النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
=
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
بضروب من الغيب قبل وقوعها، منها: جهاد أمته في البحر، وضحكه
دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم.
ومنها: الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم، وهو قوله: ((يركبون
ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة)).
ومنها: قوله لأم حرام: ((أنت من الأولين))) فكان كذلك، غزت مع
زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم في البحر مع معاوية زمن عثمان،
سنة ثمان وعشرين وقال ابن (زيد)(١): سنة سبع وعشرين، وقيل: بل
كان ذَلِكَ في خلافة معاوية على ظاهره، والأول أشهر وهو ما ذكره
أهل السير، وفيه هلكت.
ومنها: الإخبار ببقاء أمته من بعده وأن تكون لهم شوكة، وأن أم
حرام تبقى إلى ذلك الوقت، وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي على
ما أوحي به إليه في نومه.
وفيه: أن رؤيا الأنبياء وحي، وقد سلف(٢).
وفيه: ضحك المبشر إذا بشر بما يسره كما فعل الشارع.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل لمعاوية وأن الله قد بشر به نبيه في
النوم؛ لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من
الأولين(٣).
(١) كذا في الأصل، ولَيُراجع: ((تاريخ مولد العلماء ووفياتهم)) ١١٣/١.
(٢) سلف برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء؛ آخر حديث ابن
عباس، من طريق عبيد بن شمير فذكره، ثم قرأ ﴿إِنّ أَرَبِى فِىِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾
وانظر: ((الفتح)) ٢٣٩/١.
(٣) نقله عنه ابن بطال في ((شرحه)) ١١/٥.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه: أن الموت في سَبيل الله شهادة. قَالَ ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا
يزيد بن هارون: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء
السلمي قَالَ: قَالَ عمر: قَالَ محمد وَّهِ: ((من قتل في سَبيل الله
أو مات فهو في الجنة))(١).
الرابع عشر: فيه دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير
مباشرة ومشاهدة له من الأجر مثل ما للمباشر، (وكن)(٢) النساء إذا
غزون يسقين الماء ويداوين الكلمى ويصنعن لهم طعامهم
وما يصلحهم، كما سلف.
قَالَ ابن عبد البر: وفيه أن الموت في سبيل الله والقتل سواء أو قريب
من السواء في الفضل، قَالَ: وإنما قلتُ أو قريب من السواء لاختلاف
الناس في ذَلِكَ، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول
سواء، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ
أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] الأثنين جميعًا،
وبقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ
أَجْرُؤُ عَلَى اللّهُ﴾ [النساء: ١٠٠](٣)، وبقوله وَّل في حديث عتيك: ((من
خرج مجاهدًا في سَبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات
أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله)) (٤).
(١) ((المصنف)) ٢٣١/٤ (١٩٥٠٤)، وصححه ابن حبان ٤٨٠/١٠ (٤٦٢٠)،
والحاكم ١٠٩/٢.
(٢) في (ص١): وكذا.
(٣) («التمهيد)) ٢٣٥/١.
(٤) رواه أحمد ٣٦/٤، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) ٥٧٧/١ (٢٣٦)، والطبراني ٢/
١٩١ (١٧٧٨)، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٧/٥: فيه محمد بن إسحاق،
مدلس، وبقية رجاله ثقات.

٣٤٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من قتل في
سَبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد))(١)، ومن
حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: ((من صرع عن دابته في سبيل الله فمات
فهو شهيد))(٢).
وفي أبي داود من حديث بقية، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان،
عن أبيه، عن مكحول، عن ابن غنم، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا :
((من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف
شاء الله فهو شهيد))، واستدركه الحاكم؛ وقال: صحيح على شرط
مسلم (٣).
قَالَ ابن عبد البر: وقد ثبت عن سيدنا رسول الله وَّي أنه سُئل: أي
الجهاد أفضل؟ فقال: ((من أهريق دمه وعقر جواده)) (٤)، فإذا كان هذا
أفضل الشهداء؛ أعلم أن من ليس كذلك أنه مفضول(٥).
قلتُ: وفي ((صحيح الحاكم)): وقال: صحيح الإسناد من حديث
(١) ((صحيح مسلم)) (١٩١٥) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في (الجهاد)) ٥٧٨/٢ (٢٣٧)، وأبو يعلى ٢٩٠/٣ (١٧٥٢)،
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٣/٥: رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. ثم ذكره
بَعْدُ ٣٠١/٥ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في ((الصحيحة))
(٢٣٤٦).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٤٩٩)، ((المستدرك)) ٧٨/٢، وتعقبه الذهبي بأن فيه من لم
يحتج به مسلم. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥٣٦١).
(٤) رواه أبو داود (١٤٤٩)، والنسائى ٥٨/٥ من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي،
مرفوعا. وفي الباب: عن عمرو بن عبسة وجابر وغيرهما. وانظر: ((الصحيحة))
(٥٥١-٥٥٢).
(٥) ((التمهيد)) ١/ ٢٣٧.

