النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٣٥- باب السَّيْ وَحْدَهُ ٢٩٩٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: نَدَبَ النَّبِيُّ ◌َّ النَّاسَ يَوْمَ الَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)). قَالَ سُفْيَانُ: الحَوَارِيُّ: النَّاصِرُ. [انظر: ٢٨٤٦- مسلم: ١٤١٥ - فتح ٦ /١٣٧) ٢٩٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ نُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ أَ﴾. حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ)). [فتح ١٣٧/٦] ذكر فيه حديث جَابِرٍ ﴾: نَدَبَ النَّبِيُّ ونَ﴿ِ النَّاسَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيِّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)). قَالَ سُفْيَانُ: الحَوَارِيُّ: النَّاصِرُ. وقد تقدم. وحديث ابن عمر رفعه: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِ الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلِ وَحْدَهُ)). وهو من أفراده. قَالَ الحاكم: وهو على شرط مسلم (١). قَالَ الترمذي: ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عاصم بن محمد أي: عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما (٢). قلتُ: أخرجه النسائي، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن محمد بن (١) ((المستدرك)) ١٠١/٢ - ١٠٢. (٢) ((سنن الترمذي)) ٤/ ١٩٣. ١٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ربيعة، عن عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر (١). واعلم أن البخاري رواه عن أبي الوليد وعن أبي نعيم (وفي كل منهما قال فيه: حدثنا، وزعم أنه لم يروه عن أبي نعيم)(٢)، وإنما قَالَ: وقال أبو نعيم. ثم قَالَ: لم يقل -يعني البخاري- في حديث أبي نعيم: حَدَّثَنَا. وإنما قَالَ: قَالَ أبو نعيم، عن عاصم. وتبعه المزي(٣)، والذي وجدناه (في أصل)(٤) الدمياطي وغيره التصريح بحدثنا فيه، وكذا ذكره عنه أبو نعيم في ((مستخرجه)) فتنبه له. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالوحدة بفتح الواو كذا نحفظه. قَالَ ابن التين : ضبطت بفتح الواو وكسرها، وأنكر بعض أهل اللغة الكسر، قَالَ صاحب ((المطالع)): و(وحدك) منصوب بكل حال عند أكثر أهل الكوفة على الظرف، وعند البصريين على المصدر(٥). أي: يوحد وحده. قَالَ: وكسرته العرب في ثلاث مواضع: عُيير وحده، جحيش وحده ونسيج وحده. وعن أبي علي: رجل وحد بفتح الحاء وكسرها وإسكانها، ووحيد ومتوحد، والأنثى وحدة. وَوحِد -بكسر الحاء وضمها- وحادة ووحدة ووحدا وتوحد، كله بقي وحده، وعن كراع: الوحد: الذي يترك وحده. قَالَ المهلب: نهيه وَّ عن الوحدة في سير الليل إنما هو إشفاق على الواحد من الشياطين؛ لأنه وقت انتشارهم وأذاهم للبشر بالتمثيل لهم (١) ((السنن الكبرى)) ٥/ ٢٦٦ (٨٨٥٠). (٣) ((تحفة الأشراف)) ٣٨/٦ (٧٤١٩). (٢) من (ص١). (٤) في (ص١): بخط. (٥) ورد بهامش الأصل: قال في ((القاموس)) متعقبًا لكلام الجوهري أنه عند أهل البصرة على المصدر. انتهى. قال: ونصبه على الحال عند البصريين لا على المصدر، وأخطأ الجوهري. انتهى. ١٤٣ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وما يفزعهم، ويدخل في قلوبهم الوساوس، ولذلك أمر الناس أن یحبسوا صبيانهم عند فحمة الليل. وأما قصة الزبير فإنها لتعرف أمر العدو، والواحد الثابت في ذَلِكَ أخفى على العدو أقرب إلى التجسس بالاختفاء والقرب منهم، مع ما علم الله من نيته والتأييد عليها، فبعثه واثقًا بالله، ومع أن الوحدة ليست بمحرمة وإنما هي مكروهة، فمن أخذ بالأفضل من الصحبة فهو أولى ممن أخذ بالوحدة فلم یأت حرامًا. وقد سلف الكلام في حديث جابر وما عارضه في باب: هل يبعث الطليعة وحده، وباب: سفر الاثنين. فراجعه من