النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
أحد، وحكاه بعضهم أنها التي تموت قبل أن تحيض، وقيل هي المرأة
تموت بمزدلفة، حكاه ابن التين عن الداودي وهو غريب، وهذه كلها
ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بأن جعلها تمحيصًا
لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، بلغهم بها مراتب الشهداء والمراد
بشهادة غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب
الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم.
والحاصل أن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو
المقتول في حرب الكفار بسبب من أسبابه، وشهيد في الآخرة دون
أحكام الدنيا وهم من ذكر في الباب غيره، وشهيد في الدنيا دُون
الآخرة وهو من غل من الغنيمة أو من قتل مدبرًا وما في معناه.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
٣١ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:
٢٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ .
يَقُولُ: لَا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ مَّهِ زَيْدًا، فَجَاءَ
بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكَا ابن أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَّلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى اُلْقَعِدُونَ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. [٤٥٩٣، ٤٥٩٤، ٤٩٩٠ - مسلم: ١٨٩٨ - فتح: ٦ /٤٥]
٢٨٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ الزُّهْرِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
رَأَيْتُ مَزْوَانَ بْنَ الَحَكَمِ جَالِسًا في المَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا
أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِيِ القَاعِدُونَ مِنَ
المُؤْمِنِينَ وَالْمْجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ: فَجَاءَهُ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ رَجُلًا أَغَمَّى - فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ وَّهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرْضَّ
فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. [٤٥٩٢ -
فتح: ٤٥/٦]
ثم ساق حديث البَرَاءِ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾.
[النساء: ٩٥] دَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ زَيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكًا ابن أُمّ
مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
وحديث سهل بن سعد، عن مروان، عن زيد مثله.

٤٦٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
الشرح :
حديث البراء أخرجه مسلم، وحديث زيد من أفراده، ويأتيان في
التفسير.
وفيه لطيفة: (وهو) (١) صحابي: وهو سهل بن سعد، يروي عن
مروان وهو تابعي، وقيل: إن جبريل صعد وهبط في مقدار ألف سنة،
قبل أن يجف القلم، أي: بسبب أولي الضرر، حكاه ابن التين، ثم
قَالَ: وهذا يحتاج أن يكون جبريل يتناول ذَلِكَ من السماء الدنيا
والأمر كذلك؛ لأن القرآن نزل جملة إليها ليلة القدر، ثم نزل بعدها
متفرقًا.
وهو دال على أن من حبسه العذر وغيره عن الجهاد وغيره من أعمال
البر مع نيته فيه فله أجر المجاهد والعامل؛ لأن نصّ الآية على المفاضلة
بين المجاهد والقاعد، ثم أستثنى من المفضولين أولي الضرر، وإذا
استثناهم منهم فقد ألحقهم بالفاضلين، وقد بين الشارع هذا المعنى
فقال: ((إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا واديًا أو شعبًا إلا وهم معنا حبسهم
العذر))(٢)، وكذا جاء عنه في كل من كان يعمل شيئًا من الطاعات ثم
حبسه مرض أو سفر أو غيره أنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح
مقيم، وكذا من نام عن حزبه، نومًا (غالبًا)(٣) كتب له أجر حزبه
وكان نومه صدقة عليه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَنُونٍ ﴾﴾ [التين: ٦] أي: غير مقطوع بزمانة
أو كبر أو ضعف؛ ففي هذا أن الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان
(١) كذا في الأصل.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٣٩) باب من حبسه العذر عن الغزو.
(٣) في الأصل: عاما.

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لا يستطيع العمل الذي ينويه، وسيأتي (أيضًا)(١) في باب يكتب للمسافر
ما كان يعمل في الإقامة.
وفيه: أتخاذ الكاتب وتقييد العلم.
وفيه: قرب الكاتب من مستمليه حَتَّى تمس ركبته ركبته لقوله:
(وفخذه على فخذي).
(١) في (ص١): إيضاحه.