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
كعب بن عجرة قَالَ النبي ◌ََّ لعمر يوم بدرٍ ورأى قتيلًا: ((يا عمر إنَّ
للشهداء سادة وأشرافًا وملوكًا، وإن هذا منهم))(١).
وروى الحلواني في ((معرفته)): حدثنا أبو علي الحنفي، ثَنَا
إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير قال: قَالَ
علي بن أبي طالب: من حبسه السلطان وهو ظالم له فمات في
محبسه ذَلِكَ فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالمًا فمات من ضربه
(ذَلِكَ)(٢) فهو شهيد وكل (موت)(٣) يموت بها المسلم فهو شهيد غير
أن الشهادة تتفاضل(٤).
قَالَ ابن عبد البر: وكان عمر بن الخطاب يضرب من يسمعه
يقول: من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ويقول لهم: قولوا: في
الجنة، قَالَ أبو عمر: وذَلِكَ أن شرط الشهادة شديد فمن ذَلِكَ ألا يغل
ولا يجبن، وأن يُقتل مقبلًا غير مدبر، وينفق (الكريمة)(٥) وألا يؤذي
جارًا ولا رفيقًا ولا ذميًّا ولا يخفي (غلولا)(٦)، ولا يسب إمامًا
ولا يفر من الزحف(٧).
قلت: ومقالة عمر أخرجها الحاكم عنه، ولفظه: لعله يكون قد أوقر
دابته ذهبًا أو ورقًا يلتمس التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قَالَ
النبي وَّ: ((من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة)) ثم قَالَ: حديث
(١) ((المستدرك)) ٧٦/٢، وتعقبه الذهبي قائلا: لا والله؛ إبراهيم بن إسحاق بن
نسطاس واهٍ.
(٢) من (ص١).
(٣) كذا في الأصول، وفوقها في (نسخة س): كذا.
(٤) ذكره الغزالي في «الإحياء)) ١٦٤/٤. عن علي.
(٥) في الأصل: اللكمة.
(٦) في الأصل: عدوا. وعلم عليها: كذا. (٧) ((التمهيد)) ٢٣٧/١.

٣٤٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
صحيح ولم يخرجاه(١).
وعن أبي عبيدة، عن أبيه: إياكم وهُذِه الشهادات أن يقول الرجل :
قتل فلان شهيدًا، فإن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل في طلب الدنيا،
ويقاتل وهو جريء الصدر (٢).
قَالَ: واختلفوا في شهيد البحر أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال:
قوم: شهيد البر، وقال قوم: شهيد البحر(٣).
قَالَ: ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا أرتج لم يجز ركوبه
لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه(٤).
والذين رجحوا شهيد البحر؛ أحتجوا بما رواه الطبراني في أكبر
معاجمه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: ((يغفر لشهيد البر الذنوب كلها
إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين))(٥).
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب ((الجهاد)) عن الحسن بن الصباح، ثَنَا
يحيى بن عباد، ثنا يحيى بن عبد العزيز، (عن عبد العزيز)(٦) بن يحيى،
ثنا سعيد بن صفوان، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن أبي بردة،
سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله وَالله: ((الشهادة تكفر كل
(١) ((المستدرك)) ١١٩/٢.
(٢) رواه أبو يعلى ٩/ ٢٥٥ (٥٣٧٦)، والحاكم ١١٠/٢-١١١ مطولا، وفيه قصة؛
قال الحاكم: هذا حديث صحيح؛ إن سلم من الإرسال، فقد اختلف مشايخنا في
سماع أبي عبيدة من أبيه [يعني: ابن مسعود].
(٣) ((التمهيد)) ٢٣٤/١.
(٤) قاله ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٨/١.
(٥) ((المعجم الكبير)) ١٧٠/٨ (٧٧١٦)، وحكم عليه الألباني بالوضع في ((الضعيفة))
(٨١٧).
(٦) من (ص١).

