النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = حقن دماء من سمع من دارهم الأذان، واستدل بذلك على صدق دعواتهم للإيمان. وفيه أيضًا: البيان عن صحة قول من أنكر على غزاة المسلمين بيات من لم يعرفوا حاله من أهل الحصون حَتَّى يصبحوا، فتبين حالهم بالأذان ويعلموا هل بلغتهم الدعوة أم لا، وإن كانوا ممن بلغتهم الدعوة، ولم يعلموا أمسلمين هم أم أهل صلح أو حرب لهم فلا يغيروا حَتَّى يصبحوا، فإن سمعوا أذانًا من حصنهم كان من الحق عليهم الكف عنهم، وإن لم يسمعوا الأذان، وكانوا أهل حرب أغاروا عليهم إن شاءوا. وأما حديث الصعب بن جثامة أنه وُّ سُئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال: ((هم منهم)) -وسيأتي حيث ذكره البخاري(١) - فهو محمول على من بلغته الدعوة ولا يشك في حاله من أهل الحرب، فيجوز بياته. وحديث أنس محمول على من لم يعلم، هل بلغته فينظرهم الصباح ليستبرئ حالهم بالأذان وغيره من الشعائر. وقال ابن التين: الدعوة تجب لمن بعدت داره، واختلف في الغريب، قَالَ: وقال الحسن وغيره: لا يجب على كل أحد. وأما حديث ابن عباس فقد أوضحنا الكلام عليه أول الكتاب، ولا بأس بإعادة قطعة لطيفة منه مختصرًا، فمعنى (شكرًا لما أبلاه الله) يقال: بلاه الله بلاء حسناً، والبلاء: الاختبار، يكون للخير والشر إذا كان ثلاثيًّا، وفيه: أنه كان على دين عيسى؛ فلذلك تبرر بالمشي إلى بیت المقدس. (١) سيأتي برقم (٣٠١٢) باب: أهل الدار يُبَيِّتُون .. ٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (لكذبته). وفي نسخة: لحدثته. أي: بالكذب، و(يأثر): يحدث. وقال ابن فارس: أثرت الحديث: إذا ذكرته عن غيرك(١). وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى)، أي: تختبر بالغلبة عليها ليعلم صبرهم. وقوله: (يوشك) أي يسرع ذلك، ومعنى: (سيظهر): سيغلب. وأما حديث سهل فقوله: (فبصق في عينيه فبرأ). يقال: برأت من المرض، وبرئت أيضًا. وقوله: ((على رسلك)). هو بكسر الراء. قَالَ ابن التين: ضبطه بفتح الراء وكسرها وهو بالفتح التؤدة، وبالكسر: الهيئة. و( ((حمر النعم))): أعزها وأحسنها. يريد خير من أن تكون لك فتتصدق بها، وقيل: تنشئها وتملكها. والنَعم: الإبل. وقيل: يطلق على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعن. و(المساحي) -بفتح الميم- جمع: مسحاة، وهي مفعلة مما يفعل بها، يقال: سحا وجه الأرض بالمسحاة يسحوه إذا قشره، وأصل المسحاة مسحوة تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا. و(مکاتلهم): جمع مكتل، وهو الزنبيل الذي يحملون فيه ما یریدون على دوابهم ورقابهم، و(الخميس): الجيش، والمعنى: هذا محمد وجيشه، أو قد جاء محمد وجيشه، وإنما سمي خميسًا؛ لأنه يخمس ما يجد من شيء. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا، وسلف في الإيمان من حديث ابن عمر، وشرحه هناك واضحًا. (١) (مجمل اللغة)) ٨٦/١ مادة: (أثر). : ٤٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ قَالَ الطحاوي: واختلف في تأويله، فذهب قوم إلى أن من قَالَ: لا إله إلا الله فقد صار بها مسلمًا، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، واحتجوا به. وخالفهم آخرون فقالوا: لا حجة لكم عليه فيه؛ لأنه ◌َّليه إنما يقاتل قومًا لا يوحدون الله تعالى، فكان أحدهم إذا وحَّد الله علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وخروجه منه، ولم يعلم بذلك دخوله في الإسلام أو في بعض الملل التي توحد الله وتكفر بجحدها رسله وغير ذَلِكَ من الوجوه التي تكفر بها مع توحيدهم الله تعالى، كاليهود والنصارى يوحدون الله تعالى ولا يقرون برسوله، وفي اليهود من يقول: إن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصة، فكان حكم هؤلاء ألا يقاتلوا إذا وقعت هذِه الشبهة حَتَّى تقوم الحجة على من يقاتلهم بوجوب قتالهم. وقد أمر الشارع عليًّا حين وجهه إلى خيبر وأهلها يهود بما رواه ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَّ لما دفع الراية إلى علي حين وجهه إلى خيبر قَالَ: ((امض ولا تلتفت حَتَّى يفتح الله عليك)) فقَالَ علي: علام أقاتلهم؟ قَالَ: ((حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذَلِك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))(١)، ففي هذا الحديث أنه وَّ قد أباح له قتالهم وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حَتَّى يشهدوا أن محمدًا رسول الله، وحتى يعلم عليٍّ خروجهم من اليهودية، كما أمر بقتال عبدة الأوثان حَتَّى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه، وقد أتى قوم من اليهود إلى رسول الله وَل ٠ (١) رواه مسلم (٢٤٠٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب، عن قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب، به. ٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فأقروا بنبوته ولم يدخلوا في الإسلام فلم يقاتلهم على إبائهم الدخول في الإسلام إذا لم يكونوا بذلك الإقرار عنده مسلمين. وروى شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال أن يهوديًّا قَالَ لصاحبه: تعال حَتَّى نسأل هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل له نبي، فإنه إن سمعها صارت له أربعة أعين، (فأتاه)(١) فسأله عن هذه الآية ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات .. ﴾ [الإسراء: ١٠١] فقال: ((لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا بيريء إلى سلطان فيقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم - خاصة (اليهود)(٢) - ألا تعدوا في السبت)) فقبلوا يده وقالوا: نشهد أنك نبي. قَالَ: ((فما يمنعكم أن تتبعوني؟» قالوا: نخشى أن تقتلنا اليهود (٣)، فأقروا بنبوته مع توحيد الله تعالى، ولم يكونوا بذلك مسلمين، فثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعاني التي تدل على الدخول في الإسلام وترك سائر الملل. وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله بَ ﴿ قَالَ: ((أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا بذلك وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها))(٤) قَالَ: وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. فالحديث الأول (١) من (ص١). (٢) من (ص١). (٣) رواه الترمذي (٢٧٣٣)، والنسائي ١١١/٧ - ١١٢، وأحمد ٤/ ٢٣٩. (٤) سلف برقم (٣٩٢) كتاب: الصلاة، باب: فضل استقبال القبلة، من طريق ابن المبارك، عن حميد الطويل، به. ٤٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = فيه التوحيد خاصة هو المعنى الذي يكف به عن القتال حَتَّى يعلم ما أراد به قائله، الإسلام أو غيره حَتَّى لا تتضاد هذِه الآثار(١). وقال الطبري نحوًا من ذَلِكَ، وزاد: أما قوله: ((فإذا قالوا لا إله إلا الله فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم .. )) الحديث. فإنه قاله في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بالتوحيد، وهم الذين ٣٥ قَالَ الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات: ٣٥] فدعاهم إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلًا في صبغة الإسلام، ثم قَالَ لآخرين من أهل الكفر، كانوا يوحدون الله تعالى غير أنهم ينكرون نبوة محمد و 12، فقال وسير في هؤلاء: ((أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، ويشهدوا أن محمدًا رسول الله)) فإسلام هؤلاء: الإقرار بما كانوا به جاحدين، كما كان إسلام الآخرين إقرارهم بالله أنه واحد لا شريك له، وعلى هذا تحمل الأحاديث. فصل : حديث أنس في الباب أخرجه من ثلاث طرق عن حميد، عن أنس. الأول: عن أبي إسحاق، والثاني: عن إسماعيل بن جعفر، والثالث: عن مالك، كلهم عن حميد به. وقد أخرج بالطريق الأول عدة أحاديث غيرها، منها: فضل الغدوة كما سلف(٢)، ومنها حديث العضباء(٣)، ومنها هنا، وفي المغازي (١) ((شرح معاني الآثار)) ٣/ ٢١٣ - ٢١٦. (٢) سلف برقم (٢٧٩٦) باب: الحور العين وصفتهن. (٣) سلف برقم (٢٨٧١) باب: ناقة النبي ◌َلل. ٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = حديث حفر الخندق(١)، ومنها في المغازي، وصفة الجنة: أصيب حارثة .. إلى آخره(٢)، وذكره خلف وأغفله أبو مسعود، ومنها هنا: ((ما من عبد يموت له عند الله خير .. )) الحديث سلف(٣)، وذكره يحيى بن عبد الوهاب بن منده فيما أُستدركه على أبي مسعود، وأخرج الثالث هنا وفي المغازي(٤)، وكذا أخرجه أبو داود والترمذي وقال: صحيح(٥). (١) سيأتي برقم (٤٠٩٩) باب: غزوة الخندق. (٢) سيأتي في المغازي برقم (٣٩٨٢) باب: فضل من شهد بدرًا، وفي الرقاق برقم (٦٥٥٠) باب: صفة الجنة والنار. (٣) سلف برقم (٢٧٩٥) باب: الحور العين. (٤) سيأتي برقم (٤١٩٧) باب: غزوة خيبر. (٥) الترمذي (١٥٥٠)، أما أبو داود فلم يخرجه، وإنما أخرج برقم (٣٤٢٤) من طريق مالك، عن حميد، عن أنس قال: حجم أبو طيبة رسول الله وَل و .. الحديث. وانظر ((تحفة الأشراف)) ٢٠٠/١ - ٢٠١. ٤٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ١٠٣- باب مَنْ أَرَادَ غَزْوَةً فَوَرِى بِغَيْهَا، وَمَنْ أَحَبَّ الخُرُوجَ يَوْمَ الخَّمِيسِ ٢٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَغْبِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ ﴿ُ - وَكَانَ قَائِدَ كَغْبٍ مِنْ بَنِيهِ - قَالَ: سَمِعْتُ كَغْبَ بْنَ مَالِكِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّ وَرِى بِغَيْرِهَا. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ١١٢/٦] ٢٩٤٨- وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: سَمِعْتُ كَغْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّ وَرِى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَّاهَا رَسُولُ اللهِ بَّهِ فِي حَرِّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازَا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٌّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذِي يُرِيدُ. [انظر: ٢٧٥٧ - فتح ٦ /١١٣] ٢٩٤٩ - وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ كَغْبَ بْنَ مَالِكِ ﴾ كَانَ يَقُولُ لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّ يَوْمَ الَخَمِيسِ. [انظر: ٢٧٥٧ - فتح ١١٣/٦] ٢٩٥٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَغْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِيِهِ عَُّ أَنَّ النَّبِيَّ وَ خَرَجَ يَوْمَ الَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الَخَمِيسِ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ١١٣/٦] ذكر فيه أحاديث كلها راجعة إلى كعب بن مالك من طريق الليث، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ ٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ابْنِ مَالِكِ، عن أبيه وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهَ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ نَّه يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرىُ بِغَيْرِهَا. ومن حديث يونس عَنِ الزُّهْرِيِّ عن عبدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عن أبيه أنه كَانَ وَّهِ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ فِي حَرِّ شَدِيدٍ، الحديث. وعن يونس، به قلما كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ. وعن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ به أنه بَّهِ خَرَجَ يَوْمَ الخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ. وهو حديث خرجه البخاري مطولًا ومختصرًا في عشرة مواضع، وأخرجه مسلم أيضًا والأربعة(١). قَالَ الدارقطني: والرواية الأولى صواب، وحدیث یونس مرسل، ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك متصلًا مثل ما رواه الليث وابن وهب، عن يونس ورواه مسلم عن سلمة [عن](٢) ابن أعين، عن معقل، عن الزهري، عن عبد الرحمن السالف، عن عمه عبيد الله بن كعب(٣)، وكلاهما لم يحفظ (٤). (١) رواه أبو داود (٢٢٠٢)، والترمذي (٣١٠٢)، والنسائي ٥٣/٢ - ٥٤، وابن ماجه (١٣٩٣). (٢) ساقطة من الأصول، والمثبت من ((صحيح مسلم)). (٣) مسلم (٢٧٦٩/ ٥٥) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك ... (٤) ((الإلزامات والتتبع)) ص ٢٤٢ - ٢٤٣ (١٠٤). ٤٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = قَالَ الجياني: كذا هذا الإسناد عن ابن مردويه(١) عن ابن المبارك في ((الجامع)) و((التاريخ)) (٢)، وكذا رواه ابن السكن وأبو زيد، ومشايخ أبي ذر الثلاثة. ولم يلتفت الدار قطني إلى قول عبد الرحمن بن عبد الله: (سمعت كعبًا)؛ لأنه عنده وهم، وقد رواه معمر عن الزهري على نحو ما رواه ابن مردويه من الإرسال، ومما يشهد لقول أبي الحسن ما ذكره الذهلي في ((علله)): سمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب ومن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وسمع من أبيه عبد الله بن كعب، ولا أظن سمع عبد الرحمن بن عبد الله من جده شيئًا، وإنما روايته عن أبيه وعمه. قَالَ الجياني: والغرض من ذَلِكَ الاستدراك على البخاري، حيث خرجه على الأتصال وهو مرسل(٣). ويوضح ذَلِكَ أيضًا [ما](٤) رواه البخاري في الجهاد في باب الصلاة إذا قدم من سفر: حَدَّثَنَا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه وعمه عبيد الله بن كعب، عن كعب، فذكر الحديث(٥). ولأبي داود من حديث ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن جده: قلتُ: يا رسول الله، إن من توبتي أن أخرج من مالي (صدقة)(٦). الحديث(٧). (١) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى. أنظر ((تهذيب الكمال)) ١/ ٤٧٣ (١٠٠). (٢) ((التاريخ الكبير)) ٣٠٤/٥. (٣) ((تقييد المهمل)) ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٤. (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) سيأتي برقم (٣٠٨٨). (٦) من (ص١). (٧) أبو داود (٣٣٢١). ٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال الطرقي: ربما اشتبهت رواية عبد الرحمن بن عبد الله عن جده فيظن أنها مرسلة؛ من حيث أنه يروي في بعض الأحايين عن أبيه عن جده، وليس كذلك فإنما يروي عن جده أحرفًا من الحديث، ولم يمكنه حفظه كله عنه لطوله ولصغره فاستثبته من أبيه. واعلم أن خير ما يدلك على شأن روايات الحديث أن تعلم أن لكعب بن مالك ثلاثة أولاد: عبد الله قائده، وعبيد الله، وعبد الرحمن، أدرك الزهري عبد الله وعبد الرحمن، ولعبد الله ابن يقال له عبد الرحمن، روى عنه الزهري الحديث بطوله، وفي مسلم: عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عمه عبيد الله، وكان قائد كعب(١). قَالَ الدار قطني: الصواب قول من قَالَ: عبد الله، مكبرًا(٢). ورواه النسائي من حديث ابن جريج عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه عبد الله، وعن عبيد الله عن أبيهما(٣). قَالَ الطرقي: يجوز أن يكون عبد الله وعبيد الله جميعًا قائدي أبيهما حين عمي، واختلاف حديث الأخوين من أصحاب الزهري لاختلاف روايتهم. وقال النسائي: يشبه أن يكون الزهري سمعه من عبد الله بن كعب ومن عبد الرحمن عنه (٤). (١) مسلم (١٧٦٩ / ٥٤، ٥٥). (٢) أنظر: ((التتبع)) ص ٢٤٣. (٣) النسائي في ((الكبرى)) ٢٣٧/٥ (٨٧٧٥). والحديث متفق عليه من هذا الطريق سيأتي برقم (٣٠٨٨)، ومسلم (٧١٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب الركعتين في المسجد .. (٤) النسائي ٧/ ٢٢. ٥١ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى: (ورى بغيرها). سترها ووهم