٤٦٥
=
- ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٣٢ - باب الصَّيْ عِنْدَ القِتَالِ
٢٨٣٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ،
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالمٍ أَبِي النَّصْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ، فَقَرَأْتُهُ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وِّ قَالَ: ((إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)). [انظر: ٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح:
٤٥/٦]
ذكر فيه حديثَ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ،
فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)).
هذا الحديث بعض من حديثه المذكور في باب الجنة تحت بارقة
السيوف، ولا شك أن الصبر سبب لكل خير، وقد نص الله تعالى
عليه في غير موضع من كتابه، فأمر بالصبر عند اللقاء رجاء بركته،
ولئلا يأنس بالكسل والفشل اللذين هما آفة الحرمان دنيا وأخرى،
والصبر على مطلوبات الدنيا والآخرة؛ ضمان لإدراكها.
وقوله: ( ((فاصبروا)) ) معناه الحض والندب؛ لأن الذي فرض الله
على المسلمين عند اللقاء إنما هو عند المثلين فما كان أكثر فإنما هو
ندب وحض.

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٣ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَالِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
٢٨٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ،
عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا عَهُ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ إِ لهَ إِلَى الَخَنْدَقِ فَإِذَا
اُهَاجِرُونَ وَالأَنَّصَارُ يَخْفِرُونَ فِي غَدَاةِ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ،
فَلَمَّا رَأْىُ مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
((اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ))
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا
[٢٨٣٥، ٢٩٦١، ٣٧٩٥، ٣٧٩٦، ٤١٠٠، ٦٤١٣، ٧٢٠١ - مسلم: ١٨٠٥ - فتح: ٦ / ٤٥]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا
المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ
يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَىْ مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
((اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه))
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الچِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
فیه أحكام وفوائد:
أحدها: أن الحفر في سبيل الله والتحصين للديار وسد العورة، منها
أجره كأجر القتال والنفقه فيه محسوبة في نفقات المجاهدين إلى سبعمائة
ضعف.
ثانيها: أستعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس في
الحرب وإثارة الأنفة والعزة فيها .

٤٦٧
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قاله ابن بطال(١).
قَالَ ابن التين: وهذا البيت ليس بموزون على الشعر ولا الرجز،
وقال الداودي في قوله: ((اللَّهُمَّ لا عيش إلا عيش الآخره)) إنما قَالَهُ
ابن رواحة: لَاهُمَّ بلا ألف، ولا لام فأتى به بعض الرواة على
المعنى، وهذا الذي ذكر موزونٌ: لَاهُمَّ إن العيش .. إلى آخره.
ثالثها: المجاوبة بالشعر على الشعر، قَالَ ابن بطال: وليس هو من
قول رسول الله وَل هو من قول ابن رواحة، ولو كان من لفظه، لم يكن
بذلك شاعرًا، ولا ممن ينبغي له الشعر، وإنما يسمى (به)(٢) من قصد
صناعته، وعلم السبب والوتد والشطر وجميع معانيه من الزحاف
والخرم والقبض وما شاكل ذلك(٣).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٧/٥.
(٢) من (ص١).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٧/٥.

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٤ - باب حَفْرِ الخَنْدَقِ
٢٨٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: جَعَلَ الُهَاجِرُونَ وَالأَنَّصَارُ يَحْفِرُونَ الَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى
مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الچِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَالنَّبِيُّ وَّهِ يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ :
فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ»
((اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَةْ
[انظر: ٢٨٣٤ - مسلم: ١٨٠٥ - فتح ٤٦/٦]
٢٨٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ البَرَاءَ ◌َُه:
كَانَ النَّبِيُّ وَلِّ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: (لَوْلَا أَنْتَ مَا أَهْتَدَيْنَا)). [٢٨٣٧، ٣٠٣٤، ٤١٠٤، ٤١٠٦،
٦٦٢٠ ، ٧٢٣٦ - مسلم: ١٨٠٣ - فتح: ٤٦/٦]
٢٨٣٧ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَل﴿ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ - وَقَدْ وَارِى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ
-وَهُوَ يَقُولُ :
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
(لَوْلَا أَنْتَ مَا أُهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْئًا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا))
[انظر: ٢٨٣٦ - مسلم: ١٨٠٣ - فتح: ٦ /٤٦]
ذکر فیه أحاديث:
أحدها: حديث أَنَسٍ قَالَ: جَعَلَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ
الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التّرَابَ عَلَىْ مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ:
عَلَى الإِسَلامِ مَا بَقِينَا أَبَدًّا
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا

٤٦٩
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ يُجِيبُهُمْ:
((اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهُ فَبَارِْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه)»
ثانيها: حديث البَرَاءِ قال: فَكَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: ((لَوْلَا أَنْتَ
مَا أَهْتَدَيْنَا)).
ثالثها: حديث البَرَاءِ أيضًا: رَأَيْتُ النبيِ وَهِ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ
التُّرَابَ -وَقَدْ وَارِى التُّرَابُ بَيَاضَ بَظْنِهِ - وَهُوَ يَقُولُ:
((لَوْلَا أَنْتَ مَا أَهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأَلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا))
الشرح :
حديث أنس يأتي في الخندق مطولًا، وأخرجه مسلم من طرق وكذا
حديث البراء.
والمتون: جمع متن، وهو مكتنف (الصلب)(١) من العصب
واللحم، وقولهم: (نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام) هو غير
موزون وإنما هو على الجهاد.
وقوله: ( ((ولولا أنت ما أهتدينا)) ) كذا هو روي وهي: ((تالله لولا أنت
ما اهتدينا)).
وقوله: ( (إن الألى .. )) ) إلى آخره؛ لیس یتزن هکذا روي كما روي،
وإنما هو: (أن الألى هم قد بغوا علينا)؛ لأن وزنه مستفعل، مستفعل،
فعول.
(١) في (ص١): الصدر.

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ الداودي: وفي رواية: ((إن الأعادي بغوا علينا)) وهو لا يتزن
إلا بزيادة هم أو قد، ذكره كله ابن التين.
وفيه: كما قَالَ المهلب: أمتهان الإمام نفسه في التحصين على
المسلمين وما يتأسى به الناس ويقتدون به فيه شرف له وتحريض
وتنشيط، وإثارة النية والعزم على العمل في الطاعة.

٤٧١
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٣٥- باب مَنْ حَبَسَهُ العُذْرُ عَنِ الغَزْوِ
٢٨٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسَا حَدَّثَهُمْ قَالَ
رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ. [٢٨٣٩، ٤٤٢٣ - فتح: ٦ /٤٦]
٢٨٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - هُوَ ابنِ زَيْدِ - عَنْ هُمَيْدٍ، عَنْ
أَنَسِ عَّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: ((إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا
شِعْبًا وَلَا وَادِيًّا إِلَّ وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ)). [انظر: ٢٨٣٨ - فتح: ٦ /٤٦]
وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ
وَثَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الأَوَّلُ أَصَخُ.
ذكر فيه حديث زُهَيْرٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ
مَعَ النَّبِيِّ ◌َلِّ.
وفي رواية حَمَّادٍ -هُوَ ابنِ زَيْدٍ - عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ
وَّ﴿ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: ((إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا
وَادِيًّا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ)).
وَقَالَ مُوسَى: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِهِ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالأَوَّلُ أَصَحُ.
هذا الحديث من أفراده؛ وانفرد به مسلم عن جابر وقال: ((حبسهم
المرض)) وفي رواية: ((إلا شركوكم في الأجر)) (١)، ولما ذكر الإسماعيلي
حديث حميد عن أنس ساقه من حديث عفان: ثَنَا حماد بن سلمة، أنا
حميد، عن موسى بن أنس، عن أبيه أنس فذكره، ثم قَالَ: وحماد
عالم بحديث حميد، متقدم فيه على غيره. ووصله أيضًا أبو نعيم من
حديث حجاج عن حماد به، وعند الإسماعيلي: ((وهم معكم بالنية))
(١) مسلم (١٩١١) كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض.

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ولأبي داود: ((ولا أنفقتم نفقة))(١).
وهذا الحديث دال على أن من حبسه العذر من أعمال البر مع نيته
فيها، أنه يكتب له أجر العامل بها كما قَالَ رَّله فيمن غلبه النوم عن صلاة
الليل أنه يكتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه (٢)، وقد سلف هذا
المعنى قريبا.
(١) أبو داود (٢٥٠٨).
(٢) رواه أبو داود (١٣١٤)، من حديث عائشة.

