النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كِتَابُ الوَصَايَا
١٦ - باب إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ وَقَفَ بَعْضَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِهِ
أَوْ دَوَابِّهِ، فَهُوَ جَائِزٌ
٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَغْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَغْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَغْبَ بْنَ
مَالِكِ رضى الله عنه: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِيٍ صَدَقَةً إِلَى
اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ بَّهِ؟ قَالَ: ((أَمْسِْكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَإِنّ
أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨،
٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح: ٣٨٦/٥]
ذكر فيه حديث كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ
أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وََّ؟ قَالَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ
بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ.
هذا الحديث تقدم في الزكاة(١)، وفيه أحكام:
أحدها: صدقة المرءِ بجميع ماله، وقال بعضهم: لا يجوز،
والصواب استحبابه لمن يصبر على الضر والإضاقة، كما فعل الصديق
حيث تصدق بمالِه كله(٢) وأقره الشارع عليه(٣).
(١) سلف معلقًا في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى قبل حديث (١٤٢٦).
(٢) دل على ذلك حديث رواه أبو داود (١٦٧٨) عن عمر بن الخطاب أمرنا رسول الله
وَّر أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر ... الحديث.
والحاكم ٥٧٤/١، وصححه على شرط مسلم، والبيهقي ١٨٠/٥، وحسنه
الألباني في ((المشكاة) ٣١٣/٣.
(٣) ورد بهامش الأصل: حاشية من خط الشيخ. أنشد ابن عبد ربه في ((العقد)):
يبقى خلافك مصلح أو مفسد
اسعد بمالك في الحياة فإنما
وأخو الصلاح قليله يتزيد
فإذا جمعت لمفسد لم يغنه

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء على
أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بمَاله كله في صحته، إلا أنهم استحبوا أنه
يُبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وما يتقي من الآفات مثل الفقر
وغيره؛ لقوله {وَله: ((أَمْسِْك عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) ويروىُ:
((أمسك عليك ثلث مالك))(١) فحض على الأفضل(٢). قَالَ ابن التين:
ومذهب مالك أنه يجوز إذا كان له صناعة أو حرفة يعود بها على
نفسه وعياله وإلا فلا ينبغي له ذلك.
ثانيها: أن الغنى أفضل من الفقر، وأن الكفاف أفضل منهما؛
لقوله: ((فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة في باب: ((لا صدقة
إلا عن ظهر غنى))(٣).
ثالثها: استدل البخاري بأنه لما جازت الصدقة بالعقار، ووقف
غلاتها على المساكين جاز ذَلِكَ في الرقيق والدواب، إذ المعنى
واحد في أنتفاع المساكين بغلاتها وبقاء أصولها، وقد سلف ذَلِكَ في
باب: الشروط في الوقف، وسيأتي الاختلاف في وقف الرقيق
والحيوان بعد.
رابعها: أن من تاب الله عليه أو خلصه من (مسألة) (٤) نزلت به ينبغي
له أن يشكر الله تعالى على ذلك بالصدقة وبما شاكلها من أفعال البر.
خامسها: قَالَ الداودي: وفيه أن السمع شهادة.
(١) رواه أبو داود (٣٣٢١) ولفظه: (إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله
وإلى رسوله صدقة، قال: لا، قلت: فنصفه، قال: لا، قلت: فثلثه، قال: نعم).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٧٥.
(٣) سبق برقم (١٤٢٦).
(٤) كذا في الأصل ووردت في (ص): مسلمة.

