النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كِتَابُ الخُمُسِ
=
٧ - باب قَوْلِ اللّهِ رَّ:
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]
يَعْنِي: لِلرَّسُولِ قَسْمَ ذَلِكَ. قَالَ النبيِ وَِّ: ((إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ
وَخَازِنٌ، والله يُعْطِي)).
٣١١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ وَقَتَادَةَ، سَمِعُوا
سَالَمَ بْنَ أَبِ الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا مِنَ
الأَنَّصَارِ غُلَامٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا - قَالَ شُعْبَةُ فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ: إِنَّ الأَنْصَارِيَّ
قَالَ: حَلْتُهُ عَلَى عُنُقِي، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ◌ََّ. وَفِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ،
فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا - قَالَ: ((سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي، فَإِنِّي إِنَّمَا
جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ)). وَقَالَ حُصَيْنٌ: ((بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ)).
قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالمًا، عَنْ جَابِرِ: أَرَادَ أَنْ
يُسَمَِّهُ القَاسِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلَهَ: ((سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي)). [٣١١٥،
٣٥٣٨، ٦١٨٦، ٦١٨٧، ٦١٨٩، ٦١٩٦ - مسلم: ٢١٣٣ -فتح ٦ /٢١٧]
٣١١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ سَالمِ بْنِ أَبِي
الَجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيِّ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ، فَسَمَّاهُ القَاسِمَ،
فَقَالَتِ الأَنَّصَارُ: لَا نَكْنِيكَ أَبَا القَاسِمِ، وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا. فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ القَاسِمَ، فَقَالَتِ الأَنَّصَارُ: لَا نَكْنِيكَ أَبَا القَاسِم،
وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَحْسَنَتِ الأَنْصَارُ، سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا
بِكُنْيَتِي، فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ)). [انظر: ٣١١٤ - مسلم: ٢١٣٣ -فتح ٦ / ٢١٧]
٣١١٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ◌ُمَيْدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ
فِي الدِّينِ، والله المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هذِهِ الأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ
خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ)). [انظر: ٧١ - مسلم: ١٠٣٧ -فتح ٦ / ٢١٧]

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣١١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، أَنَا
قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ)). [فتح ٢١٧/٦]
٣١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
الأَسْوَدِ عَنِ ابن أَبِي عَيَّاشِ - وَاسْمُهُ نُعْمَانُ- عَنْ خَوْلَةَ الأَنَّصَارِيَّةِ رضي الله عنها
قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّ يَقُولُ: ((إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقُّ،
فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [فتح ٦ /٢١٧]
ذکر فیه خمسة أحاديث:
أحدها: حديث جابر : : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا مِنَ الأَنْصَارِ غُلَامٌ، فَأَرَادَ أَنْ
يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا - قَالَ شُعْبَةُ فِي حَدِيثٍ مَنْصُورٍ: إِنَّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: حَمَلْتُهُ
عَلَىْ عُنُقِي .. وساق الحديث وفي آخره: (سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا
بِگنْيَتِي)).
ثانيها: حديث جابر مثله.
ثالثها: حديث معاوية: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، والله
المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هُذِهِ الأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى
يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».
رابعها: حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: «مَا أُعْطِيكُمْ
وَلَا أَمْنَعُكُمْ، أَنَا فَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ)).
خامسها: حديث أبي الأَسْوَدِ عَنِ ابن أَبِي عَيَّشٍ - وَاسْمُهُ نُعْمَانُ-
عَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: ((إِنَّ رِجَالًا
يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ علم، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ)).

٤٢٣
كِتَابُ الخُمُسِ
=
الشرح :
تعليق البخاري الأول أسنده أبو داود، عن سلمة بن شبيب، عن
عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة بلفظ: ((إن أنا إلا
خازن أضع حيث أمرت))(١) وقد أسنده في الباب بمعناه، وتعليق
حصين في حديث جابر الأول أسنده مسلم في كتاب الأدب من
(صحيحه))(٢) وتعليق عمرو أسنده أبو نعيم الأصبهاني عن أبي
العباس، ثنا يوسف القاضي، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن
قتادة .. الحدیث.
وحديث معاوية سلف(٣)، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الراوي عن
أبي هريرة الحديث الرابع أسم والده بشير بن عمرو بن محصن بن
عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول بن عامر بن مالك بن النجار، قتل
بصفين مع علي، وشهد أخوه (٤) ثعلبة بدرًا، وأبو عبيدة قتل يوم بئر
معونة، وحبيب قتل باليمامة، وأمهم كبشة بنت ثابت أخت حسان بن
ثابت، وأم عبد الرحمن وعبد الله ابني أبي عمرة، هند بنت المقرم
شقيق حمزة وصفية بنت عبد المطلب، وابن عمها عبد الرحمن بن
ثعلبة بن عمرو بن محصن أخرج له ابن ماجه عن أبيه أن النبي وله
قطع يد عمرو بن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة في السرقة(٥)،
وعبد الرحمن بن أبي عمرة قاضي المدينة، واسم أبي الأسود في
(١) أبو داود (٢٩٤٩).
(٢) مسلم (٢١٣٣) كتاب: النهي عن التكني بأبي القاسم.
(٣) برقم (٧١) كتاب العلم، باب: ((من يرد الله به خير يفقهه في الدين)).
(٤) ورد بهامش الأصل: أي: أخو كثير، وأبو عبيدة هو أخو كثير أيضًا.
(٥) ابن ماجه (٢٥٨٨) وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٥٦٢)

