النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
الشرح :
هُذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة(١)، وبيَّن الإسماعيلي هذا
بقوله: قَالَ سفيان: وكان عمه، وحَدَّثَنَاه أولًا عن الزهري قبل أن
يلقاه فقال: ((هم من آبائهم)) فلما ثنا الزهري فتقدمه فلم يقل: (هم
من آبائهم)) قَالَ: ((هم منهم)) (ورواه) (٢) الطبراني من حديث حماد بن
زيد، عن عمرو، عن ابن عباس بلفظ: ((هم من آبائهم)) لم يذكر
الزهري ولا عبيد الله ولا الصعب، رواه عن علي بن عبد العزيز، ثَنَا
حجاج بن منهال وعارم عنه(٣).
إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: صحف ابن المنير (بياتًا) بالباء الموحدة بـ(نيامًا)، فقال:
العجب لزيادته في الترجمة (نيامًا) وما هو في الحديث إلا ضمنا؛
لأن الغالب أنهم إذا وقع بهم ليلًا لم يخل من نائم، وما الحاجة إلى
كونهم نيامًا أو أيقاظًا وهما سواء، إلا أن قتلهم نيامًا أدخل في
الغيلة؛ فنبه على جوازها في مثل هذا. هذا كلامه (٤)، وهو عجيب
وتصحيف غريب فاحذره، ولما ذكره صاحب (المطالع)) وقال: هو
من البيات: وهو الطرف إغفالًا من الليل.
ثانيها: ذكره حديث الحمى هنا نظير الحديث السالف: ((نحن
الآخرون السابقون)) ثم ذكر حديثا آخر معه ليس فيه شيء من معناه؛
لأنهم كانوا يحدثون بالأحاديث على نحو ما كانوا يسمعونها، وقد
(١) أبو داود (٢٦٧٢)، والترمذي (١٥٧٠)، وابن ماجه (٢٨٣٩)، والنسائي في
((الکبری)) ٤٠٨/٣.
(٢) في (ص١): ورواية.
(٣) ((المعجم الكبير)) ٨٧/٨ (٧٤٤٩).
(٤) ((المتواري)) ص١٦٨ - ١٦٩.

١٨٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
يتلمح له هنا معنى فتدبره(١).
ثالثها: ذكر الداودي هنا أن من كان بالمدينة من الصحابة يروي عمن
كان خارجًا منها، إذ ليس أحد يحيط بالحديث أجمع، يريد أن
الصعب بن جثامة ليس من ساكني المدينة.
رابعها: معنى قوله: (لهم منهم)) يريد كما قَالَ الخطابي في حكم
الدين، فإن ولد الكافر محكوم له بالكفر. قَالَ: ولم يرد بهذا القول
إباحة دمائهم تعمدًا لها وقصدًا إليها، وإنما هو إذا لم يصل إلى قتل
الآباء إلا بذلك، وإلا فلا يقصدون بالقتل مع القدرة على ترك ذَلِكَ.
ومعنى النهي عن قتل النساء والصبيان في الباب الذي بعد هذا أن
يقصدوا بالقتل مع القدرة على تمييزهم، إلا أن النساء إذا قاتلن قتلن؛
لأن العلة المانعة من قتلهن عدم القتل فيهن (٢).
وقد اختلف العلماء في العمل بهذا الحديث، فتركه قوم وذهبوا إلى
أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في الحرب على حال، وأنه لا يحل أن
يقصد إلى قتل غيرهم إذا كان لا يؤمن في ذَلِكَ تلفهم، مثل أن يتترس
أهل الحرب بصبيانهم ولا يستطيع المسلمون منهم إلا بإصابة
صبيانهم، فحرام عليهم رميهم، وكذلك إن تحصنوا بحصن أو سفينة
وجعلوا فيها نساء وصبيانًا أو أسارى مسلمين، فحرام رمي ذَلِكَ
الحصن وخرق تلك السفينة إذا كان يخاف تلف الأسارى والنساء
والصبيان.
(١) سلف برقم (٢٩٥٦، ٢٩٥٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: يقاتل من وراء الإمام
ویتقی به.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٢٧ - ١٤٢٨.