ثم. وقال ابن التين: لما ضبط الوحدة قَالَ: قيل: معناه في الليل، وقد أتى الشارعَ جابرٌ ليلًا وقال: ((ما السرى يا جابر))(١) قَالَ: ويحتمل أن سكوت الشارع عما يعمله في سير الليل خيفة أن يتناهى عند الضرورات أن يسير راكب وحده. فائدة: أسلفنا الكلام هناك على لفظ: (حواري) فليراجع. قَالَ الزجاج: وهو مصروف؛ لأنه منسوب إلى حوار، وأما ما كان نحو كراسي وبخاتي فغير مصروف؛ لأن الواحد بختي وكرسي. قَالَ سيبويه: فأما (عواري وحوالي)(٢) فغير مصروفات، لأن هذِه الياء كانت في الواحد نحو عادية وعارية وحولي (٣). (١) سلف (٣٦١) كتاب: الصلاة، باب: إذا كان الثوب ضيقًا. (٢) في (ص١) بعدها كلمة: (وجواري) اهـ وعبارة سيبويه في ((الكتاب)): عواري وعوادي وحوالي. (٣) ((الكتاب)) ٢٣٢/٣. ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٣٦- باب السُّرْعَةِ فِي السَّيْرِ قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ ﴾: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فليتعجل)). [انظر: ١٤٨١] ٢٩٩٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المَثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ هِشَامِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ رضي الله عنهما -كَانَ يَجْيَى يَقُولُ وَأَنَا أَسْمَعُ فَسَقَطَ عَنِّي - عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ وَّهَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، قَالَ: فَكَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. وَالنَّصُ: فَوْقَ العَنَقِ. [انظر: ١٦٦٦ - مسلم: ١٢٨٦ - فتح ٦ / ١٣٨]. ٣٠٠٠- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ - هُوَ ابن أَسْلَمَ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما بِطَرِيقٍ مَكَّةً، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدِ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ غُرُوبٍ الشَّفَقِ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: إِّ رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح ٦ /١٣٩]. ٣٠٠١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيِّ -مؤلَى أَبِي بَكْرِ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل ◌َ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ)). [انظر: ١٨٠٤ - مسلم: ١٩٢٧ - فتح ٦ / ١٣٩]. ثم ذكر أحاديث سلفت في الحج حديث أسامة: كان يسير العَنَقِ. وحديث ابن عمر في الجمع. وحديث أبي هريرة: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ .. )). وسلف أن مالكًا أنفرد بهذا، وقال: لو علمت أهل العراق يقولون ذلك ما ذكرته. : ١٤٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ والنهمة بفتح النون وكسرها، واقتصر ابن فارس في ضبطه كتابه على الفتح. وقال: هي الهمة بالشيء (١). والفجوة: المتسع بين شيئين. والعنق: أنبساط السير، والنص فوق ذَلِكَ، قَالَ أبو عبيد: النص التحريك حَتَّى يستخرج من الناقة أقصى سيرها، وأصله منتهى الأشياء وغايتها. والعنق: سير من سير الدواب طويل (٢). قَالَ المهلب: أما تعجيله إلى المدينة (فليرح)(٣) نفسه من عذاب السفر، وليفرح بنفسه أهله وجماعة المؤمنين بالمدينة، قَالَ: وأما تعجيل السير إذا وجد فجوة حين دفع من عرفة فليتعجل الوقوف بالمشعر الحرام، ويدعو الله تعالى في ذَلِكَ الوقت؛ لأن ساعات الدعاء في ذَلِكَ الوقت ضيقة ولا تدوم ونادرة، إنما هي من عام إلى عام. وأما تعجيل ابن عمر إلى زوجته إنما هو ليدرك من حياتها ما يمكِّنه أن تعهد إليه بما لا تعهد به إلى غيره، ولئلا يحرمها ما تريده من طاعة الله في عهدها، ومع ذَلِكَ فإنه كان يسرها بقدومه. وفيه: التواضع وترك التكبر (٤). (١) ((المجمل)) مادة (نهم) ٨٤٦/٣. (٢) ((غريب