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
حديث خولة: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة، والنعمان بن
أبي عياش: عبيدة - وقيل: زيد بن معاوية بن صامت بن زيد بن خلدة بن
عامر بن زُريق أخي بياضة، وأبو عباس فارس حلوه.
وهذا الحديث -أعني: حديث خولة- أخرجه مسلم أيضًا (١)، ولما
ذكره الترمذي من حديث سعيد بن أبي سعيد، عن أبي الوليد عبيد بن
الوليد، -يعني: سقوطًا فيما ذكره الجياني- قَالَ: سمعت خولة بنت
قيس وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب، سمعت رسول الله
◌َىاللّهـ
وَسـ
يقول: ((إن هذا المال خضرة حلوة، من أصابه بحقه بورك له فيه،
ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله، فليس له يوم
القيامة إلا النار)) قَالَ الترمذي: حسن صحيح(٢). وكذا أخرجه
الطبراني من حديث جماعة عن المقبري (٣).
وفيها قول ثان: أنها خولة بنت ثامر، كذا أخرجه من حديثها
الإسماعيلي وأبو نعيم والطبراني (٤) والحميدي من حديث أبي الأسود به.
وعند الجياني الجمع بينهما حيث قَالَ: خولة بنت قيس بن فهد
الأنصارية، تكنى أم محمد وهي أمرأة حمزة بن عبد المطلب، ويقال
لها: بنت ثامر(٥). وذكر أبو نعيم قولًا آخر في كنيتها فقال: تكنى أم
محمد، ويقال: أم حبيبة(٦).
(١) لم أجده في مسلم وعزاه المزي في ((التحفة)) ٥١٠٢/١١ للبخاري ولم يعزه
لمسلم.
(٢) الترمذي (٢٣٧٤).
(٣) ((المعجم الكبير)) ٢٢٧/٢٤-٢٢٨ (٥٧٧)، (٥٧٨)، (٥٧٩).
(٤) ((الكبير)) ٢٤٦/٢٤ (٦١٧).
(٦) ((معرفة الصحابة)) ٣٣٠٤/٦ (٣٨٤٣).
(٥) ((تقييد المهمل)) ٤١٤/٢.

٤٢٥
كِتَابُ الخُمُسِ
=
وصحف ابن منده حبيبة بصبية، وتلك غير هذِه، تلك جهينية وهذِه
أنصارية من أنفسهم، ووقع ذَلِكَ للكلاباذي أيضًا كناها بأم صبية(١)،
ولما ذكر الدارقطني في ((إلزاماته)) أن البخاري خرَّج عن النعمان، عن
خولة بنت ثامر يرفعه: ((إن رجالًا يتخوضون)) .. الحديث. قَالَ: لا نعرف
خولة بنت ثامر إلا في هذا الحديث، ولم يرو عنها غير النعمان، وهذا
اللفظ يشبه لفظ (سنوطا) عن خولة بنت قيس بن فهد أمرأة حمزة (٢).
قَالَ الجياني: وكانت بنت قيس بعد حمزة عند النعمان بن
العجلان(٣). وقال الدمياطي في حاشية البخاري: لعل الأشبه بنت
ثامر. وقال قبل ذلك: هي خولة بنت قيس بن فهد. اسمه خالد بن
قيس بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، أمها
الفريعة بنت زرارة بن عدس بن ثعلبة بن عبيد، كنيتها أم محمد.
ثانیھا :
كانت عند حمزة بن عبد المطلب فولدت له عمارة، لم يدرك، ثم
خلف عليها بعد حمزة حنظلة بن النعمان بن عامر بن العجلان بن
عمرو بن عامر بن زريق، فولدت له محمدًا فكفيت به، وقيل: خلف
عليها النعمان بن عجلان بن النعمان بن عامر بن العجلان وقيل: هي
خولة بنت ثامر الأنصارية، ولعله الأشبه، وذكره خلف في ((مسنده))
خولة بنت قيس، ولعله وهم.
وقال الدارقطني: لم يرو عن خولة بنت ثامر سوى النعمان بن أبي
عياش الزرقي.
(١) أنظر: ((الجمع بين رجال الصحيحن)) لابن طاهر المقدسي ٦٠٥/٢.
(٢) ((الإلزامات والتتبع)) ص٧٦، ٧٥.
(٣) ((تقييد المهمل)) ٤١٦/٢ بمعناه.

