النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ - قَالَ: واختلف فيمن حرق رجلًا بالنار هل يحرق بها؟ قَالَ الداودي: أمره بالإحراق كان فيما يجوز له، غير أنه رجع إلى الأفضل. تنبيه: قوله لابن عمرو: ((إني لا أقول في الغضب والرضى إلا حقًّا))(١) وإلى ذَلِكَ ذهب علي كما سلف قَالَ: وقيل: يكره لهذا قتل القملة والبرغوث بالنار. وقال الحازمي: ذهبت طائفة إلى منع الإحراق في الحدود وقالوا: يقتل بالسيف. وإليه ذهب أهل الكوفة والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، ومن الحجازيين عطاء، وذهبت طائفة في حق المرتد إلى مذهب علي، وقالت طائفة: من حرق يحرق، وبه قَالَ مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق(٢). واختلف العلماء في استتابة المرتدين، فروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود: نعم، فإن لم يتب قتل، وعليه الجمهور، وقالت طائفة: لا يستتاب ويجب قتله حين يرتد، منهم: عبيد بن عمير والحسن وطاوس وأبو يوسف وأهل الظاهر. وقال عطاء: إن كان أصله مسلمًا فإنه لا يستتاب، وإن كان مشركًا فأسلم ثم أرتد فإنه يستتاب. وعن علي: لا تستتاب المرتدة وتسترق. وقال به عطاء، وقال ابن عباس: لا تقتل ولكن تحبس وتجبر، والجمهور على أنه لا فرق بين الرجال والنساء في الاستتابة، فإن لم تتب، فقالت طائفة منهم الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تقتل، وقالت طائفة: تحبس ولا تقتل، وهو قول الثوري وغيره من الکوفیین. (١) رواه أبو داود (٣٦٤٦)، وأحمد ١٦٢/٢، والحاكم ١٠٥/١- ١٠٦ بلفظ ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق)). (٢) ((الاعتبار)) ص ١٥٠ - ١٥١. ٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واختلف القائلون بالاستتابة، فقيل: يستتاب ثلاثة أيام، وهو قول للشافعي والآخر في الحال، فإن تاب وإلا قتل؛ وهو الأصح، وقال الزهري: يستتاب ثلاث مرات. وعن علي: يستتاب شهرًا. وقال النخعي والثوري: يستتاب أبدًا(١). وقيل: يستتاب ثلاث مرات أو ثلاث جمع أو ثلاثة أيام، مرة في كل يوم أو جمعة، حكي هذا عن أبي حنيفة، وسيأتي إيضاحه في الحدود. - (١) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) لابن المنذر ١٥٦/٣ - ١٥٧. وانظر أيضًا ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠١/٣. ٦٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٠٨- باب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ ما لم يأمر بمعصية 13 ٢٩٥٥- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّ. وَحَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ، مَا لَّمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ)). [٧١٤٤ - مسلم: ١٨٣٩- فتح ٦ /١١٥] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بمعصية، فَإِذَا أَمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، ويأتي من حديث علي بلفظ: ((لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)) وهو في مسلم أيضًا(١). وفي الباب عن عمران بن حصين أخرجه النسائي (٢) والحكم بن عمرو أخرجه الطبراني(٣)، وابن مسعود وغيرهم. وذكر ابن إسحاق وغيره: أنه وَ ﴿ بعث علقمة بن مُجَزِّز المدلجي في ثلاث مائة إلى الحبشة فأمَّر عليهم عبد الله بن حذافة على بعض الجيش، فأجج نارًا وأرادهم على الوثوب فيها، فلما بلغ ذَلِكَ رسول الله قَالَ: ((من أمركم بمعصية فلا سمع ولا تطيعوه)) (٤). (١) سيأتي برقم (٧٢٥٧) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد .. ومسلم (١٨٤٠) كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء. (٢) لم أجده عند النسائي، وإنما رواه أحمد ٤٢٦/٤. الطبراني ٢٠٨/٣ - ٢٠٩ (٣١٥٠). (٤) ((سيرة ابن هشام)) ٣١٧/٤ ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٨٦٣)، وأحمد ٦٧/٣. (٣) ٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قَالَ الحاكم: كانت في صفر بعد فتح مكة. وروى الزبير في ((فكاهته)) من حديث أبي سعيد: أمَّر النبي ◌َّ عبد الله بن حذافة البدري على سرية وأنا معه فأجج نارًا. الحديث. أما حكم الباب: فالإجماع قائم على وجوب طاعة الإمام في غير معصية وتحريمها في معصية، وبه نطقت أحاديث الباب. وفيه: دليل أن يمين المكره غير لازمة خلافًا لأبي حنيفة، وقد اختلف الناس فيما يأمر به الولاة من العقوبات هل يسع المأمور فعل ذَلِكَ من غير تثبيت أو علم يكون عنده بوجوبها عليه؟ فقال مالك في كتاب الرجم من ((المدونة)): إذا كان الإمام عدلًا مثل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز لم تسع مخالفته، وإن كان غير عدل وثبت الفعل أيضًا جاز له ذَلِكَ(١). وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: ما أمر به الولاة من ذَلِكَ غيرهم يسعهم فعله فيما كان ولا يتهم إليه، وقال محمد: لا يسع المأمور أن يفعله حَتَّى يكون الآمر عدلًا، وحتى يشهد بذلك عنده عدل سواه، إلا في الزنا فلا يفعله حَتَّى يشهد معه ثلاثة سواه. وروي نحو الأول عن الشعبي. وروي أن عمر بن هبيرة أرسل -وهو على العراق- إلى فقهاء الكوفة والبصرة، وكان ممن أتاه من البصرة الحسن، ومن الكوفة الشعبي، فدخلا عليه فقال لهم: أمير المؤمنين يزيد يكتب إليَّ في أمور أعمل بها، فما تريان؟ فقال الشعبي: أصلح الله الأمير، أنت مأمور، والتبعة على أمرك. فأقبل على الحسن فقال: ما تقول؟ فقال: قد قَالَ هذا. قَالَ: قل. قَالَ: أتق الله يا عمر، فكأنك بملك أتاك (١) ((المدونة)) ٤٠١/٤. ٦٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ فاستنزلك عن سريرك هذا فأخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، إن الله ينجيك من يزيد، وإن يزيد لا ينجيك من الله، فإياك أن تعرض لله بالمعاصي فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم قَالَ الآذن: أيها الشيخ ما حملك على ما استقبلت به الأمير؟ قَالَ: حملني عليه ما أخذ الله على العلماء ثم تلى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ. لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قَالَ: فخرج عطاياهم وفضل الحسن(١). وروي عن الصديق ما يؤيد مذهب محمد بن الحسن السالف، قَالَ أبو برزة: مررت عليه وهو يتغيظ على رجل من أصحابه فقلت: يا خليفة رسول الله، من هذا الذي تتغيظ عليه؟ قَالَ: ولم تسأل عنه؟ قَالَ: قلتُ: لأضرب عنقه. قَالَ: والله (لأذهب)(٢) غيظه ما قلتُ، ثم قَالَ: ما كانت لأحد بعد محمد. قلتُ: قد قيل فيه: إن الرجل سبه. وفي رواية أخرى: أنه قَالَ لأبي برزة: لو قلتُ لك ذَلِكَ أكنت تفعله؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ما كان ذَلِكَ لأحد بعد رسول الله وَلَ(٣)، يريد: أن أحدًا لا يلزم قوله ولا تجب طاعته في قتل مسلم إلا بعد أن يعلم أنه حق إلا الشارع، فإنه لا يأمر إلا بالحق، وقد يتأول: لا يجب قتل إلا في سبه بََّ، ذكره كله ابن التين قَالَ: فإن أكره على قتل ظلم ففعل، فإن كان المأمور يمكنه مخالفة الآمر قتل المأمور وحده، وإلا كالسلطان قتلا جميعًا. (١) رواه أبو نعيم في (الحلية)) ١٤٩/٢ - ١٥٠، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤٥/ ٣٧٦. (٢) في الأصل: (إلا إذ) وصوَّب ما أثبتناه في الهامش. (٣) رواه بو داود (٤٣٦٣)، والنسائي ١٠٩/٧ - ١١٠، وأحمد ١/ ١٠، وأبو يعلى في ((المسند)) ٨٢/١ (٧٩). ٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وعندنا: يجب القصاص أيضًا عليهما. قَالَ: وكذلك السيد مع عبده وقيل: إن كان (العبد)(١) أعجميًا قتل السيد وحده، ومن أكره على القول (جاز له؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] الآية، وكذلك إذا أكره على القول)(٢) في امرئ ما ليس فيه ساغ له أيضًا؛ لأن آل المغيرة أكرهوا عمارًا على سبه وَّر، فقال له: ((إن أستزادوك فزد)) ونزلت الآية(٣). احتج