النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ - ڪِتَابُ الوَصَايَا سادسها: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه: ((إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث إلا من الثلث)) وذلك بمنى(١). سابعها: عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: قَالَ رسول الله وَله: ((لا وصية لوارث، ولا إقرار بدين)) أخرجهما الدار قطني(٢)، ولابن أبي شيبة من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: ليس لوارث وصية(٣). وأما حديث ابن عباس فشيخ البخاري فيه: محمد بن يوسف، وهو الفريابي كما بينه أبو نعيم الحافظ. إذا عرفت ذَلِكَ فقام الإجماع كما حكاه ابن بطال(٤): على أن الوصية للوارث لا تجوز. قَالَ ابن المنذر: وقد روي عن النبي صَلىالله وَسِلاً بمثل ما اتفق عليه من ذَلِكَ، فساق حديث أبي أمامة من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل، ثم ساقه من حديث قتادة عن شهر. وقال: عمرو بن جارية. وصوابه: خارجة كما أسلفناه. واختلفوا إذا أوصى لبعض ورثته، فأجازه بعضهم في حياته ثم بدا لهم بعد وفاته، فقالت طائفة: ذَلِكَ جائز عليهم، وليس لهم الرجوع فيه، (١) لم أقف عليه من هذا الطريق ورواه الدارقطني في ((سننه)) ١٥٢/٤، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٩٩/١٤ من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة عن النبي ◌َّ به ولعل المصنف قد وهم في إسناد الحديث فذكر إسنادًا آخر لهذا الحديث ثم عزاه للدار قطني - كما في تخريجه الحديث التالي- وهو خطأ كما رأيت. (٢) ((سنن الدار قطني)) ٤/ ١٥٢. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٩/٦ (٣٠٧٠٩). (٤) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٥٢ - ١٥٣. ٢٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هُذا قول عطاء والحسن وابن أبي ليلى والزهري وربيعة، والأوزاعي، وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذَلِكَ إن أحبوا. هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال مالك: إذا أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه وحين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم، وهو قول إسحاق. وعن مالك أيضًا: لا رجوع لهم إلا أن يكونوا في كفالته فرجعوا. وقال المنذري: إنما تبطل الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم من أجل حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها جازت كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث، وذهب بعضهم إلى أنها لا تجوز وإن أجازوها؛ لأن المنع لحق الشرع، فلو جوَّزناها كنا قد استعملنا الحكم المنسوخ، وذلك غير جائز، وهذا قول أهل الظاهر. قَالَ أبو عمر: وهو قول عبد الرحمن بن كيسان والمزني(١). قَالَ ابن حزم: إلا أن يبتدأ الورثة هبة لذلك من عند أنفسهم(٢). حجة الأول أن المنع إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه جاز وصار بمنزلة أن يجب لهم على إنسان مال فيبرئوه منه، وقد اتفقوا على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي جاز بإجازتهم، فكذلك هُذا. وحجة من أجاز الرجوع أنهم أجازوا شيئًا لم يملكوه في ذَلِكَ الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثًا، وقد يرثه غيره، وقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء. (١) ((التمهيد)) ٣٨١/٨. (٢) ((المحلى)) ٣١٦/٩. ٢٠٣ ـ كِتَابُ الوَصَايَا وحجة مالك أن الرجل إذا كان صحيحًا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئًا لم يجب لهم، وذلك بمنزلة الشفيع يترك شفعته قبل البيع، أو الولي إذا عفا عمن يقتل وليه فتركه لما لم يجب له غير لازم، وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه؛ لأنه قد فات، فإن لم ينفذ المريض ذَلِكَ كان للوارث الرجوع فيه؛ لأنه لم يفت التنفيذ، ذكره الأبهري. وذكر ابن المنذر عن إسحاق أن قول مالك في هذِه المسألة أشبه بالسنن من غيره. قَالَ ابن المنذر: واتفق مالك والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور أنه إذا أجازوا ذَلِكَ بعد وفاته لزمهم، وهل هو أبتداء عطية منهم أو لا؟ فيه خلاف: الصحيح أنه ينفذ، وقد بسطته في كتب الفروع مع تحقيقات فيه(١). (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥/٥، و((التمهيد)) ٨٣٠/٨-٨٣١ و((الاستذكار)) ١٩/٢٣ - ٢٠ و((المنتقى)) ١٧٩/٦ و((المغني)) ٣٩٦/٨. ٢٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧ - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ ٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ◌َ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِقُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)). [انظر: ١٤١٩ - مسلم: ١٠٣٢ - فتح: ٣٧٣/٥] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ - وهو الثوري فيما قاله أبو نعيم - عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ)). الحديث سلف في الزكاة (١)، وهو دال على أن أفضل الصدقات ما جاهد الإنسان فيه نفسه، وغلَّب طاعة الله على شهواته، وجاهدها أيضًا على حب الغنى وجمع المال. وقوله: ((إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ)) فيه ذم من أذهب طيباته في حياته، ولم يقدم لنفسه من ماله في وقت شحه وحب غناه، حَتَّى إذا رأى المال لغيره جعل ينتزع بالوصية، لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، ويتورع عن التبعات والمظالم. وروي عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قَالَ: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر(٢). وقال قتادة: يا ابن آدم، أتق الله ولا تجمع إسائتين في مالك، إساءة في الحياة الدنيا، وإساءة عند الموت، أنظر قرابتك الذين يحتاجون (١) سلف برقم (١٤١٩) باب: أي الصدقة أفضل، وصدقة الشحيح الصحيح. (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠١/٢ (٢٥٣١). ٢٠٥ = ڪِتَابُ الوَصَايَا ولا يرثونك، أوص لهم من مالك بالمعروف (١). وقال ابن عباس: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية(٢). وقال عطاء في قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢] قَالَ: ميلًا (٣). وقد أسلفنا ذَلِكَ عن البخاري أيضًا بزيادة ويستحب له أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون؛ لقوله ◌َّر: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة)) (٤) والذي يجب أن يرد من الوصية من باب الميل والجور الوصية بأكثر من الثلث، والوصية للوارث، والوصية في أبواب المعاصي. وقوله: ( ((قُلْتَ: لِفُلَانِ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» ) قَالَ الداودي: معناه أن يقر لفلان ويوصي لفلان أن ما كان من الإقرار ما كان ينبغي له تأخيره، والوصية سبقت في علم الله أنه سينالها، فلو كان ذَلِكَ في الصحة كان أفضل. وقال الخطابي: معنى: ((وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)). أي: صار المال للوارث، فهو مخير في إجازة ذلك(٥). (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٩/ ٦٧ - ٦٨ (١٦٣٦٨). (٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٨٨/٩. (٣) رواه الطبري ١٣٢/٢ (٢٧١٢، ٢٧١٣، ٢٧١٤)، وصحح إسناده الحافظ في ((الفتح)) ٥/ ٣٥٧. (٤) رواه الترمذي (٦٥٨)، النسائي ٩٢/٥، وابن ماجه (١٨٤٤)، وأحمد ٤/ ١٧، ١٨، وابن خزيمة ٤ /٧٧، والطبراني ٢٧٦/٦، والحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٤٠٧ كلهم من حديث سلمان بن عامر، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال المصنف في ((البدر المنير)) ٤١١/٧: هذا الحديث صحيح. (٥) ((معالم السنن)) ٧٩/٤ بمعناه. ٢٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٨ - باب قَوْلِه تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بالدَيْنِ. وَقَالَ الحَسَنُ: أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْم مِنَ الآخِرَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ : إِذَا أَبْرَأَ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَىْ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ أَمْرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا. وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ. جَازَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا: إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ. جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ)). [٥١٤٣] وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ بالظن لِقَوْلِ النَّبِيِّ بَّهِ: («آيَةُ المُنَافِقِ إِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ)). وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. فِيهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النبيّ [انظر: ٣٤] صَلىالله ٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثُ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ)). [انظر: ٣٣ - مسلم: ٥٩ - فتح: ٣٧٥/٥] ٢٠٧ كِتَابُ الوَصَايَا = ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: ((آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ .. )). الشرح : هُذِهِ القطعة اشتملت على عدة أحكام ونفائس، أما ما ذكر عن شريح وغيره في إقرار المريض بالدين. أما إقراره لأجنبي فالإجماع قائم عليه. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء أن إقرار المريض بالدين لغير الوارث جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة(١). واختلفوا إذا أقر لأجنبي وعليه دين في الصحة ببينة، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي والكوفيين، قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون، وقالت طائفة: هما سواء، دين الصحة والدين الذي يقر به في المرض إذا كان لغير وارث، هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عُبيد، وقال: إنه قول أهل المدينة، ورواه عن الحسن. وممن أجاز إقرار المريض بالدين للأجنبي الثوري وأحمد وإسحاق(٢). قَالَ: واختلفوا في إقرار المريض للوارث بالدين، فأجازه طائفة، هذا قول الحسن وعطاء(٣)، وبه قَالَ إسحاق وأبو ثور. قَالَ: وروينا عن شريح والحسن أنهما أجازا إقرار المريض لزوجته بالصداق، وبه قَالَ الأوزاعي. وقال الحسن بن صالح: لا يجوز إقراره لوارث في مرضه إلا لامرأته بالصداق(٤). (١) ((الإجماع)) ص ١٠١ (٣٨١، ٣٨٢). (٢) أنظر ((المغني)) ٧/ ٣٣٢. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣٣٧/٤- ٣٣٨ (٢٠٧٣٨) عن الحسن، (٢٠٧٤٢) عن عطاء. (٤) رواه الدارمي في ((سننه)) ٢٠٦٢/٤ (٣٣٠٠) من طريق قتادة عن ابن سيرين عن شریح به. ٢٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقالت طائفة: يجوز(١) إقرار المريض في الصحة. والظاهر أنه لا يقر إلا عن حقيقة ولا يقصد حرمانًا؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر. وفيها قول ثالث قاله مالك، قَالَ: إِذا أقر المريض لوارثه بدين نظر فإن كان لا يتهم فيه قبل إقراره، مثل أن يكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين فإنه يقبل إقراره، ولو كان إقراره لبنته لم يقبل؛ لأنه يتهم في أن يزيد ابنته على حقها من الميراث وينقص ابن عمه، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على ابنته. قَالَ: ويجوز إقراره لزوجته في مرضه إذا كان له ولد منها أو من غيرها، فإن كان يعرف منه أنقطاع إليها ومودة، وقد كان الذي بينه وبين ولده