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وذكر أبو عمر الحديث في خولة بنت قيس عن عبيد سنوطا وبنت
ثامر عن النعمان عنها. وحديث أم حبيبة. اختلفت يدي ويد النبي ◌َّ في
إناء واحد في الوضوء.
وجمع أبو العباس الطرقي حديث البخاري والترمذي في ترجمة
خولة بنت قيس، وفرقهما غيره من أصحاب الأطراف.
فصل :
غرض البخاري في هذا الباب أيضًا الرد على من جعل لرسول الله
خمس الخمس ملكًا استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾
[الأنفال: ٤١] الآية وهو قول الشافعي.
وقال إسماعيل: وقد قيل في الغنائم كلها لله وللرسول. كما قيل في
الخمس لهما، فكانت الأنفال كلها له، بل علم المسلمون أن الأمر فيها
مردود إليه فقسمها، وكان فيها كرجل من المسلمين، بل لعل ما أخذ من
ذَلِكَ رجل بلغنا أنه يثقل سيفه ذا الفِقَار يوم بدر، وقيل: جملا لأبي
جهل. وقد علم كل ذي عقل أنه لا يشترك بين الله ورسوله وبين أحد
من الناس، وأن ما كان لله ولرسوله فالمعنى فيه واحد؛ لأن طاعة الله
طاعة رسوله.
قَالَ المهلب: وإنما خص نبيه الخمس إليه؛ لأنه ليس للغانمين فيه
دعوى، وإنما هو إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى دفعه في بيت المال لما
يخشى أن ينزل بالمسلمين دفعه، أو يجعله فيما يراه، وقد يقسم منه
للغانمين، كما أنه يعطي من المغانم لغير الغانمين، كما قسم لجعفر
وغيره ممن لم يشهد الوقعة، فالخمس وغيره إلى قسمته وَلآدم
باجتهاده، وليس له في الخمس ملك ولا يتملك من الدنيا إلا قدر

٤٢٧
كِتَابُ الخُمُسِ
حاجته، وغير ذَلِكَ كله عائد على المسلمين، وهذا معنى تسميته
بقاسم، وليس هذِه التسمية بموجبة ألَّا تكون أثرة في اجتهاده لقوم
دون قوم.
وقال ابن المنير: وجه مطابقة الأحاديث للآية تحقيق أن المراد فيها
بذكر الرسول إنما هو توليه القسم، لا أنه تملكه، حصر حاله في القسمة
﴿إنما﴾(١)، فخرج الملك.
فصل :
قوله في حديث جابر الثاني: فقال النبي ◌َّ: ((أحسنت الأنصار،
سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم)) يعني: أحسنت في
تعزيز نبيها وتوقيره من أن يشارك في كنيته، فيدخل عليه العنت عند
النداء لغيره ليشوفه إلى الداعي، كما عرض له في السوق، فنهى عن
كنيته وأباح أسمه للبركة الموجودة منه، ولما في أسمه من الفأل
الحسن؛ لأنه من معنى الحمد؛ ليكون محمودًا من تسمى باسمه.
وهذا القول صدر منه أيضًا وَسليه فيما رواه أنس أيضًا حين نادى رجل:
يا أبا القاسم. فالتفت. فقال الرجل: لم أعنك. فقال ذلك(٢).
فلما كانت هذه الكنية تؤدي إلى عدم التوقير والاحترام نهى عنها،
يؤيده ما نقل عن اليهود أنها كانت تناديه بها، فإذا التفت قالوا: لم نعنك.
فحسم الذريعة بالنهي، فإن قلت: فعلى هذا يمتنع التسمية بمحمد، وقد
فرق بينهما فأجازه في الاسم ومنع في الكنية.
(١) ((المتواري)) ص ١٩٠.
(٢) سلف برقم (٢١٢٠) كتاب البيوع، باب: ما ذكر في السوق.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلتُ: قد قيل به، ثم لم يكن أحد من الصحابة يجترئ أن يناديه
باسمه إذ الاسم لا توقير بالنداء به بخلافها، فإن في النداء بها
احترامًا وتوقيرًا، وإنما كان يناديه باسمه الأعراب من لم يؤمن منهم
أو من لم يرسخ الإيمان بقلبه، وقد قيل: إن النهي مخصوص بحياته،
وقد ذهب إليه بعض أهل العلم؛ وأيضًا لأن النهي عن ذَلِكَ، لأن
ذَلِكَ الأَسم لا يصدق على غيره، وهو قوله: ((إنما أنا قاسم)) أي
الذي بين قسم الأموال في المواريث والغنائم وغيرهما عن الله
تعالى، وليس ذَلِكَ لأحد إلا له، فلا يطلق هذا الاسم بالحقيقة إلا
عليه، وعلى هذا فتمتنع التكنية بذلك مطلقًا، وهو مذهب بعض
السلف محمد بن سيرين والشافعي وأهل الظاهر، سواء كان اسمه
أحمد أو محمدًا، وهو ظاهر الحديث.
وثالثها :
يحرم على من كان اسمه محمدًا خاصة، فهُذِه ثلاثة مذاهب، وفي
الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله وَلقر نهى أن يجمع بين أسمه
وكنيته ويسمِّ محمدًا أبا القاسم، ثم قَالَ: حديث حسن صحيح(١).
وعلى هذا فيجوز أن يكنى بذلك من ليس أسمه محمدًا، وزادت
طائفة أخرى من السلف فرأوا منع التسمية بالقاسم؛ لئلا يكنى أبوه
بأبي القاسم، حكاه القرطبي(٢). وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه
عبد الملك حين بلغه هذا الحديث، فسماه عبد الملك، وكان أولًا
أسمه القاسم، وفعله بعض الأنصار أيضًا.
(١) الترمذي (٢٨٤١) وصححه الألباني في ((صحيح الجامع) (٦٨٢٤).
(٢) ((المفهم)) ٤٥٧/٥