١٨٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
واحتجوا بعموم (نهيه عن قتل النساء والصبيان وبعموم)(١) قوله
تعالى: ﴿لَوْ تَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]
هذا قول مالك(٢) والأوزاعي.
وقال الكوفيون(٣) والشافعي(٤): إنما وقع النهي عن قتل النساء
والصبيان إذا قصد إلى قتلهم، فأما إذا قصد إلى قتل غيرهم ممن
لا يوصل إلى ذَلِكَ منه إلا بتلف نسائهم وصبيانهم فلا بأس بذلك.
واحتجوا بقوله وَِّير: ((هم منهم) فلما لم (ينهرهم) (٥) الشارع عن
الإغارة، وقد كان يعلم أنهم يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم
القصد إلى قتلهم، دل ذَلِكَ على أن ما أباح من حديث الصعب
لمعنى غير المعنى الذي من أجله منع قتلهم في حديث ابن عمر في
الباب بعده، وأن الذي منع من ذَلِكَ هو القصد إلى قتلهم، وأن الذي
أباح هو القصد إلى قتل المشركين، وإن كان في ذَلِكَ تلف غيرهم
ممن لا يحل القصد إلى قتله حَتَّى لاتتضاد الآثار، وقد أمر الشارع
بالإغارة على العدو في آثار متواترة، ولم يمنعه من ذَلِكَ ما يحيط به
علمًا أنه لا يؤمن تلف النساء والولدان في ذَلِكَ، والنظر يدل على
ذَلِكَ أيضًا، وقد أحبط الشارع بياتا للعاصي، فكان يباح البيات وإن
كان فيه تلف غيره مما حرم علينا (٦).
(١) من (ص١).
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٦٦/٣، ((التمهيد)) ١٤٥/١٦.
(٣) ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٢/٣.
(٤) ((الأم)) ١٥٦/٤ - ١٥٧، ٣١٨/٧.
(٥) في (ص١): ينههم.
(٦) ورد في هامش الأصل: بقي عليه بعض كلام ذكره المؤلف في الباب الذي بعده في
( ... ) وكان ينبغي أن يذكره في هذا الباب.

١٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤٧- باب قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِي الحَرْبِ
٣٠١٤- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ ﴾ِ أَخْبَرَهُ
أَنَّ أَمْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ بَِّّ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ قَتْلَ النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ. [٣٠١٥- مسلم: ١٧٤٤ - فتح ٦ /١٤٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضٍ مَغَازِي النَّبِيِّ وَّه
مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ النبي ◌ِِّ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وترجم له:

١٨٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٤٨- باب قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الحَرْبِ
٣٠١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ
اللهِ وَّةِ، فَتَهَى رَسُولُ اللهِ بَّهَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟. [انظر: ٣٠١٤- مسلم:
١٧٤٤- فتح ٦ /١٤٨].
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَّبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي
بَعْضِ مَّغَازِي رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِوَ لَهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ؟.
ثم ساقه وقال مكان (فأنكر): (نهى). وأخرجه مسلم أيضًا، وقد
عرفت فقهه في الباب قبله.
قَالَ ابن بطال: ولا يجوز عند جميع العلماء قصد قتل نساء
(الحرب)(١) ولا أطفالهم؛ لأنهم ليسوا ممن يقاتلون في الأغلب،
وقال تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]
وبذلك حكم الشارع في مغازيه أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية؛
لأنهم مال للمسلمين إذا سبوا(٢).
قلتُ: قد حكى الحازمي عن قوم جواز قتلهم مطلقًا لكنه مصادم
(٣)
للنص (٣).
واتفق الجمهور على جواز قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا (٤)، وهو
(١) في (ص): الحربيين.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٧٠/٥.
(٣) ((الاعتبار)» ص١٦٥.
(٤) ((الإفصاح)) ٩/ ١٦٥.

١٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قول الأربعة والليث والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور(١)، وقال
الحسن البصري: إن قاتلت المرأة وخرجت معهم إلى ديارالمسلمين
قتلت، وقد قتل الشارع يوم قريظة والخندق أم قرفة(٢)، وقتل يوم
الفتح قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله عَليه(٣).
فرع :
اتفق مالك والكوفيون والأوزاعي والليث أنه لا تقتل الشيوخ
ولا الرهبان (٤)، وأجاز قتلهم الشافعي في أحد قوليه(6)(٦)، واحتج
بأن الشارع أمر بقتل دريد بن الصمة يوم حنين(٧)، وقام الإجماع على
أن من قاتل من الشيوخ قتل، نعم في حديث بريدة مرفوعًا: ((لا تقتلوا
شيخًا كبيرًا))(٨)، وحديث المرقع بن صيفي في المرأة المقتولة ((ما
كانت هذِه تقاتل)) (٩)، وهو دال على أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل،
ويجمع بينهما بأن النهي من الشارع في قتل الشيوخ هم الذين لا معونة
لهم على شيء من أمر الحرب من قتال ولا رأي.
(١) أنظر: ((المغني)) ١٧٩/١٣، ١٨٠.
(٢) رواه أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) ص ٥٣٤-٥٣٥.
(٣) رواه أبو داود (٢٦٨٤) مختصرًا، والدارقطني ٣٠١/٢.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٦٦/٣، ٦٧.
(٥) ورد بهامش الأصل: الأظهر جوازه.
(٦) ((الأم)) ٤/ ١٥٧، ((الإفصاح)) ١٦٦/٩.
(٧) سيأتي برقم (٤٣٢٣) كتاب المغازي، باب: غزوة أوطاس، ورواه مسلم (٢٤٩٨)
كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين رضي
الله عنهما.
(٨) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) ٤٨/١ (١٣٥).
(٩) رواه أبو داود (٢٦٦٩).

١٨٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وحديث دريد في الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب كما كان
لدريد، فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا مقاتلين؛ لأن تلك المعونة
أشد من كثير من القتال، وهذا قول محمد بن الحسن، وهو قياس
قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١).
تنبيهات :
أحدها: محل قتلهن إذا قاتلن هو ما إذا كان بالسيف والرمح
ونحوهما، فإن قاتلن بالرمي بالحجارة فقال ابن حبيب: لا يقتلن
إلا إذا قتلن وإن أسرن، إلا أن يرى الإمام إبقاءها، ومثلها الصبي.
وقال سحنون: من رمت منهن بالحجر رميت به وإن قتلت به، لقوله
﴾ [الشورى: ٤١]
تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنتَصَرَ بَعْدَ نُظُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ (
وإذا وجب قتلهن وقدر عليهن بعد أسرهن فقال ابن القاسم: يقتلن
بالأسر كما لو قتل أحدًا من المسلمين. وقال غيره: لا؛ لأنهن ممن
يقر على غير جزية؛ فلم يجز قتلهن بالأسر كما لو لم يقاتلن، فإن
حاربت المرأة، فقال سحنون: لا تقتل(٢). وقال الأوزاعي تقتل.
ثانيها: ثبت في مسلم من حديث بريدة: ((اغزوا ولا تقتلوا وليدًا))(٣)
وفي الترمذي من حديث سمرة مرفوعًا: ((اقتلوا شيوخ المشركين
واستبقوا شرخهم)) ثم قَالَ: حسن صحيح غريب(٤)، وفي النسائي عن
ابن عباس: إنه ◌َّي لم يقتلهم فلا تقتلوهم يقوله لنجدة الحروري(٥)
(١) ((المبسوط)) ١٠/ ١٣٧.
(٢) ((المنتقى)) ١٦٦/٣.
(٣) مسلم برقم (١٧٣١) كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الإغارة على الكفار
الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة.
(٤) الترمذي (١٥٨٣).
(٥) ((الكبرى)) ١٨٤/٥.

١٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد عرفت وجه ذَلِكَ، وتمسك أبو حنيفة بعموم هذه الأحاديث في قتل
المرتدة(١).
ثالثها: إذا تترس الكفار بصبيانهم أو نسائهم ولا يستطيع المسلمون
رميهم إلا بإصابة أولئك. فقَالَ مالك: يحرم رميهم، وكذا إذا تحصنوا
بحصن أو سفينة فحرام خرق السفينة، ورمي الحصن إذا خيف
تلفهما، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يجوز؛ فالنهي عند القصد، أما
إذا قصد غيرهم ولا يمكن إلا بتلفهما فلا بأس بذلك (٢).
رابعها: قوله في الباب الماضي: (سئل عن أهل الدار). هذا هو
الموجود في سائر نسخ البخاري: (الدار). وهو رواية الجمهور في
مسلم، وصوبه القاضي قَالَ: وأما الذراري بتشديد الياء على
التصحيح، وقد تخفف فليست بشيء، وهي تصحيف وما بعده يبين
الغلط (٣)، وجعل النووي أيضًا لها وجهًا (٤).
خامسها: معنى البيات في الباب الماضي أن يغار عليهم ليلًا
فلا يعرف رجل من امرأة. قَالَ الحازمي: ورأى بعضهم حديث
الصعب منسوخًا؛ ومنهم ابن عيينة والزهري بحديث الأسود بن
سريع: ((ألا لا تقتلن ذرية)). وبحديث كعب بن مالك: نهى عن قتل
النساء والولدان، إذ بعث إلى ابن أبي الحقيق. قَالَ الشافعي(٥):
(١) هكذا ورد بالأصل خلافًا لمذهب أبي حنيفة: أن المرتدة لا تقتل، ((المبسوط))
١٠٨/١٠ وما بعدها، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣/ ٤٧١.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٤/٣.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤٩/٦.
(٤) ((شرح مسلم)) ٤٩/١٢.
(٥) ((الرسالة)) ص٢٩٩.

