النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
=
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٥٧- باب الحَرْبُ خَدْعَةٌ
٣٠٢٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِِّ قَالَ: ((هَلَكَ كِسْرِىُ ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرِى بَعْدَةً،
وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ).
[٣١٢٠، ٣٦١٨، ٦٦٣٠ - مسلم: ٢٩١٨ - فتح ٦ / ١٥٧]
٣٠٢٨ - وَسَمَّى الَحَرْبَ خَذْعَةً. [٣٠٢٩- مسلم: ١٧٤٠ - فتح ٦ / ١٥٧]
٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَضْرَمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ
مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ قَالَ: سَمَّى النَّبِيُّ ◌ِ الَحَزْبَ خَدْعَةً. [انظر: ٣٠٢٨ - مسلم:
١٧٤٠ - فتح ٦ /١٥٨]
٣٠٣٠- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَلَ: ((الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)). [مسلم: ١٧٣٩-
فتح ٦ /١٥٨]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((هَلَكَ كِسْرِىُ ثُمَّ
لَا يَكُونُ كِسْرىُ بَعْدَهُ، وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ،
(ولتنفقن)(١) كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ). وَسَمَّى الحَرْبَ خَدْعَةً.
وعنه: سَمَّى النَّبِيُّ وَِّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ.
وعن جَابِرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)).
الشرح:
أخرج هذِه الأحاديث مسلم أيضًا. وشيخ البخاري في الثاني أبو بكر:
بُور بن أصرم مروزي، من أفراده(٢)، مات بعد العشرين ومائتين.
(١) كذا في الأصل، وفي اليونينية ٦٤/٤: (ولتُقْسَمَنَّ) ليس عليها تعليق.
(٢) ورد بهامش الأصل: عن الستة، أخرج له فرد حديث، قال البخاري: توفي سنة
ثلاث وعشرين ومائتين.

٢٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي الباب عن علي وابن عباس وعائشة وأسماء بنت يزيد وكعب بن
مالك، وأخرجه الحاكم في ((تاريخه)) من حديث زيد بن ثابت؛ وابن أبي
عاصم من حديث حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، وحديث أنس في
قصة الحجاج بن علاط سلف.
وأما (خدعة) ففيها أربع لغات: لغة سيدنا رسول الله وَّ﴾ فتح الخاء
وإسكان الدال كما ستعلمه، وخُدْعة بضم الخاء مع إسكان الدال،
وخَدَعة بفتحهما، وخُدَعة بضم الخاء وفتح الدال، والأصيلي ضبطه
بالثاني، ويونس بالرابع، والثالث ضبطه القاضي (١)، وفي باب
المفتوح أوله من الأسماء من ((فصيح ثعلب)): (والحرب خدعة) هذِه
أفصح اللغات ذكر لي أنها لغة سيدنا رسول الله وَليل، وحكى الأزهري
الأخيرة عن الكسائي وأبي زيد، قَالَ: وهي أجود اللغات الثلاث(٢).
والخدعة: المرة الواحدة من الخداع، ومعناه: أن من خدع فيها مرة
واحدة عطب وهلك ولا عودة له. وقال ابن سيده في ((عويصه)): من قَالَ
خدعة أراد: يخدع أهلها.
وفي ((الواعي)): أي: يمنيهم بالظفر والغلبة ثم لا يفي لهم. ومن
قَالَ: خُدَعة. أراد: هي تخدع. كما يقال رجل لُعَنة: يلعن كثيرًا. وإذا
خدع أحد الفريقين صاحبه في الحرب فكأنها خدعت هي.
وقال قاسم بن ثابت في ((دلائله)): كثر استعمالهم لهذِه الكلمة حَتَّى
سموا الحرب خدعة. وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة:
خِدْعة بكسر الخاء وسكون الدال، وحكاها ابن قتيبة عن يونس(٣).
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٣١/١.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ١/ ٩٩٣ - ٩٩٤.
(٣) ((أدب الكتاب)) ص٤٦٢.