٤٢٩
= كِتَابُ الخُمُسِ
ونقل -أعني القرطبي - عن جمهور السلف والخلف وفقهاء الأمصار
جواز كل ذلك، فليس الجمع والأفراد بناء على أن ما تقدم إما منسوخ،
وإما خاص به، احتجاجًا بحديث علي في الترمذي مصححًا: يا رسول
الله، إن ولد لي بعدك غلام أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قَالَ: ((نعم))(١)
وحديث عائشة في أبي داود: جاءت امرأة إلى رسول الله وَ لّ فقالت:
يا رسول الله، إني ولدت غلامًا وسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم،
فُذكر لي أنك تكره ذَلِكَ، فقال: ((ما الذي أحل أسمي وحرم كنيتي؟!))(٢).
ويتأيد النسخ بأن جماعة كثيرة من السلف وغيرهم سموا أولادهم
باسمه وكنوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا؛ كمحمد بن مالك بن أنس
ومحمد بن أبي بكر وابن الحنفية وابن طلحة بن عُبيد الله، فإنهم كلهم
كنوا بذلك، وكأن هذا كان أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة
وغيرها، فأحاديث الإباحة إذًا أولى لأنها ناسخة لأحاديث المنع
وترجحت بالعمل المذكور(٣)، وهو مذهب مالك.
وخالف ابن حزم في النسخ قَالَ: وإنما كان النهي للتنزيه والإذن
لا للتحريم، وما قدمناه من المنع من التسمية بمحمد شاذ، وإن كان
قد روي عنه مرفوعًا: ((تُسمُّون أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم)) (٤) فكأنه
(١) الترمذي (٢٨٤٣).
(٢) أبو داود (٤٩٦٨) وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٥٠١٥).
(٣) ((المفهم)) ٤٥٨/٥ بتصرف وزيادة.
(٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٩٣/٤ عن أنس رضي الله عنه وقال: تفرد الحكم
ابن عطية عن ثابت وقال الذهبي: قلت: الحكم وثقه بعضهم وهو لين.
والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٤٣٦) وعزاه للبزار وأبي يعلى
والحاكم. وفي ((الضعيفة)) أيضًا (٣٤٠٣).

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عرضة لذلك، فتسد الذرائع، وكتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة:
لا تسموا أحدًا باسم نبيٍّ. وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم
المسمَّين بمحمد، حَتَّى ذكر له جماعة أنه وُّ أذن لهم في ذَلِكَ
أو سماهم به، فتركهم. قَالَ القرطبي: وحديث النهي غير معروف عند
أهل النقل، وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن من تسمى بمحمد
لا عن التسمية به، والنصوص دلت على إباحة التسمية به، بل قد ورد
الحث على الترغيب فيه، وإن لم يصح فيه ولا في الإباحة، مع أن
أحاديث النهي صحيحة(١).
وقيل: إن سبب نهي عمر السالف أنه سمع رجلًا يقول لابن أخيه
محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد. فقال: وإن سيدنا
رسول الله يسب، بل والله لا يدعى محمدًا ما بقيت. فسماه عبد الرحمن.
وقد تقرر الإجماع على إباحة التسمي بأسماء الأنبياء إلا ما سلف،
وسمى جماعة من الصحابة بأسماء الأنبياء، وكره بعض العلماء - فيما
حكاه عياض- التسمي بأسماء الملائكة، وهو قول الحارث بن
مسكين. قَالَ: وكره مالك التسمية بجبريل ويس(٢)، ومثله ميكائيل
وإسرافيل ونحوها من أسماء الملائكة، وعن عمر بن الخطاب أنه
قَالَ: ما قنعتم بأسماء بني آدم حَتَّى سميتم بأسماء الملائكة؟!
فصل :
قوله في حديث جابر أيضًا: (ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم،
فقالت الأنصار: لا نَكْنِيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا). معناه:
(١) ((المفهم)) ٤٥٩/٥.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ١٠-١١.