بهذا الحديث الخوارج فرأوا الخروج على أئمة الجور والقيام عليهم عند ظهور جورهم، والذي عليه جمهور الأئمة المنع (إلا بكفرهم) (٤) بعد إيمانهم أو تركهم إقامة الصلوات، وأما دون ذَلِكَ من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم؛ لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء، وفي القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة، وكذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم لحديث الباب، وستكون لنا عودة إلى هذا المعنى في الأحكام والفتن إن شاء الله تعالى. (١) في (ص١): السيد. (٢) من (ص١). (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٧/ ٦٥١ (٢١٩٤٦) بلفظ: ((فإن عادوا فعُدْ)). (٤) في الأصل: (إن لا بكفرهم) وصوبها في الهامش وعنه أثبتناه. ٦٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ١٠٩- باب الإمام يُقَاتِلُ مِنْ وَرَاءَ وَيُتَّقَى بِهِ (١) ٢٩٥٦- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَغْرَجَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ لَ﴾ُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ)). [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح ١١٦/٦] ٢٩٥٧ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوِىُ اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ)). [٧١٣٧ - مسلم: ١٨٣٥، ١٨٤١ - فتح ٦ /١١٦] ذكر فيه حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلِّ يَقُولُ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ)). وبه : ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوىُ اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ)). الشرح : معنى قوله: ( ((فإن عليه منه)) ) أي: من الوزر، وقد جاء في بعض طرقه: ((فإن علیه منه وزرًا)). ووجه مطابقة الترجمة لقوله: ( ((نحن الآخرون السابقون)) ) أن معنى: ( (يقاتل من ورائه))) أي: من أمامه، كما قَالَ تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم، فأطلق الوراء على الأمام؛ لأنهم وإن تقدموه في الصورة فهم أتباعه في الحقيقة، والنبي بَّ تقدم (١) كذا بالأصل وفي هامشها: كذا التبويب: باب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الإمَامِ ويُتَّقَىْ بِهِ. : ٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عليه غيره بصورة الزمان، لكن المتقدم عليه مأخوذ عليه العهد أن يؤمن به وينصره كآحاد أمته وأتباعه، فهم في الصورة أمامه وفي الحقيقة أتباعه وخلفه، قاله ابن المنير (١). وهو معنى مناسب، ولكن البخاري مراده بهذا أن يأتي بصيغة روايته لشيخه الأعرج، فإن أول حديث فيها: ((نحن الآخرون)) فلذلك أتى به فاعلمه، وقد نبه عليه الداودي أيضًا. قَالَ الخطابي: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يُطيعون غير رؤساء قبائلهم فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة، وإنما قَالَ لهم ◌َّ هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء مربوطة بطاعته، وأن من عصاهم عصى أمره؛ ليطاوعوا الأمراء الذين كان يوليهم عليهم، وإذا كان إنما وجبت طاعتهم لطاعة رسول الله، فخليق ألا يكون طاعة من كان مخالفًا لرسول الله فيما يأمره واجبة(٢)، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره الشارع بتولية الإمام به - كما نبه عليه القرطبي - بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين، ويلزم منه نقيض ذَلِكَ في المخالفة والمعصية(٣). وقوله: ( ((إنما الإمام جنة)) ) بضم الجيم: الدرع، وسمي المجن: مجنًا؛ لأنه يستتر به عند القتال، فالإمام كالساتر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض. ومعنى: ( ((يقاتل من ورائه)) ) أي: يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد، فإن لم يقاتل من ورائه وأتي عليه مرج أمر