١٨٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وحديث الصعب كان في عمرة النبي ◌ّطير، فإن كان في الأولى فقتل ابن
أبي الحقيق قبلها أو في سنتها، وإن كان في عمرته الأخيرة فهي بعد ابن
أبي الحقيق بلا شك. قَالَ: ولم نعلمه رخص في قتل النساء والصبيان ثم
نهى عنه(١).
قلتُ: حديث الصعب كان في عمرة القضية، جاء ذَلِكَ مصرحًا به
في عدة أحاديث وجمع بعضهم بما رواه رباح بن الربيع أخي حنظلة
الكاتب: رأى النبي وَل أمرأة مقتولة في غزوة فقال: ((ما كانت هذه
تقال)) ثم قَالَ لرجل: ((الحَقْ خالدًا فلا يَقْتُلن ذرية ولا عسيفا)) أخرجه
أبو داود(٢)، (ورواه)(٣) النسائي أيضًا من حديث أخيه حنظلة
بمثله(٤)، وهو واضح في تأخره عن حديث الصعب، لأن خالدًا كان
مع رسول الله رَله مقاتلا سنة ثمان، وروى ابن المنذر عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه ودلو مر بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال: ((من قتل
هذِهِ؟)) قَالَ رجل: أنا. قَالَ: ((ولم؟)) قَالَ: نازعتني قائم سقي. قَالَ:
فسكت. وفي أبي داود: قتل وَّ امرأة من بني قريظة لحدث أحدثته
من جملة من قتل من رجالهم(٥)، وذكر ابن إسحاق أنه وَّ إنما قتلها
بطرحها رحى على خلاد بن سويد (٦).
سادسها: حديث: ((لا حمى إلا لله ورسوله)) سلف شرحه في
موضعه.
(١) نقله الحازمي في ((الاعتبار)) ص١٦٥ - ١٦٦.
(٢) أبو داود (٢٦٦٩).
(٣) من (ص١).
(٤) النسائي في ((الكبرى)) ١٨٧/٥.
(٥) أبو داود (٢٦٧١).
(٦) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ٢٦١/٣.

١٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٤٩- باب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللِهِ
٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَثِرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: ((إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا
وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: ((إِنِّي أَمَرْتُكُمْ
أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّ اللهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا
فَاقْتُلُوهُمَا)). [انظر: ٢٩٥٤ - فتح ٦ /١٤٩]
٣٠١٧- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ◌ِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا
حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَّا لَمْ أُحَرَّقْهُمْ؛ لأنَّ النَّبِيَّ وَّ قَالَ:
(لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ)). وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
[٦٩٢٢ - فتح ٦ /١٤٩]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ع السالف في التوديع، وذكره هناك معلقًا
وهنا مسندًا عن قتيبة، عن الليث، عن بكير.
وحديث ◌ِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ
كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ قَالَ: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ)).
وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
قَالَ: المهلب: وليس نهيه عن التحريق على التحريم، وإنما هو
على سبيل التواضع لله، وألا يتشبه بغضبه في تعذيب الخلق، إذ القتل
يأتي على ما يأتي عليه الإحراق.
والدليل على أنه ليس بحرام سمل الشارع أعين الرعاة بالنار،
وتحريق الصديق الفجأة بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة،
وتحريق علي الخوارج بالنار.
وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار،