٤٧٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
٣٦ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللّهِ
٢٨٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِيِ صَالِحِ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشِ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ عَُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ
وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)). [مسلم: ١١٥٣ - فتح: ٦ /٤٧]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري: سَمِعْتُ النَّبِيَّى نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ
صَامَ يَوْمًّا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)).
أي: مسيرة سبعين عامًا، وهو مبالغة في البعد عنها، والمعافاة
منها، وكثيرًا ما يجيء السبعون عبارة عن التكثير، وفي النسائي من
حديث عقبة ((مسيرة مائة عام))(١)، وهذا لمن لا يضعفه الصوم.
و(الخريف): آخر فصول السنة، وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار
أي: تجتني، وهذا الحديث يدل أن الصيام في سائر أعمال البر أفضل
إلا أن يخشى ضعفًا عند اللقاء كما سلف - لأنه قد ثبت عن رسول الله
وَّ أنه قَالَ لأصحابه في بعض المغازي، حين قرب من الملاقاة بأيام
يسيرة: ((تقووا لعدوكم))(٢) فأمرهم بالإفطار- ولأن نفسه ضعيفة، وقد
جبل الله الأجساد على أنها لا قوام لها إلا بالغذاء، ولهذا (المعنى)(٣)
قَالَ وَله لعبد الله بن عمرو: ((أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يومًا
ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى)) (٤)، فلا يكره الصوم البتة إلا عند اللقاء
(١) النسائي ٤/ ١٧٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (ص١): الشيء.
(٤) سلف برقم (١٩٧٧) كتاب الصوم باب حق الأهل في الصوم.

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وخشية الضعف عند القتال؛ لأن الجهاد وقتل المشركين أعظم أجرًا من
الصوم لمن فيه قوة.
فائدة :
روي مثل هذا الحديث من طريق أبي هريرة، أخرجه الترمذي بلفظ :
((أربعين)) وفي لفظ: ((سبعين)) ثم قَالَ: غريب من هذا الوجه (١). ونقل في
((علله)) عن البخاري أنه قَالَ: لا أعلم رواه إلا ابن لهيعة عن أبي الأسود(٢)
وأبي أمامة، أخرجه الترمذي من حديث القاسم بن عبد الرحمن عنه:
((جعل الله بينه وبين النار كما بين السماء والأرض)) ثم قَالَ: غريب(٣).
ولابن عساكر: ((بعده الله من النار مسيرة مائة سنة حُضر الفرس
الجواد))(٤).
وأنس أخرجه أيضًا الترمذي من حديث أبان عنه: ((من صام يومًا في
سبيل الله تباعدت منه جهنم خمسمائة عام)) (٥).
وابن عمر أخرجه أيضًا من حديث مِنْدل بن علي، عن عبد الله بن
مروان، عن بعجة، عن أبيه عنه: ((من صام يومًا في سبيل الله فهو
بسبعمائة يوم)»(٦).
(١) الترمذي (١٦٢٢).
(٢) ((علل الترمذي)) ٦٩٩/٢.
(٣) الترمذي (١٦٢٤).
(٤) (تاريخ دمشق)) ٢٦٣/٨، بلفظ: ((مسيرة ألف عام للراكب المستعجل)) من حديث
أبي الدرداء.
(٥) لم أجده عند الترمذي، وإنما رواه محمد بن تمام في ((نسخة أبي مسهر)) (٢٢)، من
طریق زائدة، عن أبان، به.
(٦) تُقرأ في الأصل: (عن أمه)، وبعجة هو ابن عبد الله الجهني وأورده الحافظ ابن
حجر في ((المطالب العالية))، قال: وقال عبد بن حميد: حدثنا مالك بن إسماعيل،
ثنا مندل ، عن عبد الله بن مروان ، عن بعجة ، عن أبيه ، عن ابن عمر رضي الله عنهما =

