النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
واختلف في الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي:
يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه أرقه، ويجوز قتله عند
الجمهور، كما قَالَ النووي: لا ينتقض عهده بذلك إلا أن يكون شرط
عليه انتقاضه به(١).
وأما المسلم، فعند الشافعي وأبي حنيفة وبعض المالكية في آخرين :
يعزر بما يراه الإمام إلا القتل. وقال مالك: يجتهد فيه الإمام. قَالَ
عياض: قَالَ كبار أصحابنا: يقتل. (٢)
واختلفوا في تركه بالتوبة، قَالَ ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل
وإلا عزر(٣). وعند أبي حنيفة: السلب: ما على المقتول من ثياب وسلاح
ومركب (٤). وعندنا فيه تفاريع ذكرناها في الفروع.
(١) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٠/ ٣٣٨.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٥٣٧ -٥٣٨.
(٣) ((شرح مسلم)) للنووي ٦٧/١٢، وانظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٥٢/٣، ((أحكام
القرآن)) لابن العربي ١٧٨٣/٤، (المغني)) ٢٣٩/١٣.
(٤) أنظر: ((الهداية)) ٤٤٢/٢.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٧٤ - باب يُقَاتَلُ عَنْ أَهْلِ الذِّقَةِ وَلَا يُسْتَرَقُونَ
٣٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ بَّه قَالَ: وَأُوْصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ نَّ أَنْ يُوفَى لَهُمْ
بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَُّوا إِلّ طَاقَتَهُمْ. [انظر: ١٣٩٢ -فتح ٦ /١٦٩]
ذكر فيه عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ
وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا
إِلَّا طَاقَتَهُمْ.
وقد سلف مطولًا في آخر الجنائز(١)، والذمة: العهد. يريد: أهل
الكتاب. ولا خلاف فيه؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على أن يأمنوا في
أنفسهم وأموالهم وأهليهم.
وقوله: (وأن يقاتل من ورائهم). يعني: بين أيديهم كل مسلم وكافر،
كما يقاتل من ظلم مسلمًا.
وما ذكر من الاسترقاق ليس في الخبر، واختلف فيه إذا نقض الذمي
العهد هل يسترق؟ قَالَ أشهب: لا. وقال ابن القاسم: نعم. محتجًا بأن
الذمة لو حمتهم من الرقة عند بعضهم لحمتهم من القتل، وقد صلب عمر
يهوديًّا أراد اغتصاب أمرأة، ورأى الصديق استرقاق أهل الردة، فكيف
بكفار نقضوا العهد (٢)؟
(١) سلف برقم (١٣٩٢) باب ما جاء في قبر النبي
..
صَلىالله
(٢) انظر: ((المدونة)) ٣٨٢/١.

٢٨٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٧٥ - باب جَوَائِزِ الوَقْدِ(١)
٣٠٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَخْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الَخْمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الَخَمِيسِ. ثُمَّ
بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَضْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ وَّةِ وَجَعُهُ يَوْمَ الَخْمِيسِ،
فَقَالَ: ((انْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا)). فَتَنَازَعُوا، وَلَا
يَثْبَغِي عِنْدَ نَبِيِّ تَنَازُعُ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ. قَالَ: ((دَعُونِ، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ
خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ)). وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: ((أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ
جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَقْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ)). وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وَقَالَ يَغْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ المِغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَقَالَ:
مَكَّةُ، وَالَمْدِينَةُ، وَالْيَمَامَةُ، وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَغْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ. [انظر: ١١٤ -
مسلم: ١٦٣٧ -فتح ٦ / ١٧٠]
حدثنا قَبِيصَةُ، ثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ .. إلىّ
أن قال: وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: ((أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ
العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَقْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ)). وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةٍ
العَرَبِ، فَقَالَ: مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ، وَالْيَمَامَةُ، وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ:
وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةً.