١٩١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وقول أكثرهم بتحريق المراكب(١)، وهذا كله يدل على أن معنى الحديث
(على)(٢) الندب.
وممن كره رمي أهل الشرك بالنار عمر وابن عباس وابن عبد العزيز،
وهو قول مالك(٣)، وأجازه علي، وحرق خالد بن الوليد ناسًا من أهل
الردة. فقال عمر للصديق: أنزع هذا الذي يعذب بعذاب الله. فقال
الصديق: لا أشيم سيفًا سله الله على المشركين. وأجاز الثوري رمي
الحصون بالنار. وقَالَ الأوزاعي: لا بأس أن يدخن عليهم في المطمورة
إن لم يكن فيها إلا المقاتلة ويحرقوا ويقتلوا كل قتال، ولو لقيناهم
في البحر رميناهم بالنفط والقطران (٤). وأجاز ابن القاسم حرق
الحصن والمراكب إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط (٥).
وقوله: ( ((من بدل دينه فاقتلوه)) ) احتج من لا يستتيب المرتد، وهو
ابن الماجشون.
وجمهور الفقهاء على استتابته ثلاثًا فإن تاب قبلت توبته، ويحتج به
الشافعي في قوله: من أنتقل من كفر إلى كفر (أنه يقتل)(٦) إن لم يسلم،
ويحتج به أيضًا كقتل المرتدة (٧) تفريعًا على أن (من) للعموم، وقال
أبو حنيفة: لا بل تحبس (٨).
(١) ((النوادر والزيادات)) ٦٦/٣.
(٢) من (ص).
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٦٦/٣.
(٤) ((الأم)) ٦/ ١٥٦ - ١٦٤
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٦٦/٣. وانظر: ((شرح ابن بطال)) ١٧٢/٥.
(٦) من (ص١).
(٧) ((الأم)) ٦/ ١٦٠.
(٨) ((المبسوط)) ١٠٨/١٠.

١٩٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٥٠- باب ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤]
فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ، أي السالف في الصلاة(١) وَقَوْلُهُ: ﴿ما
كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ يغلب
الآيَةَ [الأنفال: ٦٧]. [فتح ٦ / ١٥١]
اختلف العلماء في حكم الأسرى؛ من أجل اختلافهم في تأويل
الآية التي ترجم بها البخاري، فقال السدي وابن جريج: نسختها آية
السيف (٢): ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وقال
السدي: نسختها ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾
[الأنفال: ٥٧](٣)، وروي عن الصديق أنه لا يفادي بأسير المشركين
وإن أعطي فيه كذا وكذا مديًا من مال الله (٤)، وهذا مخالف عنه فيما
سيأتي من إشارته ذَلِكَ في أسارى بدر. وقال الزهري: كتب عمر بن
الخطاب: أقتلوا كل من جرت عليه المواسي(٥). وهو قول الزهري
ومجاهد، واعتلوا لإنكارهم إطلاق الأسرى بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ
لِنَبِّ﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيات، قالوا: فأنكر الله إطلاق أسرى بدر على
نبيه على الفداء، فغير جائز لأحد أن يتقدم على فعله، وسنة الله في
أهل الكفر إن كانوا من أهل الأوثان فقتلهم على كل حال، قَالَ
تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ الآية [التوبة: ٥]، وإن
كانوا من أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فأما إطلاقهم
(١) سلف برقم (٤٦٢) باب: الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد.
(٢) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٣٠٦/١١.
(٣) رواه عبد الرزاق ٢٠٤/٥، ٢١١ (٩٣٨٩، ٩٤٠٥).
(٤) ((تفسير الطبري)) ٣٠٦/١١.
(٥) («المحلى)) ٢٩٩/٧.

