النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كِتَابُ الوَصَايَا
=
الغني والفقير إلى آدم؛ لأنه ليس أب ينسب إليه بالقرابة أولى من أب.
والوصية والوقف سواء، وفي رواية: (فجعلها أبو طلحة على ذوي
رحمه) (١)، ولأن المقصود بها الصلة فالرحم المحرم أولى كالنفقة،
وإيجاب العتق، وذو الرحم المحرم أولى بالصلة من ذي الرحم غير
المحرم، واحتج من صرف للتعدد بحديث أبي طلحة من حيث إنه
لو أكتفى بالواحد لأعطى حسان وحده دون أبي؛ لأنه أقرب إليه من
أُبي، فلما كان المعتبر في ذَلِكَ الأثنين أعطاهما وإن كانا ليس
متساويين في الدرجة مع قول السهيلي: كان ابن عمة أبي طلحة أمه
سهيلة بنت الأسود بن حرام (٢). وكذا قوله: في (الأقربين)(٣)، وفي
أقاربك. وأقل الجمع أثنان.
واحتج بعض أصحابنا فقال: إنما استحقوا باسم القرابة فيستوي في
ذلك القريب والبعيد والغني والفقير كما أعطى من شهد القتال باسم
الحضور(٤)، ثم نظرنا في قول من قَالَ: هو إلى آبائه في الإسلام.
فرأينا الشارع أعطى سهم ذي القربى بني هاشم وبني المطلب،
ولا يجتمع هو مع أحد منهم إلى أب منذ كانت الهجرة، وإنما يجتمع
معهم في آباء كانوا في الجاهلية، وكذلك أبو طلحة وأبي وحسان
لا يجتمعون عند أب إسلامي، ولم يمنعهم ذَلِكَ أن يكونوا قرابة
يستحقون ما جعل للقرابة فبطل قول صاحب الصاحبين كما قَالَ
(٥)
الطحاوي(٥).
(١) سيأتي برقم (٢٧٥٨).
(٢) ((الروض الأنف)) ٢٢/٤.
(٣) في (ص): الأدنين.
(٤) ((الأم)) ٣٨/٤، ((الروض الأنف)) ٢٢/٤.
(٥) ((شرح معاني الآثار) ٣٨٩/٤.

٢٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وثبت أن الوصية لكل من تُوقف على نسبه عن أب أو أم حَتَّى يلتقي
هو والموصي لقرابته إلى جد واحد في الجاهلية أو في الإسلام.
وأما الذين قالوا: إن القرابة هم الذين يلتقون عند الأب الرابع،
فإنهم ذهبوا إلى أنه ◌َّ لما قسم سهم ذي القربى أعطى بني هاشم
وبني المطلب، وإنما يلتقي هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع؛ لأنه
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والآخرون
هم بنو المطلب بن عبد مناف، فإنما يلتقي معهم عند عبد مناف وهو
أبوه الرابع فمن الحجة عليهم في ذَلِكَ للآخرين: أنه وُّ لما أعطاها
حرم بني أمية وبني نوفل، وقرابتهم منه لقرابة بني المطلب، فلم
يحرمهم لأنهم ليسوا قرابة، ولكن لمعنى غير القرابة فكذلك من
فوقهم لم يحرمهم؛ لأنهم ليسوا قرابة، ولكن لمعنى غيرها، وكذلك
أعطى أبو طلحة لحسان وأبي، وإنما يلتقي مع أبي لأبيه السابع فلم
ينكر ◌َ على أبي طلحة ما فعل وقد أمر الله تعالى نبيه أن ينذر
عشيرته الأقربين، فدعا عشائر قريش كلها ومنهم من يلقاه عند أبيه
الثاني وعند أبيه الثالث والرابع والخامس والسابع، ومنهم من يلقاه
عند آبائه الذين فوق ذَلِكَ إلا أنه ممن جمعته وإياهم قريش، فبطل
قول من جعل إلى الأب الرابع، وثبت قول من جعل إلى أب واحد
في الجاهلية أو الإسلام.
واحتج أصحاب مالك لقوله: إن القرابة قرابة الأب خاصة؛ لأنه وقاله
لما أعطى ذوي القربى لم يعط قرابته من قبل أمه شيئًا، وسيأتي إيضاحه
في الباب بعده، وقد سلف كثير من معنى حديث أبي طلحة في باب:
فضل الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة (١).
(١) سلف برقم (١٤٦١).