الشرح :
كذا في الأصول: (حَدَّثَنَا قبيصة). قَالَ الجياني: كذا في نسخة أبي
زيد والنسفي وأبي أحمد، وعن ابن السكن، عن الفربري، عن البخاري:
(١) ورد بالهامش ما نصه: باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حَدَّثَنَا قتيبة: بدل (قبيصة) وهو ما ذكره في باب مرضه من المغازي،
وتكرر قتيبة، عن ابن عيينة في مواضع، ولعل البخاري سمع الحديث
منهما، غير أنه لا يحفظ لقبيصة، عن ابن عيينة شيئًا في ((الجامع))،
ولا ذكره الكلاباذي فيمن روى في ((الجامع)) عن غير الثوري(١).
والثالثة: ورد في رواية ستأتي أنها القرآن، وعن المهلب: هي تجهيز
جيش أسامة بن زيد، وكان المسلمون اختلفوا في ذَلِكَ على الصديق
فأعلمهم أنه ◌َّ عهد بذلك عند موته(٢). وقال عياض: يحتمل أنها
قوله: ((لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد))(٣) فذكر مالك معناه مع إجلاء
(٤)
اليهود (٤).
وفيه: سنة إجازة الوفد، وهو من باب الائتلاف، وهو عام في جميع
الوفود الواردين على الخليفة، من الروم كانوا أو من المسلمين؛ لأنهم
وإن كانوا من الروم فإنهم لا يأتون إلا بأمر فيه منفعة وصلاح للمسلمين،
فكذلك أمر ﴿ ﴿ بالوصاة بإجازتهم، وأيضًا فإنهم ضيوف، وقد قَالَ رَّه
فيهم: ((جائزته يوم وليلة))(٥)، ولم يخص فهو عام.
وفيه: دلالة (على) (٦) أن الوصية المدعاة لعلي باطلة؛ لأنه لو كان
وصيًّا كما زعموا لعلم قضية جيش أسامة كما علم ذَلِكَ الصديق وما
جهله.
(١) ((تقييد المهمل)) ٦٣٤/٢ -٦٣٥.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢١٥/٥.
(٣) علم عليها في الأصل (لا .. إلى) لعله يعني نسخة كما في اصطلاح المحدِّثين، وقد
تعني علامة الحذف.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٣٨٣/٥.
(٥) سيأتي برقم (٦١٣٥) كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته.
(٦) من (ص١).

٢٨٥
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقوله: (فقالوا: هجر رسول الله) أي: اختلط، وأهجر: أفحش،
قاله ابن بطال(١)، وقال ابن التين: أي: هذى؛ يقال: هجر العليل،
إذا هذى، يهجر هَجرًا بالفتح، والهُجر -بالضم - الإفحاش. قَالَ ابن
دريد: يقال: هجر الرجل في المنطق، إذا تكلم بما لا معنى له(٢)،
وأهجر: إذا أفحش.
وقوله: ( ((ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدا))
فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، قالوا: هجر رسول الله وَله؛ فقال:
(دعوني))) لاشك أنه ولو لم يكن ليدع شيئًا أمر بتبليغه لتنازعهم مع
أن الوحي كان ينزل عليه، فلو عورض في شيء أمر بتبليغه لبلغه،
ولكان الله تعالى يعاتب من حال بينه وبين ما يريد، وقد تكفل (الله) (٣) له
ولأمته بإظهار الدين كله وتمامه ووفاء ما وعده، ولم يكن يذكر
إخراج المشركين وإجازة الوفد، وفي رواية أخرى أنه أوصى بالقرآن
ويدع ما هو أوكد منه، وقد يكون هذا هو الذي أراد أن يكتبه، وقد
بقي بعد ذَلِكَ أيامًا يمكنه التبليغ فيها؛ لأنه توفي يوم الأثنين حين
اشتد الضَّحَاءُ بعد أن نظر إلى الناس قيامًا وهم في صلاة الصبح.
و((جزيرة العرب)) ذكر في الكتاب عن المغيرة تفسيرها وعنه زيادة:
وقرياتها. وعن مالك إنها المدينة. وعن أبي عبيد: هي ما بين حفر أبي
موسى بطوارة من أرض العراق إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين
رمل بيرين إلى منقطع السماوة في العرض(٤)، ونقل الشيخ أبو الحسن
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢١٥/٥.