٢٤٣
كِتَابُ الوَصَايَا
=
١٧ - باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ
ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إِلَيْهِ
٢٧٥٨ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّ عَنْ أَنَسِ رضي الله عنه قَالَ: لَا
نَزَلَتْ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ
حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ - قَالَ: وَكَانَتْ
حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا - فَهِيَ إِلَى اللّهِ رَّ
وَإِلَى رَسُولِهِ مَّهِ، أَزْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَغْهَا - أَيْ رَسُولَ اللهِ - حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ،
فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ)). فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةً عَلَى ذَوِي رَحِهِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أُبُّ
وَحَسَّانُ، قَالَ: وَبَاعَ حَشَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي
طَلْحَةَ؟! فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الَحَدِيقَةُ في
مَوْضِعٍ قَصْرِ بَنِي جَدِيْلَةَ الذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ. [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣٨٧/٥]
ذكر فيه حديث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ،
فذكر حديث بيرحاء السالف في الزكاة بطوله من حديث ابن يوسف،
عن مالك، عن إسحاق أنه سمع أنسًا فذكره(١)، وموضع الدلالة منه
قوله: (فهي إلى الله وإلى رسوله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.
فقال: ((قد قبلناه منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين)) فتصدق به
أبو طلحة على ذوي رحمه.
(١) سلف برقم (١٤٦١) باب: الزكاة على الأقارب.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والبخاري ساقه هنا فقال: حدثنا إسماعيل، أخبرني عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق به. والمزي في (١) ((أطرافه)) بلفظ:
وقال إسماعيل -هو ابن أبي أويس - أخبرني عبد العزيز. فذكره، كذا
ذكره معلقًا (٢)، والذي ألفيناه في أصل الدمياطي مسندًا. وفي كتاب
أبي مسعود وخلف: وقال إسماعيل بن جعفر. والصواب: ابن أبي
أویس.
(١) ورد بهامش الأصل: وكذا ساقه المزي عندي في نسختي.
(٢) ((تحفة الأشراف)) (١٨١).

٢٤٥
ـ كِتَابُ الوَصَايَا
١٨- باب قَوْلِ اللَّهِ وَّ:
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْبَى وَالْمَسَكِينُ
فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨]
٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ أَبُو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِه الآيَةَ
نُسِخَتْ، وَلَ والله مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ
الذِي يُؤْزَقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ
أُعْطِيَكَ. [٤٥٧٦ - فتح: ٣٨٨/٥]
ثم ساق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ
هذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا والله مَا نُسِخَتْ، وَلَكِتُّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بها،
هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَلِكَ الذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الذِي
يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ.
هذا الحديث من أفراده وذكره في : التفسير من حديث عكرمة ثم قَالَ:
تابعه سعيد عن ابن عباس -يعني هذا- بزيادة. قَالَ: هي (محكمة) (١)
وليست منسوخة (٢). وادعى أبو مسعود في ((أطرافه)) إرساله، والوافي
بالاصطلاح أنه موقوف، قَالَ ابن أبي حاتم في «تفسيره)): وممن قَالَ:
إنها محكمة جماعة، وعدد فوق العشرة منهم عطاء، ثم ساق، عن
عطاء، عن ابن عباس أنه نسختها آية المواريث فجعل لكل إنسان
نصيبه مما ترك مما قل منه أو كثر(٣) .
(١) كذا في الأصل، وفي (ص): متحكمة. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٧٦) سورة النساء، باب: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ﴾.
(٣) ((تفسير القرآن العظيم)) ٨٧٥/٣.

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ: وروي عن جماعة عددهم نحوه، ونقل نسخها أبو داود في
(ناسخه)) عن سعيد بن المسيب والضحاك، وقال النحاس: أحسن
ما قيل في الآية أنها على الندب(١).
قلتُ: وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل: إن الآية محمولة على
الوصية لمن ذكر في الآية وفيمن حضر، ولو كان الوارث صغيرًا فهل
يجب على وليه الإخراج من نصيبه؟ قولان: حكاهمًا الماوردي في
((تفسيره)) على أنها محكمة، أحدها: لا، ويقول الولي لهم قولًا
معروفًا . -أي: خذوا بورك لكم -. كما قاله سعيد بن جبير، وأكثر
أهل العلم على أنها محكمة(٢). قَالَ مجاهد: هي محكمة، وواجب
عند قسم الميراث ما طابت به أنفسهم. قَالَ البخاري: هذا مجاهد
يقول بوجوبها بالإسناد الذي يدفع صحته، وهذا خلاف ما روي عنه
عن ابن عباس، غير أن هذا الإسناد أصح، وأمر ابن المسيب أن
يوصي بثلثه في قرابته. قَالَ الطبري: وأولىُ هُذِه الأقوال من قَالَ: إنها
محكمة، وإنه عنى بها الوصية لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى
والمساكين أن يقال لهم قول معروف(٣).
وأما ابن حزم فقَالَ في ((محلاه)): فرض على الورثة البالغين وعلى
وصي الصغار ووكيل الغائب أن يعطوا حين القسمة ما طابت به أنفسهم
مما لا يجحف بالورثة، ويجبرهم الحاكم على ذَلِكَ إن أبوا، وتلا الآية
الكريمَة، وذكر ما روي عن ابن عباس، وأبي موسى وقسم لحطان (٤)
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ١٥٩/٢.
(٢) ((النكت والعيون)) ٤٥٦/١.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٦٠٨/٣.
(٤) يقصد: حطان بن عبد الله. قال: قسم لي بها أبو موسى.

