النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
واحتجَّ مالك بقصة ابن أم مكتوم فقال: وكان أعمى إمامًا مؤذنًا على
عهد رسول الله وَّة، وقبل الشارع وأصحابه والمسلمون المؤذنين في
الأوقات والسماع منهم، وقال: إنّما حفظ الناسُ عن أمهات المؤمنين
ما حفظوه من وراء حجاب.
قال المهلب: والذي سَمِعَ صوتَ ابن أمِّ مكتوم من بيته فعلم أنه
الذي أمر الشارع بالكف عن الطعام بصوته، فهو كالأعمى أيضًا،
يسمع صوت رجل فعرفه فتجوز شهادته عليه بما سمع منه وإن لم يره.
قال ابن القصار: والصوت في الشرع قد أقيم مقام الشهادة؛ ألا ترى
أن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها، والإقدام على الفرج
واستباحته أعظم من الشهادة في الحقوق.
واحتجَّ من لم يجز شهادته فقال: إن العقود والإقرارات لا تجوز
الشهادة عليها بالاستفاضة، فكذلك لا تجوز شهادة الأعمى؛ لأنه
لا يتيقن أن هذا صوت فلان لجواز شبهه بصوت غيره، كالخط
لا يجوز أن يشهد عليه حتى يذكر أنه شاهد فيه؛ وإنما كان ذلك لأن
الخط يشبه الخط، قالوا: وهُذِه دلالة لا أنفصال عنها.
والجواب: أن العقود والإقرارات مفتقرة إلى السماع ولا تفتقر إلى
المعاينة، بخلاف الأفعال التي تفتقر إلى المعاينة، دليله قوله تعالى:
﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] فجعل الدلائل على محكم
صنعته ووحدانيته أختلاف الألسن والألوان، ثم وجدنا الخلق قد
تتشابه كما تتشابه الأصوات.
فلما تقرر أنه إذا شهد على عين جاز، وإن جاز تشبه عين أخرى.
كذلك يشهد على الصوت وإن جاز أن يشبه صوتًا آخر.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن بطال: وقد رجع مالكٌ عن الشهادة على الخط؛ لأن
الخطوط كثيرة الشبه، وليست الأصوات والخلق كذلك؛ ألا ترى أنه
تعالى ذكر اختلاف الألسنة والألوان ولم يذكر الخطوط.
واعترض ابن القابسي فقال: قد روى الأثبات الحكم بشهادة الخط،
منهم ابن القاسم وابن وهب، واستمر عليه العمل (١).
وقال ابن التين: قول ابن القاسم وموافقيه هو قول مالك فتقبل
شهادته على ما يلمسه من حار أو بارد، فيما يذوقه أنه حلو
أو حامض، وفيما يشبهه، وأما ما طريقه الصوت كالإقرار وشبهه
فتقبل عنده، وسواء تحملها أعمى، أو بصيرًا ثم عمي -خلافًا لأبي
حنيفة والشافعي في قولهما- لا تقبل إذا تحملها أعمى.
وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه إذا تحملها بصيرًا ثم عمي
لا يؤديها كما أسلفناه، ولا شك أن أمهات المؤمنين أخذ عنهن
الصحابة والتابعون من وراء حجاب، وقد قال تعالى ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا
يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. وحديث
أذان بلال حجة في ذلك كما سلف، وكذا وطؤه زوجته؛ لأنه إنما
يعرفها بالصوت، ومعلوم أن الأعمى يتكرر عليه سماع صوتها فيقع له
العلم بذلك، فكان الصوت طريقًا يميز به بين الأشخاص.
وقال أبو محمد بن حزم: شهادة الأعمى مقبولة كالصحيح. روي
ذلك عن ابن عباس.
وصحَّ عن الزُّهري وعطاء والقاسم والشعبي وشريح وابن سيرين
والحكم بن عتيبة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج،
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٥/٨.

٥٤٣
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
وأحد قولي إياس بن معاوية، وأحد قولي ابن أبي ليلى، وهو قول مالك
والليث وأحمد وإسحاق وأبي سليمان وأصحابنا.
وقالت طائفةٌ: يجوز فيما عرف قبل العمى، ولا يجوز فيما عرف
بعده.