٤٣١
كِتَابُ الخُمُسِ
=
لا نكرمك ولا نقر عينك به. لقول العرب في الكرامة وحسن القبول: نعم
ونعمة عين، ونعام عين. فأما النعمة فمعناها : التنعم، ويقال: كم من
ذي نعمة لا نعمة له. أي لا متعة له بماله.
وقوله في حديث معاوية: ((لا تزال هذه الأمة ظاهرين)) في مسلم (١)
هي طائفة بالمغرب (٢). وقيل غير ذلك.
وقوله في حديث أبي هريرة: ((ما أعطيكم ولا أمنعكم)) أي: الله هو
المعطي في الحقيقة والمانع، وأنا أعطيكم بقدر ما يسرني الله له.
فصل :
ومعنى حديث خولة في الباب: أن من أخذ من المقاسم شيئًا بغير
قسم الرسول أو الإمام بعده فقد تخوض في مال الله. أي: تصرف فيه
وتقحم في استحلاله بغير حق، ويأتي بما غل يوم القيامة.
ومعنى: ((فلهم النار)) أي: ويخرجون منها إن كانوا مسلمين.
وفيه ردع للولاة والأمراء ألا يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه
ولا يمنعوه من أهله.
(١) مسلم (١٠٣٧) كتاب الإمارة، باب: قوله: لا تزال طائفة ..
(٢) ورد بهامش الأصل: المذكور في مسلم: وهو أهل المغرب.

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٨ - باب قَوْلِ النَّبِيّ ◌َةَ: (أُحِلَّتْ لَكُمُ الغَنَائِمُ))
وَقَالَ اللهُ رَّ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ
لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] وَهْيَ لِلْعَامَّةِ حَتَّى يُبَيَِّهُ الرَّسُولُ.
٣١١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ
البَارِقِيَّ ◌َ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّ قَالَ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ: الأَجْرُ
وَالْمَغْنَمُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). [انظر: ٢٨٥٠ - مسلم: ١٨٧٣ -فتح ٢١٩/٦]
٣١٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ قَالَ: ((إِذَا هَلَكَ كِسْرِى فَلَ كِسْرِى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ
قَبْصَرُ فَلَا قَبْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ).
[انظر: ٣٠٢٧ - مسلم: ٢٩١٨ -فح ٢١٩/٦]
٣١٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، سَمِعَ جَرِيرًا، عَنْ عَبْدِ الَلِكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ◌َُه
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِذَا هَلَكَ كِسْرِىُ فَلَا كِسْرِىُ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَبْصَرُ
فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ). [٣٦١٩،
٦٦٢٩ - مسلم: ٢٩١٩ -فتح ٢١٩/٦]
٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ،
حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أُحِلَّتْ لِي
الغَنَائِمُ)). [انظر: ٣٣٥ - مسلم: ٥٢١ -فتح ٦ /٢٢٠]
٣١٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِيِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ - لَا يُخْرِجُهُ
إِلَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ- بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى
مَسْكَنِهِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)). [انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ -
فتح ٦ /٢٢٠]
٣١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابن المُبَارَكِ، عَنْ مَغْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ

٤٣٣
كِتَابُ الخُمُسِ
=
مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ
لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا،
وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا أَحَدٌ أَشْتَرِىُ غَنَمَّا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهْوَ
يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا. فَغَزَا، فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلَاةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ
لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ أَحْبِسْهَا عَلَيْنَا. فَحُبِسَتْ، حَتَّى فَتَحَ
اللّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ - يَغْنِي: النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ:
إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَابِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلِ بِيَدِهِ، فَقَالَ :
فِيكُمُ الغُلُولُ، فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتْكَ. فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ : فِيكُمُ
الغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسِ مِثْلِ رَأْسٍ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ
فَأَكَلَْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لُنَا الغَنَائِمَ؛ رَأُ ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا)). [٥١٥٧ -
مسلم: ١٧٤٧ - فتح ٢٢٠/٦]
ذكر في الباب حديث عروة البارقي: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا
الخَیْرُ)).
وحديث أبي هريرة: ((إِذَا هَلَكَ كِسْرىُ فَلَا كِسْرىُ بَعْدَهُ .. )). وقد
سلف.
ثم قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، سَمِعَ جَرِيرًا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ جَابِرِ
بْنِ سَمُرَةَ بمثل حديث أبي هريرة ويأتي في علامات النبوة والأيمان
والنذور، وأخرجه مسلم أيضًا. وإسحاق هذا قَالَ الجياني: لم أجده
منسوبًا لأحد(١). ونسبه أبو نعيم: إسحاق بن إبراهيم.
ثم ذكر حديث يزيد الفقير -وهو من فقار الظهر لا من المال- عن
جابر مرفوعًا: ((أحلت لنا الغنائم .. )) وقد سلف في التيمم مطولًا(٢).
(١) ((تقيد المهمل)) ٣/ ٩٧٧.
(٢) برقم (٣٣٥) باب منه.