٢٤٧
- كِتَابُ الوَصَايَا
بقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: وصح أيضًا عن عروة
وابن سيرين وحميد بن عبد الرحمن الحميري ويحيى بن يعمر
والشعبي والنخعي والزهري والحسن وأبي العالية والعلاء بن بدر
وسعيد بن جبير ومجاهد، وروي عن عطاء، وهو قول أبي سليمان
قَالَ: وروي أنها ليست بواجبة عن ابن عباس وسعيد بن المسيب
وأبي مالك وزيد بن أسلم، وبقول أبي حنيفة ومالك والشافعي قَالَ:
ولا نعلم لأهل هذا القول حجة أصلاً(١). ونقل ابن الجوزي عن أكثر
المفسرين أنهم قالوا: المراد بأولي القرابة هنا: من لا يرث. وفسروا
قوله: ﴿فَارْزُقُوُهُم﴾ أعطوهم من المال. وقال آخرون: أطعموهم.
وذلك على سَبيل الأستحبَاب، ومن قَالَ بالإيجاب قَالَ: إن كانوا
كبارًا تولوا الإعطاء وإلا فوليهم (٢).
وقول ابن عباس: (ولكنها مما تهاون الناس) أي: بتأويلها. ورأى
غيره أنها محكمة كما سلف، وأن يطعم من حضر ممن سمى غير الورثة،
وكان بعضهم يصنع الطعام من تركة الميت ويطعم من حضر ممن ذكر في
الآية، وذكر إسماعيل القاضي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر
قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيَّة، فلم يدع في الدار مسكينًا
ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا الآية. قَالَ القاسم بن
محمد: فذكرت ذَلِكَ لابن عباس فقال: ما أصاب، إنما ذَلِكَ في
الوصية يريد الميت أن يوصي. وقال ابن المسيب: إنما ذَلِكَ في الثلث
عند الوصية(٣). وقد فعله كما تقدم.
(١) ((المحلى)) ٣١٠/٩ - ٣١١ بتصرف.
(٢) ((زاد المسير)) ١٩/٢.
(٣) رواه البيهقي في (سننه)) ٦/ ٢٦٧.

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قَالَ: ثلاث آيات في كتاب الله
محكمات مدنيات قد ضيعهن الناس، فذكر هذه الآية وآية الاستئذان:
﴿وَالَّذِينَ لَمَّ يَبْلُغُوْ اُلْحُلُمُ﴾ [النور: ٥٨] في العورات الثلاث، وهذه الآية:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْشَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى﴾ (١) [الحجرات: ١٣] قال قتادة في
قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [النساء: ٩] قَالَ: إِذا
حضرت وصية ميت فأمره بما كنت تأمر به نفسك مما يتقرب به إلى
الله، وخف في ذلك ما كنت تخافه على ضعفهم لو تركتهم بعدك،
فاتق الله وقل قولاً سديداً إن هو زاغ(٢).
(١) ((تفسير الطبري)) ٦٠٦/٣ (٨٦٧٤).
(٢) ((تفسير الطبري)) ٦١٢/٣ (٨٧١٢).

٢٤٩
كِتَابُ الوَصَايَا
=
١٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَقَّى فَجْأَةً
أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ
٢٧٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َ: إِنَّ أُمِّي أَفْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ
تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا)). [انظر: ١٣٨٨ - مسلم: ١٠٠٤ -
فتح: ٣٨٨/٥]
٢٧٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ
بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله عنه
أَسْتَقْتَى رَسُولَ اللهِ وَ لَ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ: ((اقْضِهِ عَنْهَا)).
[٦٦٩٨، ٦٩٥٩ - مسلم: ١٦٣٨ - فتح: ٣٨٩/٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ وَِّ: إِنَّ أُمِّي أَفْتُلِتَتْ
نَفْسها، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَ تَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ،
تَصَدَّقْ عَنْهَا)).
وحديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أُسْتَقْتَى رَسُولَ اللهِنََّ فَقَالَ:
إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَّذْرٌ. فَقَالَ: ((اقْضِهِ عَنْهَا)).
الشرح :
معنى: (افتلتت): أخذت نفسها فجأة يقال: افتلت الشيء إذا أخذته
فجأة، وكل شيء عوجل مبادرة فهو فلتة.
قَالَ صاحب ((المطالع)): كذا ضبطناه (نفسها) بالفتح على المفعول
به الثاني، وبضمها على الأول، والنفس مؤنثة وهي هنا: الروح، وقد
تكون بمعنى الذات، و(أُراها) بضم الهمزة: أظنها.
أما حكم الباب:

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ففيه: أن الولد ينبغي أن يفعل عن والده ما يظن أنه يود فعله.
وفيه: قضاء النذر، وقد أخرجه من حديث مالك، ومالك إنما يراه
في المال، وقد جاء مفسرًا في الصوم وغيره(١)، وقد سلف الخلف فيه،
ولم يأخذ به أصحاب مالك سوى محمد بن عبد الحكم.
وقام الإجماع على أن الصدقة تنفع الميت، عملًا بقوله: (نَعَمْ))
وقيل: يحتمل أن يكون المتصدق عنها يهبها الأجر بعد وقوع الصدقة
عن المتصدق وظاهر الحديث خلافه، ولا يبعد أن يثاب المرء بفعل
غيره كما يغتاب ويسرق ماله، يوضحه الحديث السالف: ((إذا تصدقت
المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها
بما كسب، وللخازن مثل ذلك))(٢) ويدل على نفعه بالصدقة حديث أبي
هريرة الثابت: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة
جارية)) (٣) وحديث سعد بن عبادة لما أمره وَ ير أن يتصدق عن أمه:
أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: ((سقي الماء)) (٤) ودلت عليه الآيات عن
رسول الله ◌َّ﴾ أن تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلّإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
[النجم: ٣٩] على الخصوص.
قَالَ ابن المنذر: وأما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرًا يثبت عن
رسول الله صل﴾، وقد ثبت عن عائشة أنها أعتقت عبيدًا عن أخيها
عبد الرحمن، وکان مات ولم یوص.
(١) جاء في حديث (١٩٥٣): جاء رجل إلى النبي ◌ّ فقال: يا رسول الله وَّ إن أمي
ماتت وعليها صوم شهر .. إلخ. باب: من مات وعليه صوم.
(٢) سلف برقم (١٤٢٥) كتاب: الزكاة، باب: من أمر خادمه بالصدقة.
(٣) مسلم (١٦٣١) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.
(٤) سبق تخريجه.

٢٥١
كِتَابُ الوَصَايَا
=
وأجاز ذَلِكَ الشافعي. قَالَ بعض أصحابه: لما جاز أن يتطوع
بالصدقة وهي مال، فكذا العتق. وفرق غيره بينهما فقال: إنما أجزناها
للأخبار الثابتة، والعتق لا خبر فيه بل في قوله: ((الولاء لمن أعتق)) (١)
دلالة على منعه؛ لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت فله الولاء،
فإذا ثبت له الولاء فليسَ للميت منه شيء، وليس بصحيح؛ لأنه قد
روي في حديث سعد بن عبادة أنه قَالَ للنبي وَّ: إن أمي هلكت فهل
ينفعها أن أعتق عنها؟ قَالَ: (نَعَمْ))(٢) فدل أن العتق ينفع الميت،
ويشهد لذلك فعل عائشة السالف.
وقد اختلفت الآثار في النذر الذي كان على أم سعد، فقيل: كان
غير عتق. وذلك مذكور في النذور في باب: من مات وعليه نذر(٣).
وقَالَ ابن المنذر: وممن كان يجيز الحج التطوع عن الميت الأوزاعي
والشافعي وأحمد، ومنعها غيرهم.
وقد سلف ذَلِكَ في الحج.
قَالَ ابن المنذر: وفي ترك الشارع إنكار فعل المرأة التي أفتلتت
نفسها حَتَّى ماتت ولم توص، دلالة على أن تارك الوصية غير عاص
إذ لو كان فرضًا لأخبر أنها تركت فرضًا.
وأما قضاء الدين عن الميت فما لزم الذمة فلا خلاف في قضائه عن
الميت، وما لزم البدن ففيه الخلاف (٤)، وقد سلف أيضًا.
(١) سلف برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر.
(٢) رواه النسائي ٦/ ٢٥٣ بلفظ: قال: أعتق عن أمك.
(٣) سيأتي برقم (٦٦٩٨).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٧٨/٨ - ١٨٠.