٢٢٣
- كِتَابُ الوَصَايَا
فرع: اختلف قول مالك في دخول القرابة وكذا البنات، فمنعه ابن
القاسم، وكذا من كان من قبل الأم، وقال ابن الماجشون بالدخول،
واختلف فيما إذا قَالَ: لآبائي. هل تدخل العمومة والخالات؟
والمختار عندهم: الدخول، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾
[يوسف: ١٠٠] يعني: أباه وخالته(١)، وكذلك اختلف إذا قَالَ: بني.
هل تدخل البنات؟(٢)
خاتمة :
قَالَ ابن التين: قول من قَالَ في البخاري: إذا أوصى لقرابته فهو إلى
آبائه في الإسلام، ثم نقل عن أبي يوسف أن الوصية لقرابته ذوي رحمه
المحرمة وغيرهم من الرجال والنساء، الأقرب والأبعد في ذَلِكَ سواء
إلى أقصى أب له في الإسلام من الرجال والنساء، ثم نقل عن
الداودي أنه قَالَ: إن أراد القائل في البخاري من عدي مضر
وقحطان، فهو معنى قول مالك، وترتيب القربة وأما عدنان وقحطان
فهم يتناسبون إليها، وكذلك يتعاقلون؛ لأنهم سواء في دارهم [و](٣)
تناسبوا في حياة رسول الله وَ﴾، وليس كذلك غيرهم.
أخرى: في قوله في حديث أبي هريرة: ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
٢١٤)
[الشعراء: ٢١٤] دلالة أنه لا يخص بالقرابة أقربهم إلى الموصي. وبنو
عبد مناف أربع قبائل تقدمت: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو
عبد شمس، وبنو نوفل، وأقربهم للنبي وَّ بنو هاشم، وأقرب بني
هاشم عبد المطلب، وأدخل النبي وَلو الرجال والنساء والقبائل على
(١) رواه الطبري في ((التفسير)) ٧/ ٣٠٣ (١٩٩٠٠) من قول زيد بن أسلم.
(٢) ((البيان والتحصيل)) ٤٢٨/١٢.
(٣) من (ص).

٢٢٤
أن بعضهم أبعد من بعض قَالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُواْ ﴾
ج
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
[الحجرات: ١٣] فالشعوب: القبائل العظام كمضر وربيعة وتميم
وقيس، والقبائل دون ذَلِكَ كقريش ونحوها، والأفخاذ: بني هاشم
وبني عبد شمس.
تنبيه :
وقع في شرح بعض شيوخنا هنا أن قَالَ بعد ترجمة البخاري: وقال
إسماعيل بن جعفر: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله عن إسحاق بن عبد الله
قَالَ: لا أعلمه إلا عن أنس فذكر حديث بَيْرُحَاء في الزكاة (١)، ثم نقل عن
الطرقي أنه قَالَ: إن البخاري أخرجه عن الحسن بن شوكر عن
إسماعيل بن جعفر، وأخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) عن
همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله(٢). أنتهى ما ذكره. وهو
عجيب منه فهذا الحديث ليس في الباب، وإنما ساقه البخاري بعدُ
بأبواب في باب: من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه، ولم يسقه
منقطعًا، إنما ساقه مسندًا عن إسماعيل بن جعفر، قَالَ: نا إسماعيل،
أخْبرَنِي عبد العزيز. فذكره(٣).
قلت: والحسن بن شوكر من رجال أبي داود فقط (٤) (٥) (٦)
(١) سلف برقم (١٤٦١) باب: الزكاة على الأقارب.
(٢) ((مسند الطيالسي)) ٥٥٤/٣ (٢١٩٣).
(٣) سيأتي برقم (٢٧٥٨).
(٤) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٧٦/٦ (١٢٣٧).
(٥) ورد بالهامش: ثم بلغ في السابع بعد الثمانين. كتبه مؤلفه.
(٦) ورد بالهامش: آخر ١ من ٩ من تجزئة المصنف.