الناس، وأكل (١) ((المتواري)) ص ١٥٩. (٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٢٠ - ١٤٢١. (٣) ((المفهم)) ٤ / ٣٦. ٦٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ القوي الضعيف، وضيعت الحدود والفروض، وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين. والياء في قوله: ( ((يتقي به))) مبدلة من الواو؛ لأن أصلها من الوقاية ومعنى: ((يتقي به)): يدفع به الظلم. وفيه: الدليل أن ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف بأن من أطاعهم في أمر ثم تبين له خطؤهم في ما أمروه من ذَلِكَ أنه معذور، وأن التبعة على الآمر، وهو شبيه بما قاله الشعبي، كما سلف. قَالَ الخطابي: ويحتمل أن يكون أراد به جُنَّة في القتال وفيما يكون منه في أمره دون غيره(١). وقال الهروي: معنى: ((الإمام جُنة)) أنه يقي الإمام الزلل والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح. وقال المهلب: معنى: ((يتقي به)) يرجع إليه في الرأي والفعل وغير ذَلِكَ مما لا يجب أن يقضى فيه إلا برأي الإمام وحكمه، ويتقي به الخطأ في الدين والعمل من الشبهات وغيرها، والإمام جنة بين الناس بعضهم من بعض؛ لأن بالسلطان يزع الله تعالى عن المستضعفين من الناس، فهو ستر لهم وحرز للأموال وسائر حرمات المؤمنين أن تنتهك. وقال غيره: تأويل: ((يقاتل من ورائه)) عند العلماء على الخصوص وهو في الإمام العدل خاصة، فمن خرج عليه وجب على جميع المسلمين قتاله مع الإمام العدل نصرة له، إلا أن يرى الإمام أن يفعل ما فعل عثمان؛ فطاعة الإمام واجبة، إلا أن الخارجين عليه إن قتلوه في غير قتال اجتمعت فيه الفئتان للقتال، أو قتلوا غيره فإن القصاص يلزمهم، بخلاف قتلهم لأحد في حال الملاقاة للفئتين، ولذلك (١) ((أعلام الحديث)) ١٤٢١/٢. : ٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - استجاز المسلمون طلب دم عثمان إذ لم يكن قتله عن ملاقاة، وإن كان الإمام غير عدل فالواجب عند العلماء من أهل السنة ترك الخروج عليه، وأن يقيموا معه الحدود والصلوات والحج والجهاد وتؤدى إليه الزكوات فمن قام عليه من الناس متأولًا بمذهب خالف فيه السنة أو بجور أو لاختيار إمام غيره سمي فاسقًا ظالمًا عاصيًا في خروجه؛ لتفريقه جماعة المسلمين، ولما يكون في ذَلِكَ من سفك الدماء فإن قاتلهم الإمام الجائر لم يقاتلوا معه ولم يجز أن يسفكوا دماءهم في نصره. وقد رأى كثير من الصحابة ترك القتال مع علي، ومكانه من الدين والعلم ما لا يخفى على أحد له مسكة فهم، وسموه قتال فتنة، وادعى كل واحد على صاحبه أنه الفئة الباغية، وهذا الشأن العصبية عند أهل العلم، ولم ير علي على من فر من القتال ذنبًا يوجب سخطه حاله، وإن كان قد دعا بعضهم إلى القتال فأبوا أن يجيبوه، فعذرهم، وكذلك يجب على الإمام المفلح الذي يأخذ الأمر عن شورى ألا يعتب من بعد عنه، وسيأتي إيضاح كشف القتال في الفتنة في موضعه في كتاب الفتنة إن شاء الله تعالى. قَالَ الداودي: إنما يقاتل من ورائه من أراد بظلم إن كان عدلًا فأراد طائفة خلعه قوتل من ورائه كما قوتل الخوارج مع علي؛ لقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ولما أراد علي الخوارج يوم الجمل قال له أصحاب عبد الله: نحن معتزلون فإن تبين لنا ظلم أحد قاتلناه. قَالَ علي: هذا هو الفقه. وإن كان ظالمًا غشومًا وأراده بعض أهل الإسلام، فإن كان يقدر على خلعه بغير حدث ولا أمر يدخل فيه ظلم خلع، وإن لم يوصل إلى ذَلِكَ إلا بما فيه ظلم كف عنه ولم يستعمل الدعاء عليه، والله سائله وسائل أعوانه وأنصاره. ٧١ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وقوله: ( (وإن قَالَ بغيره)) ) (قَالَ) هنا بمعنى: حكم. نبه عليه الخطابي(١)، يقال: قَالَ الرجل واقتال إذا حكم، وقيل: إنه مشتق من اسم القيل، وهو الملك الذي يقدم قوله وحكمه دون الملك العظيم. وقال ابن فارس: اقتال فلان على فلان تحكم(٢). وفي حديث ذكر فيه