٤٣٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثم ذكر حديث أبي هريرة : (تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ .. ))
الحديث قد سلف في باب: أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله
في سبيل الله(١).
ثم ذكر حديث أبي هريرة أيضًا: (غَزَا نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ:
لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ .. )) الحديث. وقد سلف في موضع أشار
إليه البخاري في الجهاد في باب: من اختار الغزو بعد البناء، وقال: فيه
أبو هريرة عن النبي وَلِ﴾ (٢).
والبخاري رواه عن محمد بن العلاء: أنبأنا ابن المبارك، عن معمر،
عن همام بن منبه، عن أبي هريرة وسيأتي في النكاح، وأخرجه مسلم
أيضًا، ولما ذكره أبو نعيم في ((مستخرجه)) قَالَ: رواه البخاري عن
أبي كريب، عن عبد الله بن المبارك - أو غيره - عن معمر، ولم أره
هكذا وسيأتي في التوحيد، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
فصل :
ذكر ابن إسحاق أن هذا النبي يوشع بن نون، وقال: ولم تحتبس
الشمس إلا له ولنبينا صبيحة الإسراء حين انتظروا العير التي أخبر
بقدومها عند شروق الشمس ذَلِكَ اليوم.
قلتُ: قد وقع ذَلِكَ لنبينا مرة أخرى غير هذِه، في الخندق حین شغل
عن صلاة العصر حَتَّى غابت الشمس فصلاها، ذكره عياض في
((إكماله))(٣). وقال الطحاوي: رواته ثقات. ووقع لموسى وَلّ تأخير
طلوع الفجر.
(١) برقم (٢٧٨٧) كتاب: الجهاد والسير.
(٢) ذكره بعد حديث رقم (٢٩٦٧).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٥٣.

٤٣٥
كِتَابُ الخُمُسِ
=
روى ابن إسحاق في ((المبتدأ)) من حديث يحيى بن عروة عن أبيه أن
الله ◌َك أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل، وأمره بحمل تابوت يوسف
وَّ، فلم يدل عليه حَتَّى كاد الفجر يطلع، وكان قد وعد بني إسرائيل
أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعها حَتَّى يفرغ
من أمر يوسف، ففعل الله ◌ّ ذَلِكَ، وبنحوه ذكر الضحاك في ((تفسيره
الكبير)).
وروى الطبراني في ((أوسط معاجمه)) من حديث معقل بن عبيد الله،
عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله وَله أمر الشمس فتأخرت ساعة من
نهار. قَالَ: لم يروه عن معقل إلا الوليد بن عبد الواحد التميمي، تفرد به
أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل الحراني، ولم يروه عن أبي الزبير
إلا معقل(١).
قلتُ: فيجوز أن يحمل على إحدى الحالتين السالفتين أو على حالة
ثالثة.
قلتُ: وقد وقع ذَلِكَ لبعض أمته، وهو الإمام علي ﴾، أخرجه
الحاكم، عن أسماء بنت عميس أنه بَّ﴾ نام على فخذ علي حَتَّى
غابت الشمس، فلما استيقظ قَالَ علي: يا رسول الله، إني لم أصل
العصر فقال وَل١٤: «اللَّهُمَّ إن عبدك عليا أحتبس بنفسه على نبيك فرد
عليه شرقها))
قالت أسماء: فطلعت الشمس حَتَّى وقعت على الجبال وعلى
(١) ((المعجم الأوسط)) ٢٢٤/٤ (٤٠٣٩).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٧/٨: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وإسناده
حسن. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٩٧٢) مبينًا ذهول الهيثمي عن ثلاث علل
في إسناده.

