النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ رابعها: أن الأنبياء يعتريهم السهو، نبه عليه ابن التين. خامسها: قوله: ( ((لأطوفن)) ) كذا روي هنا، وفي رواية أخرى: (لأطيفن))(١)، وكلاهما صحيح كما قَالَ المبرد، يقال: طاف بالشيء وأطاف به وأصله: الدوران حول الشيء، وهو (هنا)(٢) كناية عن الجماع، وهو دال على ما خص الله به أنبياءه من صحة البنية، وكمال الرجولية مع ما كانوا عليه من الجد والاجتهاد في العبادة، والعادة في مثل هذا لغيرهم الضعف عن الجماع، لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم، فحصل لسليمان من الإطاقة أن يطأ في ليلة مائة أمرأة ينزل في كل واحدة منهن. وسيدنا رسول الله بَر أعطي (فيه)(٣) أكثر من ذَلِكَ قوى ثلاثين رجلًا، وفي ((الطبقات)): أربعين. قَالَ مجاهد: أعطي قوة أربعين رجلاً كل رجل من أهل الجنة(٤). وقد أوضحت الكلام عليه في ((الخصائص))(٥)، وكان إذا صلى الغداة دخل على نسائه فطاف عليهن بغسل واحد ثم يبيت عند التي هي ليلتها(٦)، وإن روي من حديث عائشة طوافه عليهن من غير مسيس ولا مباشرة. (١) ((صحيح مسلم)) (١٦٥٤/ ٢٤). (٢) من (ص١). (٣) من (ص١). (٤) ((الطبقات الكبرى)) ١/ ٣٧٤. (٥) ((غاية السول)) ص٢٠٧. (٦) سلف برقم (٢٦٨). ٤٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == واللام في (لأطوفن)) داخلة على جواب القسم، وكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدل على مقسم معين، ويؤيده قوله: ((لو قَالَ إن شاء الله لم يحنث)) لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلا عن قسم، ويبعد أن يكون ابتدأ به، وأن ذَلِكَ حكاية عن قول سليمان من غير قسم. سادسها: قوله: ( ((بفارس))) وفي رواية: ((بغلام)) ظاهرُهُ الجزمُ على أن الله تعالى يفعل ذَلِكَ لصدق رجائه في حصول الخير، وظهور الدين والجهاد، ولا يظن به أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا مَن جَهِل حال الأنبياء في معرفتهم بالله وتأدبهم معه. وقوله: ( ((فقال له صاحبه))) يعني: المَلَك، كما ذكره في النكاح(١)، وفي مسلم: ((فقال له صاحبه أو الملك)) وهو شك من (واحد من)(٢) رواته، وفي رواية له: ((فقال لصاحبه)) بالجزم من غير تردد. قَالَ القرطبي: فإن كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس أو من الجن، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قَالَ: وقد أبعد من قَالَ هو خاطره(٣). وقال النووي: قيل: المراد بصاحبه، الملك، وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي (٤). قلتُ: الصواب الأول كما أسلفناه عن رواية البخاري في أثناء النكاح. (١) سيأتي برقم (٥٢٤٢). (٢) في (ص١): أحد. (٣) ((المفهم)) ٤/ ٦٣٧. (٤) ((شرح مسلم)) ١١/ ١٢٠. ٤٢٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ سابعها: قوله: ( ((فلم يقل إن شاء الله)) ) أي: بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه، فإنه لا يليق بمنصب النبوة، وإنما هذا كما أتفق لنبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام لما سُئل عن الروح والخضر وذي القرنين؟ فوعدهم أن يأتي بالجواب غدًا جازمًا بما عنده من معرفة الله وصدقه وعده في تصديقه وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بها لا عن التفويض بقلبه، فاتفق أن تأخر الوحي عنه ورميَ بما رُمِيَ لأجل ذَلِكَ، ثم علمه الله بقوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية. [الكهف: ٢٣-٢٤] فكان بعد ذَلِكَ يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب. وهذا لعلو مناصب الأنبياء وكمال معرفتهم بالله تعالى يعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم. ثامنها: قوله: ( «لو قَالَ: إن شاء الله لم يحنث)) ) فيه دلالة على أنه أقسم على شيئين: الوطء والولادة، فإنه فعل الوطء حقيقة والاستيلاد لم يتم، إذ لو تم (الاستيلاء)(١) لم يقل فيه ذلك، وهذا محمول على أنه الَّ أوحي إليه بِذَلِكَ في حق سليمان، لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا، وهذا من خصائص نبينا في اطلاعه على أخبار الأنبياء السالفة والأمم الماضية. تاسعها: فيه دلالة على جواز قول: لو ولولا بعد وقوع المقدور، و(قد)(٢) جاء في القرآن كثير وفي كلام الصحابة والسلف، وسيأتي