٢٢٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
قَالَ المطرز: والأفصح الفتح؛ لأنها لغة قريش. واعترضه ابن درستويه
فقال: ليست بلغة قوم دون قوم، وإنما هي كلام الجميع؛ لأن بها
المرة الواحدة من الخداع، فلذلك فتحت.
وقال ابن طلحة: أراد: ثعلب أن سيدنا رسول الله وَي كان يختار
هُذِهِ البنية ويستعملها كثيرًا؛ لأنها بلفظها الوجيز تعطي معنى البنيتين
الأخريين ويعطى أيضًا معناها: أستعمل الحيلة في الحرب ما أمكنك
فإذا أعيتك الحيل فقاتل. فكانت هذه اللغة على ما ذكرنا مختصرة
اللفظ كثيرة المعنى، فلذلك كان ◌َلا يختارها.
قَالَ اللحياني: خدعت الرجل أخدعه خَدْعًا وخِدْعا وخيدعَة وخَدَعة
إذا أظهرت له خلاف ما تخفي، وأصله كل شيء كتمته فقد خدعته،
ورجل خداع وخدوع وخدع وخُدَعة إذا كان خبأ. وفي ((المحكم)):
الخدع والخديعة المصدر، والخدع والخداع الاسم، ورجل خيدع
كثير الخداع(١).
وقال ابن بطال: في الحرب خدعة لغات: قَالَ سلمة بن عاصم
تلميذ الفراء: من قَالَ: الحرب خُدَعة فمعناه: أنها تخدع أهلها
وتمنيهم الظفر، ومن قَالَ: خدعة: فهي تخدع، وإذا خدعَ أحد
الفريقين صاحبه فكأنها خدعت هي، ومن قَالَ: خدعة: وصف
المفعول بالمصدر كما تقول: درهم ضرب الأمير، وإنما هو مضروبه.
وقال بعض أهل اللغة: معنى الخدعة: المرة الواحدة؛ أي: من خدع
فيها مرة لم يقل العثرة بعدها، ثم ذكر ما سلف عن ثعلب.
وأما ابن التين فقال: فيها ثلاث لغات، فذكر الأولى والثانية
(١) ((المحكم)) ٧٠/١.

٢٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والرابعة، قَالَ: ومعنى الأولى أنها ينقضي أمرها بخدعة واحدة،
ومعناها: أنها لا تقال من خدع، وفيها معنى الثانية، أنها بها يخدع
الرجال، كما قيل: لُعبة لما يلعب به، ومعنى الثالثة: أنها تمني
الرجال الظفر ولا تفي لهم به، كما قيل: ضحكة إذا كان يضحك بالناس.
قَالَ الداودي: ومنه أنه ◌َ ◌ّ كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. وذكر
بعض أهل السير أنه رَّ قَالَ: ((هذا يوم الأحزاب)) لما بعث نعيم بن
مسعود أن يخذل بين قريش وغطفان ويهود، ومعناه: أن المماكرة في
الحرب أنفع من المكاثرة والإقدام على غير علم. ومنه قيل: نفاذ
الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب.
قَالَ المهلب: والخداع في الحرب جائز كيف يمكن ذَلِكَ، إلا بالأيمان
والعهود والتصريح بالأيمان فلا يحل شيء من ذلك. قَالَ الطبري: وإنما
يجوز من الكذب في الحروب ما يجوز من غيرها من التعريض مما ينحى
به نحو الصدق مما يحتمل المعنى الذي فيه الخديعة للعدو والإلغاز،
لا القصد إلى الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. قَالَ المهلب:
مثل أن يقول المبارز: له: حزام سرجك قد أنحل؛ ليشغله عن
الاحتراس منه، فيجد (فرصة)(١) في ضربه، وهو يريد أن حزام سرجه
قد أنحل فيما مضى من الزمان. أو غيره بخبر يقطعه من موت أميره.
وهو يريد موت المنام أو الدين، ولا يكون قصد الإخبار عن الشيء
بخلاف ما هو عليه البتة؛ لأن ذَلِكَ حرام، ومن ذَلِكَ ما روي عن
رسول الله ولو أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها(٢) كما سلف.
(١) في الأصل: (فرسه) غير منقوطة، ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) نقله ابن بطال في ((شرحه)) ١٨٧/٥ - ١٨٨.