٢٢٥
كِتَابُ الوَصَايَا
=
١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ والولدان في الأَقَارِبِ؟
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ إِ ليه
• [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: (يَا مَعْشَرَ
حِينَ أَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ
قُرَيْشِ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - أَشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ
مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ
اللّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ
مُحَمَّدٍ، سَلِينِ مَا شِئْتٍ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْك مِنَ اللهِ شَيْئًا)). تَابَعَهُ أَصْبَغُ، عَنِ ابن
وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ. [٣٥٢٧، ٤٧٧١ - مسلم: ٢٠٦ - فتح: ٣٨٢/٥]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ وَتَ:
قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ)) أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ..
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
الحدیث بطوله.
قَالَ الإسماعيلي: وحديث أبي هريرة هذا وحديث ابن عباس في
الباب قبله مرسلان لأن الآية نزلت بمكة - شرفها الله- وابن عباس
كان صغيرًا، وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة.
قلتُ: والسماع ممكن أو من صحابي آخر فلا إرسال (يقدح) (١).
وقام الإجماع على أن أسم الولد يقع على البنين والبنات، وأن
النساء التي من صلبه وعصبته كالعمة والابنة والأخت يدخلن في
الأقارب، إذا وقف على أقاربه، ألا ترى أنه وَير خص عمته بالنذارة
کما خص ابنته، فكذلك من کان في معناهما ممن يجمعه معه أب واحد.
(١) ورد في هامش الأصل: لم يقل الإسماعيلي: إن هذا الإرسال قادح، وإنما قال:
إنهما مرسلان فقط، والحال كذلك إن كانا سمعا الحديثين من صحابي.

٢٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحبس، وقال
ابن القاسم: تدخل الأم في ذَلِكَ، ولا تدخل الأخوات لأم.
واختلفوا في ولد البنات أو ولد العمات ممن لا يجتمع في أب واحد
مع الموصي والمحبس هل يدخلون في القرابة أم لا؟ فقال أبو حنيفة
والشافعي: إذا وقف وقفًا على ولده دخل فيه ولد ولده وولد بناته
ما تناسلوا، وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات. والقرابة
عند أبي حنيفة: كل ذي رحم. فيسقط عنده ابن العم والعمة، وابن
الخال والخالة؛ لأنهم ليسوا محرمين. والقرابة عند الشافعي: كل ذي
رحم محرم وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم ولا غيره. قلتُ: صحح
أصحابه أنه لا يدخل في القرابة الأصول والفروع، ويدخل كل قرابة
وإن بعد، وقال مالك: لا يدخل في ذَلِكَ ولد البنات.
وقوله: (لقرابتي وعقبي) كقوله: لولدي وولد ولدي يدخل فيه ولد
البنين. ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه، ولا يدخل ولد البنات.
حجة من أدخل ولد البنت الحديث السالف: ((إن ابني هذا سيد))(١)
في الحسن بن علي، ولا يظن أن أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات
أنهم ولد لأبي أمهم، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن الولد في اللغة
مشتق من التولد، وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة؛ لأنه أحد
أصليهم الذين يرجعون إليه، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنَتَى﴾
[الحجرات: ١٣] فللذكر حظه وللأنثى حظها والتولد عن جهة الأم
كالتولد عن جهة الأب، وقد دل القرآن على ذَلِكَ قَالَ تعالى: ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ﴾ إلى أن قَالَ: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥] فجعل
(١) سلف برقم (٢٧٠٤).

٢٢٧
- كِتَابُ الوَصَايَا
عيسى من ذريته وهو ابن بنته، ولم يفرق في الأسم بين نبي الله وبین ابنته.
وأجيب بأنه وَّ إنما سمى الحسن ابنا على وجه التحنن، وأبوه في
الحقيقة علي وإليه نسبه، وقد قَالَ بَّجله في العباس: ((اتركوا لي أبي))(١)
وهو عمه، وإن كان الأب حقيقة خلافه، قلتُ: وأعلى من هذا أن من
خصائصه أن أولاد بناته ينسبون إليه، كما أوضحته في ((الخصائص))(٢)،
وعيسى جرى عليه اسم الذرية على طريق الاتساع والتغليب للأكثر
المذكور، وهذا شائع في كلام العرب.
ودليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]
والمراد الذكر وابنه خاصة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلِذِى الْقُرْنَ﴾.
[الأنفال: ٤١] أختص به بنو أعمامه ومن يرجع نسبه إليه؛ لأنه وَّلة.
أعطى سهم القرابة بني أعمامه دون بني أخواله، فكذلك ولد البنات؛
لأنهم لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب، قَالَ الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وفي إعطائه بَّ بني المطلب، وهم بنو أعمامه حجة على أبي حنيفة
أن ابن العم داخل في القرابة، ولما أعطى بني المطلب وبني هاشم جاء
عثمان وجبير بن مطعم إليه فقالا : قد عرفنا فضل بني هاشم لمكانك
الذي وضعك الله فيهم، فما بالنا وبني المطلب أعطيتهم ومنعتنا
وقرابتنا واحدة؟ فقال ◌َّ: ((إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام))(٣)
(١) حكاه ابن بطال ١٦٨/٨، ولم أقف عليه مسندًا!
(٢) أنظر ((الخصائص)) ص٢٧٩ - ٢٨١.
(٣) سيأتي برقم (٣١٤٠) كتاب: فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس
للإمام. مختصرًا، ورواه بتمامه أبو داود (٢٩٨٠)، والنسائي ٧/ ١٣٠ - ١٣١،
وأحمد ٤/ ٨١.

