النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كِتَابُ الوَصَايَا = كالنظر لليتامى، لأنهم من جملة هذه الأصناف(١). وقال ابن المنير: حديث عمر غير مطابق للترجمة؛ لأن عمر هو المالك لمنافع وقفه ولا كذلك الموصي على أولاده، فإنهم إنما يملكون المال بقسمة الله تعالى وتمليكه، ولا حق لمالكه فيه بعد موته، فكذلك كان المختار أن وصي اليتيم ليس له الأكل من ماله إلا أن يكون فقيرًا فيأكل(٢). وفيه من الفقه : أن عمر فهم عن الله تعالى أن لولي هذا المال أن يأكل منه بالمعروف كما قَالَ تعالى، وقوله (غير متمول) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ﴾ فدل أن ما ليس بسرف أنه جائز لولي الیتیم أن يأكله. وقوله: (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) ولم يخص غنيًّا من فقير. فيه: إجازة أكل الغني مما يلي. وقال ابن بطال: جمهور علماء التأويل إنما أباحوا للولي الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، ولم يذكروا في ذَلِكَ الغني(٣). والفقهاء على أنه لا رد، وقد روى حديث عمر ولم يذكر فيه الرد، رواه سعيد عن قتادة عن أبي مجلز عنه، ومن رأى الرد فذلك مخالف لظاهر القرآن. (١) (شرح ابن بطال)) ١٨٢/٨. (٢) ((المتواري)) ص ٣٢٠. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٨٢. ٢٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وأباح ابن عباس للغني أن يشرب من لبن إبل اليتيم بالمعروف من أجل قيامه عليها وخدمته لها، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضي ما أكل منها بالمعروف إذا أيسر، والنظر في ذَلِكَ أيضًا يبطل وجوب القضاء؛ لأن عمر شبه مال الله بمال اليتيم، وقد أجمعت الأمة: أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر: (ثم قضيت) إن صح(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ١٨٢/٨ - ١٨٣. ٢٦٣ كِتَابُ الوَصَايَا ٢٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ المَدَنِّ، عَنْ أَبِيِ الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَات). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالٍ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ)). [٥٧٦٤، ٦٨٥٧ - مسلم: ٨٩ - فتح: ٣٩٣/٥] ثم ساق حديث أَبِي الغَيْثِ - واسمه سالم - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ مَّ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَات). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». الشرح : اليتيم في اللغة: المنفرد، وهو لمن مات أبوه، ومن البهائم: من ماتت أمه(١). ﴿نَارًا﴾ يصيرون به إلى النار، أو تمتلئ بها بطونهم عيانا يوجب النار، وعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأنه المقصود الأغلب منه، والصلا: لزوم النار. قَالَ الداودي: وهُذِه الآية أشد ما في القرآن على المؤمنين؛ لأنها (١) ((لسان العرب)) ٤٩٤٨/٨ مادة (يتم). ٢٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = خير إلا أن تريد مستحلين. وقرئ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بفتح الياء وضمها، والفتح أولى: ﴿سَعِيرًا﴾ مسعورة. أي: موقدة شديدًا حرها. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١)، و(الموبقات): المهلكات، جمع موبقة من أوبق ووابقة: اسم فاعل من يبق وبوفًا إذا هلك، والموبق مفعل منه كالموعد؛ يقال: وبق يبق ووبق. زاد القزاز: بائق ويبيق. وذكرهما النحاس ومعناه: هلك، وعدَّ منها التولي يوم الزحف، وهو حجة على الحسن في قوله: كان الفرار كبيرة يوم بدر؛ لقوله: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] والزحف أصله المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسمي الجيش زحفًا؛ لأنه يزحف فيه، وإنما يكون الفرار كبيرة إذا فر إلى غير فئة، وإلا إذا كان العدو زائدًا على ضعفي المسلمين. و((الْمُحْصَنَاتِ)) -بفتح الصاد وكسرها- العفيفات الغافلات عن الفواحش، وليس ذكر هذِه السبع بناف أن لا تكون كبيرة إلا هذِهِ، فقد ذكر في غير هذا الموضع: قول الزور، وزنا الرجل بحليلة جاره، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام، وغير ذلك، ويحتمل أن يكون الشارع أعلم بها في ذَلِكَ الوقت ثم أوحي إليه بعد ذَلِكَ غيرها، أو تكون السبع هي التي دعت إليها الحاجة ذَلِكَ الوقت، وكذلك القول في كل حديث خص عددًا من الكبائر (٢) قَالَ الشافعي: وأكبرها بعد الإشراك القتل. ودعوى