وهو أحد قولي الحسن، وأحد قولي ابن أبي ليلى، وهو قول أبي
يوسف والشافعي وأصحابه(١). وقد يحتج له بما روي عنه أنه التليفون
سُئل عن الشهادة، فقال: ((ألا ترى الشمسَ؟! على مثلِها فاشْهَد))(٢)
لكن قال ابن حزم: لا يصح سنده؛ لأنه من طريق محمد بن سليمان
ابن مسمول وهو هالك، عن عبد الله بن سلمة بن وهرام وهو
ضعیف، لكن معناه صحيح.
وقالت طائفة: يجوز في الشيء اليسير، روينا ذلك عن النخعي.
(١) ((المحلى)) ٩/ ٤٣٣.
(٢) ((شعب الإيمان)) ٤٥٥/٧ (١٠٩٧٤) ((حلية الأولياء)) ١٨/٤. وقال: غريب من
حديث طاوس، تفرد به عبيد الله بن سلمة، عن أبيه.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٨٢/٤: أخرجه البيهقي في ((سننه))، والحاكم في
((مستدركه)) عن محمد بن سليمان بن شمول ... وساق الحديث. قال الحاكم:
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في ((مختصره)) فقال: بل هو حديث
واهٍ، فإن محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه غیر واحد.انتهى.
قلت : - أي: الزيلعي - رواه كذلك ابن عدي في ((الكامل))، والعقيلي في ((كتابه))
وأعلاه بمحمد بن سليمان بن مسمول، وأسند ابن عدي ضعفه عن النسائي،
ووافقه وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه إسنادًا، ولا متنا. انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) ١٩٨/٤: رواه العقيلي والحاكم وأبو نعيم وابن
عدي والبيهقي من حديث طاوس عن ابن عباس وصححه الحاكم، وفي إسناده
محمد بن سليمان بن مسمول، وهو ضعيف، وقال البيهقي: لم يرو من وجه
يعتمد عليه.
:

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقالت طائفة: لا يقبل في شيء أصلًا إلا في الأنساب وهو قول
زفر، ورويناه من طريق عبد الرزاق، عن وكيع، عن أبي حنيفة،
ولا يعرف أصحاب هذه الرواية.
وقالت طائفة: لا يقبل جملة، روينا ذلك عن علي وليس بصحيح
عنه؛ لأنه من طريق الأسود بن قيس، عن أشياخ من قومه عنهم. وعن
إياس بن معاوية والحسن بن أبي الحسن والنخعي أنهم كرهوا شهادته (١).
وقال أبو حنيفة: لا يقبل في شيء أصلًا، لا فيما عرف قبل العمى
ولا فيما عرف بعده، وقد سلف.
قال وكيع: ثنا سفيان أن قتادة شهد عند إياس بن معاوية فرد شهادته.
وسئل إبراهيم عنها، فحدث بحديث كأنه كرهه(٢).
قلت: فتحصلنا فيه على ستة مذاهب: المنع المطلق، والجواز
المطلق، والجواز فيما طريقه الصوت دون البصر، الفرق بين ما علمه
قَبْلُ ومالم يعلمه، الجواز في اليسير، الجواز في الأنساب خاصة.
(١) ((المحلى)) ٩/ ٤٣٣، ٤٣٤.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٣٥٧ (٢٠٩٥٢، ٢٠٩٥٣).

٥٤٥
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
١٢ - باب شَهَادَةِ النِّسَاءِ
وَقَوْلِهِ وَى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٢٦٥٨ - حَدَّثَنَا ابن أَبي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي زَيْدٌ، عَنْ
عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ:
((أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)). قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَذَلِكَ مِنْ
نُقْصَانِ عَقْلِهَا)). [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٢٦٦/٥]
ذكر فيه حديث أبي سعيد عن النَّبِي وَّ: ((أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ
نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)). قُلْنَا بَلَى. قَالَ: ((فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا)).
وقد سلف مطولًا في الحيض(١)، وزيد الذي في إسناده هو ابن أسلم
كما صرح به هناك.
وقام الإجماع على القول بظاهر الآية، على أن شهادة النساء تجوز
مع الرجال في الديون والأموال(٢).
وأجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز في الحدود
والقصاص، هذا قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والحسن
البصري والزهري(٣)، وربيعة ومالك والليث والكوفيين والشافعي
وأحمد وأبي ثور (٤).