٤٣٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الأرض، ثم قام علي فتوضأ وصلى العصر، وذلك بالصهباء(١). وذكره
أبو جعفر في ((مشكله))، وقال: كان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن
سبيله العلم أن يتخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من أجل علامات
النبوة(٢) قَالَ: وهو حديث متصل. وفي آخر: رواته ثقات. وأما ابن
الجوزي فأعله من طريق آخر، وأعله ابن تيمية بأن أسماء كانت مع
زوجها بالحبشة، لكن جعفر قدم خيبر على رسول الله وَّ وقسم له
ولأصحابه وهم بخیبر.
وروى الخطيب في كتابه ((ذم النجوم)) بإسناد فيه ضعف عن علي أن
يوشع بن نون قَالَ له قومه: إنا لن نؤمن بك حَتَّى تعلمنا بدء الخلق
وآجاله. فأوحى الله إلى غمامة فأمطرتهم واستنقع على الجبل ماؤها،
ثم أوحى الله إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجرى في ذَلِكَ فأراهم
بدء الخلق وآجاله مجاري الشمس والقمر والساعات، فكان أحدهم
يعلم متى يمرض ومتى يموت فبقوا كذلك برهة، ثم إن داود القيا
قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله،
فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم أحد، فدعا الله داود
فحبست الشمس عليهم فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة بالليل
والنهار فلم يعرفوا قدر الزيادة، فاختلط عليهم حسابهم.
قلتُ: فإذا هؤلاء ثلاثة: نبينا، ويوشع بن نون وداود، ومن أصحابه
علي، ووقع في كلام ابن التين أنه ذكر أنه يعني هذا النبي يوشع فتى
(١) لم أجده في ((المستدرك)). والحديث أخرجه الطبراني في ((الكبير)) ٤٤/ ١٤٤ -١٤٥
(٣٨٢) وفي رد هذا الحديث وتضعيفه أنظر ((منهاج السنة)) لشيخ الإسلام ابن تيمية
٨/ ١٧٥ وما بعدها .
(٢) ((شرح مشكل الآثار)) ٩٤/٣، ٩٧ (١٠٦٨).

٤٣٧
كِتَابُ الخَمُسِ
=
موسى وهو الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه، وهو غريب.
فصل :
قوله للشمس: ((إنك مأمورة وأنا مأمور، اللَّهُمَّ أحبسها علينا فحبست))
هو دعاء إلى الله أن يمد لهم الوقت حَتَّى يفتحوا المدينة.
وقيل في قوله: ((احبسها علينا)) أقوال: أحدها: أنها ردت على
أدراجها.وقيل: أوقفت فلم تبرح. وقيل: (بطئ مجريها)(١) وسيرها،
وهو أوفى- الأقوال كما قاله ابن بطال؛ لجريها على العادة، وإن
كان خرق العادات للأنبياء (جائز)(٢) فكل الوجوه جائزة.
وفي قوله: ((إنك مأمورة)) دليل في النوم وأصل العبادة على ضيق
وقت العمل الذي الرأي فيه في اليقظة وفوات وقته، فيكون تنبيهًا على
الأخذ بالحزم(٣).
وفيه: أن الأنبياء قد يحكمون على الأشياء المعجزات بآيات يظهرها
الله تعالى على أيديهم، شهادة على ما التبس من أمر الحكم، وقد
يحكمون أيضًا بحكم لا يكون آية معجزة، ويكون النبي وغيره من
الحكام سواء، ويكون اجتهادهم على حسب ما يتأدى إليهم من مقالة
الخصمين، فذلك إنما هو ليكون سنة لمن بعدهم.
وفيه: أن قتال آخر النهار إذا هبت رياح النصر أفضل كما كان التعليقات
يفعل.
(١) كذا بالأصل، والجادة أن تكون (بَطُؤَ مجراها)، ولعله ذكر (مجريها) على الإمالة.
(٢) كذا بالأصل وابن بطال، والجادة أن يقول: جائزًا ..
(٣) كذا العبارة في الأصل، وقد نقلها المصنف كما هي من ((شرح ابن بطال)) ٢٧٨/٥
وعلق محققه عليها بأنها كذا في أصله مشيرًا لغموض معناها.

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
الآية التي بدأ بها البخاري رحمه الله نزلت عام الحديبية، فكانت
التي عجلت لهم خيبر فقسمها بين أهل الحديبية، من شهد منهم خيبر
ومن غاب عنها، ولم يقسم معهم لغيرهم إلا أثني عشر رجلًا قدموا
مع جعفر من أرض الحبشة، وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة، وكان
معهم مائتا فرس فقسمت على ألف وثمانمائة. قَالَ مالك فيما نقله
الشيخ أبو محمد عنه: كانت خيبر على سنة ست من الهجرة.
قالوا: ولم يخرج إليها إلا أهل الحديبية إلا رجل من بني حارثة أذن
له، وخرج في المحرم ففتح حصونهم، وهي التي وعده الله بها بالحديبية
في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١].
وقال ابن بطال: المخاطب بهذه الآية أهل الحديبية خاصة ووعدهم
بها، فلما انصرفوا من الحديبية فتحوا خيبر، وهي المعجلة (١). والمذكور
في التفسير أن خيبر هي التي عجلت لهم كما أسلفنا.
واختلفوا في قوله: ﴿وَأُخْرَىْ لَمْ نَقِّدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] فقال ابن
أبي ليلى: هي فارس والروم(٢). وقال قتادة: هو فتح مكة(٣). وقال
مجاهد: هو ما يكون بعد إلى يوم القيامة (٤). وقال ابن أبي ليلى في
قوله تعالى: ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] يعني: خيبر.
وقال مروان والمسور: وانصرف رسول الله من الحديبية، فنزلت
عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر، فقدم
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٧٧/٥.
(٢) و(٣) و(٤) ((تفسير الطبري)) ٣٥٣/١١، ٣٥٤ (٣١٥٤٦)، (٣١٥٥١)، (٣١٥٥٢)،
(٣١٥٤٥).