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
شيء إلا الدين (والغزو)(١) في البحر يكفر ذلك كله))(٢).
ومن حديث عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن
سعيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمرو مرفوعًا: ((غزوة في البحر خير
من عشر غزوات في البر))(٣). ومن حديث هلال بن ميمون، عن أبي ثابت
يعلى بن شداد بن أوس، عن أم حرام قالت: ذكر رسول الله وَ لا غزاة
البحر فقال: ((إن للمائد فيه أجر شهيد، وإن للغريق أجر شهيدين))(٤).
ولابن ماجَهْ من حديث أبي أمامة مرفوعًا: ((لشهيد البحر مثل شهيد
البر والمائد في البحر كالمتشخّط في دمه في البر، وما بين الموجتين
كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله تعالى وكل ملك الموت بقبض
الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض روحه، ويغفر لشهيد البر
الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين))(٥)، وقد
سلف هذا عن الطبراني أيضًا (٦).
(١) كذا في الأصول، وفي ((الجهاد)): الغرق.
(٢) ((الجهاد)) ٦٥٥/٢ (٢٧٩) وأورده الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ٥٩٨/٢ وقال متن
باطل إسناده مظلم.
(٣) ((الجهاد)) ٦٥٦/٢ (٢٨٠)، وصححه الحاكم ١٤٣/٢ على شرط البخاري.
غير أن عبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث، ليس على شرطه فهو لم يورد عنه
إلا حديثا واحدا وعلق عنه غير ذلك كما ذكره الحافظ في ((المقدمة)) ص ٤١٣؛
والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٢٣٠).
(٤) ((الجهاد)) ٦٦٣/٢ (٢٨٥)، ورواه أبو داود (٢٤٩٣)، وحسنه الألباني في
((الإرواء)) (١١٩٤).
(٥) ((سنن ابن ماجَهْ)) (٢٧٧٨)، وضعف البوصيري إسناده في ((زوائده)) ص٣٧٥
(٩٣٣)، وقال الألباني في ((الإرواء)) (١١٩٥): ضعيف جدا.
(٦) ((الكبير)) ٨/ ١٧٠.

٣٤٧
ــ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٤ - باب دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللِهِ
يُقَالُ: هُذِهِ سَبِيلِي، وهذا سَبِيلِي.
﴿غُزَّا﴾ [آل عمران: ١٥٦] وَاحِدُهَا غازٍ. ﴿هُمْ دَرَجَتُ﴾ [آل
عمران: ١٦٣]: لَهُمْ دَرَجَاتٌ.
٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا فُلَيْخُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّه: ((مَنْ آمَنَ باللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ
الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ
أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ التِي وُلِدَ فِيهَا)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ:
((إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَ جَتَيْنِ
كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ
وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ: فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ)). قَالَ مُحَمَّدُ
ابْنُ فَلَيْحِ، عَنْ أَبِيهِ: ((وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ)). [٧٤٢٣ - فتح: ٦ / ١١]
٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَّةَ: قَالَ النَّبِيُّ
وَّة : ((رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَنْيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ
أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطَّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)).
[انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٦ /١١]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (مَنْ آمَنَ
باللهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ
الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الِي وُلِدَ فِيهَا)). فَقَالُوا :
يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا
اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى
الجَنَّةِ - أُرَاهُ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ)). قَالَ