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
واعلم أن حديث ابن عباس في قصة سعد ذكره البخاري قريبًا في
باب: إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود(١)، كما ستعلمه وفي لفظ:
(وأراها لو تكلمت تصدقت). وفي ((الموطأ)) أنه قَالَ لها: أوصي.
قالت: فيم أوصي؟ (إنما)(٢) (المال لابني)(٣) سعد(٤). فإن كان هذِه
قصة أخرى أولم يبلغ ذَلِكَ سعدًا فقال: (لو تكلمت تصدقت).
(١) سيأتي برقم (٢٧٧٠).
(٢) من (ص).
(٣) كذا في الأصول، وفي الموطأ (المال مال سعد).
(٤) ((الموطأ)) ص ٤٧٣.

٢٥٣
= كِتَابُ الوَصَايَا
٢٠ - باب الإِشْهَادِ في الوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْجِ
أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَبِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ - مَوْلَى ابن عَبَّاسِ - يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابن
عَبَّاسِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله عنهم - أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُؤُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ
[عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ وََّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ تُؤْفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ
يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَإِنِّ أَشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي
اِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [انظر: ٢٧٥٦ - فتح: ٣٩٠/٥]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسِ السالف في باب إذا قال: أرضي أو بستاني
صدقة عن أمي(١).
ولا شك في مطلوبية الإشهاد فيه وإذا أمر به في البيع، وهو خروج
ملك عن ملك بعوض ظاهر، فالوقف أولى بذلك؛ لأن الخروج عنه بغير
عوض، مع أن الأكثر في الصدقات والأوقاف أن يكون على غير عوض
في الأعيان، وعبارة ابن بطال: الإشهاد واجب في الوقف ولا يتم
إلا به (٢)، ولا نوافقه عليه.
(١) سلف قريبا برقم (٢٧٥٦).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٨٠/٨.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَءَاتُوْ اُلْيَنَمَّ أَمْوَلَهُمْ﴾ إلى قوله:
﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢-٣]
٢٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ
يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا
طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٤] قَالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ فِي حَجْرٍ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ في
جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَذْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَتُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ، إِلَّ أَنْ
يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ:
ثُمَّ أَسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ وََّ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ رََّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى الْنِسَاءِ قُلِ اَللَّهُ
يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قَالَتْ: فَبَيَّنَّ اللهُ فِي هذِهِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ
جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا، وَلْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً
عَنْهَا فِي قِلَّةِ المَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالْتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا
حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الأَفَى
مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح: ٣٩١/٥]
وذكر فيه حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ
نُقْسِطُواْ فِ اُلَْ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ففسرتها وسيأتي أيضًا
في النكاح(١).
ومعنى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالَّيِّبِّ﴾ [النساء: ٢] الحرام بالحلال،
أو أن تجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، أو استعجال
أكل الحرام قبل مجيء الحلال، أو كانوا لا يرثون الصغار والنساء،
(١) سيأتي برقم (٥٠٩٨) باب: لا يتزوج أكثر من أربع.

٢٥٥
كِتَابُ الوَصَايَا
ويأخذ الرجل الأكثر فيتبدل نصيبه من الميراث بأخذه الكل، وهو
خبیٹ.
وقوله: ﴿إِلَىّ أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢] قيل: (إلى) بمعنى: مع، والأجود
أن تكون في موضعها ويكون المعنى: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم.
(حُوبًا): إنما تحوَّب من كذا: توقى إثمه، قال الفراء: الحَوْب
لأهل الحجاز، والحُوْب لتميم، وقال ابن عزير: هو بالضم الاسم،
وبالفتح المصدر.
وروي عن ابن عباس في تفسير الآية أنه قَالَ: قصر الرجل على أربع
من أجل اليتامى(١).
وروي عن جماعة من التابعين أيضًا، وكان المسلمون يسألون عن
أمر اليتامى لما شدد في ذَلِكَ فنزلت الآية، وتفسير عائشة عليه أهل
النظر، وجماعة من أهل اللغة على قول ابن عباس.
قَالَ المبرد: التقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى. ثم
حذف.
قَالَ مجاهد: معناه: إن خفتم ألا تعدلوا وتحرجتم أن (تلوا)(٢)
أموال اليتامى تحرجوا من (الزنا)(٣) (٤) وقال غيره: المعنى: وإن
خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فكذلك ينبغي أن تخافوا ألا تعدلوا بين
الأربع، فانكحوا واحدة.
(١) (تفسير الطبري) ٥٧٥/٣ (٨٤٦٥) وفيه: من أجل أموال اليتامى.
(٢) في الأصل: تلون والمثبت هنا من (ص).
(٣) في الأصل (الربا)، والمثبت من تفسير مجاهد.
(٤) (تفسير مجاهد)) ١٤٤/١.