٢٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعثمان من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم من بني نوفل، وهو أخو
عبد شمس بن عبد مناف والمطلب بن عبد مناف وهاشم بن عبد مناف،
فأعطى بني المطلب وهم بنو أعمامه، وأعطى بني هاشم و(هم)(١)
جده، وليس فيهم من يرجع إلى أجداد الأمهات مثل ولد البنات
والأخوال وغيرهم من ذوي الأرحام، فدل ذَلِكَ على رد قول القائل:
إن القرابة تقع على قرابة الأب والأم؛ لأنه وَلّ لم يعط إلا من رجع
إلى عصبته، وكذا من سوى بين الأقرب والأبعد؛ لأنه لما أعطى
الأولين ومنع الآخرين علم أنه لا يستحق بالقرابة إلا على وجه
الاجتهاد، وقد يدخل في القرابة جميع قريش بقوله: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ))
وخص بعضهم بالعطاء، فصح البداءة بالفقراء قبل الأغنياء.
وفي قوله لابنته: ((سَلِينِي مَا شِئْتِ)) أن الائتلاف للمسلمين وغيرهم
بالمال جائز، وذلك في الكافر آكد (٢).
(١) كذا في الأصل، وورد فوقها: لعله: وهو.
(٢) أنظر ((شرح ابن بطال)) ١٦٦/٨-١٦٩.

٢٢٩
كِتَابُ الوَصَايَا
١٢ - باب هَلْ يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟
وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ رضي الله عنه لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ
يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِي الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً
أَوْ شَيْئًا لله رَّتْ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ
يَشْتَرِظْ. [انظر: ٢٣١٣]
٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله
عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيِّ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ: ((ارْكَبْهَا)). فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)) أَوْ ((وَيْحَكَ)). [انظر: ١٦٩٠ -
مسلم: ١٣٢٣ - فتح: ٣٨٣/٥]
٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِ الزّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَأَىْ رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا)). قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)). في الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ. [انظر: ١٦٨٩
- مسلم: ١٣٢٢ - فتح: ٣٨٣/٥]
ثم ساق حديث أَنَسٍ وأَّبِي هُرَيْرَةَ ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)).
وقد سلفا في الحج(١). وما ذكره عن عمر أسلفه مسندًا(٢)، وذكره
لاشتراط عمر لا حجة فيه كما نبه عليه الداودي؛ لأن عمر أخرجها
عن يده ووليها غيره، فجعل لمن وليها أن يأكل على شرطه، ولو
أعتبر هذا بقوله وَير: ((العائد في هبته وفي صدقته كالعائد في قيئه))(٣)،
(١) سلفا برقمي (١٦٨٩، ١٦٩٠).
(٢) سلف برقم (٢٣١٣) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم
صديقًا له ويأكل بالمعروف.
(٣) سلف برقم (٢٦٢١).

٢٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أو ((كالكلب يعود في قيئه))(١) فإذا أنتفع ببعض صدقته فقد عاد فيها، وإن
اشترط في أصل عطيته أن ينتفع فلم تخرج عطيته عن يده فيحاز عنه،
ولا يقل ما تصدق به بما ينتفع به منها، فهي باقية على ملكه إذ
لا يعلم الجزء الذي تصدق به. وقال ابن المنير: وجه المطابقة فيه أن
المخاطب يدخل في خطابه، وهو أصل مختلف فيه، ومالك في مثل
هُذا يحكم بالعرف حَتَّى يخرج غير المخاطب أيضًا من العموم لقرينة
عرفية، كما إذا أوصى بمال للمساكين وله أولاد فلم يقسم حَتَّى
افتقروا(٢)، ففيه قول ابن القاسم ومطرف -يعني: الأثنين (٣). وقال ابن
التين: يحتمل.
وقال ابن بطال(٤): لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أخرجه لله
تعالى وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته، وقد نهى
الشارع عن ذلك. قَالَ: وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط ذَلِكَ في
الوقف، أو أن يفتقر المحبس أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه. قَالَ ابن
القصار: من حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في سبيل الله فأنفذ ذَلِكَ
في وجوهه زمانًا ثم أراد الانتفاع به مع الناس فإن كان من حاجة فلا بأس.
وذكر ابن حبيب عن مالك قَالَ: من حبس أصلًا تجري غلته على
المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا، كان يوم مات أو حبس
فقراء أو أغنياء، غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس
الحبس، ولكن يبقى منه سهم المساكين ليبقى اسم الحبس، ويكتب
(١) سلف برقم (٢٦٢٣).
(٢) ((المتواري على تراجم أبواب البخاري)) ص ٣١٨.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٥٢٨/١١.
(٤) ابن بطال ١٦٩/٨.