واختلفوا في النكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء، فذهب ربيعة
ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنه لا يجوز في شيء من ذلك كله
(١) برقم (٣٠٤) باب: ترك الحائض الصوم.
(٢) ((الإجماع)) لابن المنذر ص٣٠٤.
(٣) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف بن أبي شيبة)) ٥٢٨/٥.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٥/٣، ((المدونة)) ٨٤/٤، ((الأم)) ٤٣/٧.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
مع الرجال، وأجاز شهادتهن في ذلك كله مع الرجال الكوفيون (١)،
ولا دليل لهم يوجب قبول شهادتهن في شيء من ذلك.
واتفقوا أنه تجوز شهادتهن منفردات في الحيض، والولادة،
والاستهلال، وعيوب النساء، وما لا يطلع عليه الرجال من عورتهن
للضرورة(٢).
واختلفوا في الرضاع، فمنهم من أجاز فيه شهادتهن منفردات،
ومنهم من أجازها مع الرجال، على ما سيأتي ذكره في النكاح - إن
شاء الله تعالى- وقال أبو عبيد: اجتمعت العلماء على أنه لا حظ
للنساء في الشهادة في الحدود.
وكذلك أجمعوا على شهادتهن في الأموال أنه لا حظ لهن فيها
-أي: منفردات- وكذلك، لآيتين تأولهما فيما نرى والله أعلم.
أما آية الحدود فقوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ
شُهَآءَ﴾ [النور: ٤] الآية، فعلم أن الشهادة (٣) في اللغة لا تقع إلا على
الذكور، ثم أمضوا على هذا جميع الحدود من الزنا والسرقة والفرية
وشرب الخمر والقصاص في النفس وما دونها.
وأما آية الأموال فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ﴾
[البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثم أمضوا
على هذا جميع الحقوق والمواريث والوصايا والودائع والوكالات
والدين، فلما صاروا إلى النكاح والطلاق والعتاق لم يجدوا فيها من
ظاهر القرآن ما وجدوا في تلك الآيتين، فاختلفوا في التأويل، فشبهها
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٥/٣، ((المدونة)) ٨٤/٤، ((الأم)) ٤٣/٧.
(٢) انظر: ((المغني)) ١٣٤/١٤ -١٣٥.
(٣) ذكر فوق الكلمة: لعله: الشهداء.

٥٤٧
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
قوم بالأموال، فأجازوا فيها شهادة النساء، وقالوا: ليست بحدود وإنما
توجب مهورًا ونفقات النساء.
وأبى ذلك آخرون، ورأوها كلها حدودًا؛ لأن بها يكون أستحلال
الفروج وتحريمها. قال أبو عبيد: وهذا القول يُختار؛ لأن تأويل
القرآن يصدقه، ألا تسمع قوله تعالى حين ذكر الطلاق والرجعة فقال:
﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فخص بها الرجال، ولم يجعل
للنساء فيها حظًا كما جعله في الدين، ثم أبين من ذلك أنه سماها
حدود الله فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فكان هذا
أكبر من التأويل، فالأمر عندنا عليه أنه لا تجوز شهادتهن في نكاح
ولا طلاق ولا رجعة، وكيف يقبل قولهنَّ في هذِه الحال على غيرهن
ولا يملكنها من أنفسهن، ولم يجعل الله إليهن عقد نكاح ولا حله؟!
لأن الله تعالى خاطب الرجال في ذلك دونهن في كتابه.
قال أبو عبيد: والعتاق عندنا من ذلك كله لا تجوز فيه شهادتهن؛ لما
يدخل فيه من تحريم الفروج وتحليلها.
قال المهلب: وفي حديث الباب دلالة أن الناس يجب أن يتفاضلوا
في الشهادة بقدر عقولهم وفهمهم وضبطهم، وأن يكون الرجل الصالح
الذي تُعرف منه الغفلة والبلادة يتوقف عن شهادته في الأمور الخفية.
وتقبل شهادة اليقظان الفهم العدل، والتفاضل في شهادتهما على
قدر أفهامهما.