٢٢٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قَالَ ابن العربي: الخديعة في الحرب تكون بالتورية وتكون بالكمين
وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من
المحرم، والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطن بالإجماع،
أصلها الحرب أذن الله فيه وفي أمثاله رفقًا بالعباد لضعفهم، وليس
للعقل في تحليله ولا تحريمه أمر إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم
الكذب كما يقوله المبتدعون عقلا ويكون التحريم صفة نفسية كما
يزعمون ما أنقلب حلالًا أبدًا، والمسألة ليست معقولة فتستحق جوابًا
وخفي هذا على علمائنا(١).
قلتُ: والظاهر كما قَالَ النووي إباحة حقيقة الكذب، نعم الاقتصار
على التعريض أفضل(٢).
وأما قوله: ( ((هلك كسرى .. ))) إلى آخره فهو عام فيه وخاص في
قيصر، ومعناه: فلا قيصر بعده بأرض الشام، وقد دعا ◌َّه لقيصر لما قرأ
كتابه أن يثبت الله ملكه، فلم يذهب ملك الروم أصلًا إلا من الجهة التي
خلا منها، وأما كسرى فمزق كتابه فدعا عليه أن يمزق ملكه كل ممزق،
فانقطع إلى اليوم.
وفيه: من علامات النبوة إخباره أن كنوزه مما ستنفق في سبيل الله،
فکان کذلك.
وقال ابن التين: قوله: ((ثم لا يكون كسرى بعده)) قيل: معناه
لا يملك مسلم ملکه. وقيل: فلا قيصر بعده یکون بالشام كما قدمناه،
وهو ما جزم به ابن بطال أيضًا(٣)، وقد سلف أيضًا تأويل ذَلِكَ في
(١) ((عارضة الأحوذي)) ١٧١/٧ - ١٧٢.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٢/ ٤٥.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٨٧/٥.

٢٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أول ((الصحيح)) في الحديث السادس منه فراجعه. قَالَ الخطابي: فأما
كسرى فقطع الله دابره وأنفقت كنوزه في سبيل الله، وأما قيصر ملك
الروم فكانت الشام تجبى له بها فكان بها منتداه ومرتعه، وبها بيت
المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا فيه، ولا يملك على الروم
أحد إلا أن يكون من دخله سرًّا أو جهرًا، وقد أجلي عنها واستفتحت
خزائنه ولم يخلفه أحد من القياصرة بعده إلى أن ينجز الله تمام وعده
في فتح القسطنطينية آخر الزمان، فقد وردت الأخبار عن رسول الله
وَّ﴾ بذلك، وسينجز الله وعده(١)، وقال القرطبي: ورد هلك كسرى
يلفظ الماضي المحقق بعد، ووقع في الترمذي بإسناد مسلم: ((إذا
هلك))(٢) وبينهما بون عظيم، فالأول يقتضي أن كسرى قد كان وقع
موته فأخبر عنه.
وعلى هذا نزل حديث أبي بكرة من عند البخاري لما بلغ رسول الله
وَلّ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم أمرأة قَالَ: ((لن يفلح قوم ولّوا أمرهم
أمرأة))(٣) يعني: أنه لما مات كسرى وقع ذَلِكَ، ولهذا لا يصح أن يقال
مكان قد مات إذا مات، ولا إذا هلك؛ لأن (إذا) للمستقبل و(مات)
للماضي، وهما متناقضان فلا يصلح الجمع بينهما إلا على تأويل
بعيد، وهو يقدر أن أبا هريرة سمع الحديث مرتين، أولًا ((إذا هلك))
ثم سمع بعده ((هلك))، فيكون وَليل قاله أولا قبل موت كسرى؛ لأنه
علم أنه يموت، والثاني بعد موته.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٤٧ - ١٤٤٨.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٢١٦).
(٣) سيأتي برقم (٧٠٩٩) كتاب: الفتن.