٢٣١
= ڪِتَابُ الوَصَايَا
على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على المسكنة وليس على
حق لهم فيه دون المساكين.
واختلفوا إذا أوصى بشيء للمساكين، فغفل عن قسمته حَتَّى افتقر
بعض ورثته، وكانوا يوم أوصى أغنياء أو مساكين، فقال مطرف: أرى
أن يعطوا من ذَلِكَ على المسكنة، وهم أولى من الأباعد. وقال ابن
الماجشون: إن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أعطوا منه، وإن
كانوا مساكين لم يعطوا منه؛ لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم، فكأنه
أزاحهم عنه. وقال ابن القاسم: لا يعطون منه شيئًا مساكين كانوا
أو أغنياء يوم أوصى. قَالَ(١): وقول مطرف أشبه بدلائل السنة(٢).
وقوله: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لله وَّ فله أن ينتفع بها
كما ينتفع غيره وإن لم يشترط). فإنما ينتفع من ذَلِكَ إذا لم يشترط
ما لا مضرة فيه على من سبل له الشيء، وإنما جاز ركوب البدنة التي
أخرجها لله ◌ّ؛ لأنه يركبها إلى موضع النحر، ولم يكن له غنى عن
سوقها إليه، ولم يركبها في منفعة له، ألا ترى أنه لو كان ركوبها
مهلكًا لها لم يجز له ذَلِكَ كما لا يجوز له أكل شيء من لحمها.
وقوله: (يَلِي الوَاقِفُ وغَيْرُهُ). فاختلف العلماء فيه، فذكر ابن المواز
عن مالك أنه إن شرط في حبسه أن يليه لم يجز. وقاله ابن القاسم
وأشهب، وقال ابن عبد الحكم عن مالك: إن جعل الوقف بيد غيره
يحوزه ويجمع غلته ويدفعها إلى الذي حبسه يلي تفرقته، وعلى ذَلِكَ
حبس، أن ذَلِكَ جائز. وقال ابن كنانة: من حبس ناقته في سبيل الله
فلا ينتفع بشيء منها، وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها.
(١) أي ابن بطال؛ فالنقل عنه.
(٢) المصدر السابق.

٢٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فمن أجاز للواقف أن يليه، فإنما يجيز له الأكل منه بسبب ولايته
وعمله، كما كان يأكل الوصي مال يتيمه بالمعروف من أجل ولايته
وعمله، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في الباب، ومن لم يجز
للواقف أن يلي وقفه فإنما منع ذَلِكَ قطعًا للذريعة إلى الانفراد بغلته،
فيكون ذَلِكَ رجوعًا فيه(١). وسيأتي أختلاف السلف في الباب بعد.
وعندنا: إن شرط النظر لنفسه أو غيره أتبع وإلا فالنظر للقاضي.
وحديث ركوب البدنة سلف الكلام عليه في الحج، ومشهور مذهب
مالك أنه لا يركبها إلا عند الضرورة إليه، وقال في ((المبسوط)): لا بأس
أن يركبها ركوبًا غير فادح، فلا يركبها بالمحمل، ولا يحمل عليها زاده
ولا شيئًا يتعبها به(٢). وقال أحمد وإسحاق: يركبها. ولم يذكرا ضرورة،
وفي ((صحيح مسلم)) تقييده بالاضطرار(٣).
واختلف إذا أستراح، فقال ابن القاسم: لا أرى عليه أن ينزل.
وخالفه ابن الجلاب؛ لأنه وَ ◌ّ قَالَ له: ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)) في الثانية
أو الثالثة، وإنما أستحسن الناس أن لا يركبها حَتَّى يحتاج إليها.
وقوله: (((وَيْلَك))) هي كلمة جرت على ألسنتهم، لا يريد الدعاء،
وهي تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والمترحم عليه، وإن كان
لا يستحقها يقال له: ويحك، وقد سلف.
والحديث يحتمل ذَلِكَ، وذلك أنه لما ترك رخصة سائغة في الشرع
وأمره بذلك مرات كان كالواقع فيما يستحقه من مكروه، ويحتمل الثاني
(١) إلى هنا أنتهى من ((شرح ابن بطال)) ١٦٩/٨ - ١٧١.
(٢) حكاه صاحب ((المنتقى)) ٣٠٩/٢ عن نافع عن مالك به.
(٣) مسلم (١٣٢٤) كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن أحتاج إليها.