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
قَالَ الداودي: وفسره ابن عباس بما هو قريب من تفسير عائشة، فقال:
كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا مثل ذَلِكَ في يتامى النساء،
فانكحوا ما طابَ لكم من النساء في ولايتكم(١). قَالَ: وفي القول
اختصار، وهو أنه من القسط لهن أن يستأمرن في أنفسهن ولا يعضلن
على نكاح من لم يشأن، وبينه الشارع بقوله: ((الأيم أحق بنفسها من
وليها))(٢) وقيل: كانت قريش في الجاهلية تكثر التزوج بلا حصر، فإذا
كثرت عليهم المؤن، وقل ما بأيديهم أكلوا ما عندهم من أموال
اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا إلى
الأربع حصر العدد.
وقوله: ﴿مَا طَابَ﴾ من طاب أو فانكحوا نكاحًا طيبًا.
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٣/ ٨٥٧ (٤٧٤٧) بلفظ: فخافوا ألا تعدلوا في النساء.
(٢) مسلم (١٤٢١) كتاب النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح ..

٢٥٧
- كِتَابُ الوَصَايَا
٢٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ وَأَبْلُواْ الْيَنَمَ حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ إلى قوله:
﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ٦-٧]
وَمَا (١) لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ اليَتِيم، وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرٍ
عُمَالَتِهِ.
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ - مَوْلَى بَنِي هَاشِم - حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ
جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ وَ لِّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ تَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ أَسْتَفَدْتُ
مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: («تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ،
لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، ولكن يُنْفَقُ ثَمَرُهُ)). فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ
فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي القُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ
عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ بِهِ. [انظر: ٢٣١٣ -
مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٣٩٢/٥]
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌّ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِّ،
[النساء: ٦]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ
مَالِهِ بِالْمَغْرُوفِ. [انظر: ٢٢١٢ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٣٩٢/٥]
(١) كذا وقع لابن الملقن في نسخته، وفي بعض النسخ فصل بين التبويب للآية
والتبويب لعمل الوصي وانظر: ((اليونينية)) ١٠/٤، وأشار إلى ذلك الحافظ في
((الفتح)) ٣٩٢/٥ والعيني في ((عمدة القاري)) ٢٩٣/١١، والأنصاري في ((المنحة))
٥٧٩/٥.
ووقع أيضًا اختلاف في النسخ في سياق الآية وشرح الكلمات. راجع المواضع
السابقة.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثم ساق حديث ابن عمر في صدقة عمر بثمغ وكان نخلًا.
وفي آخره: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ) إلى
آخره، وقد سلف (١)، والبخاري رواه عن هارون، وهو ابن الأشعث
الهمداني الثقة، وهو من أفراده عن أبي سعيد مولى بني هاشم
واسمه: عبد الرحمن (خ س ق) بن عبد الله بن عبيد البصري، نزل
مكة يلقب جردقة(٢).
وذكر فيه أيضًا حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ﴾
[النساء: ٦]. قَالَتْ: أَنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ
مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ.
وقد سلف أيضًا(٣)، ومعنى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَ﴾ اختبروهم في عقولهم،
تميزهم وأذهانهم، وذلك أن يختبر بعد البلوغ بشيء من ماله، وظاهر
القرآن أنه قبله، والمراد بالنكاح هنا: الحكم بالإنفاق، ومعنى:
﴿ءَسْتُ﴾ علمتم ﴿رُشْدًا﴾ عقلًا، كما قاله أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى
الحجر على حر مسلم وصلاحًا في الدين، أو صلاحًا في الدين والمال
كما قَالَ الحسن والشافعي، أو صلاحًا وعلما بما يصلح، والأنثى
كالذكر عند الشافعي وأبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك أن يضاف
إلى ذَلِكَ دخول الزوج بها ﴿إِسْرَافًا﴾ مجاوزة المباح، فإن فرط قيل:
أسرف إسرافًا؛ فإن قصر قيل: سرف يسرف ﴿وَيِدَارًا﴾ هو أن يأكله
مبادرة أن يكبر فيحول بينه وبين ماله.
(١) سلف برقم (٢٣١٣) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثقة توفي سنة ١٩٧.
(٣) سلف برقم (٢٢١٢) كتاب البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون
عليه.