(٢) ((جمهرة اللغة)) ٤٦٨/١.
(٣) من (ص١).
(٤) ((غريب الحديث)) ٢٤٤/١.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عن مالك أنها الحجاز ومكة والمدينة واليمن، وروى يعقوب بن محمد
الزهري عنه: واليمامة. وقال الأصمعي: حدها من عدن إلى ريف العراق
طولًا، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا، وهي عند
الجويني والقاضي الحسين: الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة
وقراها(١)، والمشهور أن الحجاز بعض الجزيرة، وبه جزم العراقيون
وغيرهم. وقالوا: المراد بالجزيرة في الحديث: الحجاز، ويؤيده رواية
أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح: آخر ما تكلم به رسول الله
وَالى: ((أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب)) (٢)
انتهى، فلم يتفرغ أبو بكر لذلك، فأجلاهم عمر، قيل كانوا زهاء
أربعين ألفا. ولم ينقل أن أحدًا من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها
من الجزيرة، وإنما أخرج أهل نجران من الجزيرة وإن لم يكن من
الحجاز؛ لأنه * صالحهم على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه، رواه
أبو داود من طريق ابن عباس(٣). وعن الأصمعي: هي ما لم يبلغه
ملك فارس من أقصى عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدة
إلى ريف العراق عرضًا، وفي رواية أبي عبيد عنه: (الطول) (٤) من
أقصى عدن إلى ريف العراق طولًا، وعرضًا من جدة وما والاها إلى
ساحل البحر إلى أطراف الشام(٥).
(١) ((شرح مسلم)) للنووي ١١/ ٩٣.
(٢) ((مسند أحمد) ١/ ١٩٦.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٠٤١).
(٤) في ((غريب الحديث)): جزيرة العرب. ولعله الأنسب للسياق.
(٥) ((غريب الحديث)) ٢٤٤/١.

٢٨٧
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقال الشعبي: هي ما بين قادسية الكوفة إلى حضرموت. قَالَ الخليل
فيما نقله أبو عبيد البكري: سميت جزيرة العرب؛ لأن بحر فارس وبحر
الحبش والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها(١). قَالَ
أبو إسحاق الحربي: أخبرني عبد الله بن شبيب عن زهير بن محمد عن
محمد بن فضالة إنما سميت جزيرة لإحاطة البحر بها والأنهار من
أقطارها وأطوارها، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية
قنسرين ثم انحط عن الجزيرة، وهي ما بين الفرات والدجلة، وعن
سواد العراق حَتَّى (وقع)(٢) في البحر من ناحية البصرة والأُبُلَّة، وامتد
البحر من ذَلِكَ الموضع مغربًا مطيفًا ببلاد العرب منعطفًا عليها، فأتى
منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان
والشحر وسال منه عنق إلى حضرموت إلى أبين وعدن ودهلك،
واستطال ذَلِكَ العنق فطعن في تهائم اليمن بلاد حكم والأشعريين
وعك، ومضى إلى جدة وساحل مكة وإلى الجار ساحل المدينة،
وإلى ساحل تَيْماء وأَيْلَة حَتَّى بلغ إلى قلزم مصر وخالط بلادها،
وأقبل النيل في غربي هذا (العنق)(٣) من أعلى بلاد السودان مستطيلًا
معارضًا للبحر، حَتَّى دفع في بحر الشام، ثم قطع ذَلِكَ البحر من
مصر حَتَّى بلاد فلسطين ومر بعسقلان وسواحلها، وأتى على صور
بساحل الأردن وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق، ثم نفذ إلى
سواحل حمص وسواحل قنسرين، حَتَّى خالط الناحية التي أقبل منها
الفرات منحطا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق،
(١) ((العين)) ٦٢/٦، وانظر ((معجم ما استعجم)) ٣٨١/٢ - ٣٨٢.
(٢) في (ص): دفع.
(٣) في الأصل: العمق، وما أثبتناه موافق لـ((معجم البلدان)) ٢/ ١٣٧.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي تركوها على خمسة أقسام:
تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن(١).