٤٣٩
كِتَابُ الخُمُسِ
=
المدينة من ذي الحجة وسار إلى خيبر في المحرم (١). وقوله تعالى:
﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾ وعيالكم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية
وإلى خيبر.
فصل :
وقوله (فهي للعامة): يعني: لجميع الناس حَتَّى يبين الشارع من
يستحقها وكيف تقسم، وقد بين الله تعالى بقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم
مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
فصل :
قوله في كسرى وقيصر: ((لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)) لعله أراد
ما كان في زمن عمر وغيره أنه أتى بالأموال فصبها في المسجد،
فأتلفت التيجان لما أصابتها الشمس، فبكى عمر، فقال له ابن عوف:
ليس هذا حين بكاء إنما هذا حين شكر، فقال عمر: إني أقول:
ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعُوا أرحامهم.
فكان كما قَالَ، وكان من ذَلِكَ السفطان اللذان أتى بهما من كسرى
الدهقان فرأى الملائكة تدفع في صدره عنهما، فردهما إلى حيث أتيا
منه، وأمر أن يجعلا في أرزاق المقاتلة، فبيعا بمائتي ألف درهم.
ولما فتح عمرو مصر أتى رجل من عظماء أهلها، فسجنه وأدخل معه
السجن رجلًا، وقال له: أعرف ما يلتجئ به، فقيل له: هو يلتجئ لراهب
بموضع كذا. فجعل عمرو من يكتب بكتابهم، وأرسل إليه خاتمه، فختم
به الكتاب وكتب على لسان الكافر إلى الراهب: إذا أتاك كتابي فادفع
إلى فلان الوديعة التي عندك، فدفع الراهب إلى الرسول قمقمًا
(١) ((المستدرك)) ٤٥٩/٢، البيهقي في ((الدلائل)) ١٥٩/٤.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مختومًا، فأتى به عمرًا ففتحه فإذا فيه كتاب: يا بني إذا أردتم أخذ ما لكم
فاحضروا الفسقية التي بموضع كذا وكذا ذراع، من جانب كذا. فأرسل
عمرو منا فأخرجوا خمسین إردبًا دنانير.
فصل :
قوله: ( ((وأحلت لي الغنائم)) ) هي من خصائصه، فلم تحل لأحد
غيره وغير أمته، وكانت المغانم للأنبياء المتقدمين يخفونها في برية فتأتي
نار من السماء فتحرقها، فإن كان فيها غلول أو ما لا يحل لم تأكلها،
وكذلك كانوا يفعلون في قربانهم، كان المتقبل تأكله النار، وما لا يتقبل
يبقى على حاله ولا تأكله، ففضل الله هذِه الأمة وجعلها خير أمة
أخرجت للناس، فيجاهدون سائر الخلق، وأعطاهم ما لم يعط غيرهم،
جعل أناجيلهم في صدورهم، وجعل لهم الاستغفار، وكان من قبلهم
إذا أذنب أحدهم أصبح مكتوبًا على بابه: أذنب فلان ذنب كذا. وأعطيت
الاسترجاع عند المصائب، وجعلهم ظاهرين إلى يوم القيامة، وجعلهم
أكثر الأمم، وأحل النار للمغانم لتخلص نية الغازي كي لا يكون
قتالهم لأجل الغنيمة، وأبيحت الغنائم لهُذِه الأمة؛ لأن الإخلاص
غالب عليها فلم تحتج إلى باعث آخر، نبه على هذا ابن الجوزي.
فصل :
ودعاء هذا النبي قومه للمبايعة لمصافحة أيديهم اختبار منه للقبيل
الذي فيهم الغلول من أجل ظهور هذه الآية، وهي لصوق يد المبايع
بید النبي.
وفيه: دليل على تجديد البيعة إذا احتيج إلى ذَلِكَ لأمر يقع، وقد
فعل ذَلِكَ الشارع تحت الشجرة.