بغيرها، يريد: طلب غزوه العدو لئلا يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير، إلا إذا كانت سفرة بعيدة فيستحب أن يعرفهم بعدها كما جرى في هذِه الغزوة؛ للتأهب، وأمن ألا يسبقه إليها الخبر لبعد الشقة التي بينه وبينها وقفرها، وهذا من خداع الحرب، وأصله من الوري وهو جعل البيان وراءه كأن من ورى عن شيء جعله وراءه. قَالَ أبو علي الفسوي: أصله من الوراء. كأنه قَالَ: لم يشعر به من ورائي. كأنه قَالَ: سأستر بكذا، وأصحاب الحديث لا يضبطون الهمزة فيه، وتصغيره: ورية، ويجوز أن تجعل الهمزة غير أصلية. وتجعلها منقلبة من واو أو ياءٍ، فيكون تصغير وراء: ورية، وأصله: وريية وتسقط واحدة منهما كما (قلب)(١) في عطاء: عُطَيّ والأصل عطيي فتقول: وريت عن كذا وكذا بغير همزة. وقال الخطابي: التورية في الشيء الذي يليك وتجاوزت لما وراءه(٢). ثانيها: المفازة: المهلكة، سميت بذلك تفاؤلًا بالفوز والسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، وذكر ابن الأنباري عن ابن الأعرابي أنها مأخوذة من قولهم: قد فَوَّزَ الرجل إذا هلك، وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا(٣). ثالثها: قوله: (فجلا للمسلمين أمرهم). أي: أظهره ليتأهبوا بذلك، وهو مخفف اللام، يقال: جليت الشيء إذا كشفته وبينته وأوضحته، (١) في (ص١): قلت. (٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤١١. (٣) ((الأضداد)) ص ١٠٤ - ١٠٥ (٥٩). ٥٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وضبطه الدمياطي في حديث كعب في المغازي بالتشديد خطأً(١). وأمره بإمساك بعض ماله في موضع آخر للخوف عليه التضرر بالفقر وألا يصبر عليه، ولا يخالف هذا حال الصديق لصبره ورضاه. فإن قلتَ: كيف قَالَ: (أنخلع من مالي) مع قوله أولًا: (نزعت له ثوبي، والله لا أملك غيرهما؟). قلتُ: أراد الأرض والعقار، يؤيده قوله: (فإني أمسك سهمي الذي بخيبر). وجاء في موضع آخر أنه لم يتخلف إلا في هذِه وفي بدر(٢)، وهو يرد قول الكلبي أنه شهد بدرًا. وكانت هذِه الغزوة -أعني: تبوك- سنة تسع، أول يوم من رجب، واستخلف عليًّا على المدينة، ومكرت في هُذِهِ الغزاة طائفة من المنافقين برسول الله وَّي فتلقوه من العقبة، وفيها تخلف كعب ومن معه، ونزل فيهم ما نزل في براءة من أمر المنافقين. وفيه: الخدعة في الحرب كما سلف، يقال: فيه ما (لا)(٣) تكون المكايدة فيه، وطلب غرة العدو. وفيه: جواز الكلام بغير نية للإمام وغيره إذا لم يضر بذلك أحدًا وكان فيه نفع للمسلمين خاصة وعامة، فهو جائز وهو خارج من باب الكذب. وخروجه ◌َّ* يوم الخميس، وهو فيما ترجم له أيضًا لمعنى يجب أن يحمل عليه وينزل به؛ لأنه الأسوة. (١) ورد بهامش الأصل: أعلم أنه قد قال الله تعالى: ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ والذي ينبغي أن يكون مشددًا ومخففًا في الحديث والله أعلم، ويكون بالتشديد أفصح. (٢) سيأتي برقم (٤٤١٨) كتاب: المغازي، باب: حديث كعب. (٣) كذا بالأصل، وبهامشها: ينبغي أن تحذف (لا). ٥٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَدِ = وُ ١٠٤- باب الخُرُوجِ بَعْدَ الظّهْرِ ٢٩٥١- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ عَُّ أَنَّ النَّبِيَّ وَ صَلَّى بِالْدِينَةِ الظُّهْرَ أَزْبَعَا، وَالْعَصْرَ بِذِي الحَلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح ٦ /١١٤] ذكر فيه حديث أَنَسِ أنه وَّهِ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. هذا الحديث سلف في الحج(١). وخروجه في الحال المذكور دليل على أنه لا ينبغي أن يكره السفر، وابتداء العمل بعد ذهاب صدر النهار وأوله إذ الأوقات كلها لله تعالى، وأن حديث صخر الغامدي مرفوعًا: ((اللَّهُمَّ بارك لأمتي في بكورها)) قَالَ: وكان إذا بعث جيشًا أو سرية بعثهم أول النهار. قَالَ: وكان صخر رجلًا تاجرًا (فكان)(٢) إذا بعث غلمانه بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله(٣). لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه؛ لأن كل ما فعله الشارع ففيه البركة ولأمته فيه أكرم الأسوة، إنما خص البكور بالدعاء من بين سائر الأوقات؛ لأنه وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم، وهو وقت نشاط وقيام من دعةٍ فخصه بالدعاء لينال بركة دعوته جميع أمته. (١) سلف برقم (١٥٤٦) كتاب: الحج، باب: من بات بذي الحليفة حتى أصبح. (٢) من (ص١). (٣) رواه أبو داود (٢٦٠٦)، والترمذي (١٢١٢)، وابن ماجه (٢٢٣٦)، وأحمد ٣/ ٤١٦. ٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٠٥- باب الخُرُوجِ آخِرَ الشّهْرِ وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عَبَّاسِ: أَنْطَلَقَ النَّبِيُّ وَلَّمِنَ المَدِينَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَقَدِمَ مَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ. ٢٩٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنَ مَالِكِ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَل ◌ِخْمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَلَا نُرِى إِلَّ الحَجَّ، فَلَمَّ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وََّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدَى إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمزْوَةِ أَنْ يَجِلَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَخْم بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هذا؟ فَقَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَخْيَى: فَذَكَرْتُ هذا الَحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ نُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ والله بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح ٦ /١١٤] ثم ساق حديث عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَلَا نُرى إِلَّا الحَجَّ، وذكر الحديث. وقد سلف، في موضعه، والتعليق أسنده في الحج عن المقدمي: ثَنَا فضيل بن سليمان، ثَنَا موسى بن عقبة، أخْبَرَنِي كريب، فذكره(١). وخروجه ◌َلّ آخر الشهر بخلاف أفعال الجاهلية في استقبالهم أوائل الشهور في الأعمال وتوجيههم ذلك وتجنبهم غيره من أجل نقصان العمر، فبعث الله نبيه ينسخ ذَلِكَ كله، ولم يراع نقص شهر ولا ابتداءه ولا محاق القمر ولا كماله فخرج في أسفاره على حسب ما يتهيأ له، ولم يلتفت إلى أباطيلهم ولا ظنونهم الكاذبة ورد أمره إلى الله تعالى، ولم يشرك معه غيره في فعله، فأيده ونصره. (١) سلف برقم (١٥٤٥) باب: ما يلبس المحرم من الثياب. كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ١٠٦- باب الخُرُوجِ فِي رَمَضَانَ ٢٩٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَجَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَبِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح ٦ /١١٥] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: خَرَجَ رَسول ◌َِّ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بن عبد الله، عَنِ ابن عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. ولا شك أن الخروج في رمضان جائز، وللمسافر أن يصوم أو يفطر والخيرة إليه، بخلاف ما روي عن علي أنه قال: من أدرك رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وبه قال (عَبيدة)(١) وأبو مجلز، وهذا القول مردود بالحديث المذكور، وإفطاره. وجماعة الفقهاء على خلاف قوله كما سلف في الصيام. والمراد: شهود جميعه لا شهود أوله، وكان هذا سنة ثمان، قيل له: إن الناس صاموا حين رأوك صمت، فأفطر وقال: ((تقووا لعدوكم))(٢) ففيه فضل الصوم لمن لا يضعفه ذَلِكَ، وفضل الفطر لمن خشي الضعف. (١) ورد بهامش الأصل: في أصله أبو عبيدة، وهو خطأ فيما يظهر؛ لأن النووي نقله في ((شرح المهذب)) عن عبيدة السلماني ( ... ) ولم يذكر معهم أبا عبيدة، وكذا المؤلف نقله في الصوم عن عبيدة ولم يذكر معه أبا عبيدة. (٢) رواه أبو داود (٢٣٦٥). ٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - واحتج به الخطابي على أن الفطر أفضل من الصوم عند الضعف(١)، وهو مذهب الشافعي وابن حبيب، واحتج به مالك؛ لأنه والقر صام، فلما قيل له: صام الناس بصيامك أفطر(٢). و(الكديد): مكان معروف، وظن المزني أن من أصبح صائمًا وسافر له الفطر لهذا الحديث، وهو عجيب؛ فإن بين الكديد ومكة عدة أيام(٣)، وكذا وقع في البويطي أيضًا، فلم ينفرد به. (١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤١٤. (٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٩/٢، ((النوادر والزيادات)) ٢/ ١٩. (٣) في هامش الأصل: أميال، والظاهر أنه قاله [يريد] المدينة، فأخطأ فقال مكة على أنها المدينة. ٥٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٠٧- باب التّوْدِيعِ ٢٩٥٤ - وَقَالَ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَثِرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ یَسَارِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَعْثِ، وَقَالَ لَنَا: ((إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا- لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشِ سَمَّاهُمَا- فَحَرَّقُوهُمَا بِالنَّارِ)). قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدْعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ، فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ الَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا)). [٣٠١٦ - فتح ١١٥/٦] وَقَالَ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّه فِي بَعْثٍ، وَقَالَ لَنَا: ((إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا- لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشِ سَمَّاهُمَا - فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ)). قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَّ، فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّ اللهُ، فَإِنْ وجدتموهما فَاقْتُلُوهُمَا)). هذا التعليق أسنده فيما سيأتي عن قتيبة، عن الليث، عن بكير، وأسنده النسائي أيضًا عن الحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وذكر آخر؛ كلاهما عن بكير (١)، وقال الإسماعيلي: حَدَّثَنَا الحسن بن سفيان، ثَنَا حرملة، أنبأنا عبد الله بن وهب، وأخبرني خزيمة، ثَنَا يونس وابن عبد الحكم، قالا : ثنا ابن وهب فذكره. قَالَ الترمذي: وقد ذكر محمد بن إسحاق بين سليمان وأبي هريرة رجلًا في هذا الحديث، وحديث الليث أشبه وأصح(٢). (١) النسائي في ((الكبرى)) ٥/ ٢٤٩ (٨٨٠٤) عن الحارث بن مسکین، و٥/ ٢٥٨ (٨٨٣٢) عن يونس بن عبد الأعلى. (٢) ((سنن الترمذي)) ٤/ ١٣٨ (١٥٧١). ٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وسمى ابن شاهين الرجل: أنا [أبو](١) إسحاق الدوسي(٢)، وهو مجهول. وفي الباب مثله من طرق: إحداها: عن ابن عباس، أخرجه البخاري فيما سيأتي من حديث عكرمة عنه، وبلغه أن عليًّا حرق قومًا فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأنه ◌َ﴿ قَالَ: ((لا يعذب بعذاب الله))، ولقتلتهم لقوله وَلقر: ((من بدل دينه فاقتلوه))(٣). زاد الإسماعيلي عن عمار الدهني: لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم حَتَّى ماتوا. قَالَ عمرو بن دينار: فَقَالَ الشاعر: إذا لم ترم بي في الحفرتين لترم بي المنايا حيث شاءت إذا ما أججوا حطبًا ونارًا هناك الموت نقدًا غير دين وعند العقيلي فقال علي يوم ذاك: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرًا قَالَ: وكانوا قالوا لعلي: أنت إلهنا. ثانيها: عن