الحديث)) ٢/ ١٤٢ بمعناه. (٣) في ((شرح ابن بطال)) ١٥٦/٥: فليخرج. (٤) نقله عن ابن بطال من ((شرحه)) ١٥٦/٥. ١٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد ١٣٧- باب إِذَا حَمَلَ عَلَى فَرَسِ فَرَآهَا تُبَاعُ ٣٠٠٢- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ بَّةِ، فَقَالَ: (لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)). [انظر: ١٤٨٩- مسلم: ١٦٢١ - فتح ٦ /١٣٩]. ٣٠٠٣- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الَخْطَّابِ هِ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَىْ فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَابْتَاعَهُ - أَوْ فَأَضَاعَهُ- الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ، فَقَالَ: ((لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ بِدِرْهَم، فَإِنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)). [انظر: ١٤٩٠ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح ٦ / ١٣٩]. ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما عن والده في حَمْلِهِ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَقَالَ له العَيُْ: ((لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَّتِكَ)). وفي لفظ: ((ولو بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه)) وقد سلف. (وفيه: الحمل على الخيل في سبيل الله)(١). وفيه: أن من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل فيه بعد ذلك ما يفعل في سائر ماله، ألا ترى أنه پۇ لم ینکر على بائعه بيعه، وإنما أنكر على عمر شراءه. واختلف العلماء فيمن حمل على فرس في سبيل الله ولم يقل: هو حبس في سبيل الله، فروى مالك عن ابن عمر أنه كان إذا أعطى شيئًا في (١) من (ص١). ١٤٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ - سبيل الله يقول لصاحبه: إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به(١). قَالَ أحمد: إنما قاله؛ لأنه كان يذهب إلى أن المحمول عليه إنما يستحقه بعد الغزو(٢)، وكذلك قَالَ سعيد بن المسيب: إذا أعطي الرجل الشيء في الغزو فبلغ به رأس مغزاه فهو له(٣). وهو قول القاسم وسالم والثوري والليث، قَالَ الليث: إلا أن يكون حبسًا فلا يباع(٤). والعلماء متفقون في الحبس أنه لا يباع، غير الكوفيين الذين لا يجيزون الإحباس، وقال مالك: من أعطي فرسًا في سبيل الله فقيل (له)(٥): إنه لك في سبيل الله. فله أن يبيعه، وإن قيل: هو في سبيل الله ركبه ورده، ويكون موقوفًا عنده لحمل الغزاة عليه. وقال أبو حنيفة والشافعي: الفرس المحمول عليه في سبيل الله هو تمليك لمن يحمل عليه، وإن قيل له: إذا بلغت به رأس مغزاك فهو لك. كان تمليكًا على مخاطرة ولم يجز(٦)، وهي عندهم عطية غير بتلة؛ لأنها بشرط قد يقع وقد لا يقع، لجواز موته قبل بلوغه رأس مغزاته، ولم يملك منه شيئًا قبل ذَلِكَ، وأما إذا قَالَ: هو لك في سبيل الله، أو أحملك عليه في سبيل الله. فقد أعطاه (إياه)(٧) على شرط الغزو به، وهذا معنى قول ابن عمر وابن المسيب عند الكوفيين والشافعي، وسواء ذَلِكَ كله عند مالك؛ لأنه إذا قَالَ له: إذا بلغت به رأس مغزاك فهو (١) ((الموطأ)) ص٤٤٩. (٢) ((المغني)) ٤٣/١٣. (٣) ((التمهيد)) ٧٥/١٤، ((المغني)) ٤١/١٣ - ٤٢. (٤) انظر: ((المغني)) ٤٣/١٣. (٥) من (ص١). (٦) ((التمهيد)) ٢٥٨/٣، ٧٥/١٤ - ٧٦. (٧) في (ص١): له. ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لك. فمعناه عنده أن لك أن تتصرف فيه حينئذ بما يتصرف المالك، وقد صحَّ له ملكه عند أخذه بشرط الغزو عليه. واختلفوا في كراهية شراء صدقة الفرض والتطوع إذا أخرجها من يده، فقال مالك في ((الموطأ)) في رجل تصدق بصدقة فوجدها تباع عند غير الذي تصدق بها عليه: تركها أحب إليَّ (١). وكره الليث والشافعي، ذَلِكَ فإن اشتراها لم يفسخ البيع، وكذلك قالوا في شراء ما يخرجه الإنسان في كفارة اليمين، وإنما كرهوا شراءها لهذا الحديث، ولم يفسخوا البيع؛ لأنها راجعة إليه بغير ذَلِكَ المعنى. ويشهد لهذا حديث بريرة في اللحم الذي تصدق عليها به، وإجماعهم أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له(٢)، وقد سلف ذَلِكَ واضحًا في كتاب الزكاة، في باب: هل يشتري الرجل صدقته؟(٣) وأعدناه لبعده. (١) ((الموطأ)» ص ٢٨٢. (٢) نقله عن ((شرح ابن بطال)) ١٥٧/٥ - ١٥٨. (٣) سلف برقم (١٤٨٩). ١٤٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ١٣٨- باب الجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ ٣٠٠٤- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ - وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو رضي الله عنهما يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَي وَالِدَاكَ؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). [٥٩٧٢ - مسلم: ٢٥٤٩ - فتح ٦ / ١٤٠] حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ -وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ - قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول اللهِ وَهِّ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيٍّ وَالِدَالَكَ؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، ولابن حبان: وكان قد أسلم(١). وفيه: وأبيا أن يخرجا معه. ووجه مطابقة الحديث للباب مفهومة، وقد جاء: (إني تركت أبويّ يبكيان) قَالَ: ((ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما))(٢). وفي الباب: عن أبي سعيد الخدري، وفيه: ((فإن أستأذنا(٣) لك فجاهد وإلا فبرهما)) (٤) وعبد الرحمن بن جاهمة عن أبيه: جاء رجل (١) ابن حبان ١٦٦/٢ (٤٢٣) بلفظ: وقد أسلم. (٢) رواه أبو داود (٢٥٢٨). (٣) كذا في الأصل وفوقها (كذا). وفي المصادر: (فاستأذنهما فإن أَذِنَا) وهو وهَمٌ، لا يكون إلا مع سرعة الكتابة، أعني من النسخة المنقول عنها، فيكتب شطر الكلمة الأولى، ثم يكتب شطر اللاحقة المماثلة لها، وهذا يحصل في نسخ المخطوطات کثیرًا، وهنا بیانه فاستفده. (٤) رواه أبو داود (٢٥٣٠)، وأحمد ٧٥/٣، وصححه ابن حبان ١٦٥/٢ (٤٢٢)، وكذا الحاكم ١٠٣/٢ - ١٠٤. ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إلى رسول الله و سي# فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: ((هل لك من أم؟)) قَالَ: نعم. قَالَ: ((الزمها فإن الجنة تحت رجليها))(١)، ورشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس: جاءت أمرأة بابن لها إلى رسول الله وَ﴿ فقالت: يا رسول الله، هذا ابني يريد الجهاد وأنا أمنعه. فقال ◌َله: ((الزم أمك حَتَّى تأذن لك أو يأتيها الموت)»(٢). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فقال المهلب: هذا والله أعلم - في زمن استظهار المسلمين على عدوهم، وقيام من أنتدب إلى الغزو بهم مع أنه- والله أعلم- رأى به ضعفًا ولم يقدر نفاذه في الجهاد، فندبه إلى الجهاد في بر والدیه. قلتُ: رواية ابن أبي عاصم أن السائل كان أخلق الناس وأشده، وفي آخره: فجعلنا نعجب من خلقه يرد هذا، وقد روي عن عمر وعثمان أن من أراد الغزو فأمرته أمه بالجلوس أن يجلس. وقال الحسن البصري: إن أذنت له أمه في الجهاد وعلم أن هواها في أن يجلس فليجلس(٣). وممن (أراد)(٤) أن لا يخرج إلى الغزو إلا بإذن والديه: مالك(٥) والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد، وأكثر أهل العلم(٦)، هذا كله (١) رواه النسائي ١١/٦، وأحمد ٤٢٩/٣، وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (٢٤٨٥). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٤١١/١١. (٣) ((مصنف أبي شيبة)) ٥١٨/٦، ((النوادر والزيادات)) ٢٢/٥. (٤) كذا بالأصل، وعند ابن بطال (رأى)، أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٥٨/٥. (٥) ((النوادر والزيادات)) ٢٢/٥. (٦) ((المغني)) ٢٥/١٣- ٢٦. ١٥١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = في حال الاختيار ما لم تقع ضرورة وقوة العدو، فإذا كان ذَلِكَ تعين الفرض على الجميع وزال الاختيار ووجب الجهاد على الكل(١)، ولا حاجة إلى الإذن من والد وسيد. وقال ابن حزم في ((مراتب الإجماع)»: إن كان أبواه يضيعان بخروجه ففرضه ساقط عنه إجماعًا (٢)، وإلا فالجمهور يوقفه على الاستئذان، روي ذَلِكَ عن مالك(٣) والشافعي وأحمد(٤) وغيرهم، والأجداد كالآباء، والجدات كالأمهات. وممن صرح به ابن المنذر. وعند المنذري: هذا في التطوع، أما إذا وجب عليه فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه عصاهما، هذا إذا كانا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه، ولو نفلًا، وطاعتهما حينئذ معصية(٥). وعن الثوري: هما كالمسلمين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا كله بعد الفتح وسقوط (فرض)(٦) الهجرة والجهاد وظهور الدين، أو كان ذَلِكَ من الأعراب وغير من كانت تجب عليه الهجرة، فرجح برُّ الوالدين على الجهاد. فرع : يندرج في هذا المديان، قَالَ الشافعي فيما ذكره ابن المناصف: ليس له أن يغزو إلا بإذنه سواء كان مسلمًا أو غيره(٧). (١) هنا انتهى نقل المصنف من المهلب من ((شرح ابن بطال)) ١٥٩/٥. (٢) ((مراتب الإجماع)) ص ٢٠١. (٣) ((النوادر والزيادات)) ٢٣/٥. (٥) ((مختصر سنن أبي داود)) ٣٧٨/٣. (٤) ((المغني)) ٢٦/١٣. (٦) من (ص١). (٧) ((روضة الطالبين)) ٢١٠/١٠ - ٢١١. ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفرق مالك(١) بين أن يجد قضاء وبين ألا يجد، فإن كان غريمًا فلا يرى بجهاده بأسًا وإن لم يستأذن غريمه، فإن كان مليًّا وأوصى (بدينه)(٢) إذا حل أعطي دينه فلا يستأذنه. وقال الأوزاعي: لا يتوقف على الإذن مطلقًا(٣). (١) ((النوادر والزيادات)) ٢٣/٥. (٢) في (ص١): مدينة. (٣) ((المغني)) ٢٧/١٣. ١٥٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسَِّرِ = ١٣٩- باب مَا قِيلَ في الجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الإِبِلِ ٣٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، أَنَّ أَبَا بَشِيرِ الأَنَّصَارِيَّ ◌َلُّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ێ في بَعْضٍ أَسْفَارِهِ قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَه رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرِ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّ قُطِعَتْ. [مسلم: ٢١١٥- فتح ٦ /١٤١] حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، أَنَّ أَبَا بَشِيرِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ يَّرِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ قَالَ عَبْدُ اللهِ: أحسب أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ. الشرح : هُذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود(١)، ورواه النسائي، عن قتيبة، عن مالك بإسناده: أن رجلًا من الأنصار أخبره(٢)، ولم يقل: عن أبي بشير. وأبو بشير بفتح الباء الموحدة، واسمه: قيس الأكبر بن عبيد المازني، وليس له في الصحيحين سوى هذا الحديث، وفي ((الكمال)) لعبد الغني وتبعه ((التهذيب))، أن له ثلاثة أحاديث. أحدها: هذا، ثانيها: النهي عن الصلاة بعد طلوع الشمس. ثالثها: أنه بَّر حرم ما بين لابتيها، ومنهم من جعلها لثلاثة رجال، والصحيح أنه واحد. (١) مسلم (٢١١٥) كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهية الكلب والجرس في السفر، وأبو داود (٢٥٥٢). (٢) في ((الكبرى)) ٢٥١/٥ (٨٨٠٨). ١٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قالا: وليس في الصحابة أبو بشير غيره(١)، وليس كما ذكرا، كما أوضحته في كنى الكتب الستة من كتابي. فإن قلتَ: لا ذكر للجرس في الحديث، فكيف بوب له؟ قلتُ: تمحل له بعضهم بقول الخطابي: أمر بقطع القلائد؛ لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس(٢). وليس بجيد، ففي ((الموطآت)) للدار قطني من رواية عمر بن عثمان، عن مالك به، وفيه: ولا جرس في عنق بعير إلا قطع. ومن عادته الإحالة على أطراف الحديث في التبويب. قَالَ أبو عمر: وفي رواية روح بن عبادة، عن مالك: فأرسل رسول الله زيدًا مولاه. قَالَ: وهو عندي زيد بن حارثة(٣)، ولأبي داود: عن أبي وهب الجيشاني مرفوعًا: ((اربطوا (٤) الخيل وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار))(٥). قَالَ مالك في ((الموطأ)) إثر حديث الباب: أرى ذَلِكَ من العين(٦)، ففسر المعنى الذي من أجله أمر الشارع بقطع القلائد، وذلك أن الذي قلدها إذا أعتقد أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر، ولا يجوز اعتقاد هذا، ولهذا روي أن الرفقة التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة(٧)، وقال ابن حبان في ((صحيحه)): المراد: رفقة فيها رسول الله وَ له لأجل الوحي(٨). فأغرب. (١) ((تهذيب الكمال)) ٨٠٧٩/٣٣ (٧٢٢٧). (٢) ((أعلام الحديث)) ١٤٤٥/٢. (٣) ((التمهيد)) ١٦٠/١٧. (٥) أبو داود (٢٥٥٣). (٤) رواية أبي داود: (ارتبطوا). (٦) ((الموطأ)» ص٥٨٢. (٧) مسلم (٢١١٣) كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة الكلب والجرس في السفر. (٨) ابن حبان ١٠/ ٥٥٣. ١٥٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ولا بأس بتعليق التمائم والخرز الذي فيها الدعاء والرقى بالقرآن عند جمیع العلماء(١)؛ لأن ذَلِكَ من التعوذ بأسمائه، وقد سُئل عیسی بن دينار عن قلادة ملونة فيها خرز يعلقها الرجل على فرسه للجمال فقال: لا بأس بذلك إذا لم تجعل للعين (٢). قَالَ أبو عبد الملك: وقول غيره أحسن. قَالَ المهلب: وإنما تجعل القلائد من وتر لقوتها وبقائها فخصها ◌َّة، ثم عم سائر القلائد بقوله: ((ولا قلادة إلا قطعت)) فأطلق النهي على (جميع)(٣) ما تقلد به الدواب، وقد سُئل مالك عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهته إلا في الوتر. يعني : أوتار القسي. قَالَ أبو عبيد: وإنما نهى عن التقليد بالأوتار؛ لأن الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلق ذَلِكَ بشجرة فتختنق فتموت، أو تمتنع من السير كما جرى لناقة رسول الله ێ( حین احتبست، وقد روي عن رسول الله وَ﴾: ((قلدوها الحبل ولا تقلدوها الأوتار)) وفسره وكيع فقال: هذا ليس من قلائد الإبل المذكورة، ومعناه: لا تركبوها في (١) بل فيها خلاف قديم، فأجاز ذلك عائشة وأبو جعفر محمد بن علي وغيرهما من السلف؛ ومنعه عبد الله بن عكيم، وابن عمر وابن العاص، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن مسعود وأصحابه كالأسود وعلقمة، ومن بعدهم كإبراهيم النخعي القائل: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن. انظر نحو هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ٣٤/٥ (٢٣٤٤٦ - ٢٣٤٦٦). وانظر ((فتح المجيد)) ص ١٠٠، ((معارج القبول)) ٥١٠/٢. قال الشيخ الحكمي: ولاشك أن منع ذلك سد لذريعة الاعتقاد المحظورة لاسيما في زماننا هذا فإنه إذا كرهه أكثر الصحابة والتابعين في تلك العصور الشريفة المقدسة والإيمان في قلوبهم أكبر من الجبال؛ فلأن يكره في وقتنا هذا وقت الفتن والمحن أولى وأجدر بذلك. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ٢٥٥/٧. (٣) من (ص١). ١٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الفتن خشية أن يتعلق على راكبها وتر يطالب به(١). وفي هذا حديث رويفع عند أبي داود: ((يا رويفع أبلغ الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترًا فإن محمدًا بريء منه))(٢) ولابن حبان من حديث أنس: أمر بقطع الأجراس(٣). وفي حديث عائشة تقطع من أعناق الإبل يوم بدر (٤). قَالَ ابن عبد البر: لا بأس أن تقلد الخيل قلائد الصوف الملون إذا لم يكن ذَلِكَ خوف نزول العين(٥). وقد سلف ذَلِكَ، قَالَ ابن الجوزي: ربما صحف من لا علم له بالحديث، فقَالَ: ومن وبر بباءٍ موحدة، وإنما هي مثناة فوق، وإنما المراد بها: أوتار القسي كانوا يقلدونها لئلا تصيبها العين، فأمر بالقطع؛ لأنها لا ترد القدر كما سلف، وقيل: نهي عن ذَلِكَ لئلا تختنق عند شدة الركض، وهو قول محمد بن الحسن الشيباني، وقال النضر فيه كما قال وكيع في الفرس، أي: لا تطلبوا الوتر(٦)، وهو بعيد لفظًا ومعنى. وقد اختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان -والإنسان- ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة، وأجازه عند الحاجة تمسكًا بحديث أبي داود عن عقبة بن عامر مرفوعًا: ((من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له))(٧)، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها (٨). (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٦٠/٥. (٢) أبو داود (٣٦)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٦) على شرط مسلم. (٣) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ٥٥٤ (٤٧٠١). (٤) السابق ١٠/ ٥٥٢ (٤٦٩٩). (٥) («التمهيد)» ١٦٥/١٧. (٦) السابق ١٧/ ١٦٣. (٧) لم أجده في المطبوع من ((سنن أبي داود)) وأخرجه أحمد ١٥٤/٤. (٨) أنظر حكاية الخلاف في ((إكمال المعلم)) ٦/ ٦٤٢. ١٥٧ = ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ والنهي عن الجرس بفتح الراء عند الأكثرين، وحكى عياض عن أبي بحر سكونها، وهو اسم للصوت وأصله: الصوت الخفي(١)؛ لأن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس، هذا قول الأكثرين، قالوا: لأنه شبيه بالناقوس؛ أو لأنه من التعاليق المنهي عنها، وقيل: كره لتصوته، وهو كراهة تنزيه، وكره بعضهم الجرس الكبير دون الصغير. ومن الغريب ما حكاه ابن التين أن المراد بالوتر: أوتار الذحول. يعني: لا يسفك عليها الدماء ولا يغار عليها على الأموال. يريد: لا يطلبون به الوتر الذي وتروا به في الجاهلية. قَالَ: وقيل: إنما نهي عنها من قبل التمائم، وهو كل ما علق خيفة أن ينزل به. وقال الداودي : الأوبار ما ينزع عن الجمال شبه الصوف؛ فصحف في الوتر. قلتُ: هُذا تصحيف كما سلف. قَالَ: وقيل: لأن صاحبها يظن أن التمائم تمنع من الأخذ بالعين وترد القدر، ولا بأس بتعليقها إذا كان فيها خرز، وإن كان ذَلِكَ للعين وغير ذَلِكَ إذا كان في الخرز الدعاء؛ لأنه من التعوذ بأسمائه، وقد سلف. قَالَ ابن التين: وكره مالك تعليق الأجراس على أعناق الإبل والحمير، وأجاز القلادة، وكره الوتر(٢). قَالَ القاضي في جامع ((معونته)): ووجه ذَلِكَ ما روي أن رفقة أقبلت من مصر وفيها جرس، فأمر ◌َّلل بقطعه وقال: ((إن الملائكة لا يصحبون قافلة فيها جرس))(٣). (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٦٤١. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ٢٥٥/٧. (٣) ((المعونة)) ٢/ ٦٠١، والحديث رواه مسلم (٢١١٣) كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة الكلب والجرس في السفر. ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٤٠- باب مَنِ اكْتُتِبَ في جَيْشِ فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ حَاجَّةً، أَوَ كَانَ لَهُ عُذْرً، هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ؟ ٣٠٠٦- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍوٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ أَمْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَم)). فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ أَمْرَأَتِي حَاجَّةَ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)). [انظر: ١٨٦٢- مسلم: ١٣٤١ - فتح ٦ / ١٤٢]. ذكر فيه حديث أبي معبد، عن ابن عباس السالف في باب: حج النساء. واسم أبي معبد: نافذ مولى ابن عباس، روى له الجماعة، مات بالمدينة سنة أربع ومائة. ونقل ابن بطال هناك (١) أتفاق الفقهاء على أنه ليس للرجل منع زوجته من حج الفرض، كما لا يمنعها من صلاة ولا صيام. وناقشناه فيه، فإن الأظهر من قول الشافعي أن له المنع، ولا شك أنه إذا قام بثغور المسلمين من فيه الكفاية بدفع العدو فلا بأس أن يأذن الإمام لمن له عذر في الرجوع؛ ولهذا المعنى أذن وَّ و للرجل أن يرجع ويحج أمرأتَهُ، فإن كان للعدو ظهور وقوة وتعين فرض الجهاد على كل أحد فلا يأذن له الإمام في الرجوع. قَالَ المهلب: والجهاد أفضل لمن قد حج عن نفسه من الحج، لكن لما أستضاف إلى الحج النافلة ستر عورة وقطع ذريعة كان آكد وأفضل من (١) ((شرح ابن بطال)) ١٦١/٥. ١٥٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = الجهاد في وقت قد أستظهر المسلمون فيه على عدوهم. وقوله: ( (فحج مع امرأتك)) ) محمول عند العلماء على معنى الندب للزوج أن يحج مع أمرأته لا أنه يلزمه ذَلِكَ فرضًا، كما لا يلزمه مؤنة حملها في الحج، فلذلك لا يلزمه أن يحملها إليه بنفسه. ١٦٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٤١- باب الجَاسُوسِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١] التَّجَسُّسُ: التَّبَحُثُ. ٣٠٠٧- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ - سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَتَيْنِ - قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا عَهُ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمُقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِّ قَالَ: (انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخِ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا)). فَانْطَلَقْنَا تَعَادِى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَنْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الِكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ◌َّهِ، فَإِذَا فِیهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضٍ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ يَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ (يَا حَاطِبُ، مَا هذا؟)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ آمْرَأَ مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحِمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرَا وَلَا أَزْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((لَقَدْ صَدَقَكُمْ)). قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَغْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ. قَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ أَطَلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)). قَالَ سُفْيَانُ: وَأَيُّ إِسْنَادٍ هذا! ذكر فيه حديث حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وهو ابن الحنفية - قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِع قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا فذكر حديث روضة خاخ بطوله، وفي آخره: ((وَّمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ أَطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)). قَالَ سُفْيَانُ: وَأَيُّ إِسْنَادٍ هُذا!