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ، عَنْ أَبِهِ: ((وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ)).
وحديث سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَنْيَانِ فَصَعِدَا
بِ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا،
قَالَا: أَمَّا هذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)).
الشرح :
السبيل كما قَالَ يذكر ويؤنث؛ قَالَ ابن سيده: السبيل الطريق
وما وضح منه، وسبيل الله: (طريق الله)(١) الذي دعا إليه، واستُعمل
السبيل في الجهاد (أكثر)(٢) لأنه السبيل الذي يقاس به (على)(٣) عقد
الدين والجمع سُبُل(٤). وما ذكره في تفسير (غزًّا) ﴿هُمْ دَرَجَكُ﴾(٥)؛
ثابت في بعض النسخ.
وتعليق محمد بن فليح أسنده البخاري في التوحيد عن إبراهيم بن
المنذر، عن محمد بن فليح به (٦).
قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي الحسن القابسي: ثنا محمد بن فليح،
وهو وهم؛ لأن البخاري لم يدرك محمدًا هُذا، وإنما يروي عن ابن
المنذر ومحمد بن سنان، عنه، والصواب: وقال محمد بن فليح كما
(١) في (ص١): طرق الهدى.
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).
(٤) ((المحكم)) ٨/ ٣٣٢ مادة: سبل. مقلوبُهُ؛ وبذلك جزم الفراء في ((معاني القرآن)) ٢/
٣٢٧، كما ذكر الحافظ في ((الفتح)) ١١/٦، وذكر ذلك ابن الأنباري في ((المذكر
والمؤنث)» ص٣١٩.
(٥) هو من تفسير أبي عبيدة كما في ((المجاز)) ١٠٧/١.
(٦) سيأتي برقم (٧٤٢٣) باب: وكان عرشه على الماء.

٣٤٩
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
رواه الجماعة (١)، وحديثه هذا من أفراد البخاري(٢)، ويأتي أيضًا في
باب من أصابه سهم غرب(٣)، وحديث سمرة تقدم(٤).
ولا شك أن الجنة تستحق بالإيمان بالله ورسوله تفضلًا وإحسانًا،
وفي الحديث: ((ثمن الجنة لا إله إلا الله))(٥). والأعمال الصالحة تنال
بها الدرجات والمنازل في الجنة. والفردوس، قَالَ ابن عزيز (٦): هو
البستان بلغة الروم(٧). وقال الزجاج: بالسريانية؛ وقال غيرهما:
بالنبطية، أي: فنقل إلى لسان العرب(٨). وقيل: هو البستان الذي
(١) ((تقييد المهمل)) ٢/ ٦٢٧.
(٢) ذكره الحميدي في أفراد البخاري. انظر: ((الجمع بين الصحيحين)) ٢٤١/٣
(٢٥١١). وسلف برقم (٥٩) كتاب: العلم، باب: من سأل عالما وهو مشتغل في
حديثه ..
(٣) سيأتي برقم (٢٨٠٩) من حديث أم الرُّبيع بنت البراء.
(٤) سلف برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز.
(٥) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٦٥/٨ (١٨٣٠)، من حديث أنس، وعزاه السيوطي
كما في ((الفيض)) ٤٤٤/٣ لابن مردويه عن أنس أيضا، ولعبد بن حميد في
((تفسيره)) عن الحسن مرسلا، وقال المناوي: قال الديلمي: في الباب: عن ابن
عباس وغيره.اهـ وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٣٤٥٧)، ثم قال: رواه أبو نعيم
بسند صحيح، عن الحسن موقوفا عليه، وهو الصواب.
(٦) بضم العين المهملة ثم زاي بعدها ياء وآخرها راء. أنظر ترجمته في: ((سير أعلام
النبلاء)) ٢١٦/١٥.
(٧) وهو قول مجاهد أيضا، رواه عنه الطبري في ((التفسير)) ٢٩٦/٨ (٢٣٤٠٣).
(٨) وأما جاء في القرآن بغير لغة العرب؛ فقد اختلف الأئمة في وقوعه: فذهب قوم إلى
عدمه، منهم: الشافعي كما في ((الرسالة)) ص٤٢-٥٣، وأبو عبيدة في ((المجاز))
١٧/١-١٩، وقال الطبري: إن ذلك من توارد اللغات، كما في ((تفسيره)).
وذهب قوم إلى جواز ذلك في القرآن، وذكرا لذلك حكما وفوائد، ورجح
السيوطي قول الطبري فيما رواه عن أبي ميسرة قال: في القرآن من كل لسان.
وانظر: ((البرهان)) للزركشي ٢٨٧/١ - ٢٩٠، ((الإتقان)) للسيوطي ١٢٥/٢-١٢٩.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات مونق، وهو قول الزجاج
وعبارته فيه: الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت(١).
وقوله: ( ((إنه أوسط الجنة))) أي أفضلها، ومنه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارًا؛ وفي الترمذي: هو ربوة الجنة
وأوسطها وأفضلها(٢).
قَالَ الداودي: قَالَ بعد الفردوس باب من أبواب الجنة وقال أبو
أمامة: هو سرة الجنة (٣)، ونقل الجواليقي عن أهل اللغة: أنه مذكر
وإنما أنث في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ
١١
[المؤمنون: ١١].
وقال ابن بطال: وسط الجنة يحتمل أن يريد موسطتها والجنة قد
حفت بها من كل جهة.
وقوله: ( ((وأعلى الجنة))) يريد أرفعها؛ لأن الله تعالى مدح الجنات
إذا كانت في علو فقال: ﴿كَمَثَلِ جَنَِّم بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
وقوله: ( ((وفوقه عرش الرحمن)) ) قَالَ ابن التين : أي فوق الجنة كلها.
وقوله: ( ((ومنه تفجر أنهار الجنة)) ) يدل أنها عالية في الارتفاع.
وقوله: ( ((من آمن بالله ورسوله .. )) ) إلى آخره؛ فيه تأنيس لمن حرم
الجهاد في سبيل الله، فإن له من الإيمان بالله تعالى والتزام الفرائض
(١) ذكره ابن الجوزي في ((تفسيره)) ٢٠٠/٥.
(٢) ((جامع الترمذي)) (٣١٧٤)؛ وقال: حسن صحيح.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره) ٢٩٦/٨ (٢٣٤٠١)، والطبراني ٢٤٦/٨ (٧٩٦٦)،
والحاكم ٣٧١/٢، وفيه: جعفر بن الزبير، قال الذهبي: هالك. وبه أعله الهيثمي
في ((المجمع)) ٣٩٨/١٠، والألباني في ((الضعيفة)) (٣٧٠٥).