رقية النملة: العروس تحتفل وتقتال وتكتحل، تقتال: أي تحتكم على زوجها، ذكره الهروي(٣). (١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٢١. (٢) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٧٣٩. (٣) كما في ((النهاية في غريب الحديث)) ٤/ ١٢٣. ٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١١٠- باب البَيْعَةِ فِي الحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى المَوْتِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. ٢٩٥٨- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: قَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: رَجَغْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَمَا أَجْتَمَعَ مِنَّا أَثْنَانٍ عَلَى الشَّجَرَةِ التِي بَايَغْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ. فَسَأَلْتُ نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ؟ عَلَى الَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ. [فتح ٦ / ١١٧] ٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ نَخْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: لَمَا كَانَ زَمَنَ الَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابن حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هذا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَالر. [٤١٦٧ - مسلم: ١٨٦١ - فتح ٦ / ١١٧] ٢٩٦٠- حَدَّثَنَا الَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﴾ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: ((يَا ابن الأَْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟)). قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((وَأَيْضًا)). فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الموتِ. [٤١٦٩، ٧٢٠٦، ٧٢٠٨ - مسلم: ١٨٦٠ - فتح ٦ /١١٧] ٢٩٦١ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا هُ يَقُولُ كَانَتِ الأَنَّصَارُ يَوْمَ الَخَنْدَقِ تَقُولُ: عَلَى الجهَادِ مَا حَبِينَا أَبَدَا نَحْنُ الذينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا فَأَجَابَهُمُ الشَّبِيُّ ◌َّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةُ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ [انظر: ٢٨٣٤ - مسلم: ١٨٠٥ - فتح ٦ / ١١٧] : ٧٣ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ أَبِ عُثْمَانَ، عَنْ تُجَاشِع ◌َُّ قَالَ: أَتَّيْتُ النَّبِيَّ وََّ أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَابِغْنَا عَلَىّ الهِجْرَةِ. فَقَالَ: ((مَضَتِ الهِجْرَةُ لأَهْلِهَا)). فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: ((عَلَى الإِسْلامِ وَالْجِهَادِ)). [٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧ - فتح ٦ /١١٧]، [٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨ - مسلم: ١٨٦٣- فتح ٦ / ١١٧] ذكر فيه خمسة أحاديث: أحدها: حديث جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِع، عن ابن عُمَرَ: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَمَا أَجْتَمَعَ مِنَّا أَثْنَانِ عَلَى الشَّجِّرَةِ التِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ. فَسَأَلْتُ نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ؟ عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ. ثانيها: حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابن حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَىْ هُذا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِيهِ. ثالثها: حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيِّ نَّهِ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: (يَا ابن الأَْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟)). قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((وَأَيْضًا)). فَبَايَغْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ. وهذا أحد ثلاثياته. رابعها: حديث أنس كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ يقولون: نَحْنُ الذينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الجَهَادِ مَا حَبِينَا أَبَدَا وأَجَابَهُمُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ ٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد سلف في حفر الخندق(١). خامسها: حديث مُجَاشِع بن مسعود: لما أَتَيْتُ النَّبِيِّ وَ أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَاِعْنَا عَلَى الهِجْرَةِ. فَقَالَ: ((مَضَتِ الهِجْرَةُ لأَهْلِهَا)). فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: ((عَلَى الإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ)) الشرح : ذكر البخاري وغيره أن المبايعة كانت في الحديبية على الموت. قَالَ الإسماعيلي: هذا من قول نافع في البيعة ليس بمسند، ووجه مطابقة الآية الكريمة للترجمة قوله في أثنائها: ﴿فَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ مبنيًّا على قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] والسكينة: الثبوت والطمأنينة فى موقف الحرب، دل ذَلِكَ على أنهم أضمروا في قلوبهم الثبوت وأن لا يفروا وفاءً بالعهد، كما نبه عليه ابن المنير(٢). وكأن البخاري لما ذكر في الترجمة عن بعضهم المبايعة على الموت، استدل على ذَلِكَ بالآية التي فيها المبايعة تحت الشجرة، وكانت المبايعة بالحديبية تحت الشجرة على الموت كما سلف، وأورد الأحاديث في الباب التي تدل على ذَلِكَ وعلى الصبر، والصبر يجمع المعاني كلها، وبيعة الشجرة إنما هي على الأخذ بالشدة وألا يفروا أصلًا ولابد من الصبر إما إلى فتح، وإما إلى موت، ومن بايع على الصبر وعلى عدم الفرار فقد بايع على الموت. قَالَ المهلب: هُذِه الأحاديث مختلفة الألفاظ، منهم من يقول: على الموت، وعلى ألا يفر، وعلى الصبر، وهو أولى الألفاظ بالمعنى؛ لأن بيعة الإسلام هي على الجهاد وقتال المثلين، فإن كان المشركون أكثر من (١) سلف برقم (٢٨٣٥). (٢) ((المتواري)) ص ١٦١. ٧٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = المسلمين كان المسلم في سعة من أن يفر وفي سعة من أن يأخذ بالشدة ويصبر، وهذا كله بعد أن نسخ قتال العشرة أمثال، وأما قبل نسخها فكان يلزم قتال العشرة أمثال وألا يفر إلا من أكثر منها، وبيعة الشجرة إنما هي (على)(١) الأخذ بالشدة كما سلف، فمن قَالَ: بايعنا على الموت. أراد: أو يفتح لنا، ومن قَال: ألا نفر فهو نفس القصة التي وقعت عليها المبايعة، وهو معنى الصبر. وقول نافع: على الصبر؛ كراهية لقول من قَالَ بأحد الطرفين: الموت أو الفتح، فجمع نافع المعنيين في كلمة الصبر. وقال المحب الطبري في أوائل ((أحكامه)): حديث مسلم من طريق معقل بن يسار: لم نبايعه على الموت وإنما بايعناه على أن لا نفر(٢) وحديثه أيضًا من طريق سلمة: بايعناه على الموت. الجمع بينهما أن معنى الأول: أن لا نفر أيضًا، وإن أدى إلى الموت؛ لأن الموت نفسه لا تكون المبايعة عليه. وقوله: (فما اجتمع منا أثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة) يعني: خشية أن تعبد أو تصير كالقبلة والمسجد لمن لا تمكن في الإسلام من قلبه بجهل وشبهة، وفي بعض الروايات: خفي عليهم مكانها في العام المقبل. فائدة: بيعة الشجرة كانت بالمدينة(٣)، وبالمدينة فرض الجهاد على (١) من (ص١). (٢) مسلم (١٨٥٨) كتاب: الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش .. (٣) ورد بهامش الأصل: يعني بعد انتقاله إلى المدينة من مكة وإلا فقد كان بالمدينة وهي بقرب مكة، واختلف فيها هل هي من الحرم أم لا أو بعضها منه وبعضها خارج