٢٢٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
ويحتمل أن يعرف بين الموت والهلاك فيقال: إن موت كسرى كان
قد وقع في حياته فأخبر عنه بذلك، وأما هلاك ملكه فلم يقع إلا بعد موت
سيدنا رسول الله وَّ﴾ وموت الصديق، وإنما هلك ملكه في خلافة عمر(١).
وأما قوله: ((فلا كسرى بعده ولا قيصر)) فقال عياض: معناه عند أهل
العلم: لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، وقد أنقطع أمر كسرى
رأسًا وتمزق ملكه بدعوته كما سلف، وتخلى قيصر (عن)(٢) الشام ورجع
القهقرى إلى داخل بلاده(٣).
وكسرى بكسر الكاف، كذا ذكره ثعلب وأبو علي أحمد بن جعفر
الدينوري في فصيحهما، وعليه أقتصر ابن التين. قَالَ يعقوب (٤)
والفراء في ((البهي)): هو أكثر من الفتح. وخالف أبو زيد فأنكر الفتح.
وقال أبو حاتم في ((تقويمه)) الوجهين، وقال ابن الأعرابي: الكسر
فصيح. وقال ابن السِّيْد: كان أبو حاتم يختار الكسر. وقال القزاز: إنه
أفصح، والجميع: كسور وأكاسرة وكياسرة. قَالَ: والقياس أن يجمع:
كسرون كما يجمع موسى موسون. وأنكر الزجاج على أبي العباس
الكسر قَالَ: وإنما هو بالفتح، وقال: ألا تراهم يقولون: كسروي.
قَالَ ابن فارس: أما اعتباره إياه بالنسبة فقد يفتح في النسبة ما هو في
الأصل مكسور أو مضموم، أما تراهم يقولون في النسبة إلى تغلب:
تغلبي، وفي النسبة إلى أمية: أُموي، وقد يقال: تغلبي وأموي، فقد
جرى بعض النسبة على غير الأصل، فلا معنى إذًا لقول الزجاج،
على أن الذي قاله رواية.
(١) ((المفهم)) ٢٥٩/٧ - ٢٦٠.
(٢) جاء في الأصل (على)، وما أثبتناه من (ص١).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٤٦١.
(٤) ((إصلاح المنطق)) ص ١٧٥.
:

٢٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وبعدُ فإنه معرب خسرواني واسع الملك، فكيف أعربه؟ المعرب إذا
لم يخرج عن بناء كلام العرب فهو جائز. وروى ناس من البصريين
بالكسر كما رواه ثعلب.
وقال في ((المجمل)): قَالَ أبو عمرو: ينسب إلى كسرى بالكسر
كسري وكسروي، وقال الأموي: بكسر الكاف أيضًا(١).
وفي ((الجمهرة)): كسرى أسم فارسي، ويجمع: كسورًا وأكاسر،
هكذا يقول أبو عبيدة (٢). ولم يذكر ابن دريد غير هذا فقط، وذكر
اللحياني أن معناه: شاهان شاه، وهو اسم لكل من ملك الفرس.
(١) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٧٨٥.
(٢) ((الجمهرة)) ٧١٩/٢.

٢٢٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٥٨ - باب الكَذِبٍ في الحَرْبِ
٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ،
فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَّحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هذا - يَغْنِي: النَّبِيَّ ◌ََّ - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا
الصَّدَقَةَ، قَالَ وَأَيْضًا والله [لَتَمَلُّنَّهُ] قَالَ: فَإِنَّا قَدِ آَتَّبَعْنَاهُ، فَتَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ
إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى أَسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. [انظر: ٢٥١٠ -
مسلم: ١٨٠١ -فتح ١٥٨/٦]
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيِّ وَ قَالَ:
((مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ
هُذا - يَعْنِي: النَّبِيَّ نَ ﴿ - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ وَأَيْضًا والله
[لَتَمَلُّنَّهُ] قَالَ: فَإِنَّا قَدِ أَتَّبَعْنَاهُ، فَتَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ
أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى أَسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ.
هذا الحديث سلف في باب رهن السلاح من كتاب الرهن(١)، ويأتي
في المغازي أيضًا مطولًاً(٢)، وأخرجه مسلم أيضًا(٣).
وقال ابن المنير في هذه الترجمة وترجمة باب الفتك بأهل الحرب:
أنها غير مخلصة؛ إذ يمكن جعله تعريضًا، فإن قوله: (قد عنانا). أي:
كلفنا، والأوامرُ والنواهي تكاليف. وقوله: (وسألنا الصدقة). أي:
(١) سلف برقم (٢٥١٠).
(٢) سيأتي برقم (٤٠٣٧) باب: قتل كعب بن الأشرف.
(٣) مسلم (١٨٠١) كتاب: الجهاد والسير، باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت
اليهود.

٢٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
طلبها منا بأمر الله تعالى. و(نكره أن ندعه .. ) إلى آخره؛ معناه: نكره
العدول عنه مدة بقائه، فما فيه دليل على جواز الكذب الصريح،
ولاسيما إذا كان في المعاريض مندوحة (١).
وفي الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا محسنًا: ((لا يحل
الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والكذب للزوجة، والكذب ليصلح
بين الناس))(٢)، وروى الزهري، عن حميد، عن (أمه)(٣) أم كلثوم
قالت: ما سمعت النبي 18 رخص في الكذب إلا في الثلاث، كان
يقول: ((لا أعدهن كذبا)) فذكرتهن (٤).
قَالَ ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال
لي: الكذب الذي أباحه في الحرب هي المعاريض التي لا يفهم منها
التصريح بالتأمين؛ لأن من السنة المجمع عليها أن مَنْ أَمَّنَ كافرًا فقد
حقن دمه، ولهذا قَالَ عمر بن الخطاب: يتبع أحدكم العلج حَتَّى إذا
اشتد في الجبل قَالَ له: مترس؛ ثم يقتله والله لا أوتى بأحد فعل
ذَلِكَ إلا قتلته.
قَالَ المهلب: وموضع الكذب في الحديث قول محمد بن مسلمة:
(قد عنانا وسألنا الصدقة)؛ لأن هذا الكلام يحتمل أن يتأول منه أتباعهم
له إنما هو للدنيا على نية كعب بن الأشرف، ولیس هو كذب محض بل
هو تورية ومن معاريض الكلام؛ لأنه ورئ له عن الجزاء الذي اتبعوه له
في الآخرة، وذكر العناء الذي يصيبهم في الدنيا والنصب، وأما الكذب
(١) ((المتواري)) ص ١٧٣.
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٩٣٩).
(٣) من (ص١).
(٤) رواه الطبراني في ((الصغير)) ١/ ١٢٧ (١٨٩).

٢٣١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
الحقيقي فهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وإنما هو تحريف
لظاهر اللفظ، وهو موافق لباطن المعنى، ولا يجوز الكذب الحقيقي في
شيء من الدين أصلًا، ومحال أن يأمر بالكذب وهو نَّه يقول: ((من
كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))(١)، وإنما أذن له أن يقول ما
لو قاله بغير إذنه وَلّه وسمع منه لكان دليلًا على النفاق، ولكن لما
أذن له في القول لم يكن معدودًا عليه أنه نفاق، وسلف في الصلح
زيادة في هذا المعنى في باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس (٢).
وفي قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف، دلالة أن الدعوة
ساقطة فيمن قرب داره من بلاد الإسلام، والأذى منه هو تحريض
اليهود على أذاه وبغضه، وأذاه لرسول الله وَّله هو أذى لله.
(١) سلف برقم (١٠٧) من حديث الزبير بن العوام؛ كتاب: العلم، باب: إثم من كذب
على النبي ◌َله.
(٢) سلف برقم (٢٦٩٢)، و ((شرح ابن بطال)) ١٨٨/٥-١٨٩.

٢٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٥٩ - باب الفَتْكِ بِأَهْلِ الحَرْبِ
٣٠٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ؟». فَقَالَ تُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَّحِبُ أَنْ
أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَأُذَنْ لِي فَأَقُولَ. قَالَ: ((قَدْ فَعَلْتُ)). [انظر: ٢٥١٠ - مسلم:
١٨٠ -فتح ٦ / ١٦٠]
ذكر فيه حديث جَابِرِ ﴾ - أيضًا - عن رسول اللهِ وَ لّ قَالَ: «مَنْ
لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَهُ؟». فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
مَسْلَمَةَ: أَنَا، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قال: فَأُذَنْ لِي فَأَقُولَ.
قَالَ: ((فَعَلْتُ))
(الفتك) -بفتح الفاء -: الغدر، وهو القتل أيضًا، يقال: فتك به إذا
اغتاله، وظاهر الترجمة أن ذَلِكَ سائغ أن يغدر بأهل الحرب، ومذهب
مالك أنهم إن ائتمنوه على شيء فليؤد أمانته، وكذلك إن أئتمنوه على
أن لا يهرب(١). وقال سفيان: لا يؤدي الأمانة فيه (٢). قَالَ في ((النوادر)):
ولو أظهر المسلمون أنهم رسل للخليفة عندما أتوا حصنًا للعدو
وأظهروا كتابًا كذبًا وقالوا: نحن تجار فأدخلوهم على شيء من ذَلِكَ
فليوفوا بما أظهروا(٣).
قلتُ: فإن كعب بن الأشرف وسفيان بن عبد الله قتلا غيلة بأمره له
وأظهر إليهما من جاءهما غير ما جاءا فيه، ولم يكن ذَلِكَ أمانًا لهما،
قَالَ: هذان قتلا بأمره وَّر؛ لأذاهما الله ورسوله فلا أمان لهما (٤).
(١) أنظر: ((عيون المجالس) ٧٤٣/٢-٧٤٤، ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) ١٧٩/٢.
(٢) انظر: ((الشرح الكبير)) ١٠/ ٣٦٧.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٧٧/٣.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٧٨/٣.