٢٣٣
- ڪِتَابُ الوَصَايَا
تحريجًا على ما فعله لله أن يعود فيه أو في شيء منه، وهو مضطر إلى
ركوبها، والأول أولى لموافقة رواية أبي هريرة له، وفي رواية أنس
شك، هل قَالَ له ذَلِكَ في الثالثة أو الرابعة؟ وفي رواية أبي هريرة:
في الثانية أو الثالثة. قَالَ الداودي: وليس في الحديث حجة لما بوب
له؛ لأن مهديها إنما جعلها الله إذا بلغت محلها وأبقى بملكه عليها مع
ما عليه فيها من الخدمة من السوق والعلف، ألا ترى أنها إن كانت
واجبة أن عليه بدلها إذا عطبت قبل محلها قَالَ: وإنما أمره الشارع
بذلك لمشقة السفر، ولم ير له مركبًا غيرها.
قَالَ ابن التين: وقوله: (إنما جعلها إذا بلغت محلها). فيه نظر؛ لأنها
تجب بالتقليد والإشعار، ولا تجزي حَتَّى تبلغ محلها، ليس أنها تجزي
بالتقليد والإشعار، وإنما تجوز بشرط السلامة إلى أن تنحر.

٢٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣ - باب إِذَا وَقَفَ شَيْئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْهِ،
فَهُوَ جَائِزٌ
لأَنَّ عُمَرَ وْقَفَ (١) وَقَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَىْ مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ،
وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ. قَالَ النَِّيُّ بَّهَ لأَّبِي طَلْحَةَ
((أَرى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَقَسَمَهَا فِي
أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [فتح: ٣٨٤/٥]
(١) ورد تعليق بالأصل: يعني في الباب الذي قبل هذا.

٢٣٥
كِتَابُ الوَصَايَا
=
١٤ - باب إِذَا قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ لله، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْهِمْ.
فَهُوَ جَائِزٌّ، وَيَضَعُهَا فِي الأَقْرَبِينَ أَوْ حَيْثُ أَرَادَ
قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ لِأَبِي طَلْحَةَ، حِينَ قَالَ: أَحَبُّ أَمْوَالِيٍ إِلَيَّ بَيْرَحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله،
فَأَجَازَ النَّبِيُّ ◌َّهَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ لَمِنْ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. [فتح:
٣٨٤/٥]
الشرح :
في بعض النسخ: أوقف. وهي لغة، وهي ثابتة في كتاب ابن
بطال(١)، وابن التين، وقَالَ: ضرب على الألف في بعض النسخ،
وإسقاطها صواب، ولا يقال: أوقف - بالألف- إلا إن فعل شيئًا ثم
نزع عنه، وجعل ابن بطال البابين ترجمة واحدة وزاد عليها ثالثة،
وهي: باب إذا قَالَ: أرضي أو بستاني صدقة عن أمي فهو جائز، وإن
لم يبين لمن ذلك. ثم ساق حديث سعد بن عبادة(٢).
قَالَ الداودي: الذي قَالَ البخاري هنا هو حمل الشيء على
ضده وتمثيله بغير جنسه؛ لأنه هو يروي عن عمر ولاها ابنه، وأن
أبا طلحة دفعها إلى حسان وأُبي. قَالَ: وهذا يحكم. ودفع الظاهر عن
وجهه، وهذا يقدر عليه كل أحد إلا من منعته الديانة والحياء.
وقال غير الداودي: إنما أراد البخاري أنه ◌َّ أخرج عن أبي طلحة
ملكه بنفس قوله: (هي صدقة). وهذا كقول مالك: إن الصدقة
تلزم بالقول وتتم بالقبض. وقول الداودي أشبه؛ لأنه أتى في الباب
بوقف عمر.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٧١/٨.
(٢) السابق ٨/ ١٧١- ١٧٢، وحديث سعد يأتي في الباب التالي عن ابن عباس.