٤٧٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وعقبة بن عامر؛ أخرجه النسائي(١).
وعمرو بن عنبسة؛ أخرجه الطبراني(٢).
وجابر؛ أخرجه ابن جميع(٣).
وسهل بن معاذ؛ أخرجه أبو يعلى(٤).
وعتبة بن عبد السلمي؛ أخرجه ابن أبي عاصم(٥).
فائدة أخرى:
(سبيل الله) الأكثر في الشرع واللغة استعماله في الجهاد، وسببه هنا
اجتماع العبادتين الجهاد والصوم، ويحتمل أن يريد به طاعته كيف كانت.
= قال: قال رسول الله وَله :... فذكر حديثا فيه: ((ومن أغتسل يوم الجمعة فكأنما
صام يوما في سبيل الله رحمة، واليوم كسبعمائة)).
(١) النسائي ٤/ ١٧٤.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٣٠٩/٣ (٣٢٤٩).
(٣) ورواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٤٣/٢ (٢١٧٣).
(٤) ((مسند أبي يعلى)) ٦١/٣ (١٤٨٦).
(٥) ((الجهاد)) ٤٦٩/٢ (١٧٢).

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٧ - باب فَضْلِ النّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ
٢٨٤١ - حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَ قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ
خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةٍ بَابٍ: أَيْ فُلُ، هَلُمَّ)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ
الذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّّهِ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)). [انظر: ١٨٩٧ -
مسلم: ١٠٢٧ - فتح: ٤٨/٦]
٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ◌َّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َِّ قَامَ عَلَى الِنْبَرِ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ
مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ)). ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا
وَثَنَّى بِالأُخْرِى، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِ الَخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ
وَةِ، قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ. وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الطَّيْرَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ
الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟ أَوَخَيْرٌ هُوَ؟ - ثَلَاثًا - إِنَّ الخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا
بِالْخَيْرِ، وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ كُلَّمَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا
أَمْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا أَسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هذا المَالَ
خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقُّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كَالآكِلِ الذِي لَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ
عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ)). [انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٦ / ٤٨]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلٍ
اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ، هَلُمَّ)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا
رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الذِي لَا تَوِى عَلَيْهِ. فَقَالَ رسول اللهِ وَّهُ: ((إِنِّي لأَرْجُو
أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)).
وحديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَامَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ:
((إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ)». ثُمَّ ذَكَرَ

٤٧٧
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
زَهْرَةَ الدُّنْيَا .. الحديث إلى قوله: ((وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ
صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسَاكِينِ وابْنِ
السَّبِیلِ».
الشرح :
الحديث الأول سلف في الصوم، والثاني سلف في الزكاة(١).
وقوله: ( ((من أنفق زوجين)) ) أراد أن يشفع المنفق ما ينفقه من دينار
أو درهم أو سلاح أو غير ذَلِكَ، قَالَ الداودي: يقع الزوج على الواحد
والاثنين، وهو هنا على الواحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾
[النجم: ٤٥] واعترضه ابن التين فقال: ليس قوله ببين، وقد ذكره ابن
قتيبة أيضًا فقال: (إن)(٢) الزوج يقع على الواحد والاثنين.
وقوله: ( ((أَيْ فُل هلم)) ) أي: يا فلان، فرخم كقولك: يا حار إذا
رخمت حارثًا، وكقول الشاعر في محمد: أمسك فلانًا عن فل، والعرب
تقول في النداء: يا فلان، وأي فلان وأفلان.
ومعنى: (لا توى) لا ضياع، وقيل: لا هلاك، من قولك: توى
المال يتوى تواء، قَالَ ابن فارس: والتوى يمد ويقصر وأكثرهم على
(٣)
أنه مقصور
.
ومعنى الكلام أن هذا الرجل لا بأس عليه أن يترك بابًا ويدخل آخر.
و(الرُّحَضَاء) -في حديث أبي سعيد -: العرق الذي أدره عند نزول
الوحي عليه، يقال: رحض الرجل إذا أصابه ذلك، فهو مرحوض
ورحیض.
(١) سلف برقم (١٤٦٥) باب الصدقة على اليتامى.
(٢) من (ص١).
(٣) ((مجمل اللغة)) ١٥١/١.