حمزة الأسلمي أخرجه أبو داود أنه وَِّ أمَّره على سرية وقال: ((إن وجدتم فلانًا فأحرقوه بالنار)) فوليت، فناداني وقال: ((إن وجدتموه فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار))(٤) وأخرجه الحازمي من حديث المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن محمد بن مرة الأسلمي، عن أبيه أنه مَّرِ أَمَّره على سرية، فذكر مثله، وكأنه تصحف حمزة بمرة(٥)، ولابن شاهين من حديث (١) ساقطة من الأصول، والمثبت من مصدر التخريج. (٢) «ناسخ الحدیث ومنسوخه)» ص٤١٥. (٣) سيأتي برقم (٣٠١٧) باب: لا يعذب بعذاب الله. (٤) أبو داود (٢٦٧٣). (٥) ((الاعتبار)) ص ١٥١ وفيه: حمزة الأسلمي. ٥٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = كاتب الليث عنه، عن عمر بن عيسى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن عمر أنه جاءته جارية فقالت: إن زوجي أقعدني على النار حَتَّى أحرق فرجي، فقال: سمعت النبي ◌َّ يقول: ((من حُرِّق بالنار أو مُثِّل به فهو حر وهو مولى الله ورسوله)» (١). ولأبي داود من حديث ابن مسعود: رأى النبي ◌َّ قرية نمل قد حرقناها فقال: ((إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار))(٢). ولا يخالفه الحديث الآتي: ((إن نبيًّا من الأنبياء قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت، فقال الله له: هلّ نملة واحدة؟))(٣). قَالَ الحكيم في ((نوادره)): هو إذن في إحراقها؛ لأنه إذا جاز إحراق واحدة جاز في غيرها. ولابن شاهين، عن ابن بريدة، عن أبيه أنه رَ ليه بعث رجلًا إلى رجل كذب عليه في حكم حكمه وفي أمرأة واقعها. فقال: ((إن وجدته ميتًا فحرقه بالنار)) فوجده لدغ فمات فحرقه(٤)، وعن سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر لما أرتدت أم قرفة شد رجليها بفرسين ثم صاح بهما فشقاها(٥). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فما ترجم له واضح، وهو من الشأن المعلوم في البعوث والأسفار البعيدة توديع الرؤساء والأئمة ومن يرجى بركة دعوته واستصحاب فضله. (١) (ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص ٤١٥. (٢) أبو داود (٥٢٦٨). (٣) سيأتي برقم (٣٣١٩) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم .. (٤) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص ٤١٤. (٥) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص ٤٢٣. ٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثانيها: الرجلان المذكوران في حديث الباب: هبار بن الأسود القرشي الذي روَّع زينب بنت رسول الله وَ لّهِ حَتَّى ألقت ذا بطنها، والثاني: نافع بن عبد القيس، ووقع لابن القسطلاني: ابن عبد عمرو، وقال ابن الجوزي في حديث حمزة: أنه * أرسله إلى رجل من عذرة هو هبار. ثالثها: بوب البخاري فيما سيأتي في باب لا يعذب بعذاب الله. وفيه: كما قَالَ ابن العربي: نسخ الحكم قبل العمل به، ومنع منه المبتدعة والقدرية، وسيأتي هناك إيضاحه. قَالَ المهلب في غير هذا الباب: ليس نهيه عن التحريق بالنار على معنى التحريم، وإنما هو على سبيل التواضع فإنه سمل أعين الرعاة(١) بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة، وتحريق علي الخوارج بالنار، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار، وقول أكثرهم بتحريق المراكب(٢). وقال الداودي: فيه احتمال أن يقتل الكافر بالنار وأن الأفضل ألا يقتل بها، والذي في المذهب أن ذَلِكَ لا يفعل أختيارًا؛ فإن كانوا في حصن وهم مقاتلة وليس معهم مسلمون ولا نساء ولا صبيان، فقال مالك في ((المدونة)): يحرقون. وقال سحنون: لا. وروي عن ابن القاسم أنه مكروه(٣)، زاد عيسى عنه: وكذلك في التدخين. (١) ورد بهامش الأصل: إنما سمل أعين الذين سملوا أعين الرعاة، وهم من عرينة ورعل ثماينة. (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٧٢/٥. (٣) ((المدونة)) ٣٨٥/١.