٢٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقول بعضهم: لا تجوز حَتَّى يبين لمن هي. معناه: لا يحكم عليه
به. یرید: لما لم يعين المعطى.
وقد اختلف القول في مذهب مالك إذا جعل شيئًا للمساكين في غير
تعيين هل يجب عليه إخراجه؟ ففي ((المدونة)): لا يجب. وقال الداودي:
قول من قَالَ: لا يجوز. ليس بشيء وإن لم يكن فيه وضعها حيث شاء،
فكأنه تأوله على خلاف ما أسلفنا أن معناه: لا يحكم.
واختلف العلماء في الوقف إذا لم يخرجه الواقف من يده إلى أن
مات، فقالت طائفة: يصح الوقف ولا يفتقر إلى قبض، وهو قول أبي
يوسف والشافعي. وقالت طائفة: لا يصح الوقف حَتَّى يخرجه عن يده
ويقبضه غيره، هذا قول ابن أبي ليلى ومالك ومحمد بن الحسن(١).
وحجة الأول أن عمر وعليًّا وفاطمة وقفوا أوقافًا أو أمسكوها
بأيديهم، وكانوا يصرفون الانتفاع بها في وجوه الصدقة، فلم تبطل(٢) .
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: رأينا أفعال العبادات على
ضروب، فمنها العتاق وينفذ بالقول، ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ
بالقول حَتَّى يكون معه القبض من الذي ملكها، فأردنا أن ننظر حكم
الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه، فرأينا الرجل إذا وقف أرضه،
فإنما ملك الذي وقفها عليه منافعها، ولم يملكه من رقبتها شيئًا، إنما
أخرجها من ملك نفسه إلى الله تعالى فثبت أن نظير ذَلِكَ ما أخرجه
من ملكه إلى الله تعالى، فكما كان ذَلِكَ لا يحتاج فيه إلى قبض مع
القول، كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول، وأيضًا فإن
(١) أنظر: ((المدونة)) ٣٤٧/٤.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٧/٤.

٢٣٧
- كِتَابُ الوَصَايَا
القبض لو أوجبناه لكان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف فقبضه إياه
وغير قبضه سواء(١)، وإليه ذهب البخاري.
واستدل من قوله: (فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ). أن
الوقف لم يخرج من يد أبي طلحة، وحجة من جعله شرطًا في صحة
الوقف إجماع أئمة الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات والصدقات بالقول
حَتَّى يقبضها الذي ملکها.
ألا ترى أن الصديق قَالَ في مرضه لابنته، وقد كان نحلها جداد
عشرين وسقا: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث.
وقد سلف، فكان حكم الوقف حكم الهبات.
وقوله لأبي طلحة ((أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)) لا حجة فيه لمن أجاز
الوقف وإن لم يخرج عن يد (من وقفه)(٢)؛ لأنه ليس في الحديث
أن أبا طلحة لم يخرج الوقف عن يده، ولو أستدل مستدل بقوله:
(فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) أنه أخرجها عن يده
لشاع ذلك، ولم يكن من استدل أنه لم يخرجها عن يده أولى منه
بالتأويل.
واختلفوا إِذا قَالَ: هُذِه الدار أو هذِه الضيعة وقف. لم يذكر وجوهًا
تصرف فيه، فعند مالك أنه يصح الوقف، وكذا لو قَالَ: على أولادي
وأولادهم. ولم يذكر بعدهم الفقراء أو بني تميم ممن لم ينقطع
نسلهم، فإنه يصح الوقف، ويرجع ذَلِكَ إلى فقراء عصبته، وإن لم
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٩٨/٤. بتصرف.
(٢) في (ص): الذي أوقفه. [قلت: وهذا الموافق لما في ابن بطال ١٧٣/٨؛ فالكلام
بتمامه منه].