عليه. ٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = المسلمين، وقد كانت بيعة العقبة بمكة على ألا يشركوا بالله شيئًا إلى آخر الآية في الممتحنة، وذكره عبادة بن الصامت في حديثه: ولم يفرض في هُذِهِ البيعة حرب إنما كانت بيعة النساء، وقد سلف ذَلِكَ في باب: علامة الإيمان حب الأنصار، من كتاب الإيمان. وأما حديث عبد الله بن زيد فهو دال على أنهم كانوا يبايعونه على الموت، ووقعة الحرة -حرة زهرة- كانت سنة ثلاث وستين كما قَالَ السهيلي(١)، وقال الواقدي وأبو عبيدة وغيرهما: في حرة واقم أطم شرقي المدينة. قَالَ الشاعر: فإن تقتلونا يوم حرة واقم فنحن على الإسلام أول من قتل وقد أفردها بالتصنيف المدائني وغيره. وسببها أن عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا على يزيد فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة (فخلعوه)(٢) وبايعوا ابن الزبير، فأرسل إليهم يزيد مسلمَ بن عقبة المعروف بمسرف، فأوقع بأهل المدينة وقعة عظيمة، قتل من وجوه الناس ألفًا وسبعمائة، ومن أخلاطهم عشرة آلاف سوى النساء والصبيان. قالَ ابن السيد: والحرة في كلامهم: كل أرض كانت حجارة سود محرقة، والحرار في بلاد العرب كثيرة وأشهرها ثلاث وعشرون حرة، كما قاله ياقوت(٣). وقوله: (لا أُبايع أحدًا على الموتِ بعدَ رسُول الله وََّ). فإنما قَالَه لأنه كان يرى القعود في الفتن التي بين المسلمين وترك القتال مع إحدى الطائفتين، وقد ذهب إلى ذَلِكَ جماعة من السلف على ما يأتي بيانه في (١) ((الروض الأنف)) ٣/ ٢٥٧. (٢) في (ص١): فخلفوه. (٣) «معجم البلدان)) ٢/ ٢٤٥. ٧٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ كتاب الفتنة في حديث: ((تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم)) (١). وأما حديث سلمة فقوله: ( ((ألا تُبَايع)) ) أراد أن يؤكد ببيعته لشجاعة سلمة وغنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة، وليكون له في ذَلِكَ فضيلة، وليقوي نيته، وإنما بايعهم حين قيل له: قريش أعدوا لقتالك. وكان قد بعث عثمان ليأتيه بالخبر؛ لأنه كان أمنع (صاحبه)(٢) جانبًا بمكة لكثرة من كان بها من بني أمية، فأبطأ عليه فخشي عليه مع ما قيل عن قريش فبايع، وبايع لعثمان إحدى يديه بالأخرى، وقيل له حين أبطأ عثمان: أظنه أبطأ به الطواف بالبيت. فلما أتى ذكر ذَلِكَ له فقال: ما كنت لأطوف به قبل أن يطوف به رسول الله ◌َ﴾، ولا أتقدم بين يديه في شيء. وقال ابن عمر: لو علم النبي ◌ّر أن بمكة أعز من عثمان لبعثه. وأما حديث أنس فالذي أجابهم وَلّ من الرجز إنما هو لابن رواحة فتمثل به، وإنما كان يقول: ((ارحم المهاجرين والأنصار))، قاله الداودي، قَالَ: وقوله: ((اللَّهُمَّ)) أحسبه ليس فيه ألف ولام إنما قَالَ ابن رواحة: الآهم. فأتى به بعض الرواة على المعنى، وتعقبه ابن التين فقال: ما ذكره لا يصح هنا ولا يتزن به الرجز، نعم يصح كما سلف : اللَّهُمَّ إن العيش عيش الآخرة. فهذا (إذا)(٣) أسقط منه الألف واللام صار موزونًا. (١) سيأتي برقم (٧٠٨١). (٢) ذكر في الهامش: لعله (أصحابه). (٣) من (ص١). ٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأما حديث مجاشع فإنما كان بعد الفتح وقد قَالَ رَّور: ((لا هجرة بعد الفتح إنما هو جهاد ونية)) (١) فكان من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر يجوز له به التخلف، وكذلك قَالَ بيت أرتجازهم يوم الخندق: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا ولذلك قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَفَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأباح لهم أن يتخلف عن الغزو من ينفر إلى التفقه في الدين، ولم يبح لغير المتفقهين التخلف عن الغزو، وأما من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قَالَ: ((جهاد ونية)) إلا أن ينزل عدو أو ضرورة فيلزم الجهاد كل أحد، ذكره ابن بطال، ثم قَالَ: والدليل