٣٥١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ما يوصله إلى الجنة؛ لأنها هي غاية الطالبين ومن أجلها تبذل النفوس في
الجهاد؛ خلافاً لما يقوله بعض جهلة الصوفية.
فلما قيل لرسول الله: (أفلا نبشر الناس؟) أخبر وَله بدرجات
المجاهدين في سبيل الله وفضيلتهم في الجنة؛ ليرغب أمته في جهاد
المشركين؛ لإعلاء كلمة الإسلام، ولم يذكر فيه الزكاة والحج. قَالَ
ابن بطال: لأنه كان قد فرضهما (١)؛ وفيه نظر فإن الزكاة فرضت قبل
عام خيبر(٢) كما سلف، والحج فُرِضَ سنةً ستٍّ على ما تقدم.
ورواه أبو هريرة وهو أسلم عام خيبر، وفي ((صحيح مسلم)) من
حديث أنس مرفوعًا: ((من طلبَ الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم
تصبه))(٣)، وفي ((المستدرك)): ((من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم
مَات أعطاه الله أجر شهيد)) (٤)، وفي النسائي من حديث معاذ مرفوعًا:
((من سأل الله القتل من عند نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل فله أجر
شهيد)»(٥)، وفي ((المستدرك)) -وقال: صحيح على شرط الشيخين-
من حديث سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((من سأل الله
الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه))(٦).
(١) (شرح ابن بطال)) ١٢/٥ - ١٣.
(٢) في هامش الأصل ما نصه: فرضت الزكاة سنة اثنتين للهجرة.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٩٠٨) كتاب: الإمارة، باب: استحباب طلب الشهادة في سبيل
الله تعالى.
(٤) ((المستدرك)) ٢/ ٧٧ من حديث معاذ بن جبل، وصححه وتعقبه الذهبي في
((التلخيص)) بقوله: بل هو منقطع.
(٥) ((سنن النسائي)) ٦/ ٢٥-٢٦.
(٦) ((المستدرك)) ٧٧/٢.