فرع: يمنع كل كافر عندنا وعند مالك من أستيطان الحجاز -وهو
ما ذكرناه- ولا يمنعون من ركوب بحره، ولو دخل بغير إذن (الإمام)(٢)
أخرجه وعذره إن علم أنه ممنوع، فإن أستأذن في دخوله أذن الإمام
أو نائبه فيه إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة وحمل ما يحتاج إليه،
وعن أبي حنيفة جواز سكناهم الحرم، ويمنع دخول (حرم)(٣) مكة،
قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]
والمراد به هنا جميع الحرم(٤)، وقال ◌َله: ((إن الشيطان أيس أن يعبد في
جزيرة العرب))(٥)، فلو دخله ومات لم يدفن فيه، وإن مات في غير الحرم
من الحجاز وتعذر نقله دفن هناك، وحرم المدينة لا يلحق بحرم مكة فيما
ذكرنا، لكن أستحسن الروياني أن يخرج منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفن
خارجه(٦).
فائدة: قوله: ( ((وأجيزوا الوفد)) ) أي: أعطوا القادمين عليكم.
والجائزة: قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وجائزته يوم
وليلة.
(١) ((معجم البلدان)) ٢/ ١٣٧.
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي ١١/ ٩٤.
(٥) رواه مسلم (٢٨١٢) كتاب صفة الجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه
لفتنة الناس.
(٦) ((روضة الطالبين) ٣١٠/١٠.

٢٨٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٧٧ - باب التَّجَمُّلِ لِلْؤُفُودِ.
٣٠٥٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةً إِسْتَبْرَقِ تُبَاعُ في
الشُّوقِ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ فَلَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْتَغْ هذِهِ الخُلَّةَ فَتَجَمَّلْ بِهَا
لِلْعِيدِ وَلِلْؤُفُودِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّ: ((إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ))، أَوْ: ((إِنَّمَا
يَلْبَسُ هذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ)). فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَلَ بِجُبَّةِ
دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَّى بِهَا رَسُولَ اللهِ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ: ((إِنَّمَا
هذِه لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ)) أَوْ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هذِهِ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ)) ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ
بِهذِه! فَقَالَ: (تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ)). [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ -
فتح ٦ / ١٧١]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ عَهُ حُلَّةَ
إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ .. الحديث.
وقد سلف في العيدين(١)، وهو لائح أن من السنة المعروفة التجمل
للوفد والعيد بحسن الثياب؛ لأن فيه جمالًا للإسلام وأهله وإرهابًا للعدو
وتعظيمًا للمسلمين.
وقول عمر : (فتجمل بها للعيد والوفد). يدل أن ذَلِكَ من عادتهم
وفعلهم. وقال الأبهري: إنما نهى الشارع عن الحرير والذهب للرجال؛
لأنه من زي النساء وفعلهن، وقد نهى ◌َّر أن يتشبه الرجال بالنساء،
وقيل: إنما نهى عن ذَلِكَ؛ لأنه من باب السرف والخيلاء، (وفي
جواز)(٢) لباسه في الحرب للترهيب على العدو، وقد سلف اختلافهم
(١) سلف برقم (٩٤٨) كتاب العيدين، باب في العيدين والتجمل فيهما.
(٢) في (ص): وقد جوز.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فيه، وسيأتي أيضًا في كتاب اللباس(١).
وفي قول عمر: (قلتَ: ((إنما هذِه لباس من لا خلاق له)). ثم أرسلت
إليَّ) أنه ينبغي السؤال عما يشكل.
وقوله: ( (تبيعها وتصيب بها بعض حاجتك)) ) فيه: أنه لا بأس
بالتجارة والانتفاع بما لا يجوز لبسه.
(١) سيأتي برقم (٥٨٤١) باب الحرير للنساء.