ترجمة البخاري على هذا: باب ما يجوز من اللو (٣)، وأما النهي عن ذَلِكَ وأنها تفتح عمل الشيطان فمحمول على من يقول ذَلِكَ معتمدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور أو متضجرًا منه وقد أوضحت ذَلِكَ (١) من (ص١). (٣) سيأتي بعد رقم (٧٢٣٧) كتاب: التمني. (٢) من (ص١). ٤٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - في ((شرح العمدة))(١)، فإني أمعنت في شرح هذا الحديث فيه، وهنا اقتصرنا على أطراف خشية الطول. العاشر: إن قلت من أين لسليمان أن الله تعالى يخلق من مائِهِ في تلك الليلة مائة غلام لا جائز أن يكون بوحي لأنه ما وقع، ولا أن يكون الأمر في ذَلِكَ إليه؛ لأنه لا يكون إلا ما يريد؟ فالجواب ما ذكره ابن الجوزي: أنه من جنس التمني على الله، والسؤال له جل وعز أن يفعل والقسم عليه، كقول أنس بن النضر: والله لا تكسر ثَنَّة الرُّبِيِّع. قلتُ: الشارع سماه قسمًا فقَالَ: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه))(٢). الحادي عشر: قوله: ( ((فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل))) وفي رواية: ((بشق غلام))، وفي أخرى: ((نصف إنسان))، وفي أخرى له: ((فلم يحتمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا إحدى شقيه)). الثاني عشر: قوله: ( ((فلم يقل)) ) قد فسر في الرواية الأخرى: ((فنسي)) وقيل: صُرف عن الاستثناء ليتم سابق حكمه تعالى، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: فلم يقل إن شاء الله، فقيل له: قل: إن شاء الله. تتمات : أحدها: سليمان أحد المؤمنَيْنِ اللذَيْنِ ملكهما الله الدنيا كلها، والآخر ذو القرنين، وملكها كافران: نمروذ وبختنصر. ويقال: إنه (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٦٧/٩. (٢) سلف برقم (٢٧٠٣). ٤٢٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ملك بعد أبيه وله أثنتا عشر سنة من عمره، وسخر (الله) (١) له الجن والإنس والطير والريح، وكان إذا جلس في مجلسه عكفت عليه الطير، فقام له الإنس والجن، عاش ثلاثًا وخمسين سنة. ثانيها: قَالَ بعض المتكلمين: نبه وَ لاههنا على آفة التمني والإعراض عن التسليم والتفويض، قَالَ: ومن آفته نسيانه الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر السابق كما سبق. ثالثها: في رواية للبخاري ستأتي: ((وكان أرجى لحاجته))(٢)، وفي أخرى في ((الصحيح)): ((وكان دركًا لحاجته)) (٣)، وهو -بفتح الراء- أسم من الإدراك، أي: لحاقا قَالَ تعالى: ﴿لَّا تَخَفُ دَرَّكَا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] والمعنى أنه كان يحصل له ما أراد. رابعها: فيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ ولا تَكفي فيه النيةُ، وهو قول الأربعة والعلماء كافة، وادعى بعضهم أن قياس قول مالك: أن اليمين تنعقد بالنية صحت الاستثناء بها من غير لفظ ومنع. خامسها: جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل بناء على الظن فإن هذا الإخبار راجع إلى ذلك، وأجاز أصحابنا الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف على خط مورثه إذا وثق بخطه، وأمانته، وجوزوا العمل به واعتماده. سادسها: فيه استحباب التعبير باللفظ الحسن عن غيره، فإنه عبر عن الجماع بالطواف كما سلف، نعم لو دعت ضرورة شرعية إلى التصريح به لم یعدل عنه. (١) من (ص١). (٢) سيأتي برقم (٥٢٤٢). (٣) (صحيح مسلم)) (١٦٥٤/ ٢٤). ٤٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٤ - باب الشَّجَاعَةِ فِي الحَرْبِ وَالْجُبْنِ ٢٨٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ عَُّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزْعَ أَهْلُ المَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ◌ِّ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، وَقَالَ: ((وَجَدْنَاهُ بَحْرًا)). [٢٦٢٧) - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٣٥/٦] ٢٨٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ بَّهَ وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى أَضْطَرُوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ نَِّ فَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَمَّا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا)). [٣١٤٨ - فتح: ٣٥/٦] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ وََّ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، قَالَ: (وَجَدْنَاهُ بَحْرًا)). وحديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنِ، تُعَلَّقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى أَضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ وَ، وَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِه العِضَاءِ نَعَمَّا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًّا)). ٤٢٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = الشرح : الحديث الأول سلف قريبًا في باب من استعار من الناس الفرس ويأتي في الأدب(١)، وأخرجه مسلم في الفضائل، والترمذي في الجهاد؛ وقال: صحيح، وكذا النسائي وابن ماجه(٢). وحديث جبير يأتي في الخمس. والفرق بين الجبن والبخل : البخل: أن يضن الإنسان بماله أن يبذله في المكارم. والجبن: ضد الشجاعة، وإنما يكون من ضعف القلب و(خشية)(٣) النفس. ثم الكلام من وجوه: أحدها: فيه : - كما قَالَ المهلب - أن الرئيس قد يتشجع في بعض الأوقات إذا وجد في نفسه قوة، وإن كان اللازم له أن يحوط أمرَ المسلمين بحياطة نفسه، لكنه لما رأى الفزع المستولي، علم أنه لم يُكاد بما أخبره الله به من العصمة، وأنه لابد أن يتم أمره حَتَّى تمر المرأة من الحيرة حَتَّى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، فلذلك أمن فزعهم باستبراء الصحراء، وكذلك كل رئيس إذا استولى على قومه الفزع ووجد من نفسه قوة فينبغي له أن يُذهب عنهم الفزع باستبرائه بنفسه. ثانيها: فيه: استعمال المجاز في الكلام؛ لقوله في الفرس: (وجدناه بحرًا))، فشبهه بذلك لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع (١) يأتي برقم (٦٠٣٣) باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل. (٢) الترمذي (١٦٨٥)، وابن ماجه (٢٧٧٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ٢٥٧/٥ (٨٨٢٩). (٣) في (ص١): خسة. ٤٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ماء البحر، وأول من تكلم بهذا رسول الله بَّر، ويأتي له تتمة في باب: أسم الفرس والحمار بعد إن شاء الله(١). ثالثها: فيه: استعارة الدواب للحرب وغيره، وقد سلف، وركوب الدابة عُريًا لاستعجال الحركة. رابعها: في الحديث الثاني: أنه لا بأس للرجل الفاضل أن يخبر عن نفسه فيما فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف من سوء ظن أهل الجهالة به. خامسها: فيه: أن البخل والجبن والكذب من الخلال المذمومة التي لا تصلح أن تكون في رؤساء الناس، وأن من كانت فيه خلة منها لم يتخذه المسلمون إمامًا ولا خليفة، وكذلك من كان كذوبًا فلا يتخذ إمامًا في دين الله؛ لأن الكذب فجور ويهدي إليه كما نطق الشارع به، ولا يؤمن على وحي الله وسنة رسوله الفجار، وإنما يؤمن عليه أهل العدل، كما قَالَ وَّ: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله))(٢). سادسها : (فيه): (٣) أن الإلحاف في المسألة قد يرد بالقول والعدة كما قَالَ: ((لو كان لي عدد هذِه العضاه نعما لقسمته بينكم)) والوعد منه في حكم الإنجاز واجب، لقوله: ((ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوبًا)). وفيه: الصبر لجهلة الناس وجفاة السؤال، وإن ناله في ذَلِكَ أذى، وسؤاله رداءه تأنيسًا لهم من الأذى بالجفاء عليه، والمزاحمة في الطريق (١) يأتي برقم (٢٨٥٧). (٢) ورد بهامش الأصل: هذا الحديث مرسل أو معضل؛ ضعيف. [قلت: تقدم تخريجه بتمام]. (٣) من (ص١). = ٤٢٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ثم رد إلحافهم بأن أعلمهم أن ما ملكه مقسوم بينهم، وأن وعده منجز لهم، وأن الذي يسألونه من قتالهم وعونهم له ليسوا بالمتقدمين عليه فيه، بل هو المقدم عليهم في القتال، وفي كل حاله لقوله: ((ولا جبانًا)) ولم ينكر أحد ما وصف به نفسه لاعترافهم به. سابعها: ((العضاه)) كما قَالَ أبو عبيد: من الشجر كل ما له شوك ومن أعرف ذَلِكَ الطلح والسَّلم والسَّيال والعُرْفُط والسَّمُر، وقال غيره: والقتاد، قَالَ ابن التين: وتقرأ بالهاء وقفًا ووصلًا، وهو شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، الواحدة عضاهة وعضهة، (وعِضَةٌ)(١)، وإنما ذَلِكَ لأنهم حذفوا منها الهاء الأصلية كما حذفت في شفه، ثم ردت في عضاه كما ردت في شفاه، وقال ابن فارس: الواحدة عضه الهاء أصلية، قَالَ: وقد يقال: عضة مثل عزة، وهذا بعير عضه إذا كان يأكل العضاه (٢). ثامنها: قوله: (مقفله من حنين) أي: مرجعه، وذلك سَنة ثمان. و(السمرة) واحدة السمر، وهي شجر طوال متفرق الرءوس، قليل الظل، صغار الورق، قصار الشوك، جيد الخشب، ولم يواره صفر أو صمغ أبيض، قليل المنفعة، ويخرج من السمرة شيء يشبه الدم، يقال: حاضت السمرة إذا خرج منها ذلك. تاسعها: قوله: ( ((نعمًا))) وفي بعض النسخ: ((نعم)) وهما صحيحان، فـ ((نعم)) اسم كان و((عدد)) خبرها، ومن رواه ((نعمًا)) فهو خبر كان، قَالَ ابن التين: وهذا أولى، لأن نعمًا نكرة، وهو أولى أن (١) كتبها الناسخ في الهامش وكتب فوقها (سقط). (٢) ((مجمل اللغة)) ٢ /٦٧٣. ٤٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == يكون خبرًا، ويصح نصبه على التمييز، والنعم الإبل خاصة، كذا قال أكثر أهل التفسير. وقال أبو جعفر النحاس: قيل: النعم الإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل قيل لها نعم، وإن أنفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم(١). واختلف في (الأنعام) فقيل هي جمع نعم، فيكون للإبل خاصة، وقيل: إذا قلتَ (أنعام) دخل فيه البقر والغنم. واختلف في النعم هل تؤنث فنقول هذِه نعم، فأكثرهم على جوازه، وقال الفراء: لا يؤنث. العاشر: قوله: ( (ثم لا تجدوني بخيلا)) ) قد تقدم بيانه. وقال القزاز: البخيل: الشحيح، وقال ابن مسعود: لا يعطي شيئًا، والشح: أخذك مال أخيك بغير حق، وقال طاوس: البخل: أن تبخل بما في يديك، والشح: أن تشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلال والحرام، وقيل: البخل في اللغة دون الشح، والشح أشد منه، يقال: جوزة شحيحة إذا كانت صحيحة، يقال: بخل يبخل بُخْلا وبَخَلًا، والجبان: الذي يرع في الحرب ويضعف، وذلك يؤدي إلى الفرار من الزحف، وهي كبيرة، يقال: جَبُنَ يَجْبُن جُبْنا وجُبُنًا، وجمع الجبان جبن. (قَالَ الشاعر: لبئست الخلتان الجهل والجبن)(٢) جهلًا علينا وجبنًا عن عدوكم (١) ((معاني القرآن)) ٣٦١/٢. (٢) من (ص١). ٤٣١ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ٢٥- باب مَا يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْنِ ٢٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونِ الأَوَدِيَّ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِهِ هؤلاء الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نََّ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بَِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)). فَحَدَّثْتُ بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ. [٦٣٦٥، ٦٣٧٠، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠ - فتح ٣٥/٦] ٢٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ◌َُّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ القَبْرِ)). [٤٧٠٧، ٦٣٦٧، ٦٣٧١ - مسلم: ٢٧٠٦ - فتح: ٣٦/٦] ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ الأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هؤلاء الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ﴿ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كل صلاةٍ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بَِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)). وحديث أَنَسٍ: كَانَ النَِّيُّ وَِّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بَِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)). ٤٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الشرح : حديث سعد من أفراده، وحديث أنس يأتي في الدعوات، وأخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه أبو داود في الصلاة، والنسائي في الاستعاذة(١)، وسلف في باب الدعاء قبل السلام من حديث عائشة (٢)، نحو حديث أنس. أما استعاذته من الجبن فلأنه يؤدي إلى عذاب الآخرة كما قَالَهُ المهلب؛ لأنه يفر من قرنه في الزحف، فيدخل تحت وعيد الله فيمن ولَّى ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اْللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] وربما يفتتن في دينه فيرتد لجبن أدركه وخوف على مهجته من الأسر والعبودية. و( ((أرذل العمر))): أَرْدَأَهُ، وهو حالة الهرم والضَّعْفِ عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه مما يتنظف فيكون كلًّا على أهله مستثقلًا فيهم. و( ((فتنة الدنيا))) أن يبيع الآخرة بما يتعجله في الدنيا من حال أو مال. وتعوذه من العجز؛ لئلا يعجز عما يلزمه فعله من منافع الدين والدنيا. ( ((والعجز))): ذهاب القدرة في وجد، وهو الكسل عن الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، وكلاهما يجوز أن يتعوذ منه، وقال ابن بطال: اختلف في معنى العجز، فأهل الكلام يجعلونه ما لا استطاعة لأحد على ما عجز عنه، لأنها عندهم مع الفعل، وأما الفقهاء فيقولون: إنه هو ما يستطيع أن يعمله إذا أراد؛ لأنهم يقولون: إن الحج ليس على الفور، ولو كان على المهلة عند أهل الكلام لم (١) أبو داود (١٥٤٠)، والنسائي ٢٥٧/٨. (٢) سلف برقم (٨٣٢) كتاب الأذان. ٤٣٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = يصح معناه؛ لأنها لا تكون إلا مع الفعل، والذين يقولون بالمهلة يجعلونها قبله. قال: ( ((والكسل)) ) مجمعون على أنه ضعف الهمة، وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما استعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة وسيأتي أيضًا في الدعاء(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٣٥/٥-٣٦. ٤٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٢٦- باب مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ فِي الحَرْبِ قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ. ٢٨٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الشَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعْدًا وَالْقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﴿ُ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، إِلَّ أَّ سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمٍ أُحُدٍ. [٤٠٦٢ - فتح: ٣٦/٦] ثم ساق حديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعْدًا وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، إِلَّ أَنِي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ. الشرح : قوله: (قاله أبو عثمان عن سعد) يعني: معلقًا وقد ذكره مسندًا في ((صحيحه)) عن محمد بن أبي بكر وحامد بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه عن أبي عثمان(١)، وإنما لم يحدث هؤلاء عن رسول الله لي -والله أعلم- خشية الزيادة والنقصان؛ لئلا يدخلوا في معنى قوله: ((من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار))(٢)، فاحتاطوا على أنفسهم أخذًا بقول عمر: أقلّوا الحديث عن رسول الله (١) سيأتي برقم (٣٧٢٢) كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر طلحة بن عبيدالله ، عن محمد بن أبي بكر، به. ورواه مسلم (٢٤١٤) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما، عن محمد بن أبي بكر، وحامد بن عمر، ومحمد بن عبدالأعلى، به. (٢) سلف برقم (١٠٩) كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ◌َّل من حديث سلمة. ٤٣٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وَّ، وأنا شريككم(١)، وقد سلف ذَلِكَ في كتاب العلم واضحًا، وإنما حدث طلحة عن مشاهده يوم أحد. ففيه: أن للرجل أن يحدث عما تقدم له من (العناء)(٢) في إظهار الإسلام وإعلاء كلمته، وما يعد فيه من أعمال البر والموجبات غير النوافل، لأنه كان عليهم نصره وَلّ، وبذل أنفسهم دونه فرضًا ليتأسى بذلك المتأسي، ولا يدخل ذَلِكَ في باب الرياء؛ لأن إظهار الفرائض أفضل من سترها ليشاد منار الإسلام، ولتظهر أعلامه، وكان طلحة من أهل النجدة (٣) وثبات القدم في الحرب، ذكر البخاري عن قيس في المغازي قَالَ: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله وَ له يوم أحد (٤)، وعن أبي عثمان أنه لم يبق مع رسول الله (تلك الأيام)(٥) غير طلحة وسعد(٦)، فلهذا حدث طلحة عن مشاهده يوم أحد ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله. (١) رواه ابن ماجه (٢٨)، وابن المبارك في ((مسنده)) (٢٢٦) كلاهما من طريق الشعبي، عن قرظة بن كعب، عن عمر. وانظر: «كنز العمال)) ٢٩٣/١٠ (٢٩٤٨٢). (٢) في الأصل: الغناء، بما يقارب الغين المعجمة، ولعل ما أثبت هو المقارب للجادة. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال في ((الصحاح)): النجدة: الشجاعة، تقول منه: نَجُد الرجل بالضم فهو نجد ونجيد، وجمع نجد: أنجاد، مثل يقظ وأيقاظ، وجمع نجيد نجداء، ورجل ذو نجدة، أي: ذو بأس، ولاقى فلان نجدة، أي: شدة. (٤) سيأتي برقم (٤٠٦٣) باب ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. (٥) من (ص١). (٦) سيأتي برقم (٤٠٦٠). ٤٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٧ - باب وُجُوبِ النّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنَ الجِهَادِ وَالنِّيَّةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآيَةَ. إلى قوله ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤١]، وَقَوْلِهِ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّافَلْتُمْ إِلَى اُلْأَرْضِّ﴾ الآية [التوبة: ٣٨]. يُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسِ: ﴿فانفروا ثبات﴾ [النساء: ٧١]: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ، يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ: ثُبَّةٌ. ٢٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِّ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَّرْ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا أَسْتْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٣٧/٦] ثم ساق حديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا أَسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). الشرح : نسخ هُذِهِ الآية قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآِفَةٌ﴾ وذلك أن قوله: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية قَالَ أبو مالك الغفاري وابن النحاس: هذِه أول آية نزلت من براءة (١)، ثم نزل أولها وآخرها. واختلف في الخفاف والثقال، فقال أبو طلحة: شبابًا وشيوخًا (٢)، (١) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٦٤ (٣٥٩١٦)، عن أبي مالك. (٢) رواه الطبري ٣٧٦/٦ (١٦٧٥١)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١٨٠٢/٦ (١٠٠٥٥). ٤٣٧ = ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وقال الحسن: في العسر واليسر (١)، وقال مجاهد: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال الأوزاعي: ركبانًا ومشاة(٢)، وقال قتادة: نشاطًا وغير نشاط(٣)، وقال زيد بن أسلم: المثقل من له عيال، والمخف: من لا عيال له، وهي أقوال متقاربة وقريب منه أصحاء ومرضى، عُزَّابًا ومتأهلين، جمع خفيف وثقيل أي: خف عليكم ذَلِكَ أو ثقل. وقوله: ﴿ٌثَّاقَلْتُمْ﴾ أصله: تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى فأتي بألف الوصل ليتوصل به إلى النطق بالساكن، قَالَ مجاهد: في غزوة تبوك أمروا بالخروج في شدة الحر وقد طابت الثمار، ومالوا إلى أهل الظلال (٤). وقوله: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: رضيتم بنعيم الدنيا عن نعيم الآخرة. ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ فعلًا قريب المتناول، والعرض: ما يعرض من منافع الدنيا لو كانت غنيمة قريبة. و﴿وَسَفَرًّا قَاصِدًا﴾ أي: سهلًا وسطًا. و﴿الشُّقَّةُ﴾: المسافة والغاية التي يقصد إليها. وما ذكره البخاري عن ابن عباس ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في ((تفسیرہ)) عنه. و(السرية): من يدخل دار الحرب مستخفيًا وعند أهل اللغة: الثبات: الجماعات في تفرقة أي: حلقة حلقة كل جماعة منها ثبة، و(الثُّبَّة): مشتقةٌ من قولهم: ثَبَّيْتُ الرجل إذا أَثْنَيتَ عليه في حياته، (١) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٣ (١٠٠٦٠). (٢) رواه الطبري ٣٧٨/٦ (١٦٧٦٦). (٣) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١/ ٢٤٧ (١٠٨٧)، والطبري ٣٧٨/٦ (١٦٧٦٥). (٤) ((تفسير مجاهد)) ٢٧٨/١، ورواه أيضًا الطبري ٦/ ٣٧٢ (١٦٧٣٤). ٤٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - كأنك جمعت محاسنه(١)، ووقع في رواية أبي الحسن (ثباتًا) بالألف، ولا وجه له؛ لأنه