متفاقمًا، ولعل هذا الولد الصغير منه، فلا يجوز إقراره لها(٢). واحتج من أبطل إقرار المريض للوارث بأن الوصية للوارث لما لم تجز، فكذلك الإقرار في المرض، ويتهم المريض في إقراره بالدين للوارث أنه أراد بذلك الوصية. واحتج من أجاز ذَلِكَ بقول الحسن: إن أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة؛ لأنه في حالة يرد فيها على الله، فهو في حالة يتجنب المعصية والظلم ما لا يتجنبه في حال الصحة، والتهمة منفية عنه. وقد نهى رسول الله ﴿١٣ عن الظن وقال: ((إِنَّه أَكْذَبُ الحَدِيثِ)). وقال: ((آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ)). (١) ورد بهامش الأصل: لعله سقط (لا) أو سقط منه شيء بعد ذلك، وانظر الكلام بعد ذلك تعرف ما ذكرته. (٢) ((المدونة)) ١١٠/٤. ٢٠٩ - ڪِتَابُ الوَصَايَا وقد قام الإجماع على أنه إذا وصى رجل لوارثه بوصية وأقر له بدين في صحته، ثم رجع عنه أن رجوعه عن الوصية جائز، ولا يقبل رجوعه عن الإقرار، ولا خلاف أن المريض لو أقر لوارث(١) نسخ إقراره، وذلك يتضمن الإقرار بالمال وشيئًا آخر، وهو النسب والولاية، فإذا أقر بمال فهو أولى أن يصح، وهذا معنى صحيح، وقد يناقض أبو حنيفة، وهو المراد بقوله: وقال بعض الناس في استحسانه جواز الإقرار بالوديعة والبضاعة والمضاربة، ولا فرق بين ذَلِكَ وبين الإقرار بالدين؛ لأن ذَلِكَ كله أمانة ولازم للذمة. قَالَ ابن التين: إن أراد الوارث فقد ناقض، وإن أراد غيره فلا يلزمه ما ذكره البخاري. واحتج أصحاب مالك بأنه يجوز إقراره في الموضع الذي ينفي عنه التهمة، وذلك أن المريض يوجب حجرًا في حق الورثة، يدل على ذَلِكَ أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات، لا يملك وضعه في وارثه على وجه الهبة والمنحة، فلما لم يصح هبته في المرض لم يصح إقراره له، ويجوز أن يهب ماله كله في الصحة للوارث، وفي المرض لا يصح، فاختلف حكم الصحة والمرض. تنبيهات : أحدها: من الغريب ما حكاه إمام الحرمين في كتاب ((الوصايا)) قولًا أن إقرار المريض لأجنبي معتبر من الثلث، والمشهور خلافه، وأغرب منه ما حكاه العبدري عن أبي ثور أنه قدم الوصية. ثانيها: اختار الروياني مذهب مالك: لا تقبل في المتهم وتقبل في غيره، ويجتهد الحاكم في ذَلِكَ لفساد الزمان. (١) ورد بهامش الأصل: صوابه بوارث، وإليه يرشد ما بعده. ٢١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثالثها: إذا قلنا بالمنع فالاعتبار بكونه وارثًا بحالة الموت وقبل الإقرار، واختاره الروياني ولا نظر إلى الحالة المتخللة بينهما اتفاقًا. ويتعلق بالمسألة فروع محلها كتب الفروع، وقد شرحناها فيها ولله الحمد. وما ذكره البخاري في البراءة من الدين والإقرار عن إبراهيم والحكم قد خولفا فيه في الإبراء والإقرار، وقول مالك أنه إن أتهم بالميل إلى من أبرأه أو أقر له لم يجز ذلك. وقول الشعبي محمول على أنها لا تتهم بالميل إلى زوجها مثل أن يكون له منها الولد الصغير وشبه ذلك، وكذا قول رافع في القرابة، يحتمل أن يكون لا يتهم بميل إليها ولا ولد له منها. وقد قَالَ ابن بطال: لا خلاف عن مالك أن كل زوجة فإن جميع ما في بيته لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة وأن ما في بيتها من متاع الرجال، أو في أم الولد(١). وقول الحسن يخالف (قول)(٢) مالك؛ لأنه يتهم أن يكون أراد عتقه من رأس ماله وهو ليس له من ماله إلا ثلث، فكأنه أراد الهروب بثلثي المملوك عن الورثة، ولو أعتقه عند موته كان من ثلثه. وقال غيره من أصحابه: يعتق من الثلث. وحديث: ((آيَةُ المُنَافِقِ)) تقدم في الإيمان(٣). (١) ((شرح ابن بطال)) ١٥٨/٨. (٣) سلف برقم (٣٣) باب: علامة المنافق. (٢) في (ص): فيه. ٢١١ - ڪِتَابُ الوَصَايَا ٩ - باب تَأْوِيلٍ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: [النساء: ١١] ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى ◌ِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ. وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((لَ صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى)). وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: لَا يُوصِي العَبْدُ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ)). [انظر: ١٤٢٦، ١٤٢٧] ٢٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ اُسَيَّبِ، وَعُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ فَأَعْطَانِيِ، ثُمَّ سَأَلَّتُهُ فَأَغْطَانٍِ، ثُمَّ قَالَ لِيَ: ((يَا حَكِيمُ، إِنَّ هذا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسِ بُورَِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍٍ لَمْ يُبَارَلْك لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى)). قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ العَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ: يَا مَغْشَرَ المُسْلِمِينَ، إِّ أَغْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الذِي قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ هذا الفَيْءٍ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ حَتَّى تُؤُنَّ رَحِمَهُ الله. [انظر: ١٧٤٢ - مسلم: ١٠٣٥ - ء فتح: ٣٧٧/٥] ٢٧٥١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّخْتِيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالَمٌ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ ٢١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ)). [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٣٧٧/٥] ثم ذكر حديث حَكِيم بْنِ حِزَام: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ فَأَعْطَانِي .. إلى آخره. وسلف في الزكاة(١). وحديث ابن عُمَرَ («كُلَّكُمْ رَاعٍ .. )» بطوله. الشرح : ما احتج به البخاري فيما ترجم عليه في تقديم الدين على الوصية هو قول جميع العلماء إلا أبا ثور، وما ذكره معلقًا أخرجه الترمذي وابن ماجه(٢)، وللحاكم من حديث عليٍّ كرم الله وجهه قَالَ: إنكم تقرءون هُذِهِ الآية ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وإن رسول الله ◌َّ قضى بالدين قبل الوصية. وفيه: الحارث الأعور(٣)، ويعضده الإجماع على مقتضاه. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق. وقد تكلم الناس في الحارث(٤)، وقال ابن التين: إنه حديث لا يثبته العلماء بالنقل، والآية نزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبي وَير مفتاح الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية فدفع إليه المفتاح، ذكره الواحدي في ((أسبابه)) عن مجاهد(٥). (١) سلف برقم (١٤٧١) باب: الاستعفاف عن المسألة. (٢) رواه الترمذي (٢١٢٢)، وابن ماجه (٢٧١٥). (٣) ((المستدرك)) ٣٣٦/٤. (٤) الترمذي ٤١٦/٤ عقب حديث (٢٠٩٥). (٥) ((أسباب النزول)) ص١٦٢ (٣٢٤). ٢١٣ = ڪِتَابُ الوَصَايَا وحديث: ((لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنَّى)) هذا قدمه مسندًا (١)، وما ذكره عن ابن عباس هو إجماع، كما قاله ابن التين، وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة عن جندب قَالَ: سأل طهمان ابن عباس: أيوصي العبد؟ قَالَ: لا إلا أن يأذن له أهله(٢). وحديث: ((الْعَبْدُ رَاع)) قدمه مسندًا في الصلاة من حديث ابن عمر (٣)، وحديث ابن عمرَ أخرجه ( ... )(٤). إذا تقرر ذَلِك، فوجه إدخال حديث حكيم هنا أنه جعله من باب الديون وإن لم يعرفوا بها؛ لأنه لما رآه قد سماه له، ورأى الاستحقاق من حكيم متوجهًا إلى المال إن رضيه وقبله أجراه مجرى مستحقات الديون. وقال ابن المنير: دخوله هنا من وجهين: أحدهما: زهده في العطية وجعل يد آخذها السفلى تنفيرًا عن قبولها، ولم يرد مثل هذا فى تقاضي الدين، فالحاصل أن قابض الوصية يده السفلى، وقابض الدين استيفاءً لحقه إما أن تكون يده العليا؛ لأنه المتفضل، وإما أن تكون يده السفلى، هذا أقل حالتيه، فتحقق تقديم الدين على الوصية بذلك. ثانيهما: ذكره المهلب، وهو أن عمر: أجتهد أن يوفيه حقه في بيت المال، وبالغ في خلاصه من عهدته هذا وليس دينًا، ولكن فيه شبه الدين؛ لكونه حقًّا في الجملة -وهذا ما قدمته- قَالَ: والوجه الأول (١) سلف برقم (١٤٢٦) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٤ (٣٠٨٦٣). (٣) سلف برقم (٨٤٣) باب: الجمعة في القرى والمدن. (٤) بياض بالأصل. ٢١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أقوى (من)(١) مقصود البخاري (٢). وأما حديث ابن عمر فوجهه هنا -والله أعلم- أنه لما كان العبد . متبرعًا في مال سيده صح أن المال للسيد وأن العبد لا ملك له فيه، فلم تجز وصية العبد بغير إذن سيده كما قَالَ ابن عباس (٣)، وأشبه في المعنى الموصي الذي عليه الدين فلم تنفذ وصيته إلا بعد قضاء دينه؛ لأن المال الذي بيده إنما هو لصاحب الدين ومسترعى فيه ومسئول عن رعيته، فلم يجز له تفويته على ربه بوصية وغيرها إلا أن تبقى منه بعد أداء الدين بقية، كما أن العبد مسترعى في مال سيده ولا يجوز له تفويته على سيده، فاتفقا في الحكم لاتفاقهما في المعنى. قَالَ ابن المنير: والحديث أصل يندرج تحته مقصود الترجمة؛ لأنه لما تعارض في ماله حقه وحق السيد قدم الأقوى وهو حق السيد، وجعل (السيد) (٤) مسئولًا عنه مؤاخذًا بحفظه وكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية، والدين واجب والوصية تطوع؛ وجب تقديمه(٥). فائدة: البداءة في الآية بالوصية قبل الدين لا يقضي أن يكون مبدأها على الدين، وإنما يقتضي الكلام أن يكون الدين والوصية يخرجان قبل قسمة الميراث؛ لأنه لما قيل: من بعد كذا وكذا. علم أنه من بعد هذين الصنفين. قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: لا تطع أحدًا من هذين الصنفين. وتقول: مررت بفلان وفلان. ولا توجب (١) كذا بالأصل، وفي ((المتواري)): في. (٢) ((المتواري على تراجم أبواب البخاري)) ص ٣١٧. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٩٠/٩ (١٦٤٦٥). (٤) كذا بالأصل، وفي ((المتواري)) و((الفتح)) ٥/ ٣٧٨: العبد، ولعله الصواب. (٥) ((المتوراي)) ص(٣١٧). ٢١٥ = كِتَابُ الوَصَايَا ترتيبًا بينهما. قَالَ تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْتُبِ لِرَبِّكِ وَأُسْجُدِى وَأَزْكَعِى مَعَ الزَّكِمِينَ : [آل عمران: ٤٣] فأمرت بذلك كله، ولم يقتضِ أن يكون السجود ٤٣ قبل الركوع، ولو قلت: مررت بفلان ففلان أو بفلان ثم فلان. اقتضى أن يكون الذي بدأ بتسميته هو الذي مر به أولًا، فلما قَالَ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] اقتضى أن تكون القسمة بعدهما، لا تبدية لأحدهما على الآخر، نعم فهم بالسنة التي مضت والمعنى أن الدين قبلها؛ لأن الوصية إنما هي تطوع يتطوع (به)(١) الموصي، وأداء الدين فرض عليه، والفرض أولى من التطوع. (١) في (ص): بذكر. ٢١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٠ - باب إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ وقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لأَّبِي طَلْحَةَ: ((اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ)). فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ قَالَ: ((اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءٍ قَرَابَتِكَ)). قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي، وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيِّ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ ابْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ المُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ، فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَام وَهْوَ الأَبُّ الثَّالِثُ، وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِوَ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانُ أَبَا طَلْحَةَ أَبَيًّا إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ(١) إِلَى عَمْرِو ابْنِ مَالِكِ، وَهْوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بْنِ قَيْسٍ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأَبِيًّا. وَقَالَ بَعْضُهْمْ: إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَىْ آبَائِهِ فِي الإِسْلَامِ. ٢٧٥٢ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَا رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ لَأَبِي طَلْحَةَ: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةً في أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣٧٩/٥] (١) ورد بهامش الأصل: قوله (إلى ستة آباء إلى عمرو) مشكل وذلك أن عمرًا أب سابع لأبي طلحة وحسان وهو سادس لأبي بن كعب. ٢١٧ كِتَابُ الوَصَايَا = [الشعراء: ٢١٤] وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُنَادِي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٌّ)). لِبُطُونِ قُرَيْشٍ. [٣٥٢٥ - مسلم: ٢٠٨] كتا الله : قَالَ النَّبِيُّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ)). [٢٧٥٣ - مسلم: ٢٠٦] ثم ذكر حديث أَنَسِ أنه الَّ قال لأَّبِي طَلْحَةَ: «أَرِى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ)). قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. ﴾ جَعَلَ النَّبِيُّ وَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ مَلَ يُنَادِي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٌّ». لِبُطُونِ قُرَیْشِ. ([ِيَ)﴾ قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ)). الشرح : قول ابن عباس هذا أسنده في: الفضائل والتفسير(١). وعند مسلم: صعد على الصفا(٢). وفي لفظ: خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل ينادي: ((يا صباحا)(٣). وللترمذي: وضع إصبعيه في أذنيه ورفع صوته فقال: ((يا بني عبد مناف، يا صباحاه)) (٤). (١) سيأتي برقم (٣٥٢٥) كتاب: المناقب، باب: من أنتسب إلى آبائه، (٤٧٧٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ (٢) مسلم (٢٠٨) كتاب: الإيمان، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين. (٣) سيأتي برقم (٤٩٧٢). (٤) رواه الترمذي (٣١٨٦)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث أبي = ٢١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقول أبي هريرة قد أسنده في الباب بعده. وقوله: (وهو يُجَامِعُ حَسَّان وَأَبَا طَلْحَةَ وأبيًّا). كذا وقع في رواية المروزي والهروي، وفي أخرى: فهو يجمع حسان وأبو طلحة وأبي، برفع الجميع. وهو صواب أيضًا . وهذا الكلام يحتاج إلى إيضاح، نبه عليه الدمياطي الحافظ النسابة، وذلك أن أبا طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان وأبي بن كعب في عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان في حرام بن عمرو جد أبويهما. وبنو عدي بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو مغالة. وبنو معاوية بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو جديلة، بطنان من بني مالك بن النجار. فقوله: (فهو يُجَامِعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ) هو ضمير الشأن. إذا تقرر ذَلِكَ: فالبخاري ترجم على أنه يخص بالعطية أقرب الناس إلى المعطي وإن كان ثم قرابة فوقه. وقال الداودي: لا حجة فيه في الوصايا؛ لأنه الثّ إنما أشار عليه أن يضع ماله في أقاربه، ففعل فبدأ بأقرب أقاربه، وهذا لا يرفع اسم القرابة عمن فوقهم، والآية التي ذكرها