٢٩١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
1
١٧٨ - باب كَيْفَ يُعْرَضُ الإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيّ
٣٠٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي
سَالمُ بِنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ أَنْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََّ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ قِبَلَ ابن صَيَّادِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ عِنْدَ
أُطُم بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابن صَيَّدٍ يَحْتَلِمُ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ◌ََّ ظَهْرَهُ
بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ وَّرَ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ يََّ؟». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابنِ صَيَّادٍ فَقَالَ:
أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمَّيِّينَ. فَقَالَ ابن صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ◌َ: أَتَشْهَدُ أَّ رَسُولُ اللهِ؟. قَالَ لَهُ النَّبِيُّ
وَالَ: ((آمَنْتُ باللهِ وَرُسُلِهِ)). قَالَ النَّبِيُّ وَالَ: «مَاذَا تَرِى؟)). قَالَ ابن صَيَّادِ: يَأْتِينِي صَادِقٌ
وَكَاذِبٌ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َثَ: ((خُلِطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ)). قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: (إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ
خَبِيثًا)). قَالَ ابن صَيَّادِ: هُوَ الدُّخُ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َ:((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََكَ)). قَالَ عُمَرُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، آَتْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ
لَمْ يَكُنْهُ فَلَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ)). [انظر: ١٣٥٤ - مسلم: ٢٩٣٠ -فتح ٦ / ١٧١]
٣٠٥٦ - قَالَ ابن عُمَرَ: أَنْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَبِيُّ بْنُ كَغْبٍ يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الذِي فِيهِ
ابن صَيَّادِ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ النَّخْلَ طَفِقَ النَّبِيُّ ◌َ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ
ابن صَيَّادِ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابن صَيَّادِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادِ مُضْطَجِعٌ عَلَى
فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابن صَيَّادِ النَّبِيَّ وَّهَ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ
النَّخْلِ، فَقَالَتْ لايْنِ صَيَّدٍ: أَيْ صَافِ. وَهُوَ أَسْمُهُ، فَثَارَ ابنِ صَيَّدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ
((لَوْ تَرَكَتْهُ بَّنَ)). [انظر: ١٣٥٥ - مسلم: ٢٩٣١ -فتح ٦ / ١٧٢]
٣٠٥٧ - وَقَالَ سَالَمٌ: قَالَ ابن عُمَرَ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌َ فِي النَّاسِ، فَأَقْنَى عَلَى اللهِ
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: ((إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ
قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، ولكن سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ،
تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)). [٣٣٣٧، ٣٤٣٩، ٤٤٠٢، ٦١٧٥، ٧١٢٣، ٧١٢٧،
٧٤٠٧ - مسلم: ١٦٩ -فتح ٦ / ١٧٢]

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ذكر حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما في قصة ابن صياد بطوله.
وقد سلف في الجنائز، وموضع الترجمة منه قوله: ((أتشهد أني
رسول الله؟))
الأطم: الحصن، وجمعه آطام. والدخ: هو الدخان كما قاله ابن
فارس(١)، وغيره، وقيل: حبة من الحبوب. والختل: الخدع.
-
(١) ((مجمل اللغة)) ٣٢١/١. مادة: دخ.

٢٩٣
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
لِلْيَهُودِ:
صَلىالله
وَسَم
[١٧٩- باب قَوْلِ النَّبِيّ
((أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا))
قَالَهُ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [٣١٦٧ -فتح ٦ / ١٧٥](١)
(١) لم يذكره المصنف في الأصل، والمثبت من اليونينية.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٨٠ - باب إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌّ فِي دَارِ الحَرْبِ وَلَهُمْ مَالٌ
وَأَرَضُونَ، فَهْيَ لَهُمْ
٣٠٥٨ - حَدَّثَنَا نَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدَا؟ فِي حَجَّتِهِ، قَالَ: ((وَهَلْ تَرََكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟)). ثُمَّ قَالَ:
(نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ المُحَصَّبِ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى
الكُفْرِ)). وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَىْ بَنِي هَاشِم أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا
يُثْؤُوهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالَخَيْفُ: الوَادِي. [انظر: ١٥٨٨ - مسلم: ١٣٥١ -فتح ٦ / ١٧٥]
٣٠٥٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ،
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ ﴿ّ أَسْتَعْمَلَ مَوْلَى لَهُ يُدْعَى: هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُّ،
أَضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ،
وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابن عَوْفٍ وَنَعَمَ ابن عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا
إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ إِنْ
تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِي بِبَنِيهِ، فَيَقُولُ: يَا أُمِيرَ المُؤْمِنِينَ. أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ؟
فَالَمَاءُ وَالْكَلْأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَائِمُ اللهِ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَّ قَدْ ظَلَمْتُهُمْ،
إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلَامِ، وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَوْلَا المَالُ الذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا حَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا.