٢٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يكونوا فقراء فإلى فقراء المسلمين، وبه قَالَ أبو يوسف ومحمد، وهو
أظهر قولي الشافعي، والثاني: لا يصح من أصله.
وحجة الأول أنه إذا قَالَ: وقف. فإنما أراد به البر والقربة، وأن
لا ينتفع هو بشيء من ذلك، والانتفاع يكون محبوسًا على ولده وولد
ولده، فإذا أنقرضوا صرف ذَلِكَ إلى أقرب الناس به من فقراء عصبته،
وهذا المعنى يحصل به البر والقربة، وكذا إذا قَالَ: هذا وقف
محرم؛ لأنه معلوم أنه قصد به البر والقربة، فحمل على ما علم من
قصده، كرجل أوصى بثلث ماله، فإن ذَلِكَ يفرق في الفقراء المساكين
وإن لم يسمهم؛ لأنه قد علم ذَلِكَ من قصده.
ألا ترى قول سعد بن عبادة لرسول الله وفضله: وإني أشهدك أن حائطي
المخراف صدقة عنها. لم يسم على من يتصدق بالحائط، ولم ينكره عليه
بل أقره.
قَالَ المهلب: ولا حاجة بنا إلى أن يذكر على من يكون الوقف؛
لأن الله تعالى قد بين أصناف الذين تجب لهم الصدقات في كتابه،
وقد مضى من سنة رسول الله وَليل في قصة أبي طلحة ما فيه شفاء.
فرأى الشارع فيها أن تصرف الصدقة إلى صنف واحد، وهم أقارب
أبي طلحة. قَالَ ابن القصار: ولا يقاس هذا على ما إذا وقف على من
لا يولد له ولم يكن له ولد في الحال؛ لأنه وقفه على غير موجود؛ لأنه
قد يجوز أن لا يولد له، وإذا وقفه ولم يذكر له مصرفًا، فالفقراء
موجودون ففي أيها جعلها الإمام صح الوقف(١).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٧٢ -١٧٥.

٢٣٩
= ڪِتَابُ الوَصَايَا
١٥ - باب إِذَا قَالَ أَرْضِي أَوْ بُسْتَانِي صَدَقَةٌ عَنْ أُمِّي.
فَهُوَ جَائِزٌّ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذَلِكَ
٢٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابن ◌ُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَغْلَى
أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ أَنْبَأَنَا ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله
عنه تُوُفِيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّ تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ
عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَإِّ أَشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي
اِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [٢٧٦٢، ٢٧٧٠ - فتح: ٣٨٥/٥]
ذكر فيه حديث يَعْلَى عن عِكْرِمَةَ أَنْبَأَنَا ابن عَبَّاسِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ
تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا
غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَإِنِّي
أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عنها.
هذا الحديث ذكره البخاري في باب: الإشهاد في الوقف والصدقة(١)
وشيخه في حديث الباب محمد، وهو (ابن سلام)(٢) كما هو ثابت في
أصل الدمياطي وعلَّم عليه، وكذا قَالَ الجياني: نسبه شيوخنا ابن
سلام(٣) (خت)، ويعلى: هو ابن مسلم كما صرح به الإسماعيلي
وأبو نعيم والحميدي(٤)، وقال الطرقي: هو ابن حكيم.
(١) سيأتي برقم (٢٧٦٢).
(٢) فوقها في الأصل (ص لا .. خت) وفي هامشها: وكما هو ثابت في نسخة الدمياطي هو
ثابت في نسختي من غير توقف صورة ما علم عليه ص. لا. قلت: وفي متن اليونينية:
محمد، مهمل، وفي الهامش أنه مُعرّف بابن سلام في نسخة أبي ذر الهروي. وقال ابن
حجر في ((الفتح)) ٣٨٥/٥: وفي رواية أبي ذر وابن شبويه: حدثنا محمد بن سلام.
(٣) ((تقييد المهمل)) ١٠٢٨/٣.
(٤) ((الجمع بين الصحيحين)) ٩/٢ (٩٧٩).

٢٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
و(الْمخْرَافَ): جماعة النخل بفتح الميم، قاله القزاز، قَالَ:
ويكسرها: الزنبيل الذي يخترف فيه الثمار. وأحسب المخراف
المذكور اسم هذا الحائط الذي تصدق به عن أمه، وقال الخطابي:
المخراف: الثمرة، صوابه: الشجرة، سماها مخرافًا لما يخترف من
ثمارها(١)، كما قيل: أمرأة مذكار: وقد يستوي هذا في نعت الذكور
والإناث. وقال أبو عبيد والأصمعي: المخرف جناء النخل(٢). وأنكره
ابن قتيبة وقال: إنما المخرف: النخل، ولا يكون جناء النخل
مخروفًا، وليسَ بمخرف. وخطئ فيه، بل يقع عليهما جميعًا على
الرطب والنخل، كالمشرب يقع على الماء المشروب وعلى الشرب،
والمطعم يقع على المأكول، والمركب على المركوب(٣).
وقوله: (عَنْهَا). وفي الباب الآخر: عليها وهي بمنعاها، وفقه الباب
سلف في الباب قبله.
(١) ((أعلام الحديث)) ١٠٢٦/٢ ولفظه: المَخْرف: البستان.
(٢) ((غريب الحديث)) ١/ ٥٧.
(٣) أنظر (تاج العروس)) ١٥٩/١٢ (خرف).