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديث أبي هريرة يشبه هذا المعنى؛ لأن قوله: ((إذا سألتم الله
فاسألوه الفردوس الأعلى)) خطاب لجميع أمته يدخل فيه المجاهد
وغيره، فدل ذَلِكَ على أنه قد يعطي الله لمن لم يجاهد قريبًا من درجة
المجاهد؛ لأن الفردوس إذا كان أعلى الجنة ولا درجة فوقه، وقد
أمر الشارع جميع أمته بطلبه من الله دل أن من بوأه الله إياه وإن لم
يجاهد فقد تقاربت درجته من درجات المجاهدين في العلو وإن
اختلفت الدرجات في الكثرة والله يؤتي فضله من يشاء.

٣٥٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٥ - باب الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
وَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِثُمْ مِنَ الجَنَّةِ
٢٧٩٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا
فِيهَا». [٢٧٩٦، ٦٥٦٨ - مسلم: ١٨٨٠ - فتح: ١٣/٦]
٢٧٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ:
(لَقَابُ قَوْسٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ)). وَقَالَ: (لَغَدْوَةٌ أَوْ
رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ)). [٣٢٥٣ - مسلم: ١٨٨٢
- فتح: ٦ /١٣]
٢٧٩٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َُ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَّلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).
[٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ١٤/٦]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا
وَمَا فِيهَا)).
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ: ((لَقَابُ قَوْسِ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ
الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ)). وَقَالَ: ((لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا
تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ)).
وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: ((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ
الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).
الشرح :
حاصل ما ذكره البخاري ثلاث طرق وكلها في مسلم أيضًا.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وله طريق رابع من طريق أبي أيوب انفرد به مسلم(١).
وخامس من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس أخرجه الترمذي
وقال: حسن غريب، وأخرجه أحمد أيضًا(٢).
وسادس من طريق (عمر)(٣) أخرجه ابن عساكر وقال: حديث
غريب.
وسابع من طريق عبد الله بن بسر، أخرجه أيضًا.
وثامن من طريق الزبير بن العوام، أخرجه أبو يعلى الموصلي(٤).
وتاسع من طريق معاوية بن خديج، أخرجه المحاملي.
وعاشر من طريق أبي الدرداء، أخرجه ابن أبي عاصم(٥).
وحادي عشر من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة
أخرجه أبو أحمد.
ولأحمد من حديث ابن لهيعة، عن زبان، عن سهل بن معاذ، عن
أبيه أنه تأخر عن بعثٍ بُعث فيه حَتَّى صلى الظهر؛ فقال له رسول الله
وَّ: ((أتدري بكم سبقك أصحابك؟)) قَالَ: نعم، سبقوني بغدوتهم.
فقال النبي ◌َّة: ((والذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعد ما بين المشرقين
والمغربين في الفضيلة))(٦).
(١) ((صحيح مسلم)) (١٨٨٠) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل
الله.
(٢) الترمذي (١٦٤٩)، وأحمد ٢٥٦/١.
(٣) في (ص١): ابن عمر.
(٤) ((مسند أبي يعلى)) ٣٩/٢ (٦٧٨).
(٥) ((الجهاد)) ٢٣٩/١ (٦٨).
(٦) ((المسند)) ٤٣٨/٣.