١٩٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
على فداء يؤخذ منه فتقوية لهم. وقال الضحاك: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّا
بَعْدُ﴾ ناسخًا لقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾(١)، ویروئ
مثله عن ابن عمر(٢) وقال: أليس بهذا أمرنا الله، قَالَ تعالى: ﴿حَّةٌ
إِذَا أَتْخَتُمُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤] وهو قول عطاء(٣)
والشعبي والحسن البصري كرهوا قتل الأسير، وقالوا: مُنَّ عليه
أو فاده، وبمثل هذا استدل الطحاوي فقال: ظاهر الآية يقتضي المن
أو الفداء ويمنع القتل(٤). قالوا: ولو كان لنا من قتلهم بعد الإثخان
والأسار ما لنا قتله لم يفهم قوله تعالى: ﴿حَّةَ إِذَا أَنْتَتُمُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ
فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤] فدل أن حكم الكافر بعد الاستيثاق والأسر
خلاف حکمه قبل ذلك.
قَالَ أبو عبيد: والقول عندنا في ذَلِكَ أن الآيات جميعًا محكمات
لا منسوخ فيهن، يبين ذَلِكَ ما كان من أحكام رسول الله ◌َّ الماضية
فيهم، وذلك أنه عمل بالآيات كلها من القتل والمن والفداء حَتَّى
توفاه الله ◌َّ على ذَلِكَ، فكان أول أحكامه فيهم يوم بدر فعمل بها
كلها يومئذ، بدأ بالقتل فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث
في قفوله، ثم قدم المدينة فحكم في سائرهم بالفداء، ثم حكم يوم
الخندق سعد بن معاذ فقتل المقاتلة وسبى الذرية، فصوَّبه وَله.
وأمضاه، ثم كانت غزاة بني المصطلق رهط جويرية بنت الحارث
فاستحياهم جميعًا وأعتقهم، ثم كان فتح مكة فأمر بقتل ابن خطل
(١) الطبري ٣٠٦/١١.
(٢) السابق ٣٠٧/١١.
(٣) السابق.
(٤) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٧٩/٣.

١٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومقيس والقينتين وأطلق الباقين، ثم كانت حنين فسبى هوازن ومنَّ عليهم
وقتل أبا عزة الجمحي يوم أحد، وقد كان منَّ عليه يوم بدر، وأطلق
ثمامة بن أثال، فكانت هذه أحكامه وَ ل18 بالمن والفداء والقتل، فليس
شيء منها منسوخًا، والأمور فيهم إلى الإمام، وهو مخير بين القتل
والمن والفداء يفعل الأفضل في ذَلِكَ للإسلام وأهله، وهو قول
مالك(١) والشافعي(٢) وأحمد وأبي ثور.
قَالَ المهلب: وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ: أَسْرَى حَتَّ
يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ [الأنفال: ٦٧] فإنها نزلت في أسرى بدر أخذ فيهم
برأي الصديق في استحيائهم وقبوله الفداء فيهم، وكان عمر أشار عليه
بقتلهم، وأشار عليه غيره بحرقهم استبلاغًا فيهم، فبات رسول الله وَلآل
يرى رأيه في ذَلِكَ، وكان أول وقعة أوقعها الله بالكفار فأراد الله أن
يكسر شوكتهم بقتلهم، فعاتب الله نبيه وأنزل عليه الآية: ﴿تُرِيدُونَ
عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ يعني: الفداء ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْأَخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] إعلاء
قلے
كلمته وإظهار دينه بقتلهم، فقال ◌َّ: ((لو نزلت آية عذاب ما نجا منه
غير عمر))؛ لأنهم طلبوا الفداء وكانت الغنائم محرمة عليهم (٣).
وقال الطبري (٤) في قوله: ((لو نزلت آية عذاب)) إلى آخره وقوله:
﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية، إن قيل: كيف استحقوا
هُذِه اللائمة العظيمة؟ فالجواب أنه و18َ ومن شهد معه بدرًا لم يخالفوا
أمر ربهم فيستوجبوا اللائمة، وأن الذين اختاروا فداء الأسرى على
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٢٧/٣.
(٢) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٢٧٤/١٠.
(٣) نقله ابن بطال في ((شرحه)) ١٧٥/٥.
(٤) الطبري ٢٩١/٦.

١٩٥
=
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قتلهم اختاروا أوهن الرأيين في التدبير على أحزمهما وأقلهما نكاية في
العدو، فعاتبهم الله على ذَلِكَ وأخبرهم أن الأنبياء قبله لم تكن الغنائم
حلالًا لهم فكانوا يقتلون من حاربوا ولا يأسرونه على طلب الفداء،
فالمعنى: لولا قضاء من الله سبق أنه يحل لكم الغنيمة ولا يعذب من
شهد بدرًا لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم.
وفي حديث ثمامة من الفقه: جواز المن على الأسير بغير مال، وهو
قول الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد (١) وأبي ثور، وقالوا: لا بأس أن
يفادوا بأسرى المسلمين وبالمال أيضًا. وقال الطحاوي: اختلف في هذِه
المسألة قول أبي حنيفة، فروي عنه أن الأسارى لا يفادى بهم ولا يردون
حربًا؛ لأن في ذَلِكَ قوة لأهل الحرب، وإنما يفادون بالمال، وما سواه
مما لا قوة لهم فيه، وروي عنه أنه لا بأس أن يفادئ بالمشركين أسارى
المسلمين، وهو قول صاحبيه(٢) ورأى أبو حنيفة أن المن منسوخ،
وقيل: كان خاصًّا برسول الله وَّهِ. قَالَ ابن القصار: ومما يرد عليه أنا
أتفقنا معه على أن مكة فتحت عنوة، وأنه رَّ منَّ عليهم بغير شيء
كما فعل بثمامة(٣).
ولخص الخلاف في المسألة النحاس فقال: في قوله تعالى:
فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] للعلماء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها منسوخة، ولا يحل قتل أسير صبرًا وإنما يمن عليه
أو يفدى، وناسخها قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ﴾ [محمد: ٤] قَالَ:
الحسن والضحاك والسدي وعطاء، زاد الطبري والشعبي كما سلف.
(١) ((الإفصاح)) ١٩٥/٩.
(٢) ((مختصر الطحاوي)) ص٢٨٩.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٧٦/٥.

١٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثانيها: تعين القتل في الأسرى، والآية ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ﴾
[محمد: ٤] وهو قول قتادة، ويروى عن مجاهد.
ثالثها: أنهما محكمتان، وهو قول ابن زيد، وهو صحيح بين؛ لأن
إحداهما لا تنفي الأخرى ينظر الإمام في ذَلِكَ ما يراه مصلحة من الأمور
الثلاثة السالفة(١).
فائدة :
قَالَ الداودي: لما ذكر الآية (التي)(٢) في البخاري، وفيه: قوله:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَتِمًا وَأَسِيرًا ﴾﴾ [الإنسان: ٨]، وقوله:
﴿قُل لِّمَن فِىّ أَيْدِيكُمْ مِّنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠].
ثانية: قَالَ مجاهد: الإثخان: القتل(٣). وقيل: حَتَّى يبالغ في قتل
أعدائه. وقيل: حَتَّى يتمكن في الأرض. والإثخان في اللغة: القوة
والشدة.
ثالثة: حاصل ما سلف أن من منع القتل شاذ، وأن الذي عليه كافة
الفقهاء الجواز، وكذا المن والفداء جائزان عند الثلاثة، خلافًا لأحد
قولي أبي حنيفة، والآية في المن والفداء صريح، وكذا المنُّ على
ثمامة، فالإمام مخير في الرجال المقاتلة بين خمسة أشياء: الجزية،
أو القتل، أو الاسترقاق، أو المن، أو الفداء، وفي النساء والصبيان
بين ثلاثة: المن، والفداء، والاسترقاق.
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٤٢٣/٢ - ٤٢٥.
(٢) من (ص١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٠١، والطبري ٢٨٦/٦.

١٩٧
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٥١- باب هَلْ لِلأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ أَوَ يَخْدَعَ الذِينَ أَسَرُوهُ
حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الكَفَرَةِ؟
فِيهِ المِسْوَرُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ.
هذا الحديث المراد به قصة صلح الحديبية، وقد أسنده البخاري في
الشروط كما سلف(١) وغيره أيضًا، وموضع الحاجة منه: قول أبي بصير
لأحد الرجلين في سيفه وضربه حَتَى برد وفر الآخر.
واختلف العلماء في الأسير هل له أن يقتل المشركين أو يخدعهم
حَتَّى ينجو منهم؟ فقالت طائفة من العلماء: لا ينبغي للأسير المقام
بدار الحرب إذا أمكنه الخروج، وإن لم يتخلص منهم إلا بقتلهم
وأخذ أموالهم وإحراق دورهم فعل ما شاء من ذَلِكَ، وهو قول أبي
حنيفة والطبري. وقال أشهب: إن خرج به العلج في الحديد ليفادى به
فله أن يقتله إن أمكنه ذَلِكَ وينجو.
واختلفوا إذا أمنوه وعاهدهم على أن لا يهرب، فقال الكوفيون:
إعطاؤه العهد على ذلك لا يلزم، وقال الشافعي(٢): له أن يخرج
ولا يأخذ شيئًا من أموالهم؛ لأنه قد أمنهم بذلك كما أمنوه. وقال
مالك(٣): إن عاهدهم على ذَلِكَ لا يجوز أن يهرب إلا بإذنهم، وهو
قول سحنون وابن المواز، قَالَ ابن المواز: وهذا بخلاف ما إذا
أجبروه أن يحلف ألا يهرب بطلاق أو عتاق أنه لا يلزمه؛ وذلك لأنه
مكروه، ورواه أبو زيد، عن ابن القاسم(٤)، وقال غيره: لا معنى لمن
(١) سلف برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) باب: الشروط في الجهاد.
(٢) ((الأم)) ١٨٨/٤.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٣١٨/٣.
(٤) السابق ٣١٩/٣.

١٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فرق بين يمينه ووعده أن لا يهرب، لأن حاله حال المكره حلف لهم
أو وعدهم أو عاهدهم، سواءً أمنوه أو خافوه؛ لأن الله تعالى فرض
على المؤمن ألا يبقى تحت أحكام الكفار، وأوجب عليه الهجرة من
دارهم، فخروجه على كل وجه جائز، والحجة في ذَلِكَ خروج أبي
بصير وتصويب النبي قلّ فعله ورضاه به.

١٩٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٥٢- باب إِذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ
٣٠١٨- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكِ ◌َُّ، أَنَّ رَهْطَا مِنْ عُكْلٍ ثَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ وَِّ فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْغِنَا رِسْلًا. قَالَ: ((مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ)). فَانْطَلَقُوا
فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَخُوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ،
وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَّى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ وَِِّّ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ
حَتَّى أُنَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَزْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُعْمِيَتْ، فَكَحَلَهُمْ
بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: قَتَلُوا
وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلّهِ وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَادًا. [انظر: ٢٣٣ - مسلم: ١٦٧١-
فتح ٦ / ١٥٣]
ذكر فيه حديث أنس في العرنيين.
وفيه: تسميل العين، وقد سلف الحديث في الطهارة، ولم يذكر
البخاري هنا أنهم سملوا أعين الرعاة، قَالَ ابن بطال: وهو يدل أن
ذَلِكَ كان من فعلهم مروي إلا أن طرق ذَلِكَ ليست من شرط كتابه،
وله طرق ذكرتها في المحاربين (١)، (قال): (٢) وقد يخرج معنى
الترجمة من هذا الحديث بالدليل لو لم (يصح سمل)(٣) العرنيين
للرعاء وذلك أنه ◌ّ لما سمل أعينهم -والسمل تحريق بالنار - استدل
منه البخاري أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم يحرقوا
أعين الرعاء أنه أولى بالجواز في تحريق المشرك إذا حرق المسلم(٤)،
(١) سيأتي برقم (٦٨٠٢) كتاب: الحدود، باب: المحاربين من أهل الكفر والردة.
(٢) من (ص١).
(٣) في (ص١): يفتح يسمل.
(٤) (شرح ابن بطال)) ١٧٩/٥.

٢٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهو كما قَالَ، وهو ما رد به ابن التين على قول الداودي: ليس ما ذكره
في الحديث يحتمل أن (يريد)(١) أن المسامير لما أحميت وكحلوا بها
-وكانوا فعلوا بالرعاء مثل ذَلِكَ- كان ذَلِكَ كالإحراق، وروى سحنون
عن ابن القاسم(٢): أنه لا بأس برمي المراكب من مراكب العدو بالنار
إذا بدءوا بالرمي، وإن كان فيهم أسرى مسلمين نساء وصبيان لهم.
و(عكل) - بإسكان الكاف- قبيل من العرب من مزينة، وصرح هنا
بأنهم ثمانية.
ومعنى: (اجتووا المدينة): كرهوها، وهو أفعل من جوى يجوى إذا
كره، وقيل معناه: استوخموها. وكذا هو في موضع آخر من البخاري:
استوخموا المدينة(٣). قَالَ ابن فارس: أجتويت البلاد إذا كرهتها وإن
كنت في نعمة، وجوى من ذلك (٤).
و(ابغِنا رِسْلا): أطلبه لنا. يقال: بغيتك الشيء طلبته لك، وأبغيتك:
أعنتك على طلبه.
و(الرسل) -بكسر الراء- اللبن والذود من الإبل من الثلاثة إلى
العشرة، وقيل: يطلق في اللغة على الواحد، وجاء مصرحًا أنها من
الصدقة، وشربهم من أبوالها من باب التداوي.
وفي أبوالها خلاف في الطهارة قَالَ الداودي: من قَالَ: إنها غير
طاهرة لا نص معه ولا إجماع، وهذا يعكس عليه كما نبه عليه ابن التين.
(١) من (ص١).
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٦٦/٣.
(٣) سيأتي برقم (٤١٩٢) كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢١٠/١.