٢٣٣
=
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ثم الفتك على وجهين: محرم وجائز:
فالأول: الذي يحرم به الدم أن يصرح بلفظ يفهم منه التأمين، فإذا
أمنه فقد حرم بذلك دمه والغدر، وعلى هذا جماعة العلماء.
والثاني: أن يخادعه بألفاظ هي معاريض غير تصريح بالتأمين؛
فالحرب خدعة.
واختلف في تأويل قتل كعب بن الأشرف على وجوه:
أحدها: أنه من المباح؛ لأن ابن مسلمة لم يصرح له بشيء من لفظ
التأمين وإنما أتاه بمعاريض من القول، فيجوز هذا أن يسمى فتكًا على
المجاز.
ثانيها: أنه قتله هو من باب أن من آذى الله ورسوله فقد حل دمه
ولا أمان له يعتصم به، فقتله جائز على كل حال؛ لأنه ◌َّ إنما قتله
بوحي من الله وأذن له في قتله، فصار ذَلِكَ أصلًا في جواز قتل من
كان لله ولرسوله حربًا، ألا ترى لو أن رجلًا أدخل مشركًا في داره
وأمنه فسبَّ عنده الشارع، حل لذلك الذي أمنه قتله ونحوه، هذا
ما حكاه ابن حبيب: سمعت المدنيين من أصحاب مالك يقولون:
إنما تجب الدعوة لكل من لم يبلغه الإسلام ولا يعلم ما يقاتل عليه،
فأما من قد بلغه الإسلام وعلم ما يدعى إليه ومن حارب وحورب مثل
الروم والإفرنج، فالدعوة فيما بيننا وبينهم مطرحة، ولا بأس بتثبيت
مثل ذَلِكَ بالإغارة وتصبحهم وانتهاز الفرصة فيهم بلا دعوة، وقد بعث
الشارع عبد الله بن أنيس الجهني إلى عبد الله بن نُبيح الهذلي فاغتاله
بالقتل وهو بعُرَنَة من جبال عَرَفة(١)، وبعث نفرًا من الأنصار إلى ابن
(١) أنظر: ((تاريخ المدينة)) ٤٦٨/٢.

٢٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أبي الحقيق وإلى كعب بن الأشرف (١)، فهجموا عليهما بالقتل في
بيوتهما بخيبر، فلا يجوز كما قَالَ ابن بطال أن يقال: إن ابن الأشرف
قتل غدرًا؛ لأنه لم يكن معاهدًا ولا كان من أهل الذمة، ومن أدعى
ذَلِكَ كفر (كما قَالَ ابن بطال. قَالَ: و)(٢) يقتل بغير استتابة؛ لأنه
ينتقص الشارع، ورماه بكبيرة وهو الغدر، وقد نزهه الله تعالى عن كل
دنية، وطهره من كل ريبة، ألا ترى قول هرقل لأبي سفيان؛ وسألتك: هل
يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون(٣). وإنما قَالَ هُذا
هرقل؛ لأنه وجد في الإنجيل صفته وصفة جميع الأنبياء عليهم السلام
أنه لا يجوز عليهم النقص؛ لأنهم صفوة الله وهم معصومون من
الكبائر، والغدر كبيرة.
وسلف في الرهون في باب رهن السلاح زيادة في معنى قتل كعب بن
. الأشرف(٤)، وروي في الأثر أن يامين السبائي قَالَ في مجلس علي بن
أبي طالب : إن ابن الأشرف قتل غدرًا فأمر به علي فضربت عنقه،
وقد قَالَ مالك: من ينتقص الشارع فإنه يقتل، ومن قَالَ: زره وسخ
يُريد بذلك الإزراء عليه قتل. قَالَ: ومن سبه قتل بغير استتابة إن كان
مسلمًا، وإن كان ذميًّا قتل إلا أن يسلم(٥). وقال الكوفيون: من سبه
فقد أرتد، وإن كان ذميًّا عُزِّر ولم يقتل(٦).
(١) ((النوادر والزيادات)) ٤٢/٣. وانظر ((تاريخ الطبري)) ٥٧/٢-٥٩.
(٣) سلف برقم (٧) كتاب: الوحي.
(٢) من (ص١).
(٤) سلف برقم (٢٥١٠).
(٥) ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٥٢٦.
(٦) ((شرح ابن بطال)) ١٩٠/٥-١٩٢.