وفيه: أن الشاهد إذا نسي الشهادة ثم ذكره بها صاحبه؛ حتى ذكرها
أنها جائزة؛ لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَّ﴾
[البقرة: ٢٨٢] فدخل في ذلك معنى الرجال والنساء.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فرع: اختلف في شهادة امرأتين مع الفُشُوّ وامرأتين من غير الفشو،
وفي شهادة أحد الأبوين بالرضاع، كما حكاه ابن التين، فقال ابن
القاسم: إن شهدت أم الزوج أو أم الزوجة لم تقبل شهادتهما إلا أن
یکون قد فشا.
وعن ابن حبيب، عن مالك: إذا قالت المرأة ذلك في أمها أو أبيها،
أو قاله الأب في ولده، وقعت الفرقة (١).
فرع: قال أبو عبد الرحمن العتقي: اختلفوا في عدد من يجب قبول
شهادته من النساء على ما لا يطلع عليه الرجال، فقالت طائفة: لا يقبل
أقل من أربع.
وهذا قول أهل البيت والنخعي وعطاء(٢).
وهو رأي الشافعي وأبي ثور(٣)، وقالت طائفة: تجوز شهادة امرأتين
على ما لا يطلع عليه الرجال. وبه قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى (٤).
وعن مالك: إذا كانت مع القابلة أمرأة أخرى فشهادتها جائزة (٥).
وروي عن الشعبي أنه أجاز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه
الرجال(٦)، وعن مالك: أرى أن تجوز شهادة المرأتين في الدين مع يمين
صاحبه(٧).
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٨٣/٥، ٨٤.
(٢) (مصنف عبد الرزاق)) ٤٨٣/٧ (١٣٩٧٢) عن عطاء.
(٣) أنظر: ((الأم)) ٤٣/٧، ((اختلاف الفقهاء)) ص ٥٦٤.
(٤) أنظر: ((اختلاف الفقهاء)) ص ٥٦٤.
(٥) انظر: ((الكافي)) لابن عبد البر ص٤٦٩.
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٨٤/٧ (١٣٩٧٨).
(٧) ((المدونة)) ٤/ ٨٣.

=
٥٤٩
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
وعن الشافعي: يستحلف المدعى عليه، ولا يحلف المدعي مع
شهادة المرأتين.
وقالت طائفة: لا تجوز شهادة النساء إلا في موضعين: المال،
وحيث لا يرى الرجال من عورات النساء.
فائدة: روى الزبير بن بكار في كتاب ((المفاكهة والمزح)) أن أمرأة
وطئت صبيًّا فقتلته، فرُفعت إلى علي فشهد عليها أربع نسوة، وأجاز
عليٌّ شهادتهنَّ وجحدت هي، فلما أجاز شهادتهنَّ قالت لعلي: اعفني
الآن في الدية. قال: وكان علي يجيز شهادة الصبيان(١).
(١) ورد بهامش الأصل: آخر ٨ من ٨ من تجزئه المصنف.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٣ - باب شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ(١)
وَقَالَ أَنَسٌِّ: شَهَادَةُ العَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا.
وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْقَى.
وَقَالَ ابن سِيرِينَ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، إِلَّ العَبْدَ لِسَيِّدِهِ.
وَأَجَازَهُ الحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ.
وَقَالَ شُرَيْحُ كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ.
٢٦٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ
الحَارِثِ. وَحَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ:
سَمِعْتُ ابن أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ - أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ- أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ
يَخْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ. قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
لِلنَّبِيِّ وَّ فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَخَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: ((وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ
أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟!)). فَنَهَاهُ عَنْهَا. [انظر: ٨٨ - فتح: ٢٦٧/٥]
ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث السالف، وفي آخِرِه: فَنَهَاهُ عَنْهَا.
وأثر أنس أخرجه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث عن المختار بن
فلفُل قال: سألت أنسًا عن شهادة العبيد فقال: جائزة(٢).
قال في ((الإشراف)): وما علمتُ أنَّ أحدًا ردَّها.
وأثر شريح أخرجه أيضًا، عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن
الشعبي قال: قال شريح: لا أجيز شهادة العبد. فقال علي: لكنا
نجيزها، فكان شريح بعده يجيزها إلا لسيده.
(١) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في الثمانين: كتبه مؤلفه.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٨/٤ (٢٠٢٧٥).

٥٥١
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
قال: وحدثنا ابن أبي زائدة، عن أشعث، عن عامر: أن شريحًا
أجاز شهادة العبد(١).