٢٥٩
كِتَابُ الوَصَايَا
وقوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ زيد بن أسلم وغيره: نسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى تُظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا
[النساء: ١٠]، وقال غيرهما: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ نِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وهذا ليس تجارة. وقال
جماعة: غير منسوخة واختلفوا في معناها، فقالت عائشة ما في
الكتاب، وقال عمر: إن غنيت تركت وإذا احتجت أكلت بالمعروف(١).
وقاله ابن عباس(٢)، وفي حديث مرفوع: ((كُلْ من مال يتيمك غير
مسرف ولا متأثل مالك بماله))(٣) وعندنا يأكل أقل الأمرين من أجره
ونفقته وقيل: أجرته.
وفي رد البدل قولان أصحهما: لا. وقيل: نعم، وهو قرض، وهو
قول عطاء وجماعات، وروي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس، وتأوله
الداودي على قول عمر: (إنما) (٤) أنا في هذا المال كولي اليتيم إذا
استغنى عفَّ، وإن احتاج أكل ورد(٥). وتأوله الجماعة على أنه لا يرد
شيئًا كما سلف.
وقال ابن بطال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفُْ﴾ هو للندب، وإن أكل
بالمعروف لم يكن عليه حرج(٦) .
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٦٣/٦ (٣٢٩٠٤)، والطبرئ في ((تفسيره)) ٣/
٥٩٧ (٨٥٩٩).
(٢) أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي كما في ((الدر المنثور)) ٢/
٢١٦.
(٣) رواه أبو داود (٢٨٧٢)، والنسائي ٢٥٦/٦، وابن ماجه (٢٧١٨)، وأحمد ٢/
٢١٥-٢١٦. قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٥٥٦): إسناده حسن صحيح.
(٥) سبق تخريجه.
(٤) من (ص).
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٨٢.

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ربيعة ويحيى بن سعيد: الأكل هاهنا لليتيم لا للولي، إن كان
فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره(١). وقال عكرمة وعروة والشعبي، وروي عن
ابن عباس: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ: يتقوت من ماله حَتَّى لا يصيب من مال
اليتيم شيئًا (٢).
والإشهاد من باب الندب خوف إنكار اليتيم، وقيل: الإشهاد منسوخ
بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: شهيدًا(٣) أو كافيًا من الشهود وهذا قول
أبي حنيفة أن القول قول الوصي في الدفع. وقيل: معناه فيمن أقترض منه
فعليه أن يشهد عند الدفع، وفسر: ﴿حَسِيبًا﴾ في رواية أبي ذر: كافيًا.
وقيل: عالمًا. وقيل: مقتدرًا. وقيل: محاسبًا.
وقوله: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ نزلت بسبب أن الجاهلية كانوا يورثون
الذكور دون الإناث، ويقولون: لا يرث إلا من طعن بالرمح (٤). وذكر
حديث عمر في الباب؛ لذكره أكل الولي منه، وليس من الباب في
شيء كما قاله ابن التين؛ لأن عمر شرط ذَلِكَ وشرط إطعام الصديق
بخلاف الوصي.
(وثَمْغٌ) بإسكان الميم، وقد فسره بقوله: (وَكَانَ نَخْلًا).
وقوله: (وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ). أي: خطير يتنافس فيه. وقال الداودي:
اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس، وقال المهلب: إنما أدخل هذا الحديث في
الباب، لأن عمر حبس ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه،
كما جعل مال اليتيم إلى من يليه وينظر فيه، فالنظر لهؤلاء الأصناف
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨٦٧/٣ (٤٨١٨).
(٢) ((تفسير الطبري)) ٥٩٦/٣ (٨٥٩٦).
(٣) السابق ٦٠٤/٣ (٨٦٥٦) عن السدي.
(٤) بمعناه رواه الطبري عن عكرمة في ((تفسيره)) ٦٠٤/٣ (٨٦٥٨).