٣٥٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
إذا تقرر ذَلِك: فالغدوة -بفتح الغين المعجمة -: المرة من الغدو،
وهو من أول النهار إلى الزوال، أما بالضم فمن صلاة الغداة إلى طلوع
الشمس، والروحة -بفتح الراء - المرة من الرواح أي وقتٍ كان، والمراد
به هنا : من الزوال إلى الغروب.
و(أو) هنا للتقسيم لا للشك، واللفظ مشعر بأنها تكون فعلا واحدًا،
ولا شك أنها قد تقع على اليسير والكثير من الفعل الواقع في هذين
الوقتين، ففيه زيادة ترغيب وفضل عظيم، فالروحة تحصل هذا الثواب
وكذا الغدوة، قَالَ النووي: والظاهر أنه لا يختص ذَلِكَ بالغدو
أو الرواح من بلدته بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروحة في
طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه من موضع القتال؛ لأن الجميع
يسمى غدوة وروحة في سبيل الله(١)، وكذا قَالَ الداودي: الصحيح
أن الغدوة والروحة الخرجة الواحدة ووقتها كما سلف.
وقوله: ( ((في سبيل الله))) يعني: ليقاتل فيها أو يكون فيها بأرض العدو.
وقوله: ( ((خير من الدنيا)) ) يعني: ثواب ذَلِكَ في الجنة خير من
الدنيا، وقيل في مثل هذا: خير من أن يتصدق بما في الدنيا إذا
ملكها مالك فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. وقال
القرطبي: أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير
لصاحبه من الدنيا كلها لو جمعت له بحذافيرها(٢).
وقال المهلب: هما خير من زمن الدنيا؛ لأنهما في زمن قليل، أي:
ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من زمن الدنيا كلها، وكذا قوله :
(١) ((شرح مسلم)) ٢٦/١٣.
(٢) ((المفهم)) ٧٠٩/٣-٧١٠.

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
((قاب قوس أحدكم)) أو ((موضع سوط)) يريد أن ما صغر في الجنة من
المواضع خير من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر في هذا
الحديث أن قصير الزمان وصغر المكان في الآخرة خير من طويل
الزمان وكبر المكان (في الدنيا)(١) تزهيدًا فيها وتصغيرًا لها وترغيبًا
في الجهاد بالغدوة والروحة فيه، ومقدار قوس المجاهد يعطيه الله
في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه
وأنفق ماله(٢)؟
والقاب: القدر؛ قَالَ صاحب ((العين)): قاب القوس: قدر طولها(٣).
وقال الخطابي: هو ما بين السية والمقبض (٤). وعن مجاهد: قدر
ذراع. والقوس: الذراع بلغة أزد شنوءة. وقال ابن عباس وسفيان:
القوس: ذراع يقاس به. قَالَ مجاهد: في ﴿قَابَ قَوْسَيْنٍ﴾: أي قدر
(٥)
ذراعين
والأشهر أن القاب القدر، وكذلك القيب والقتيبة والقاد والقدى،
وقال الداودي: قاب القوس ما بين الوتر والقوس، وقيد السَّوط قدره.
قَالَ في ((المخصص)): والقوس أنثى وتصغيرها بغير هاء. والجمع:
أقواس وقياس وقِسِي وقِسْي(٦).
(١) من (ص١).
(٢) نقله عن المهلب ابن بطال ١٤/٥.
(٣) ((العين)) ٢٢٨/٥ مادة: قوب.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٥٧.
(٥) ((تفسير مجاهد)) ٦٢٧/٢، ((المعجم الكبير)) ١٠٣/١٢ (١٢٦٠٣).
(٦) ((المخصص)) ٢٥/٢.

٣٥٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وهُذا منه ◌َّه إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك
الدنيا، وأما عند التحقيق فلا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفعل إلا
كما يقال: العسل أحلى من الخل؛ فالغدوة والروحة في سبيل الله
وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها وتصور تنعمه بها كلها ؛
لأنه زائل ونعيم الآخرة باق.

٣٥٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦ - باب الحُورُ العِينُ وَصِفَتُهُنَّ
يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، شَدِيدَةُ سَوَادِ العَيْنِ، شَدِيدَةُ بَیَاضٍٍ
العَيْنِ. ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]: أَنْكَحْنَاهُمْ.
٢٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ،
عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَ بْنَ مَالِكِ عَثُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ،
لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّ الشَّهِيدَ؛
لِمَا يَرىُ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرِى)).
[٢٨١٧ - مسلم: ١٨٧٧ - فتح: ١٤/٦]
٢٧٩٦ - وَسَمِعْتُ أَنَّسَ بْنَ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّّرَ: (لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ
غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِیدٍ
- يَغْنِي: سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ أَمْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَطَلَعَتْ
إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)). [انظر: ٢٧٩٢ - مسلم: ١٨٨٠ - فتح: ٦ /١٥]
ثم ساق حديث أبي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َلِّ
قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ
لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرىُ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ
يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرِىٌ».
وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ: (لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ
غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ
مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ أَمْرَأَةً مِنْ
أَهْلِ الجَنَّةِ أَطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لِأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَنْهُ رِيحًا،
وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).