وأثر زرارة جيد، وقد احتج به ابن حزم في ((محلاه))(٢)، وأثر ابن
سيرين ذكره عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي،
ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عنه بلفظ أنه كان لا يرى
بشهادة المملوك بأسًا إذا كان عدلًا. وأثر الحسن أخرجه أيضًا عن
معاذ بن معاذ، عن أشعث الحمراني، عنه. من غير ذكر (التافه) وهو
الشيء اليسير.
وكذا أثر إبراهيم رواه عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن
إبراهيم: كانوا يجيزونها في الشيء الطفيف.
وأثر شريح أخرجه أيضًا، عن وكيع، عن سفيان، عن عمار الدهني،
قال: شهدت شريحًا شهد عنده عبد على دار فأجاز شهادته، فقيل له: إنه
عبد. فقال: كلنا عبيد، وأمنا حواء(٣).
وحديث عقبة أخرجه عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي
مليكة عنه. وفيه: (فجاءته أمة سوداء).
وأخرجه في الباب الآتي بعده لكنه قال بدل ابن جريج: عمر بن
سعيد (٤). وفيه: فجاءته أمرأة.
(١) ابن أبي شيبة ٢٩٨/٤ (٢٠٢٧٦، ٢٠٢٧٨).
(٢) ((المحلى)) ٤١٣/٩.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٨ (٢٠٢٧٧).
(٤) برقم (٢٦٦٠) باب: شهادة المرضعة.

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأخرجه قريبًا في باب إذا شهد شاهد أو شهودٌ بشيء، عن حبان:
أنا عبد الله، ثنا عمر بن سعيد بن أبي حسين(١). وفيه: (فأتته امرأة).
وأخرجه في أوائل البيوع في باب تفسير المشبهات، عن محمد بن
كثير، أنا سفيان، أنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن ابن أبي
مليكة به(٢). وفي هذا امرأة سوداء، قال الإسماعيلي: مَنْ صحَّحَ حديثَ
ابن جريج فقد صحَّحَ حديثَ عُمر بن أبي حسين، وهو يروي: مولاة
سوداء لأهل مكة، فمن (قال)(٣) أمة حرة فقد تدَّعي بذلك لا سيما
فيمن يريد تحقيرها وتصغيرها. ومن قال: مولاة، فقد أثبت لهما
الأموة وعتقا بعد ذلك لا يدخل في جواز شهادة الرقيق، ولو كان
كذلك لجازت شهادة الأمة من حيث لا تجوز شهادة امرأة واحدة
على أصله؛ لأنه ◌َّ قال في الخبر الذي صححه عن أبي سعيد
المذكور قبل: ((أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟))
فإذا كان لا يقبل من شهادة رجل مثلًا وإنما شهادة الحرة تقوم مقام
نصف شهادة الرجل، فلا يعمل حتى تكونا اثنتين، فكيف ساغ تفضيل
الأمة على الحرة في الشهادة على معناه؟ فالشارع لم يحرِّمها، ولكنه
قال: ((كيف وقد قِيل؟)) كراهةً للتقدم على ما يعرض فيه الشبهة؟
ويكون قول من قال: فنهاه عنها أيضًا على هذا المعنى؛ لأن ذلك لو
كان موجبًا تحريمها لم يكن لاعتراضه عن إجابته عما سأله عنه مما
هو محرم معنى، بل كان يخبره أنه لا يسعه ذلك فدل أنه كرهه له
ولا أقل من أن تكون المرأة عدلًا إذا شهدت.
(١) سلف برقم (٢٦٤٠).
(٢) سلف برقم (٢٠٥٢).
(٣) في الأصل: كانت، وما أثبتناه هو الموافق للسياق.

٥٥٣
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
إذا تقرر ذلك: فللعلماء في شهادة العبد ثلاثة أقوال:
أحدها: جوازها كالحر، روي عن علي كقول أنس وشريح، وبه قال
أحمد وإسحاق وأبو ثور(١).
وثانيها: جوازها في الشيء التافه، روي عن الشعبي كقول الحسن
والنخعي.
ثالثها: لا تجوز في شيء أصلًا، روي عن عمر (٢) وابن عباس، وهو
قول عطاء ومكحول(٣)، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي والأئمة الثلاثة
مالك وأبو حنيفة والشافعي(٤) ..