البخاري تدل على خلاف ذلك؛ لأنه لم يرد بها بني عبد المطلب خاصة؛ لأنهم أقرب الناس إلى رسول الله وَ له. وقد اختلف العلماء إذا أوصى بثلثه لأقاربه أو لأقارب فلان من موسى، وقد رواه بعضهم عن عوف عن قسامة بن زهير عن النبى وَ مرسلا وهو = أصح. ولم یذکر فیه: عن أبي موسى. ٢١٩ كِتَابُ الوَصَايَا - الأقارب الذين يستحقون الوصية، فقال الكوفيون والشافعي: يدخل في ذَلِكَ من كان من قبل الأب والأم، غير أنهم رتبوا أقوالهم على ترتيب مختلف(١). وقال أبو حنيفة: القرابة هم كل ذي رحم محرم من قبل الأب والأم ممن لا يرث غير أنه يبدأ بقرابة الأب على قرابة الأم، وتفسير ذَلِكَ أن يكون له خال وعم، فيبدأ بعمه على خاله فيجعل له الوصية(٢). وقال صاحباه والشافعي: سواء في ذَلِكَ قرابة الأب والأم، ومن بعد منهم أو قرب، ومن كان ذا رحم محرم أو لم يكن، وهو قول أبي ثور، وقال أبو يوسف ومحمد: القرابة من جمعه أب وأم. منذ كانت الهجرة، قالا: ولا يدخل في ذَلِكَ الولد ولا الوالدان. وقال آخرون: القرابة: كل من جمعه والموصي أبوه الرابع إلى من هو أسفل منه، وهو قول أحمد. وقال آخرون: القرابة: كل من جمعه والموصي أب واحد في الإسلام أو الجاهلية ممن يرجع بآبائه وأمهاته إليه أبًا عن أب أو أمَّا عن أم إلى أن يلقاه. وقال مالك: لا يدخل في الأقارب إلا من كان من قبل الأب، خاصة العم وابنه والأخ وشبههم، ويبدأ بالفقراء حَتَّى يغنوا، ثم بعطاء الأغنياء. هذا ما نقله ابن بطال عنه (٣)، ونقل عنه ابن التين: أنه إذا أوصى للقرابة يعطي القرابة من الرجال والنساء؛ لأن اسم القرابة يقع عليهم. قَالَ: وبه قَالَ الشافعي(٤)، وزاد بعضهم: وأقربهم وأغناهم وأفقرهم سواء؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة كما أعطي من شهد القتال بالحضور. قَالَ: وقيل: لا يدخل من كان من قبل الأم. وإنما جوز (١) أنظر ((الأم) ٣٨/٤. (٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٩/٥- ٤٠. (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٦٣/٨. (٤) ((الأم)) ٣٨/٤. ٢٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - أهل هذه المقالات الوصية للقرابة إذا كانت تلك القرابة تحصى وتعرف كما نبه عليه الطحاوي(١)، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن الوصية لها باطل في قولهم جميعًا إلا أن يوصي لفقرائهم، فتكون جائزة لمن رأى الموصي دفعها إليه منهم، وأقل ما يجوز أن يجعلها فيهم أثنان فصاعدا في قول محمد، وقال أبو يوسف: إن دفعها إلى واحد أجزأه، واحتج للصاحبين بأنه وٍَّ﴾ لما قسم سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وفيه من رحمه منهم محرمة وغير محرمة، وأعطى بني المطلب وأرحامهم جميعًا منه غير محرمة؛ لأن بني هاشم أقرب إليه من بني عبد المطلب، فلما لم يقدم في ذَلِكَ رسول الله من قربت رحمه على من بعدت، وجعلهم كلهم قرابة يستحقون ما جعل إليه لقرابته؛ سقط قول أبي حنيفة في أعتباره ذا الرحم المحرم واعتباره بالأقرب، وسقط قول من جعل أهل الحاجة منهم أولى؛ لأنه وّر عم بعطيته بني هاشم وفيهم أغنياء(٢)، وحجة أخرى على أبي حنيفة، وذلك أنه وَّ لما أمر أبا طلحة أن يجعل أرضه في فقراء قرابته جعلها لحسان وأُبَيّ، وأُبَيّ إنما يلقى أبا طلحة عند أبيه السابع، ويلتقي مع حسان مع أبيه الثالث، فلم يقدم أبو طلحة حسانًا لقرب رحمه على أُبي لبعد رحمه منه، ولم ير واحدًا منهما مستحقًّا لقرابة منه في ذَلِكَ إلا كما يستحق منه الآخر، فثبت فساد قوله، واحتج له بأنه ولّر أعطى حسان بن ثابت وأُبَيَّا لقربهما إليه، ولم يعط أنسًا شيئًا والأقرب أولى كالميراث، ولأنا لو سوينا بينه وبين القريب والبعيد أدى ذَلِكَ إلى إيطالها؛ لأن المقصود بها الأدنى فإذا اشترك فيها من لا يحصى دخل (١) ((شرح معاني الآثار)) ٣٨٥/٤. (٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٠/٥.