٣٥٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
الشرح :
القطعة الأولى أخرجها مسلم، ومن عند قوله: ((ولقاب قوس .. )) إلى
آخره من أفراد البخاري. ومعنى قوله: (يَحَارُ فيها الطَّرْفُ) يتحيَّرُ البصر
فيها لحسنها؛ يقال: حار يحار، وأصله حير وليس اشتقاقه من اشتقاق
الحور كما ظنه البخاري؛ لأن الحور من حور والحيرة من حير نبه عليه
ابن التين، واللغة تساعده.
وقول البخاري: (شديدة سواد العين وبياضها) زاد غيره: إذا كانت
بيضاء. وأصل الحَوَر البياض، وكذلك قيل لنساء الحاضرة: الحواريات
(لبيض)(١) ألوانهن وثيابهن إلا أن العرب لا تستعمله إلا للبيضاء الشديدة
سواد الحدقة في شدة بياضها.
قَالَ ابن سيده في ((محكمه)): الحور هو أن يشتد بياضُ بياض العين
وسوادُ سوادِها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها، وقيل:
الحور: شدة سواد المقلة في شدة بياضها في شدة بياض الجسد ولا تكون
الأدماء حوراء.
وقال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل الظباء والبقر،
وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور العيون؛ لأنهن يشبهن
بالظباء والبقر. وقال كراع: الحور أن يكون البياض محدقًا بالسواد
كله، وإنما يكون هذا في البقر والظباء ثم يستعار للناس، وهذا إنما
حكاه أبو عبيد في البرج (٢) غير أنه لم يقل إنما يكون في الظباء
والبقر. وقال الأصمعي: لا أدري ما الحور في العين؟ وقد حَوٍر
حَوَرًا واخور، وهو أَخور، وامرأة حوْراء، وعین حوراء، والجمع حُور.
(١) علم عليها الناسخ (كذا).
(٢) كذا في الأصول، وفوقها: كذا.

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أما قوله: (عيناء حوراء) من العين الحير؛ فعلى الأتباع لعين،
والحوراء: البيضاء لا يقصد بذلك حور عينها، والأعرابُ تُسَمِّي نساء
الأمصار حواريات؛ لبياضهن وتباعدهن عن قشف الأعرابية بنظافتهن(١)،
وقد سلف.
ويحتمل أن البخاري أراد أن الطرف يحار فيهن ولا يهتدي سبيلًا
لفرط حسنهن، لا أنه أراد الاشتقاق، فلأن كان كذلك فلا إيراد.
والعِين قَالَ الضحاك: هي الواسعة العَيْن: (الحسان)(٢)، واحدها:
عيناء، وذكر العلماء أن الحور على أصناف مصنفة صغار وكبار، وعلى
ما اشتهت نفس أهل الجنة.
وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قَالَ: والذي
لا إله إلا هو لو أن أمرأة من الحور أطلعت سوارًا لها لأطفأ نور
سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسورة، وإن خلق الله شيئًا
(تلبسه)(٣)؛ إلا عليه مثل ما عليها من ثياب وحلي.
وقال أبو هريرة: إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى
حولها سبعون ألف وصيفة عن يمينها وعن يسارها كذلك، وهي تقول:
أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟
وقال ابن عباس: في الجنة حوراء يقال لها اللعبة لو بزقت في البحر
لعذب ماؤه(٤).
وقال ◌َله: ((رأيت ليلة الإسراء حوراء جبينها كالهلال في رأسها مائة
(١) ((المحكم)) ٣٨٦/٣، وانظر: ((الصحاح)) ٦٣٩/٢- ٦٤٠. مادة: (حور).
(٣) في (ص١): تكسيه.
(٢) من (ص١).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ص ٢٠٧ بلفظ مقارب.