قال ابن التين: وهو قول سائر فقهاء الأمصار سوى من تقدم.
حُجة الأوَّل: أنه إذا كان رَضِي فهو داخل في قوله تعالى: ﴿مِمَّن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والعبد يكون رضيًّا وصالحًا، قال
تعالى: ﴿وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وأيضًا فإشارة
الشارع على عقبة بالتنزه عن زوجته؛ من أجل شهادة الأمة، دلالة
على سماع شهادة المملوك والحكم بشبهتها.
حُجَّة الثاني: الاعتقاد في اليسير.
حُجَّة الثالث: قالوا: ليس الحديث على وجه الوجوب، وإنما هو
من باب الندب، فلا تلزم الحجة به، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا
ج
دُعُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والإباء إنما يكون من الحر، والعبد ممنوع من
(١) ((مسائل أحمد وإسحاق)) برواية الكوسج ٣٨٨/٢ (٢٩٠٣)، ((المغني)) ١٤ / ١٨٥.
(٢) عبد الرزاق ٨/ ٣٤٧ (١٥٤٦٠).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٨/٤.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٥/٣، ((المدونة)) ٨٠/٤، ((الأم)) ٤٣/٧.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الإجابة لحق المولى، فلم يدخل تحت النهي، كما لم يدخل في قوله
تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وقوله: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:
٩٧] وذلك كله حق المولى، وأيضًا بالإضافة في قوله: ﴿ذَوَىْ عَدْلٍ
مِنْكُ﴾ [الطلاق: ٢] يفيد الحرية دون الإسلام؛ لأن غير الإسلام ليس
بعدل؛ ولأن الشهادة مبنية على التفاضل والكمال، وما هذا سبيله
لا يدخل العبد فيه كالرجم، فإن قلت: أداء الشهادة عليه فرض
كالصلاة والصيام، وليس لسيده منعه من ذلك.
قلتُ: هذا غلط؛ لأن فرضهما إيجاب من الرب - جل جلاله-
أبتداء، والتحمل من قبله، فلا فرض عليه في أدائها؛ حتى يأذن له
السید أو یعتق، کما ینذر على نفسه نذرًا.
فإن قلتَ: كل من جاز قبول خبره جاز قبول شهادته كالحر.
قلتُ: لا، فالخبر قد سومح فيه ما لم يتسامح في الشهادة؛ لأن
الخبر يقبل من الأمة منفردة والعبد منفردًا، ولا تقبل شهادتهما،
والعبد ناقص عن رتبة الحر في أحكام، فكذلك في الشهادة.
ومذهب ابن حزم: الجواز.
قال: شهادة العبد والأمة مقبولة في كل شيء لسيده أو لغيره كشهادة
الحر والحرة، ولا فرق.
وقد اختلف الناس في هذا، فصح ما روينا عن ابن المسيب: أن
عثمان بن عفان قضى في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد
إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم(١).
(١) ((المحلى)) ٩/ ٤١٢.

٥
٥٥
- كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
قلت: العبرة بوقت الأداء وهم صالحون إذ ذاك، كما وقع لجبير،
سمع في حال شركه وأدى في حال إسلامه، وقبل إجماعًا.
وروينا من طريق عمرو بن شعيب وعطاء، عن عمر مثل ذلك،
وروينا أيضًا في شهادة العبد من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر، عن
عمرو بن سليم، عن ابن المسيب، عن عمر(١) ومن طريق الحجاج بن
أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لا تجوزُ شهادةُ العبد(٢).
ومن طريق أبي عبيد، عن حسان بن إبراهيم الكرماني، عن إبراهيم
الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر: لا تجوز شهادة المكاتب ما بقي عليه
درهم.
وعن الشعبي وعطاء ومجاهد وسفيان ووكيع ومكحول وابن أبي
نجيج: لا تجوز شهادة العبد(٣).
وعن إبراهيم: لا تجوز شهادة المكاتب (٤).
وعن قتادة: إذا شهد العبد فردت شهادته ثم أعتق فشهد بها لم
(٥)
تقبل(٥).
وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة، وهو قول ابن أبي الزناد قال:
وبه يقول أبو حنيفة والشافعي ومالك وابن أبي ليلى والحسن بن حي وأبو
عبيد وأحد قولي ابن شبرمة.