[فتح ٦ / ١٧٥]
ذكر فيه حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما: أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فِي
حَجَّتِهِ، قَالَ: ((وَهَلْ تَرََكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟)) .. الحديث.
قال الزهري: والخيف الوادي.
وأثر عمر أنه استعمل مولى له يدعى هنيا .. إلى آخره.

٢٩٥
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
الحديث الأول سلف في الحج في باب: توريث دور مكة، والثاني
من أفراده، وقال الدارقطني فيه: غريب صحيح. قَالَ ابن أبي صفرة: لما
أسلم أهل مكة عام الفتح مَنَّ عليهم رسول الله وَّ وترك أموالهم
ودماءهم، ولم ينزل في شيء منها لمنه عليهم بها ونزل في الوادي،
وكذلك كان يفعل بهوازن لو بدرت بإسلامها، فلما استأنت قسم
رسول الله ◌َ الغنيمة بين أصحابه، فلما جاءوا بعد القسمة خيرهم
في إحدى الطائفتين: المال، أو السبي، فاختاروا السبي، فقضى به
رسول الله وَلّ لهم واستطاب أنفس أصحابه وقال: ((من لم تطب نفسه
فليبق إلى أول مغنم يفيئه الله علينا))(١)، وقضى لأهل مكة بأموالهم،
ولم يستطب نفوس أصحابه؛ لأنه مال الله على اجتهاده لا شيء
للغانمين فيه إلا أن يقسمه لهم لقوله : ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] فآتاهم بهذِه الآية أرض خيبر
فقسمها بينهم، ونهاهم في مكة فانتهوا، ونهاهم عمر عن الأرض
المغنومة بالشام والعراق بهذه الآية، فلم يقسمها لهم(٢).
قَالَ ابن المنير: وجه مناسبته للترجمة على وجهين: إما أن يكون ◌َليه
سئل أن ينزل بداره بمكة، وهو مبين في بعض طرقه.
وقوله: ( ((وهل ترك لنا عقيل منزلًا))) بيِّنٌّ؛ لأنه إذا ملك مستولى
عليه في الجاهلية من ملكه {وَل4*، فكيف لا يملك ما لم يزل له ملكًا
أصالة، وإما أن يكون سُئل هل ينزل من منازل مكة شيئًا لأنها فتحت
عنوة؟ فبين أنه منَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم فتستقر أملاكهم عليها
(١) رواه أبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي ٢٦٢/٦.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢١٧/٥-٢١٨.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
كما كانت، وعلى التقديرين فأهل مكة ما أسلموا على أملاكهم ولكنه مَنَّ
عليهم ثم أسلموا، فإذا ملكوا وهم كفار بالمن فملك من أسلم قبل
الاستيلاء أولى.
وحديث عمر مطابقته بينة غير أن عبد الرحمن وعثمان لم يكونا من
أهل المدينة ولا دخلاها في قوله: (قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا
عليها في الإسلام)، والكلام عائد على عموم أهل المدينة
لا عليهما(١)، قال المهلب: وإنما أدخل هنيا تحت هذِه الترجمة؛
لأن أهل المدينة أسلموا عليها، فكانت لهم أموالهم، ألا ترى أنه
ساوم بمكان المسجد بني النجار وقال: ((ثامنوني بحائطكم)) فأوجبه
لهم، وكذلك قَالَ عمر: (إنها لأرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية
وأسلموا عليها في الإسلام). فأوجبها لهم.