بعضهم أنها سبع كأنه أخذ ذَلِكَ من هذا الحديث، وقال بعضهم: إحدى (١) مسلم (٨٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وقد عدها الذهبي في مؤلف مفرد ستًّا وسبعين، وذكر دلائلها، وهو مؤلف حسن. ٢٦٥ ـ كِتَابُ الوَصَايَا عشرة. وقال ابن عباس: إلى السبعين أقرب(١). وروي عنه: إلى سبعمائة. والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة (٢). ((وَالسِّحْرُ)) حق، ونفاه بعضهم وهو كبيرة، وقيل: لا يحرم. وتقبل توبته، خلافًا لمالك كالزنديق عنده(٣)، وقال في الذمي: لا يقتل إلا أن يدخل سحره ضررًا على المسلمين فيكون ناقضًا للعهد فيقتل ولا تقبل منه توبة غير الإسلام، وأما إن كان لم يسحر إلا أهل ملته فلا يقتل إلا إذا قتل أحدًا منهم. والمشهور انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وادعى بعضهم أنها كلها كبائر. وعبارة بعض المالكية أن عد الفرار من الزحف من الكبائر، المراد: تغليظ أمره وتأكيد منعه وشدة العقاب عليه مما ليس في غيره. قَالَ: وليس المراد أن في المعاصي صغيرًا -على ما يقوله المعتزلة- لأن معاصيه كلها كبائر إلا أن بعضها أكثر عقابًا من بعض وأشد إثمًا، كما أن طاعته كلها يثاب عليها وفيها ما ثوابه أكثر من بعض، وسيأتي الكلام على الكبائر في كتاب: الأدب - إن شاء الله تعالى- ومقصوده هنا أن أكل مال اليتيم من الكبائر كما نص عليه في الحديث، وقد أخبر الله تعالى أن من أكله ظلمًا أنه يأكل النار ويصلى السعير، وهو عند أهل السنة إن أنفذ الله عليه الوعيد؛ لأنه عندهم تحت المشيئة كما سلف. (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤٣/٤ (٩٢٠٧)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣/ ٩٣٤ (٥٢١٦). (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤٤/٤ (٩٢٠٨)، وابن أبي حاتم ٩٣٤/٣ (٥٢١٧). (٣) ((التلقين)) للقاضي عبد الوهاب ص ٤٩٢. ٢٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قَالَ سعيد بن جبير: لما نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] أمسك الناس فلم يخالطوا اليتامى في طعامهم حَتَّى نزلت: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾(١) [البقرة: ٢٢٠] وليس في القرآن ويسألونك إلا ثلاث عشرة مسألة من قلة ما كانوا يسألونه، وقد بسطت الخلاف في حد الصغيرة والكبيرة في ((شرح المنهاج)) وقل ما سلم منها، والإصرار على الصغائر أن يتكرر منه تكررًا يشعر بقلة مبالاته إشعار مرتكب الكبيرة، ومثله إجماع صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر، وقيل: إنه استمرار العزم على المعاودة أو استدامة الفعل بحيث يدخل فيه ذنبه في حيز ما يطلق عليه الوصف لصيرورته كبيرًا عظيمًا، وليس لزمنه وعدّه حصر، وقيل: إنه يمضي عليه وقت صلاة وما استغفر من ذَلِكَ الذنب. قَالَ ابن مسعود: الكبائر جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ (٢) [النساء: ٣١] وعن الحسن هي كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب(٣). وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة(٤)، وبه قَالَ الأستاذ (١) ((تفسير الطبري)) ٣٨٢/٢ (٤١٨٧) عن سعيد بنحوه، ورواه الطبري عن سعيد ابن عباس ٣٨٢/٢ (٤١٨٥، ٤١٨٦)، و٣٨٣/٢ (٤١٩٢، ٤١٩٦). (٢) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ٣٩/٤ - ٤٠ (٩١٦٩-٩١٧٩) وابن أبي حاتم في ((تفسيره)» ٩٣٣/٣ (٥٢١٤). (٣) روي عن ابن عباس كما عند الطبري في ((تفسيره)) ٤٤/٤ (٩٢١٣)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) أيضًا ٩٣٤/٣ (٥٢١٥) وقال ابن أبي حاتم بعده وروي عن الحسن نحو ذلك. (٤) رواه الطبري في (تفسيره)) ٤/ ٤٣ (٩٢٠٢ - ٩٢٠٣). ٢٦٧ -- كِتَابُ الوَصَايَا أبو إسحاق وغيره، ونقله القاضي عياض عن (مذهب)(١) المحققين(٢)؛ لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. قَالَ القرطبي: وما أظنه صحيحًا عنه - يعني ابن عباس- من عدم التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرق بينهما في قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ﴾ [النساء: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّمْ﴾ [النجم: ٣٢] فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرق بينهما في الحكم لما جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللممَ من الكبائر والفواحش، فالرواية عنه لا تصح أو ضعيفة(٣). (١) من (ص). (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٥٥/١. (٣) ((المفهم)) ٢٨٤/١. ٢٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٤ - باب قَوْلِ اللِّهِ تَعَالَى: صلى ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَىّ قُلْ إِصْلَاٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠] لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ، ﴿وَعَنَتِ﴾ [طه: ١١١]: خَضَعَتْ. ٢٧٦٧ - وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: مَا رَدَّ ابن عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابنِ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاوُسْ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَى قَرَأَ: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَّ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وَقَالَ عَطَاءٌ في يَتَامَى الصَّغِيرُ وَالْكَبِير: يُتْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. [فتح: ٣٩٤/٥] وَقَالَ أنبأنا سُلَيْمَانُ: أنبأنا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِع قَالَ: مَا رَدَّ ابن عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابن سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالٍ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاؤُسٌَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَى قَرَأَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّ﴾. وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِير: يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَىْ كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. الشرح : لما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] تحرجوا من خلط طعامهم بأطعمة اليتامى، فعزلوا أطعمة اليتامى حَتَّى ربما فسدت عليهم، فنزلت: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ﴾ أي: في الطعام والشراب والسكنى واستخدام العبيد ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ وقالوا لرسول الله وَلة: بقيت الغنم لا راعي لها والطعام ليس له صانع. فنزلت ونسخ ٢٦٩ -- كِتَابُ الوَصَايَا ذَلِكَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّحَّ﴾ أي: يعلم من يخالطهم للخيانة، ومن لا يريد الخيانة. وقوله: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لشدد عليكم في عدم المخالطة أو يجعل ما أصبتم به من أموال اليتامى موبقًا، ولكنه يسر ووسع، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآية [النساء: ٦]. وقول البخاري: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾﴾ (١) [طه: ١١١]. لا وجه له في هذا الموضع؛ لأن ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (مشتق)(٢) من عنت يعنت عنتًا لام الفعل منه تاء، وهو غير معتل، وعنت الوجوه من عنا يعنو إذا خضع، معتل، لام الفعل منه واو ذهبت مع هاء التأنيث من قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ عزيز في سلطانه، قادر على الإعنات، حكيم في تدبيره بترك الإعنات. قَالَ أبو عبيد: لما ذكر ما سلف أنه ناسخ. هو عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار أنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية، وقد يتساوون في قلة الطعام وكثرته، وليس كل من قل طعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع. (١) ورد بهامش الأصل: قال في ((المطالع)) وعنت الوجوه: خضعت. كذا لهم، وعند الأصيلي وعنت: خضعت، وليس عنده الوجوه، فجاء على لفظ العنت المذكور في الآية، وعلى رواية: وعنت الوجوه يكون بين لفظ العناء؛ لأن التاء فيه غير أصلية، إنما هي علامة التأنيث وفي رواية الأصيلي: هي أصلية، لكن عنت بمعنى خضعت غير معروف في اللغة، وهذا مما أنتقد على البخاري. أنتهى. وفي قوله: غير معروف في اللغة. فيه نظر، فقد ذكر الفربري في العين المفتوحة أن (عنت) استأثرت وذلت وخضعت. (٢) من (ص). ٠ : ٢٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (ما رد ابن عمر على أحد وصيته). لعله كان يبتغي في ذَلِكَ الأجر لقوله وَر: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى(١). (١) سيأتي برقم (٥٣٠٤) كتاب: الطلاق، باب: اللعان. ٢٧١ - كِتَابُ الوَصَايَا ٢٥ - باب اسْتِخْدَامِ اليَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، إِذَا كَانَ صَلَاحًا لَهُ، وَنَظَرِ الأُمِّ وَزَوْجِهَا لِلْيَتِيم ٢٧٦٨ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ کَثِيرٍ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ يَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَّسَا غُلَامُ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَىءٍ صَنَعْتُهُ: لَمَ صَنَعْتَ هذا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَىءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لَمَ لَمْ تَصْنَغْ هذا هَكَذَا؟ [٦٠٣٨، ٦٩١١ - مسلم: ٢٣٠٩ - فتح: ٣٩٥/٥] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النبيِ نَّهِ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِشَىء صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هُذا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَىء لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هُذا هَكَذَا؟ الشرح : فيه: نظر الرجل لربيبه إذا كان عنده. قَالَ ابن التين: وأكثر أصحاب مالك على أن الأم وغيرها لهم ولاية التصرف في مصالح من في كفالتهم ويعقدون له وعليه، وإن لم يكونوا أوصياء ويكون حكمهم حكم الأوصياء. وقيل: حَتَّى يكون بينه وبين الطفل قرابة. وقال ابن القاسم: لا يفعل ذَلِكَ إلا أن يكون وصيًّا. ووافقهم ابن القاسم في اللقيط. وقول: أنس كيس هو ضد الأحمق. وفيه: السفر باليتيم إذا كان ذَلِكَ من الصلاح. ٢٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفيه: الثناء على المرء بحضرته إذا أومن عليه الفتنة. قَالَ أنس: خدمته وأنا ابن عشر، وتوفي وأنا ابن عشرين. وتوفي أنس سنة ثلاث وتسعين أو اثنتين، وقد زاد على المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وكان في كبره ضعف عن الصوم في رمضان، وكان يفطر ويطعم. قَالَ المهلب: وفيه: جواز استخدام اليتيم الحر الصغير الذي لا يحوز أمره. وفيه: أن خدمة العالم والإمام واجبة على المسلمين، وأن ذَلِكَ شرف لمن خدمهم لما يرجى من بركة ذلك(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ١٨٧/٨. ٢٧٣ - كِتَابُ الوَصَايَا ٢٦ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّ الحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ ٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رضي الله عنه يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٌّ بِالْدِينَةِ مَالَا مِنْ نَخْلٍ، [وَكَانَا أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ وَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسْ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىء تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَزْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَغْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ: ((بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ - أَوْ رَايِحٌ شَكَّ ابن مَسْلَمَةَ - وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفي بَنِي عَمِّهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَيَخْيَى بْنُ يَخْيَى، عَنْ مَالِكِ: (رَايِحٌ)). [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣٩٦/٥] ٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضى الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافَا، وَأُشْهِدُكَ أَنْ قَدْ تَصَدَّقْتُ [بِهِ) عَنْهَا. [انظر: ٢٧٥٦ - فتح: ٣٩٦/٥] ذكر فيه حديث أَنَسٍ في قصة بيرحاء. وفيه: ((بَخْ بَحْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ)) شك ابن مسلمة، وقال في آخره: (وقال إسماعيل وعبد الله بن يوسف ويحيى بن يحيى عن مالك: رايح. ٢٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وحديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَهِ: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ). قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ [بِهِ] عَنْهَا. وقد سلف أيضًا(١)، وقوله: (مخرافًا). قَالَ الدمياطي: صوابه مَخْرَفًا، وكذا يرويه مالك في ((موطئه)) من حديث أبي قتادة(٢)، والمخرف -بكسر الميم- ما يجتنى فيه الثمار. قَالَ المهلب: إذا لم يبين الحدود في الوقف، فإنما يجوز إذا كان للأرض اسم معلوم يقع عليها ويتعين به كما كان بيرحاء، ولما كان المخراف معينًا عند من أشهده، وعلى هذا الوجه تصح الترجمة، وأما إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف وأموال كثيرة، فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين في هذا(٣). وقال ابن المنير: الوقف لازم (بالنية) (٤) واللفظ المشار به للمقصود فقد يتلفظ باسمه العلم وبحدوده، وقد يتلفظ باسمه المتواطئ خاصة، وقد يذكر العلم ولا یذکر المحدود به. والمخراف: الحائط، وقد ذكره منكرًا متواطئا، لكنه قصد مكانًا أشار إليه مطابقًا لنيته، وكلاهما لازم والترجمة مطابقة. ووهم المهلب في قوله: لا خلاف في هذا، بل لا خلاف فيما أورده البخاري في أنه إنما يفرض لجواز الوقف، وقد ثبت أن الوقف على هذه الصورة لازم له. (١) سلف برقم (٢٧٥٦) باب: إذا قال: أرضي أو بستاني. (٢) ((الموطأ)) رواية يحيى ص (٢٨٢)، وقد مضى عند البخاري برقم (٢١٠٠). (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٨٨/٨. (٤) في ((المتواري)): بالبينة. ٢٧٥ كِتَابُ الوَصَايَا قَالَ ابن بطال: وفيه أن لفظ الصدقة تخرج الشيء المتصدق به عن ملك الذي يملكه قبل أن يتصدق ولا رجوع له فيه، وهو حجة لمالك في إجازته للموهوب له وللمتصدق عليه المطالبة بالصدقة وإن لم يحزها حَتَّى يحوزها، وتصح له ما دام المتصدق والواهب حيًّا، بخلاف ما ذهب إليه الكوفيون والشافعي أن اللفظ بالصدقة والهبة لا يوجب شيئًا لمعين وغيره حَتَّى يقبض، وليس للموهوب له ولا للمتصدق عليه المطالبة بها على ما سلف في كتاب: الهبات. وفي هذا الحديث دليل أن الكلام بها قد أوجب حكمًا فله المطالبة للمعين على ما قاله مالك؛ لقوله: (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ يا رسول اللهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ). فلم يجز لأبي طلحة الرجوع فيها بعد قوله: إنها صدقة يا رسول الله. لأنه قد صح إخراجه لها عن ملكه بهذا اللفظ إلى من يجوز له أخذها. وفيه: أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يملكه أحدًا، فجائز أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير، على ما تقدم قريبًا في باب: إذا وقف شيئًا ولم يدفعه إلى غيره فهو جائز، وأنه يجوز أن يشاور فيه من يثق برأيه، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى، كما قَالَ بعض الناس: معنى قول الرجل: لله، وفي سبيل الله كذا دون كذا، ألا ترى أن الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة، ولو سبلها في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره. وذهبَ مالك والشافعي إلى أن من حبس دارًا على قوم معينين أو تصدق عليهم بصدقة ولم يذكر أعقابهم، أو ذكر ولم يجعل نقدها بعدهم مرجعًا إلى المساكين أو إلى من لا يعدم وجوده من وجوه البر فمات المحبس عليهم وانقرضوا، أنها لا ترجع إلى الذي حبسها ٢٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أبدًا، ورجع حبسًا على أقرب الناس بالحبس يوم رجع لا يوم حبس(١)، ألا ترى أن أبا طلحة جعل حائطه ذَلِكَ صدقة لله تعالى ولم يذكر وجهًا من الوجوه التي توضع فيه الصدقة أمره الشارع أن يجعلها في أقاربه، وكذلك كل صدقة لا يذكر لها مرجع تصرف على أقاربه للتصدق بهذا الحديث، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه حياة المتصدق عليه، فإذا أراد ذَلِكَ فهي عنده عمرى ترجع إلى صاحبها بعد أنقراض المتصدق عليه. ولمالك فيها قول ثان: إنه إذا حبس على قوم معينين ولم يجعل لها مرجعًا إلى المساكين أنها ترجع ملكًا إلى ربها كالعمرىُ، قيل لمالك: فلو قَالَ في صدقته هي حبس على فلان هل تكون بذلك محبسة؟ قَالَ: لا؛ لأنها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبسها على فلان فهي عمرى؛ لأنه أخبر أن تحبسها غير دائم ولا ثابت، وأنه إلى غاية، ولم يختلف قوله: إذا قَالَ: هي حبس صدقة لأنها لا ترجع إليه أبدًا، والألفاظ التي ينقطع بها ملك الشيء عن ربه، ولا تعود إليه أبدًا عند مالك وأصحابه أن يقول حبس صدقة، أو حبس على أعقاب مجهولين مثل الفقراء والمساكين، أو في سبيل الله. فهذا كله عندهم مؤيد لا ترجع إلى صاحبها ملكًا أبدًا، وأما إذا قَالَ: حياة المحبس عليه، أو إلى أجل من الآجال. فإنها ترجع إلى صاحبها ملكًا أو إلى ورثته وهي كالعمرى والسكنى. قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يأمر وصيه أن يضع ثلثه حيث أراه الله، فقالت طائفة: يجعله في (سبيل)(٢) الخير ولا يأكله، هذا قول مالك، وبه قَالَ الشافعي وزاد: ولا يعطيه وارثًا للميت؛ لأنه إنما كان يجوز له (١) ((المدونة الكبرى)) ٣٧٦/٤. (٢) كذا في الأصل وفي (ص): سبل. ٢٧٧ ـ ڪِتَابُ الوَصَايَا منه ما كان يجوز للميت. وقال أبو ثور: يجوز أن يعطيه لنفسه أو لولده أو لمن شاء ويجعله لبعض ورثة الميت، وليست هذه وصية للميت إنما هذا أمر الموصي أن يضعه حيث شاء، وهو قول الكوفيين غير أنهم قالوا: ليس له أن يجعلها لأحد من ورثة الميت، فإن جعله لبعضهم فهو باطل مردود على جميع الورثة. وفيه: أن من تصدق بشيء من ماله بعينه أن ذَلِكَ يلزمه، وإن كان أكثر من ثلث ماله؛ لأنه وَ لّ لم يقل لأبي طلحة هو ثلث مالك؟ كما قَالَ لأبي لبابة، وقال لسعد: ((الثلث والثلث كثير))(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ١٨٨/٨ - ١٩١، والحديث سلف برقم (١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رثى النبي ◌ّ سعد بن خولة، وفي مسلم برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. ٢٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٧ - باب إِذَا وْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ ٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِيِ التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا)). قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّ إِلَى اللهِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٣٩٨/٥] ذكر فيه حديث أَنَسِ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا)). قَالُوا: لا والله، لَا نَظْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. هذا الحديث سلف في المساجد (١) وأنه كان مربدًا لتمر ليتيمين من الأنصار في حجر سعد بن زرارة فطلبه منهما وبناه مسجدًا، ووقف المشاع جائز عندنا وعند مالك(٢) وأبي يوسف كهبته وإجارته، وقال محمد بن الحسن: لا يجوز بناؤه على أصلهم (في الامتناع من إجازة المشاع (٣)، وحجة من أجازه أن بني النجار جعلوا حائطهم لمكان المسجد)(٤) وقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وأجاز الشارع ذَلِكَ من فعلهم وكان ذَلِكَ وقفًا للمشاع، والحجة في السنة لا في خلافها. (١) سلف برقم (٤٢٨) باب: هل ينبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد. (٢) ((المعونة)) ٥٠٠/٢. (٣) ((الهداية)) ٣/ ٢٥٢، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٩/٤. (٤) ساقطة من الأصل. ٢٧٩ = ڪِتَابُ الوَصَايَا ٢٨ - باب الوَقْفِ وَكَيْفَ يُكْتَبُ؟ ٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالَا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)). فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، في الفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرَّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٣٩٩/٥] ٢٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٩ - باب الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالضَّيْفِ. ٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رضى الله عنه وَجَدَ مَالَا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا)). فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالْسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٣٩٩/٥] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مَالَا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَى اللّه فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا)). فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وسـ وَالْمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ. وذكر قبله: باب الوقف كيف يكتب ثم ساق فيه الحديث المذكور. وأخره ابن بطال بعده(١)، ولا شك أنه ليس من شرط الوقف أن يكون للفقراء والمساكين خاصة، ألا ترى أن عمر شرط في وقفه معهما ذا القربى والضيف وقد يكون فيهم أغنياء، وكذلك قَالَ وَله لأبي طلحة: ((إني أرى أن تجعلها في الأقربين)) فجعلها لحسان (بن ثابت)(٢) وأبي بن كعب ولم يكونوا فقراء، ولم يحرم الله على الأغنياء من الصدقات إلا الزكاة وصدقة الفطر خاصة، وأحل لهم الفيء والجزية وصدقات التطوع كلها، فجائز للواقف أن يجعل وقفه لمن شاء من أصناف الناس أغنياء كانوا أو فقراء، قرباء كانوا أو بعداء له شرط في ذَلِكَ وهذا لا خلاف فيه(٣). وحديث عمر هذا أصل في إجازة الحبس والوقف، وهو قول أهل (١) ((شرح ابن بطال)) ١٩١/٨ - ١٩٣. (٢) من (ص). (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٩٢/٨.