على أن كل من بايع رسول الله وَج ◌ّل قبل الفتح لا يجوز له التخلف عن الجهاد أبدًا قصة كعب بن مالك إذ تخلف عن تبوك مع صاحبيه: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أنهم لم يعذروا وعتب الله ورسوله والمؤمنون عليهم، وأخرجوهم من بين ظهرانيهم ولم يسلموا عليهم ولا يكلموهم، حَتَّى بلغت منهم العقوبة مبلغها وعلم الله نياتهم، فتاب عليهم(٢). وقال ابن التين: كان من هاجر إلى رسول الله وَّم قبل الفتح من غير أهل مكة وبايعه على المقام بالمدينة كان عليه المقام بها حياته ◌َّ، ومن لم يشترط المقام من غير أهل مكة بايع ورجع إلى موضعه، كفعل عمرو بن حريث ووفد عبد القيس وغيرهم، وكانت الهجرة فرضًا على (١) سلف برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة. (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٣١/٥. ٧٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ أهل مكة إلى الفتح، ثم زالت الهجرة التي توجب المقام مع رسول الله وَّل إلى وفاته، ووجبت الهجرة أن تؤتى المدينة ثم يرجع المهاجر كما فعل صفوان. وقوله: ( ((على الإسلام والجهاد))) فيه: دلالة أن المبايع لم يكن من الأعراب الذين ليس عليهم جهاد، والجهاد المشترط هنا جهاد من يلي الكفار وغيرهم لملتهم، وأن على من يليهم نصرهم إذا احتاجوا إليه، وأن على الإمام أن يمدهم إذا احتاجوا إلى ذلك وعلى الناس أن ينفروا إذا استنفرهم الإمام. فائدة : أخو مجاشع اسمه: مجالد بن مسعود السلمي، نبه عليه ابن بطال(١). (١) (شرح ابن بطال)) ١٣١/٥، وورد بهامش الأصل ما نصه: وهو مصرح به في البخاري فلا حاجة إلى ابن بطال، والله أعلم. ٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١١١- باب عَزْمِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ ٢٩٦٤- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَظُهُ: لَقَدْ أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًا نَشِيطًا، يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الَغَازِي، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُخْصِيهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: والله مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلَّ أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َلَ فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّ مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا أَتَّقَى اللهِ، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٍ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّ هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّ كَالثَّغْبٍ، شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُهُ. [فتح ٦ /١١٩] ذكر فيه حديث أَبِي وَائِلِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ أَتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًّا نَشِيطًا، يَخْرُجُ مَعَ أَمَرَائِنَا فِي المَغَازِي، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: والله مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلَّا أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّا مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا أَتَّقَى اللهَ، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لَا إله إِلَّا هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَالثَّغْبِ، شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُهُ. الشرح : المؤدي -بالدال المهملة- هو التام السلاح الشاك. وقال أبو عبيد: معناه: ذو أداة وسلاح تام العدة والشكل. وعبارة ابن التين: تام السلاح، وكامل أداة الحرب. وعبارة غيره: يعني: ذا أداة الحرب كاملة. والمعنى واحد، وهو مهموز، إذ لولاه لكان من أودى: إذا هلك. وقال الداودي: أي: قويًّا متمكنًا.