٢٣٥
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٦٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاحْتِيَالِ وَالْحَذَرِ
مَعَ مَنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ
٣٠٣٣ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: أَنْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ﴿ وَمَعَهُ أُبُّ بْنُ كَغْبٍ
قِبَلَ ابن صَيَّدٍ، فَحُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ النَّخْلَ، طَفِقَ
يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَابْنُ صَيَّدٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابن صَيَّادِ رَسُولَ
اللهِ وَ لَه فَقَالَتْ يَا صَافِ، هذا يُحَمَّدٌ. فَوَثَبَ ابن صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ
تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). [انظر: ١٣٥٥ - مسلم: ٢٩٣١ -فتح ٦ /١٦٠]
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، عن أبيه؛
فذکر قصة ابن صياد.
وقد سلف في الشهادات(١)، وفيه ما ترجم له.
وفيه: أن لا تعجل على من ظهر منه مكروه حَتَّى تتيقن أمره، وأن
الإمام إذا أشكل عليه أمر من جهة الشهادات عنده أن يلي ذَلِكَ بنفسه
ويباشره حَتَّى يسمع ما نقل إليه أو يرى ما شهد به عنده، فبالعيان
تنکشف الريب.
وفيه: نهوض السلطان راجلًا ليعرف ما يحتاج إليه، وزجر أهل
الباطل بزجر الكلاب وترك عقوبة غير البالغ من الرجال .
وقد سلف في الجنائز في باب: هل يعرض على الصبي الإسلام؟(٢)
شيء من معنى هذا الحديث، وسيأتي شيء منه في الاعتصام في باب:
من رأى ترك النكير حجة لا من غير الرسول(٣).
(١) سلف برقم (٢٦٣٨) باب شهادة المختبئ.
(٢) سلف برقم (١٣٥٥).
(٣) سيأتي برقم (٧٣٥٥).

٢٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦١ - باب الرَّجَزِ فِي الحَرْبِ
وَرَفْعِ الضَّوْتِ فِي حَقْرِ الخَنْدَقِ
فِيهِ: سَهْلٌ وَأَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ [انظر: ٢٨٣٤، ٣٧٩٧] وَفِيهِ
يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ. [٤١٩٦]
٣٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بَّه
قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَوْمَ الَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارِى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ -
وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ - وَهُوَ يَرْتَّجِزُ بِرَجْزِ عَبْدِ اللهِ:
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا أُهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكیِنَةٌ عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
يَزْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ. [انظر: ٢٨٣٦ -مسلم: ١٨٠٣ -فتح ٦ / ١٦٠]
ثم ساق حديث البَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ النَِّيَّ وَهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَهوَ يَنْقُلُ
التُّرَابَ حَتَّى وَارى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ - وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ -
وَهْوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ بن رواحة:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا أَهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِنَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
حديث البراء يأتي في باب حفر الخندق(١)، وكذا حديث أنس (٢)،
(١) الحديث سلف برقم (٢٨٣٦).
(٢) سلف برقم (٢٨٣٥).

٢٣٧
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وحديث سهل يأتي في فضل الأنصار(١)، وحديث يزيد - وهو ابن أبي
عبيد- عن سلمة يشبه أن يكون ما رواه هو أيضًا عنه من قوله:
أَنَا ابن الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ(٢).
وفيه: ابتذال الإمام وتولية المهنة في التحصين على المسلمين لينشط
الناس بذلك على العمل، وكذلك ارتجز هذا الرجز؛ ليذكرهم ما يعملون
ولمن يعملون (ذَلِكَ)(٣)، ويعرفهم أن الأمر أعظم خطرًا من ابتذالهم
وتعبهم.
وفيه: أنه لا بأس برفع الصوت في أعمال الطاعات إذا لم يكن
مضعفًا عنها ولا قاطعًا دونها.
وفي إسناد حديث البراء: أبو الأحوص، واسمه سلام بن سليم،
وأبو إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله.
(١) سيأتي برقم (٣٧٩٧) باب: دعاء النبي ◌َّ: ((أصلح الأنصار والمهاجرة)).
(٢) سيأتي برقم (٣٠٤١) باب: من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه، حتى
يسمع الناس.
(٣) من (ص١).

