قال
يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم بن حبان: خرج عن حد
العدالة.
(١) ((شرح مسلم)) ١٦٩/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٦٢/٨.
(٣) ((المفهم)) ١٧٦/٧.
(٤) رواه أحمد ٣/ ٥٠.

١٥٩
كِتَابُ بدء الخلق
=
والأكثر الضم بغير همز، قال الكسائي: شبه بالدر، وروي بضم الدال
مهموز ممدود(١).
قال ابن التين: وانظر قوله: ( ((الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أَوِ
المَغْرِبِ))) وإنما تغور الطوالع من المغرب خاصة فكيف ذكر المشرق،
والغابر: الذاهب في البعد، قاله الداودي.
و(الأُفُقِ): ناحية السماء واحد الآفاق، وشبه الكواكب بالدر؛ لكونه
أرفع من باقي النجوم كما أن الدر أرفع الجواهر.
فصل :
قوله: ( ((بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ .. ))) إلى آخره؛ يريد أنهم لم
يبلغوا درجات الأنبياء، قيل: كذا ظاهره، وقال الداودي: يعني أنهم
يبلغون هُذِه المنازل التي وصف، وأن منازل الأنبياء فوق ذلك، فعلى
ما عند أبي ذر ((بل .. )) إلى آخره الأمر بيِّن كما ذكره الداودي، وعلى
ما عند الشيخ أبي الحسن ((بَلَى)) تكون كما تقدم أنهم يبلغون درجات
الأنبياء.
وقال القرطبي: كذا وقع هذا الحرف (بلى) الذي أصلها حرف
جواب وتصديق، وليس هذا موضعها؛ لأنهم لم يستفهموا وإنما
أخبروا أن تلك المنازل للأنبياء لا لغيرهم، فجواب هذا يقتضي أن
تكون (بل) التي هي للإضراب عن الأول، وإيجاب المعنى الثاني
فكأنه تسومح فيها، فوضعت (بلى) موضع (بل).
و((رجال)) مرفوع بالابتداء المحذوف، تقديره هم رجال، ورواية:
((بل)) فيها توسع أي: تلك المنازل منازل رجال آمنوا بالله، أي: حق
(١) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٣٢٢/٥-٢٣٢.

١٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
إيمانه، ((وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ)) أي: حق تصديقهم، وإلّا فكل من يدخل
الجنة آمن بالله، وصدق رسله(١).
فائدة :
روى محمد بن الحسن بن زياد النقاش في ((فضائل عاشوراء)) من
حديث ابن عباس مرفوعًا: ((إن الله وّ ثماني جنات)) الحديث.
(١) ((المفهم)) ١٧٦/٧.