وهذا كله شاهد للترجمة أن من أسلم في أرض الحرب فأرضه له
ما لم يُغْلَب عليها، وقد سئل مالك عن إمام قبل الجزية من قوم
فأسلم منهم أحد أيكون له أرضه وماله؟ فقال مالك: ذَلِكَ يختلف؛
أما الصلح فمن أسلم منهم فهو أحق بأرضه وماله، وأما أهل العنوة
فمن أسلم منهم فماله وأرضه فيء للمسلمين؛ لأن أهل العنوة قد
غلبوا على بلادهم فهي لمن عليهم، وأما أهل الصلح فإنهم قوم منعوا
أنفسهم وأموالهم حَتَّى صالحوا عليها فليس عليهم إلا ما صالحوا
عليه. وقول مالك في هذا إجماع من العلماء كما قاله ابن بطال.
واختلفوا فيما إذا أسلم في دار الحرب وبقي فيها ماله وولده، ثم
خرج إلينا مسلمًا وغزا مع المسلمين بلده؛ فقال الشافعي وأشهب
(١) ((المتواري)» ص١٧٨.

٢٩٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وسحنون: إنه قد أحرز ماله وعقاره حيث كان، وولده الصغار؛ لأنهم
تبع لأبيهم في الإسلام، وحجتهم أنه إذا أسلم كان ماله حيث كان من
دار الحرب أو غيرها على ملكه، فإذا غنمت دار الحرب كان حكم
ماله كحكم مال المسلم ولم تُزل الغنيمة ملكه عنه. وقَالَ مالك
واللیث: أهله وماله وولده علی حکم البلد وملكهم، كما كانت دار
النبي ◌َّي على حكم البلد وملكهم، ولم ير نفسه وَلّ أحق بها. وفرق
أبو حنيفة بين حكمه إذا أسلم في بلده أو في (دار) (١) الإسلام؛
فقال: إن أسلم في بلده ثم خرج إلينا فأولاده الصغار أحرار
مسلمون، وما أودعه مسلمًا أو ذميًّا فهو له، وما أودعه حربيًّا فهو
وسائر عقاره هناك فيء، وإذا أسلم في بلد الإسلام، ثم ظهر
المسلمون على بلده فكل ماله فيه فيء لاختلاف حكم الدارين
عندهم(٢)، ولم يفرق مالك ولا الشافعي بين إسلامه في دار الحرب
أو في دار الإسلام.
وفيه : - كما قَالَ المهلب : أن للإمام أن يحمي أراضي الناس
المبورة لتعم الصدقة ومنفعة تشمل المسلمين، كما حمى عمر هذا
الحمى لإبل الصدقة وغنمها، وهو الحمى الذي زاد فيه عثمان فأنكر
عليه، وليس لأحد أن ينكر هذا على عثمان؛ لأنه لما رأى عمر فعل
ذَلِكَ جاز لعثمان أن يحمي أكثر إذا أحتاج إليه؛ لكثرة (الصدقة)(٣) في
أيامه(٤).
(١) في (ص): بلد.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٥٢/٣، ((المدونة)) ٣٨٠/١، ((النوادر
والزيادات)) ٢٨٢/٣-٢٨٣، (المنتقى)) ٢٢٣/٤-٢٢٤، ((الأم)) ١٩١/٤.
(٣) في (ص): الناس.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢١٨/٥-٢١٩.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تنبيهات :
قول الزهري: الخيف: الوادي. قَالَ جماعة: الخيف: ما أرتفع من
مسيل الوادي ولم يبلغ أن يكون جبلًا.(١)
وقوله: ( ((وهل ترك لنا عقيل منزلًا؟) ) قيل: كره أن يعود في شيء
أصيب به في جنب الله، وقيل: رأى مشتريها لما أسلم أسلم عليها
کانت له.
وفيه: دلالة على أن دور مكة تملك وتكرى، وهو مذهب الشافعي،
ومذهب مالك خلافه بناء على أنها فتحت عنوة، وكره قوم كراءها أيام
المواسم خاصة، ومنعه قوم سائر المدة.