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (كأن على رءوسهم الطير). قَالَ الداودي: يعني: أن كل
واحد صار كمن على رأسه طائر يريد صيده فلا يتحرك لئلا يطير به.
وقوله: ( ((يقتل حبطا أو يلم)) ) كذا هو في الأصول، وذكره ابن
التين بحذف ((حبطا)) ثم قَالَ: هذا محذوف منه. وروي تامًّا فذكره،
والحبط: انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل من أكله.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل الجهاد على سائر الأعمال، وأن
للمجاهد أجر المصلي والصائم والمتصدق، وإن لم يفعل ذلك،
ألا ترى أن باب الريان هو للصائمين خاصة، وقد قَالَ في هذا
الحديث: ((يدعى من كل باب)) فاستحق ذَلِكَ بإنفاق قليل من مال الله
في سبيله، ففيه أن الغني إذا أنفق في سبيل الله أفضل الأعمال، قَالَ:
إلا أن طلب العلم ينبغي أن يكون أفضل من الجهاد وغيره؛ لأن
الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل الله منه وحرم، ألا ترى أن
المجاهد متصرف بين أمر العالم ونهيه، ففضل عمله كله في ميزان
العالم الآمر له بالمعروف، والناهي له عن المنكر، والهادي له إلى
السبيل، فكما أن أجر المسلمين كلهم مدخور لرسول الله وَل﴿ من أجل
تعلمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم، فكذلك يجب أن يكون أجر
العالم فيه أجر من عمل بعلمه.
وفيه: دليل على أن من دعي من أبواب الجنة كلها لم يكن ممن
أستحق عقوبة في نار - والله أعلم - لقول أبي بكر: (ذَلِكَ الذي
لا توى عليه) أي: لا هلاك، فلم ينكره رسول الله وَله.
وفيه: القول بالدليل في أحكام الدنيا والآخرة لاستدلال أبي بكر
وبالدعاء له من كل باب أنه لا هلاك عليه، ولتصديق رسول الله وَليه

٤٧٩
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ذَلِكَ الاستدلال وتبشيره لأبي بكر أنه منهم من أجل أنه أنفق في سبيل الله
كلها أزواجًا كثيرة من كل شيء، وروى ابن المنذر من حديث أبي
عبيدة بن الجراح مرفوعًا: ((من أنفق في سبيل الله فسبعمائة ضعف)).
ومن حديث خريم بن فاتك مرفوعًا مثله(١)، وقد جاء أن الذكر
وأعمال البر في سبيل الله أفضل من النفقة؛ فيه من حديث معاذ بن
أنس الجهني أنه قَالَ: «يضعف الذكر والعمل في سبيل الله على
تضعيف الصدقة سبعمائة ضعف))(٢)، وعن ابن المسيب مثله.
(١) رواه الترمذي (١٦٢٥)، والنسائي ٤٩/٦، وأحمد ٣٤٥/٤.
(٢) رواه أبو داود (٢٤٩٨)، وأحمد ٤٣٨/٣.

٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٨ - باب فَضْلٍ مَنْ جَهَّرَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْ
٢٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي
يَخْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُشْرُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ
وََّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلّ قَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ
غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا)). [مسلم: ١٨٩٥ - فتح: ٤٩/٦]
٢٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ عَّه أَنَّ
النَّبِيَّ نَّهَ لْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمُّ سُلَيْم، إِلَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ،
فَقَالَ: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي)). [مسلم: ٢٤٥٥ - فتح: ٦/ ٥٠]
ذكر فيه حديث بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ -هو بالسين المهملة وبضم أوله- عَنْ
زَيْدٍ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ النبي ◌َّهِ قَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا،
وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا)).
ومن حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ
سُلَيْم، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا
مَعِي)).
الشرح :
حديث بسر بن سعيد أخرجه مسلم والأربعة (١).
وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((أيكم خلف
الخارج في أهله وماله بخير كان له نصف أجر الخارج))(٢)، ومن حديث
بريدة بن الحصيب مرفوعًا: ((حرمة نساء المجاهدين على القاعدين
كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من
(١) مسلم (١٨٩٥)، أبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٨)، والنسائي ٤٦/٦.
(٢) مسلم (١٣٨/١٨٩٦) كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي.