النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ = ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ مات على ما عاهد عليه(١)، ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَنْتَظِرِّ﴾ (ذَلِكَ)(٢) ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾، وروى الواحدي من حديث إسماعيل بن يحيى البغدادي، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي قَالَ: قالوا له: حَدَّثَنا عن طلحة، فقال: ذَاكَ أمرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله ﴿فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْنَظِرٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣] طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل(٣). ومن حديث (عيسى بن طلحة)(٤) أنه وَلَ مَرَّ عليه طلحة فقال: ((هذا ممن قضى نحبه))(٥). وقال مقاتل في ((تفسيره)): ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهٍ﴾ ليلة العقبة بمكة. ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: أجله فمات على الوفاء؛ يعني: حمزة وأصحابه المقتولين بأحد. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾: يعني: المؤمنين من ينتظر أجله على الوفاء بالعهد. ﴿وَمَا بَدَّلُواْ﴾، كما بدل المنافقون. (١) رواه الطبري ٢٨٠/١٠ (٢٨٤٢٦). (٢) من (ص١). (٣) ((أسباب: النزول)) ص ٣٦٧ (٦٩٤). (٤) في الأصل: يحيى بن طلحة، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه؛ إذ هو الموافق لما في مصادر التخريج وغيره. (٥) ((أسباب: النزول)) ص٣٦٧-٣٦٨ (٦٩٥)، رواه الواحدي من طريق طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة، مرسلا، ورواه الترمذي (٣٢٠٣) موصولا من طريق طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما طلحة .. فذكر نحوه؟ ثم قال: حديث حسن غريب. اهـ وقال الألباني في ((الصحيحة)) ٢٤٧/١: إسناده حسن، رجاله ثقات، رجال مسلم، غير أن طلحة بن يحيى تكلم فيه بعضهم من أجل حفظه، وهو مع ذلك لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. ٣٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وحديث أنس قَالَ الترمذي فيه: حديث حسن مشهور عن حميد (١). قلتُ: وفيه: الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان نفسه في الطاعة. وفيه: الوفاء بالعهد (لله)(٢) بإهلاك النفس ولا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] لأن هؤلاء عاهدوا الله فوفوا بما عاهدوه من العناء في المشركين وأخذوا بالشدة بأن باعوا نفوسهم من الله بالجنة - كما قَالَ تعالى- ألا ترى قول سعد بن معاذ: فما استطعت ما صنع، يريد ما استطعت أن أصف ما صنع من كثرة ما أعيا وأبلى في المشركين(٣). وقوله: (ليرين الله ما أصنع)، وقال في غزوة أحد: ليرين الله ما (أجد) (٤) -بفتح (٥) الهمزة وضمها وتشديد الدال، وبفتح الهمزة وتخفيف الدال- أي ما أفعل ووقع في مسلم: ليراني الله (٦). بالألف؛ وهو الصحيح - كما قَالَ النووي (٧) - ويكون (ما أصنع): بدلًا من (١) الترمذي (٣٢٠٠). (٢) من (ص١). (٣) نقل ابن حجر قول المصنف هذا؛ ثم عقب عليه بقوله: وقع عند يزيد بن هارون عن حميد: فقلت: أنا معك. فلم أستطع أن أصنع ما صنع. وظاهره أنه نفى استطاعة إقدامه الذي صدر منه حتى وقع له ما وقع من الصبر على تلك الأهوال بحيث وجد في جسده ما يزيد على الثمانين من طعنة وضربة ورمية، فاعترف سعد بأنه لم يستطع أن يقدم إقدامه، ولا يصنع صنيعه، وهذا أولى مما تأوله ابن بطال. اهـ ((الفتح)) ٦/ ٢٣، وانظر الرواية التي أشار إليها، رواية يزيد بن هارون في ((جامع الترمذي)) (٣٢٠١). (٤) ورد بهامش الأصل: يقال جد في الأمر يَجِد ويجُد اجتهد، وأجد مثله ثلاثي ورباعي، ذكره الجوهري. (٥) سيأتي برقم (٤٠٤٨) كتاب: المغازي. (٦) ((صحيح مسلم)) (١٩٠٣) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد. (٧) ((شرح مسلم)) ٤٨/١٣. ٣٨٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = الضمير في أراني، ووقع في بعض نسخه: ليرين -بياء مثناة تحت - مفتوحة بعد الراء ونون مشددة، كما في البخاري -أي: يراه الله واقعًا بارزًا - وضُبِط أيضًا بضم الياء وكسر الراء، أي: ليرين الله للناس ما أصنع ويبرزه لهم كأنه ألزم نفسه إلزامًا (مؤكدًا) (١) ولم يظهره مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك، ويؤيده رواية مسلم فهاب أن يقول غيره؛ ولذلك سماه الله عهدًا بقوله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. وقوله: (أجد ريحها من دون أُحُدٍ)، وفي مسلم: واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، يعني بقوله: (واهًا) إما تفجعًا وإما تلهفًا وتحننًا، ويمكن أن يكون حقيقة - كما (بحثه)(٢) ابن بطال- لأن ريحها يوجد من خمسمائة عام، فيجوز أن يشم رائحة طيبة تشهيه الجنة وتحببها له، قال: ويمكن أن يكون مجازًا فالمعنى إني لأعلم أن الجنة في هذا الموضع الذي يقاتل فيه؛ لأن الجنة في هذا الموضع تُكْتَسب وتُشْتَرى(٣)، (وأخته التي عرفت بنانه) أي: الأصابع وأطرافها -هي: الرُّبَيِّع المذكورة بعد- وذكر بعضهم أنها سميت بنانًا: لأن بها صلاح الأحوال التي يستعين بها الإنسان. وحديث خزيمة ذكره في سورة براءة(٤). وقوله: (ففقدت آية من الأحزاب فلم أجدها إلا مع خزيمة) لم يرد أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس فلم تكن عندهم؛ لأن زيد بن ثابت قد حفظها فهما أثنان، والقرآن إنما يثبت بالتواتر لا باثنين، ويدل على (١) في (ص١): وكذا. (٢) كذا صورته التقريبية في الأصل. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٣/٥. (٤) سيأتي برقم (٤٦٧٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾. ٣٨٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح أن معنى وجدها عنده يريد: مكتوبة، وقد روي أن عمر قَالَ: أشهد لسمعتها من رسول الله وَل﴿، وروي أن أبي بن كعب قَالَ مثل ذلك، وعن هلال بن أمية أيضًا مثله. فهؤلاء جماعة، وإنما أمر أبو بكر عند جمع المصحف عمرَ بنَ الخطاب وزيدًا بأن يطلبا علَى ما ينكرانه شهادة رجلين يشهدان سماع ذلك من رسول الله وَله؛ ليكون ذَلِكَ أثبت وأشد في الاستظهار ومما لا يسرع (أحد)(١) إلى دفعه وإنكاره، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب، وقد ذكر في ذَلِكَ وجوهًا (أخر)(٢) هذا أحسنها ستأتي في باب: جمع القرآن في فضائله(٣) إن شاء الله تعالى. فائدة: خزيمة هو ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة، واسمه عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس، أبو عمارة كانت معه راية بني خطمة يوم الفتح، من ولده عبد الله بن محمد بن عمارة بن خزيمة، له أخوان: وحوح؛ لا عقبَ له، وعبد الله بن ثابت؛ له عقب. وسبب كون شهادته بشهادتين، وذكرها هنا ليأتي بالقصة على وجهها أَنْه وَلِ﴿ كَلَّمَ رجلًا في شيء فأنكره، فقال خزيمة: أنا أشهد؛ فقال ◌َله: ((أتشهد ولم تُستشهد)) فقال: نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا؛ فأمضى شهادته وجعلها شهادتين وقال له: ((لا تعد))(٤). (١) من (ص١). (٢) من (ص١). (٣) سيأتي برقم (٤٩٨٦) كتاب: فضائل القرآن. (٤) هذه القصة - بلفظ مقارب- رواها أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي ٣٠١/٧ -٣٠٢، وأحمد ٢١٥/٥-٢١٦. من حديث عمارة بن خزيمة، عن عمه، وهو من أصحاب النبي ◌َّلة، والحديث صححه غير واحد. أنظر: ((الإرواء)) (١٢٨٦). = ٣٨٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٣ - باب عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ القِتَالِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. وَقَوْلُهُ تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ إلى قوله ﴿يُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢-٤]. ٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارِ الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ عُ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َ رَجُلٌ مُقَنَّغْ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: ((أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ)). فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِلّهِ: ((عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا)). [مسلم: ١٩٠٠ - فتح: ٢٤/٦] ثم ساق حديث البَرَاءِ: أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: ((أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ)). فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا)». هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: جاء رجل من بني النبيت -قبيل من الأنصار- قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم قاتل حتى قتل، فقال رسول الله وَله: ((عمل هذا يسيرًا وأجر كثيرًا)) وأخرجه النسائي بلفظ: يا رسول الله: أرأيت لو أني أسلمت كان خيرًا لي؟ قَالَ: ((نعم)). فأسلم ثم قَالَ: يا رسول الله أرأيت لو أني حملت على القوم فقاتلت حتى أقتل أكان خيرًا لي ولم أصلٍ صلاة واحدة؟ قَالَ: ((نعم))(١). وأما الآية فنزلت في الأنصار: عبد الله بن رواحة وغيره، كما قاله مقاتل في ((تفسيره)) أن قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ يعظهم بذلك وذلك أن المؤمنين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله : (١) ((السنن الكبرى)) ١٩٦/٥ (٨٦٥٢) ٣٨٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ﴾ يعني: في طاعته، ﴿صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ﴾ فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان فكرهوا القتال فوعظهم الله وأدبهم فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ نزلت هذه الآية في الأنصار عبد الله بن رواحة وغيره، تمنوا الجهاد فلما نزل فرضه كرهوه قاله ابن عباس ومجاهد(١)، وحكى ابن التين: أنها نزلت في المنافقين، والتقدير على هذا ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا﴾ حكم لهم بحكم الإيمان. ومعنى: ﴿بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ أي: ثبتوا كثبات ما رُصَّ من البناء. وفيه: أن الله تعالى يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير؛ تفضلًا منه على عباده فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه وإن كان عمله قليلًا، لأنه أعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنًا طول حياته فنفعته نيته وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه أُنْضَافَ إلى كفره اعتقادُه أنه يكون كافرًا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات، قاله المهلب (٢). وقال ابن التين: أما عمله فقليل وأما ما بذله فكثير. قَالَ ابن المنيِّر: والمطابقة بين الترجمة وبين ما تلاه أن الله عاتب من قَالَ: إنه يفعل الخير ولم يفعله، ثم أعقب ذَلِكَ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا﴾ وهو ثناء على من وفى وثبت ثم قاتل وفى الآية بالمفهوم الثناء على من قَالَ وفعل. فقوله المتقدم وتأهبه للجهاد عمل صالح قدمه على الجهاد(٣). (١) رواه الطبري ٧٩/١٢-٨٠ (٣٤٠٤٢، ٣٤٠٤٥). (٢) نقله عنه ابن بطال ٢٤/٥. (٣) ((المتواري)) ص١٥١. ٣٨٧ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٤ - باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ ٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ - وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ - أَتَّتِ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ - فَإِنْ كَانَ فِي الَجَنَّةِ صَبَّرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ؟ قَالَ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابنِكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى)). [٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧ - فتح: ٦ /٢٥] ذكر فيه حديث شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبِّع بِنْتَ البَرَاءِ - وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ - أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ - فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابنِكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى)). هذا الحديث من أفراده، وفي لفظ له في المغازي: ((أهبلتِ أجنةٌ واحدة هي إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى))، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث أنس(١). والكلام عليه من وجوه: أحدها : قوله: (أن أم الربيع بنت البراء)(٢) غيرُ جيد إنما هي: أم (١) ((جامع الترمذي)) (٣١٧٤). (٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٦/٦ معقبا: كذا لجميع رواة البخاري؛ وقال بعد ذلك: وهي أم حارثة، وهذا الثاني هو المعتمد، والأول وَهَمِّ نبه عليه غير واحد من آخرهم الدمياطي؛ فقال: قوله: أم الربيع بنت البراء وَهَمِّ، وإنما هي الربيع بنت النضر، عمة أنس بن مالك. اهـ أما الكرماني في ((شرحه)) ١١٢/١٢ فرجح رواية البخاري، وأورد احتمالات لصحتها، وتعقبه الحافظ فليراجع. ٣٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي، وهي عمة أنس بن مالك بن النضر بن مالك بن النضر هي التي كسرت ثنية أمرأة؛ بَيَّن ذَلِكَ الترمذي في التفسير من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله 18 وكان ابنها حارثة أصيب يوم بدر، وكذا نبه الإسماعيلي في ((مستخرجه))، وأبو نعيم وغيرهما وحارثة هو الذي قَالَ له رسول الله ◌َ له: ((كيف أصبحت يا حارثة)) فقال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًّا .. الحديث(١)، وفيه: يا رسول الله أدع لي (١) رواه الطبراني ٢٢٦/٣ (٣٣٦٧)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٦٣/٧ من حديث الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مر برسول الله يوليو؛ فقال له .. الحديث. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٧/١: فيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه، وقد قال العقيلي بعد ما رواه من حديث أنس: ليس لهذا الحديث إسناد يثبت. ((الضعفاء)) ٤٥٥/٤ (٢٠٨٥)، وحديث أنس هذا رواه البيهقي أيضا في ((الشعب)) ٧/ ٣٦٢، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه قال: هذا منكر، وقد خبط فيه يوسف. ((الإصابة)) ٢٨٩/١ (١٤٧٨)، وفي الباب: عن أبي هريرة أيضا، وفيه كذاب. أنظر: ((المجروحين)) ١٤٩/١-١٥٠. وليراجع ((الإصابة)) لمزيد بيان. تنبيه: قول المصنف أن حارثة الذي في حديث الباب، هو الذي قيل له: كيف أصبحت، فيه نظر؛ فقد قال البيهقي بعد إخراجه في ((الشعب)): هُذِه القصة في الحارث بن مالك.اهـ، والحديث كما تقدم ذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) في ترجمة الحارث بن مالك، ولم يشر من قريب ولا بعيد إلى أي شيء في ترجمة حارثة بن سراقة، وفرق غير واحد بينهما. وانظر: ((الاستيعاب)) ١/ ٣٧٠ (٤٥٩) ثم إنه وقع عند البيهقي من حديث أنس أنه حارثة بن النعمان، لا الحارث بن مالك، لكن سلف أن البيهقي جزم أن القصة معروف بها الحارث بن مالك، وهكذا رواه غير واحد، فليتأمل. ٣٨٩ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ بالشهادة فجاء يوم بدر ليشرب من الحوض فرماه حِبَّان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله. قَالَ أبو موسى المديني: وكان خرج نظارًا وهو غلام؛ ولما قَالَ رسول الله لأمه ما قَالَ رجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة، وهو أول قتيل من الأنصار بیدر. وأما قول ابن منده: أنه شهد بدرًا واستشهد بأحد فغير جيد(١)، وعند أبي نعيم(٢): كان كثير البر بأمه قَالَ وَّه: ((دخلت الجنة فرأيت حارثة كذلك البر))، هو غير جيد؛ لأن المقتول فيه هنا هو حارثة بن النعمان كما بينه أحمد في «مسنده)) وغيره(٣). ثانيها: قوله: (سهم غرب): هو الذي لا يعلم راميه ولم يدر من حيث أتاه، قَالَ أبو عبيد: يقال: أصابه سَهم غرب إذا كان لا يعلم من رماه(٤). وقال ابن السكيت: سهم غربٍ، وسهم غرَّب وغَرَب إذا لم يدر من أي جهة رمي به(٥)، وقال غيره: سهم غربٍ. وحكى الخطابي عن أبي زيد قَالَ: سهم غرْب ساكنة الراء إذا أتاه من حيث لا يدري، وسهم غَرب - بفتح الراء - إذا رماه فأصاب غيره(٦)، (١) مما يؤيد قول المصنف ما ذكره الحافظ في ((الإصابة)) ٣٩٧/١ (١٥٢٤)، عن غير واحد أن حارثة ممن شهد بدرا وقتل بها؛ ثم قال: ولم يختلف أهل المغازي في ذلك؛ ثم ذكر قول ابن منده، ثم أعتمد الحافظ أنه استشهد ببدر. (٢) ((معرفة الصحابة)) ٢ / ٧٤٠ (٦٠٧). (٣) رواه أحمد ٣٦/٦، وصححه الحاكم ٢٠٨/٣، والحافظ في ((الإصابة)) ٣٩٨/١ (١٥٣٢) ترجمة حارثة بن النعمان؛ والألباني في ((الصحيحة)) (٩١٣). (٤) ((غريب الحديث)) ٣٧١/٢. (٦) ((غريب الحديث)) ٢٢١/١. (٥) ((إصلاح المنطق)) ص ١٧٣. ٣٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقال ابن دريد: سهم غائر لا يدرى من رماه، وقال ابن فارس: يقال: سهم غرب وغرب إذا لم يدر راميه(١)، وقال ابن الجوزي: روي لنا سهم بالتنوين وغرب بإسكان الراء مع الرفع والتنوين. وقال ابن قتيبة: كذا تقوله العامة، والأجود سهم غرب بفتح الراء، وإضافة الغرب إلى السهم، وذكره الأزهري بفتح الراء لا غيره(٢). وقال ابن سیده: يقال: أصابه سهم غرب وغرب إذا كان لا يدرى من رماه(٣). وقيل: إذا أتاه من حيث لا يدري، وقيل: إذا تعمد غيره فأصابه، وقد يوصف به. وفي ((المنتهى)): سهم غرب وغرَب بفتح الراء وسكونها يضاف ولا يضاف، إذا أصابه سهم لا يعرف من رماه، ومثله سهم عرض، فإن عرف فليسَ بغرب ولا عرض، وبنحوه ذكره القزاز وغيره، فعلى هذا لا يقال في السهم الذي أصاب حارثة: غَرْب؛ لأن راميه قد عرف. ثالثها: هذا الحديث نحو حديث أم حرام إذا سقطت عن دابتها فماتت، وهذا وشبهه مما يستحق به الجنة، إذا صحت فيه النية. وقولها: (اجتهدت في البكاء) قَالَ الخطابي: لم يعنفها عليه(٤)، قلتُ: لعله المقصود الذي لا حرج على فاعله فهو مباح، فكذا لم يعنفها بل هو رحمة، ويجوز أن يحمل البكاء هنا على الدعاء والرقة (٥)، (١) ((جمهرة اللغة)) ٣٢١/١، ((مجمل اللغة)) ٦٩٥/٢، مادة: (غرب). ((تهذيب اللغة)) ص٢٦٤٤. (٢) (٣) ((المحكم)) ٢٩٩/٥، مادة: (غرب). (٤) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٦٢. (٥) وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) ٦/ ٢٧ أن ذلك كان قبل تحريم النوح؛ لأن تحريمه كان عقب غزوة أحد، والحادثة كانت عقب غزوة بدر. ٣٩١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = يؤَيده رواية الترمذي: اجتهدت في الدعاء(١). وهو نص في وصوله له وهو إجماع، ولهذا شرعت الصلاة عليه، والجنان: جمع جنة: وهي البستان، ويقال: هي النخل الطوال، وقال الأزهري: كل شجر متكاثف يستر بعضه بعضًا فهو جنة، مشتق من جننته إذا سترته (٢). (١) ((جامع الترمذي)) (٣١٧٤). (٢) ((تهذيب اللغة)) ١/ ٦٧٢. مادة: (جن). ٣٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٥ - باب مَنْ فَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا ٢٨١٠ - حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذَّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ). [انظر: ١٢٣ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح: ٢٧/٦] ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله وَهُ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرِى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أي ذَلِكَ في سبيل الله؟ فذكره(١). وفي آخر: يقاتل غضبًا، فرفع إليه رأسه، وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا(٢). وهُذا السائل ورد في ((الصحيح)) أنه من الأعراب(٣)، ولا يحضرني اسمه(٤)، والمراد: بالذِّكْرِ: الشجاعةُ، وهي ضد الجُبْن، وهي شدة القلب عند البأس. (١) سيأتي برقم (٧٤٥٨) كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (٢) سلف برقم (١٢٣) كتاب: العلم، باب: من سأل - وهو قائم - عالما جالسا. (٣) سيأتي برقم (٣١٢٦) كتاب: فرض الخمس، باب: من قاتل للمغنم، هل ينقص من أجره. (٤) ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٦/ ٢٨ أن الأعرابي يصلح أن يكون لاحق بن ضميرة، وحديثه ذكره المديني في ((الصحابة)) وقال: وفي إسناده ضعف. ٣٩٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = وقوله: (ليرى مكانه (في سبيل الله) (١)): أي: للإخلاص. والحديث دال على وجوب الإخلاص في الجهاد، ومصرح بأن القتال للذكر، ونحوه (خارج)(٢) عن ذَلِكَ ودال أيضًا على أن الإخلاص هو العمل على وفق الأمر. ودال أيضًا على تحريم الفخر بالذكر، اللَّهُمَّ إلا أن يقصد بذلك إظهار النعمة. ودال أيضًا على حرمة الرياء وعلى السؤال عن الأعمال القلبية. وبيان أحوال الناس في جهادهم ونياتهم، واعلم أن القتال للذكر إن قصد به إظهار ليقال: إن فلانًا شجاع فهذا ليس بمخلص، وهو الذي يقال فيه في الحديث الصحيح: ((لكي يقال، وقد قيل))(٣)، ويكون الفرق بين هذا القسم وبين قوله بعد: (والرجل يقاتل ليُرى) أن يكون المرادُ به إظهار المقاتلة لإعلاء كلمة الله، وبذل النفس في رضاه، والرغبة فيما عنده، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فيقال: إنه شجاع، والذي قلنا: إنه قاتل إظهارًا للشجاعة ليس مقصوده إلا تحصيل المدح على الشجاعة من الناس فافترقا إذًا، وإن كان طبعًا لا قصدًا فهذا لا يقال: إنه كالأول؛ لعدم قصده الإظهار، ولا أنه أخلص، وإن كان يقصد إعلاء كلمة الله تعالى به فهو أفضل من القسم الذي قبله. (١) عليها في الأصل: (كذا .. إلى). وفي هامشها: كذا في أصله: في سبيل الله، والظاهر أنها زائدة. قلت: لعله سقط (فيمن) أو (إلى قوله). (٢) من (ص١). (٣) رواه مسلم (١٩٠٥) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة أستحق النار؛ من حديث أبي هريرة. ٣٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قَالَ المهلب: إذا كان في أصل النية إعلاء كلمة الله تعالى ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك ((ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)) فخليق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة الله فهذا لا يضره إن كان عقده صحيحًا، (والحمية) في الرواية التي أوردناها هي الأنفة، والغيرة عن عشيرته والغضب وحميت عن كذا حمية بالتشديد وتحمية إذا أنفت منه، والرياء أيضًا يمد وقد يقصر وهو قليل، وقد أسلفنا أنه ضد الإخلاص. وقال الغزالي: إنه إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة(١)، أي: إما متمحضا أو مشارگًا. (١) انظر: ((الإحياء)) ٣٦٨/٣. ٣٩٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ == ١٦ - باب مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ اَلْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]. ٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِیجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِ أَبُو عَبْسٍ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرِ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((مَا أَغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلٍ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ)). [انظر: ٩٠٧ - فتح: ٢٩/٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، ثَا يَزِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا عَبَايَةُ بْنُ رفاعة بن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَخْبَرَنِ أَبُو عَبْسٍ - هُوَ محمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرٍ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (مَا (اغْبَرَّتا)(١) قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ)). الشرح : أمَّا الآية: فقال مقاتل: ذكر الله جل وعز الذين لم يتخلفوا عن غزوة تبوك فقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ وقوله: ﴿عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ في غزوة تبوك قَالَ الثعلبي: ظاهره خبر ومعناه: أمر. و(الأعراب) سُكّان البوادي: مُزينة وجُهينة وأَشْجع وأَسْلم وغِفَار. (﴿أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾) إذ غزا. قَالَ ابن عباس: يكتب لهم بكل روعة تنالهم في سبيل الله (سبعين)(٢) ألف حسنة. (١) ورد بهامش الأصل: في نسخة: أغبرت. (٢) كذا في الأصول، وأعلاها في الأصل: كذا. ٣٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قَالَ قتادة: هُذا خاص برسول الله وَّه إذا غزا بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فمن شاء أن يتخلف تخلف(١). وقال الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما: هذه الآية لأول هذِه الأمة وآخرها(٢). وقال ابن زيد: كان هذا وأول الإسلام قليل فلما كثروا نسخها الله، وأباح التخلف لمن شاء فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ ج لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ (٣) [التوبة: ١٢٢] وقال غيره: لا نسخ، والأولى توجب إذا نفر الشارع أو احتيج إلى المسلمين فاستنفروا لم يسع أحدًا التخلف وإذا بعث الشارع سرية خلف طائفة، وهذا مذهب ابن عباس والضحاك وقتادة، وقال ابن الحصار: قول ابن زيد أنه نسخ بالتأويل الفاسد قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ تعريض لمن تخلف منهم عن تبوك، فهذا النهي يتوجه على كل من استنفر فلم ينفر خاصًّا وعامًّا، ومن لم يستنفر لم يدخل تحته، والآية التي زعمها ناسخة؛ إنما نزلت في الحض على طلب العلم والرِّحْلة فيه، ولا معارضة بين الاثنين، وحديث أبي عبس سلف في الجمعة، وهو من أفراده بل لم يخرج مسلم عن أبي عبس في ((صحيحه)) شيئًا. وشيخه هنا إسحاق، قَالَ الجياني: نسبه الأصيلي في نسخته فقال: ابن منصور، وكذا قاله الكلاباذي (٤)، وجدُّه ابن بَهْرام أبو يعقوب الكَوْسَج المروزي مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين، ويحتمل (١) رواه الطبري ٥١١/٦ (١٧٤٧٦)، وابن أبي حاتم ١٩٠٨/٦ (١٠١٠٥). (٢) رواه الطبري ٦/ ٥١١ (١٧٤٧٧). (٣) رواه الطبري ٥١١/٦ (١٧٤٧٨)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٠٧. (٤) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٩٨٣. ٣٩٧ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ أن يكون إسحاق(١) هذا ابن زيد الخطابي، ساكن حران، ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي عن عبد الله بن زياد الموصلي ثَنَا إسحاق بن زيد الخطابي وكان يسكن حران، ثَنَا محمد بن المبارك الصوري، فذكره كما ذكره البخاري، ومحمد بن المبارك الصوري الشامي مات ما بين سنة إحدى عشرة إلى خمس عشرة ومائتين. وموضع الترجمة من الآية قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] فأثابهم الله بخطواتهم وإن لم يلقوا قتالًا، ففسر ذَلِكَ العمل الصالح، أنه لا يمس النار من أغبرت قدماه في سبيل الله، وهذا وعدٌ منه، وهو منجز لا يتخلف، وسبيل الله جميع طاعاته. (١) ورد بهامش الأصل: إسحاق هذا الذي قال شيخنا يحتمل أن يكون المراد في كلام البخاري هو إسحاق بن زيد بن عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب، ذكره ابن حبان في ((ثقاته))، ونسبه كما نسبته لك، والله أعلم. ٣٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٧ - باب مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ الرَّأْسِ فِي الَّبِيلِ ٢٨١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلَيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: آتِّتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطِ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَأَنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةَ، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ وَقَالَ: ((وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)). [انظر: ٤٤٧ - فتح: ٣٠/٦] ذكر فيه حديث عِكْرِمَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسِ قَالَ لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: اقْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطِ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَأَنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِتَتَيْنِ لَبِنَتَيْنٍ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ لَهُ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ وَقَالَ: ((وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)). قد سلف في بناء المسجد، أنه كان ينقل لبنة عنه ولبنة عن رسول الله وَّ، وقال له: ((تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ». وقوله: (وأخوه) اعترضه الدمياطي الحافظ فقال: لم يكن له أخ من النسب إلا قتادة بن النعمان الظَّفْرِي، فإنه كان أخاه لأمه، وقتادة مات زمن عمر، وكان عُمُرُ أبي سعيد أيامَ بناء المسجد نحوَ عشر سنين أو دونها، قَالَ ابن بطال(١): وقوله: ((يدعوهم إلى الله)): أريد - والله أعلم - أهل مكة الذين أخرجوا عمارًا من دياره، وعذبوه في ذات الله، قَالَ: ولا يمكن أن يتأول على المسلمين؛ لأنهم أجابوا دعوة الله، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجًا عن الإسلام. (١) ((شرح ابن بطال)) ٢٧/٥. ٣٩٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وقوله: ( ((وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)) ) تأكيد للأول؛ لأن المشركين إذ ذاك طالبوه بالرجوع عن دينه. فإن قلت: فتنة عمار كانت أول الإسلام، وهنا قَالَ: ((يَدْعُوهُمْ)) بلفظ المستقبل وما قلته لفظ الماضي؟ فالجواب: أن العرب قد تخبر عن المستقبل بالماضي إذا عرف المعنى كعكسه، فمعنى يدعوهم: دعاهم إلى الله، فأشار إلى ذكر هُذا لما تطابقت شدته في نقله لبنتين شدته في صبره بمكة على العذاب، تنبيهًا على فضيلته، وثباته فى أمر الله، ومسحه وَّيل الغبار عن رأس عمار رضًا من رسول الله بفعله، وشكرًا له على عزمه في ذات الله، قاله المهلب(١). وقوله: (لبنة): هو بفتح اللام وكسر الباء ويجوز كسر اللام وإسكان الباء قَالَ ابن فارس: اللَّبِنَة من اللَّبِن، معروفة وضبطها بالثاني قَالَ: ويقال: لَبْنَةِ(٢). وقوله: ( ((وَيْحَ عَمَّارٍ)) ترجم له، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ ◌ِاَلْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] نزلت فيه كما قاله المفسرون(٣). (١) نقله عنه ابن بطال ٢٧/٥. (٢) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٨٠٢. مادة: لبن. (٣) هو قول ابن عباس وقتادة وغيرهما، كما رواه الطبري ٦٥١/٧- ٦٥٢. ٤٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٨ - باب الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالْغُبَارِ ٢٨١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّمَا رَجَعَ يَوْمَ الَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ فَقَالَ: وَضَغْتَ السّلَاحَ، فَوَاللَّهِ مَا وَضَغْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((فَأَيْنَ؟)). قَالَ: هَا هُنَا. وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ صَلىالله رَسُولُ اللهِ [انظر: ٤٦٣ - مسلم: ١٧٦٩- فتح: ٦ /٣٠]. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهَ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، فَوَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَأَيْنَ؟». قَالَ: هَا هُنَا. وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَّ. الشرح : محمد هذا هو ابن سلام فيما ذكره الجياني (١)، وساقه في بني قريظة عن عبد الله بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن هشام به (٢). وقوله: (فأتاه جبريل) هُذِه الفاء زائدة. قَالَ القرطبي: كذا وقع في الرواية، والصواب: وطرحها فإنه جواب لما، ولا تدخل الفاء في جوابها، وكأنها زائدة كما زيدت الواو في جوابها في قول أمرئ القيس : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حتف ذي ركام عقنقل (١) ((تقييد المهمل)) ٣/ ١٠٢٠. (٢) سيأتي برقم (٤١١٧) كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي ◌ُّر من الأحزاب.