وقوله: (اضمم جناحك عن المسلمين). أي: لا تحمل ثقلك عليهم
وكف يدك عن ظلمهم. ومن رواه: (على المسلمين). فمعناه: استرهم
بجناحك. وعبارة ابن بطال: (عن المسلمين). لا تشتد على كل الناس
في الحمى، فإن ضعفاء الناس القليلي الغنم والإبل الذي لا تنتهك
ماشية الحمى، إن حميته عنه كان ظلمًا، فاتق دعوته فإنها لا تحجب
عن الله(٢).
و(الصُّرَيْمَة) تصغير الصرمة، وهي من الإبل نحو الثلاثين، ،
و(الغُنيمة): القليلة: وعبارة ابن التين: الصريمة والغنيمة: القطعة
الصغيرة.
وفيه: ما كان عمره من الصلابة في الدين، وأن أقوى الناس عنده
الضعيف، وأضعفهم القوي.
(١) انظر: ((الفائق)) ١/ ٤٠٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢١٩/٥-٢٢٠.

٢٩٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وقوله: (وإياي، ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان). حذره أن يدخل
الحمى؛ لأنها كثيرة، فإن دخلته أنهكته، وإن منعت الدخول وهلكت كان
لأربابها عوض من أموالهم يعيشون فيه، ومن ليس له غير الصريمة القليلة
إن هلكت أن يستغيث أمير المؤمنين في الإنفاق عليه وعلى (بنيه)(١) من
بیت المال.
وقوله: (إنهم ليرون أني قد ظلمتهم) يريد أهل المواشي الكثيرة،
ويحتمل أن يريد أهل المدينة، واقتدى عمر في ذَلِكَ برسول الله وَل.
وفيه: جواز الحمل على من له مال ينقص المضرة الداخلة عليه في
ماله إذا كان في ذَلِكَ نظير لغيره من الضعفاء.
وقوله: (لولا المال). يريد الإبل التي يحمل عليها المجاهدين في
سبيل الله من نعم الصدقة التي حمى لها لترعى فيه في مدة أيام النظر
في الحمل عليها.
وفيه: دليل على أن (مسارح)(٢) القرى وعوامرها التي ترعى فيها
مواشي أهلها من حقوق أهل القرية وأموالهم، وليس للسلطان بيعه
إلا أن تفضل منه فضلة.
ومعنى الحديث السالف: ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) لا حمى لأحد
يخص نفسه، وإنما هو لله ولرسوله أو لمن ورث ذَلِكَ عنه وَّ من الخلفاء
للمصلحة الشاملة للمسلمين وما يحتاجون إلى حمايته.
(١) في (ص): بيته.
(٢) في (ص): مشارع.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٨١- باب كِتَابَةِ الإِمَامِ النَّاسَ
٣٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ حُذَيْفَةَ رَّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ)).
فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخْسَمِائَةِ رَجُلٍ، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنُ أَلَّفٌ وَخْسُمِائَةٍ؟! فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا
أَبْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِفٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي ◌َمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ: فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَمِائَةٍ. قَالَ أَبُو مُعَاوِيَّةَ:
مَا بَيْنَ سِتِّمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ. [مسلم: ١٤٩ -فتح ٦ / ١٧٧]
٣٠٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ أَبِ مَعْبَدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِي كُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ. قَالَ: ((ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ
آَمْرَ أَتِك)). [انظر: ١٨٦٢ - مسلم: ١٣٤١ -فتح ٦ / ١٧٨]
ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ مَ: ((اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ
بِالإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ)). فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًّا وَخَمْسَمِائَةِ رَجُل، فَقُلْنَا: نَخَافُ
وَنَحْنُ أَلَّفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ؟! فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَبْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي
وَحْدَهُ وَهْوَ خَائِفٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ مِثْله: فَوَجَدْنَاهُمْ
خَمْسَمِائَةٍ. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَا بَيْنَ السِتِّمِائَة إِلَى سَبْعِمِائَةٍ.
وحديث ابن عَبَّاسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله وَّهِ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ. فَقَالَ:
((ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)).
الشرح :
تعليق أبي معاوية محمد بن خازم أخرجه مسلم من حديث أبي بكر بن