٢٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦٢ - باب مَنْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ
٣٠٣٥ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَئِرٍ، حَدَّثَنَا ابن إِذْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ،
عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ عُ قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ وَّهِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنٍِ إِلَّ تَبَسَّمَ
في وَجْهِي. [٣٨٢٢، ٦٠٨٩ - مسلم: ٢٤٧٥ -فتح ٦ / ١٦١]
٣٠٣٦ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ: إِّي لَا أَقْبُتُ عَلَى الَخَيْلِ. فَضَرَبَ بِبَدِهِ فِي صَدْرِي،
وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبَّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًّا مَهْدِيًّا)). [انظر: ٣٠٢٠ - مسلم: ٢٤٧٥، ٢٤٧٦ -فتح
٦ / ١٦١]
ذكر فيه حديث جَرِيرٍ، وقد أسلفناه في باب حرق الدور والنخيل(١).
وفيه: أن الرجل الوجيه في قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه؛
لأن جریرًا كان سيد قومه.
وفيه: أن لقاء الناس بالتبسم وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة، وهو
مناف للتكبر وجالب المودة.
وفيه: فضل الفروسية وإحكام ركوب الخيل، فإن ذَلِكَ مما ينبغي أن
يتعلمه الرجل الشريف والرئيس.
وفيه: أنه لا بأس للعالم والإمام إذا أشار إلى إنسان في مخاطبة
أو غيرها أن يضع عليه يده ويضرب بعض جسده، ذَلِكَ من التواضع.
وفيه: استمالة النفوس، وفيه: بركة دعوته؛ لأنه قد جاء في الحديث
أنه ما سقط بعد ذَلِكَ من الخيل.
(١) سلف برقم (٣٠٢٠).

٢٣٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٦٣ - باب دَوَاءِ الجُرْحِ بِإِحْرَاقِ الحَصِيرِ
وَغَسْلِ المَرْأَةِ عَنْ أَبِيهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَمْلِ المَاءِ فِي
التُّرْسِ.
٣٠٣٧ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا
سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ ◌َ﴾: بِأَيِّ شَىءٍ دُووِيَ جُرْجُ النَّبِيِّ وَجَّ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنَ
النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيِّ يَجِيءُ بِالماءِ فِي تُزْسِهِ، وَكَانَتْ -يَغْنِي: فَاطِمَةَ-
تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُخْرِقَ، ثُمَّ حُشِيَ بِهِ جُزْحُ رَسُولِ اللهِ أََّ.
[انظر: ٢٤٣ - مسلم: ١٧٩٠ -فتح ٦ / ١٦٢]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ في ذلك، وقد سلف.

٢٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٦٤ - باب مَا يُكْرَهُ
مِنَ التَّنَازُعِ وَالإِخْتِلَافِ فِي الحَرْبِ
وَعُقُوبَةِ مَنْ عَصَىَ إِمَامَهُ.
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:
٤٦]. قَالَ قَتَادَةُ الرِّيحُ: الحَرْبُ.
٣٠٣٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ بَعَثَ مُعَاذَا وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ، قَالَ: ((يَسِّرَا وَلَا
تُعَسِّرَا، وَبَشِّرًا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا)). [انظر: ٢٢٦١ - مسلم: ١٧٣٣ - فتح
٦/ ١٦٢]
٣٠٣٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ
البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ
- وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: ((إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا
تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هذا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ
فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ)). فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَنَا والله رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ
بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْؤُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرِ الغَنِيمَةَ
- أي: قَوْم - الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ
مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ إِ لّهِ؟ قَالُوا: والله لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَلَمَّا
أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ
يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ بََّ غَيْرُ أَثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َه
وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَزْبَعِينَ وَمِائَةَ: سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا،
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِ القَوْمِ نُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ:
أَفِ القَوْم ابن أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِ القَوْمِ ابن الَخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هؤلاء فَقَدْ قُتِلُوا. فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ والله