جمع المؤنث السالم مثل الهندات. وحديث: ((لا هجرة بعد الفتح)) سلف تأويله فلعله يريد: لا هجرة لمن لم يهاجر قبل الفتح، وكان في بدء الإسلام فرض على كل مسلم الهجرة إليه فليقاتل معه، فلما فتح مكة وكسر شوكة صناديد قريش، ودخل الناس في دين الله أفواجًا قَالَ ذَلِكَ. وسيأتي في آخر الجهاد، باب لا هجرة بعد الفتح. قَالَ المهلب: والنفير والجهاد يجب وجوب فرض، ووجوب سنة، فأما من استنفر لعدو غالب ظاهر فالنفير فرض عليه، ومن استنفر لعدو غير غالب ولا قوي (للمسلمين)(٢) فوجوب سنة؛ من أجل أن طاعة الإمام (المستنفر لأن المستنفر للعدو)(٣) الغالب قد لزم الجهاد فيه كل أحد بعينه، وأما العدو المقاوم أو المغلوب فلم يلزم الجهاد فيه لزوم التشخيص لكل إنسان، وإنما لزم الجماعة فمن أنتدب له قام به ومن قعد عنه فهو في سعة. (٤) (١) أنظر ((لسان العرب)) مادة: ثوب. (٢) في (ص١): على المسلمين. (٣) ورد في هامش (ص١) ما نصه: كذا في الأصول، والظاهر أن هناك سقطًا. [واعترض عليه بأنه ليس سقطًا بل زيادة في النص، فالعبارة كما عند ابن بطال وهو من مصادر نقله- (المستنفر للعدو) وبحذف (لأن المستنفر) تستقيم العبارة]. (٤) كما في ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٣٧. ٤٣٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ٢٨ - باب الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ أَوْ يُقْتَلُ ٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هذا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ)). [مسلم: ١٨٩٠ - فتح: ٦ /٣٩] ٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا أَفْتَتَحُوهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي. فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العَاصِ: لَا تُشْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هذا قَاتِلُ ابن قَوْقَلٍ. فَقَالَ ابن سَعِيدِ بْنِ العَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومٍ ضَأْنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّ عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَّا أَذْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ. [٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩ - فتح: ٣٩/٦] قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيُّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاص. ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((يَضْحَكُ اللهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هذا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ)). وحديثه أيضًا قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا أَفْتَتَحَهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي. فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العَاصِي: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هذا قَاتِلُ ابن قَوْقَلٍ. فَقَالَ ٤٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ابن سَعِيدِ بْنِ العَاصِي: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمَّ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيُّ هو: عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ. الشرح : الحديث الأول: أخرجه مسلم؛ والثاني: من أفراده. وللنسائي في الأول ((يعجب من رجلين))(١)، وذكره أبو داود وقال: لم يسهم له رسول الله صل﴿، وذكر أنه أبان بن سعيد بن العاصي(٢). وخرج البخاري الثاني في المغازي عاليًا عن موسى، عن عمرو بن یحیی بن سعید، عن جده(٣). ولأبي داود: أنه وُ لّ بعث أبان وسعيد بن العاص على سرية من المدينة قِبَل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول الله وَّه بخيبر بعد أن فتحها؛ فقال أبان: أقسم لنا يا رسول الله. قَالَ أبو هريرة: فقلت لا تقسم لهم يا سول الله فقال: (أبان) (٤): أنت (بها)(٥) يا وبر تحدر علينا من رأس (ضأل)(٦)؛ فقال ◌َله: (١) النسائي ٣٨/٦. (٢) أبو داود (٢٧٢٣). (٣) سيأتي برقم (٤٢٣٩) باب غزوة خيبر. (٤) في الأصل: أنت، والمثبت من (ص١)، و((سنن أبي داود)). (٥) في الأصل: (هنا) والمثبت من مصدر التخريج. (٦) كذا بالأصل، ويأتي بيان أنها رواية.