وأجازت طائفة شهادته في بعض الأحوال، وردتها في بعض.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٤٧/٨ (١٥٤٩٠).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٨/٤ (٢٠٢٧٩).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٨/٤ (٢٠٢٨٠، ٢٠٢٨١، ٢٠٢٨٦).
(٤) عبد الرزاق ٣٤٥/٤ (١٥٤٨٠).
(٥) عبد الرزاق ٣٤٦/٤ (١٥٤٨٥).

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
روينا عن شريح والشعبي وإبراهيم أنهم كانوا لا يجيزون شهادة العبد
لسيده، وتجوز لغيره(١).
ومن طريق جابر، عن الشعبي في العبد يعتق بعضه أن شهادته
جائزة، ومن طريق إسماعيل القاضي، حدثنا عارِم، ثنا ابن المبارك،
عن يعقوب، عن عطاء: شهادة المرأة والعبد جائزة في النكاح والطلاق.
ومن طريق عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عفان، ثنا حماد بن
سلمة: سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبيد، فقال: أنا أرد شهادة
عبد العزيز بن صهيب؟! على الإنكار لردها.
قال ابن حزم: وهو قول زرارة بن أوفى، وعثمان البتي وأبي ثور
وأحمد وإسحاق وأبي سليمان وأصحابهم، وأحد قولي ابن شبرمة(٢).
فرع :
قال ابن القاسم: شهد أربعة بزنا فرجم، ثم تبين أن أحدهم عبد،
حد الشهود، وكان على الثلاثة ثلاثة أرباع الدية على العاقلة، وإن تبين
أن أحدهم مسخوط أمضى الحكم(٣)، وعارضه بعضهم فقال: الأولى
الإمضاء في العبد؛ للخلاف فيه دون الثاني؛ للاتفاق على ترك روايته.
فرع :
شهد عبد فردت شهادته، فأعادها، قبلت عندنا، وعند أبي حنيفة
خلافًا لمالك(٤)، فإن شهد بها وهو عبد فلم يحكم؛ حتى عتق، ففي
(١) عبد الرزاق ٣٤٤/٤-٣٤٥ (١٥٤٧٦، ١٥٤٧٧).
(٢) ((المحلى)) ٩/ ٤١٢-٤١٣.
(٣) أنظر: ((المدونة) ٣٩٩/٤، ((النوادر والزيادات)) ٤٢٥/٨.
(٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٥/٣، ((النوادر والزيادات)) ٤٢٥/٨.

٥٥٧
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
الإعادة قولان لهم: قال ابن القاسم في ((المجموعة)) في عبدٍ حكم
بشهادته بظن الحرية، فلم يعلم حتى عتق أن الحكم الأول يرد ثم
يقوم بها الآن فيشهد(١)، وقد يحتمل أن يكون الذي ينظر في شهادته
غير القاضي الأول.
خاتمة: قوله: (فَنَهَاهُ عَنْهَا) وفي رواية أخرى تأتي في الباب بعد
((دعْها)). أخذ بها الليث وقال: يقبل قولها ولو كانت ذمية.
وقال ابن القاسم: لا يُفَرَّق بينهما بقولها. وقد أسلفنا الخلاف في
شهادة أمرأة مع الفُشُوّ وامرأتين من غير فشو وفي شهادة أحد الأبوين
بالرضاع، في الباب قبله واضحًا.
وفيه من الفوائد: شهادة المرء على ما يفعله؛ لأن الرضاع فعلها.
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٢٥/٨.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٤ - باب شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ
٢٦٦٠ - حَذَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ
الحَارِثِ قَالَ تَزَوَّجْتُ أَمْرَأَةَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّ قَدْ أَرْضَغْتُكُمَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ِ﴾
ھَھَلى الله
شام
فَقَالَ: ((وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟! دَعْهَا عَنْكَ)). أَوْ نَحْوَهُ. [انظر: ٨٨ - فتح: ٢٦٨/٥]
ذكر فيه حديث عقبة أيضًا وقد فرغنا منه آنفًا (١).
وقد أسلفنا اختلاف العلماء في شهادة المرضعة إذا كانت مرضية،
ومذهب ابن عباس(٢) وطاوس قبولها وحدها، وتحلف مع شهادتها،
وهو قول الزهري(٣) والأوزاعي وأحمد وإسحاق(٤).
وحجتهم حديث الباب.
ومذهب الأوزاعي التفرقة بين العقد وقبله، والكوفيون على أنه
لا يقبل إلا رجلان أو رجل وامر أتان(٥).
وقال مالك: تجوز شهادة أمرأتين دون رجل إذا كان ذلك قد فشا،
وعرف من قولهما(٦).
وفي رواية ابن وهب: يقبل وإن لم يفش.
وقال الشافعي: لابد من أربع نسوة(٧).
وقال: لو شهد في ذلك رجلان ورجل وامرأتان جاز(٨).
(١) سلف برقم (٢٦٥٩).
(٢) عبد الرزاق ٣٣٦/٨ (١٥٤٣٩).
(٣) عبد الرزاق ٣٣٤/٨ (١٥٤٣٣).
(٤) أنظر: ((المغني)) ٣٤٠/١١.
(٥) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٨/٣.
(٦) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٨٤/٥، ((عقد الجواهر الثمينة)) ٥٩٤/٢.
(٨) ((الأم)) ٢٩/٥.
(٧) ((مختصر المزني)) ٦٣/٥.

٥٥٩
- كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
١٥ - باب تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا
٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ - وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ - حَدَّثَنَا فُلَيْحُ
ابْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ
ابْنِ وَقَّاصِ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ
النَّبِيِّ ◌َّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَأَهَا اللهُ مِنْهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكُلَّهُمْ
حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَغْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ أَقْتِصَاصًا، وَقَدْ
وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الَحَدِيثَ الذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ
بَغْضًا، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ
أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ
سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الِحِجَابُ، فَأَنَا أُعْمَلُ فِي هَؤْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ.
فَسِزْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ،
آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا
قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعٍ أَظْفَارٍ قَدِ
أَنْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي أَنْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الذِينَ يَرْحَلُونَ لِي،
فَاحْتَمَلُوا هَؤْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيِي الذِي كُنْتُ أَزْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَّ فِيهِ،
وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ،
فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنَّ،
فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا أُسْتَمَرَّ الَجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ
فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمْتُ مَنْزِلِي الذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَتْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا
جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَاىُ فَنِمْتُ.
وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانُّ مِنْ وَرَاءِ الَجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ
مَنْزِلِي فَرَأَىْ سَوَادَ إِنْسَانِ نَائِمٌ فَأَتَانِ، وَكَانَ يَرَانِ قَبْلَ الِحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ
بِاسْتِزْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِ الرَّاحِلَةَ حَتَّى

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح _
أَتَيْنَا الَجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الذِي تَوَلَّى
الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ ابن سَلُولَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا، وَالنَّاسُ
صَلَى
يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَّ لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ
وسـ
اللُّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلَّمُ ثُمَّ يَقُولُ: ((كَيْفَ
تِيكُمْ؟)). لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ المَنَاصِعِ
مُتَبَُّنَا، لَا نَخْرُجُ إِلَّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا،
وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأَوَلِ فِي البَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ بِثْتُ أَبِي رُهُمِ
نَمْشِي، فَعَثَّرَتْ فِي مِزْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَّ
رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ يَا هَنْتَاهُ، أَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ،
فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي.
فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَّيَّ رَسُولُ اللهِوَّهِ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((كَيْفَ تِيكُمْ؟)).
فَقُلْتُ: أَئِّذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ - قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الَخَبَ مِنْ قِبَلِهِمَا-
فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﴿ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأَمِّ: مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا
بُنَيَّةُ، هَوِّنٍ عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ نُجِيُّهَا
وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّ أَكْثَزْنَ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بهذا؟!
قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَزْقَأُ لِي دَمْعَ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمّ
أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ يَِّ عَلَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ حِينَ أَسْتَلْبَثَ
الوَحْيُ، يَسْتَشِيْرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ
الوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ والله إِلَّ خَيْرَا.
وَأَمَّا عَلِيَّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا
كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللهِ وَ بَرِيرَةَ فَقَالَ: ((يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِبِيُكِ؟)).
فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقٌّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطَّ أَكْثَرَ مِنْ