النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
-
٥ - باب الشّهَدَاءِ العُدُولِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]
و﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا الَحَكَمُ بْنُ نَافِعِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الَطَّابِ رضي الله
عنه يَقُولُ: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وََّ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ
اَنْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّهُ
وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ
نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. [فتح: ٢٥١/٥]
ذكر فيه عن عَبْد اللهِ بْنِ عُتْبَةَ(١) قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ:
إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّه، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ
أَنْقَطَعَ، وَإِنَّمَا تَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا
أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ
أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ لنا: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ.
هذا الحديث من أفراده، والمرفوع منه إخبار عمر عما كان الناس
يؤخذون به على عهد رسول الله وَله، وبقية الخبر بيان لما يستعمله الناس
بعد أنقطاع الوحي بوفاة رسول الله وَّلر، فينبغي - كما قال أبو الحسن
القابسي - لكل من سمعه أن يحفظه ويتأدب به.
وفيه: أن من ظهر منه الخير فهو العدل الذي يجب قبول شهادته.
واختلفوا في ذلك: فقال النخعي: الذي لم يظهر به ريبة(٢)، وهو
(١) ورد فوقها في الأصل: (سند متصل).
(٢) رواه عبد الرزاق ٣١٩/٨ (١٥٣٦١).

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قول أحمد وإسحاق (١)، وفي ((المصنف)): حدثنا جرير، عن منصور،
عن إبراهيم قال: العدل في المسلمين ما لم يطعن عليه في بطن
ولا فرج(٢).
وفي موضع آخر: لا تجزئ في الطلاق شهادة ظنين ولا متهم (١).
وقال الشعبي: تجوزُ شهادة المسلم ما لم يصب حدًّا أو يعلم عليه
(خربة)(٤) في دينه.
وكان الحسن يجيز شهادة من صلى إلا أن يأتي الخصم بما
يجرحه به.
وعن حبيب قال: سأل عمر رجلًا عن رجل فقال: لا نعلم إلا خيرًا.
قال : حسبك.
وقال شريح: أدع وأكثر وأطنب وأت على ذلك بشهود عدول؛ فإنا
قد أمرنا بالعدل وأت فسل عنه، فإن قالوا: (الله يعلم فالله يعلم) توقوا أن
يقولوا: هو مريب، ولا تجوز شهادة مريب، وإن قالوا: علمناه عدلًا
مسلمًا فهو إن شاء الله كذلك، وتجوز شهادته(٥).
وفي الدارقطني بإسناده أن عمر كتب إلى أبى موسى الأشعري:
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه
شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو نسب(٦).
(١) أنظر: ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) ٣٨٧/٢ (٣٩٠٢).
(٢) ابن أبي شيبة ٤٢٨/٤ (٢١٧٣٥).
(٣) ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣٢ (٢٢٨٤٨).
(٤) كذا في الأصل، وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) (حوبة).
(٥) ابن أبي شيبة ٤٢٨/٤ - ٤٢٩.
(٦) ((السنن)) ٣٠٧/٤ (١٦) كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري.

٤٨٣
= كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
ووهَّى ابن حزم هذا الكتاب وقال: رسالة مكذوبة(١).
وفي كتاب ((القضاء)) لأبي عبيد عنه: إذا حمد الرجل جاره، وذوو
قرابته، ورفيقه من الناس فلا تشكُّوا في صلاحه.
وقال ابن عبد البر: کل حامل علم معروف العناية به فهو عدل حتى
يتبين جرحه؛ لقوله وَلّ: ((يحملُ هذا العلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عدوله))(٢) جوده
أحمد وخولف.
(١) ((المحلى)) ٥٩/١، ٤٢٣/٩، ٤٣١.
(٢) هُذا الحديث روي مرسلا وموصولًا.
أما المرسل: فرواه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)) ١٧/٢، والعقيلي في
((الضعفاء)) ٢٥٦/٤، وابن حبان في ((الثقات)) ١٠/٤، والبيهقي في ((الكبرى))
٢٠٩/١٠، والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص٦٦ (٥٠)، وابن عبد البر
في ((التمهيد)) ٥٩/١.
من طرق عن معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري عن النبي ◌َّد.
قال أحمد: صحيح، معان بن رفاعة لا بأس به اهـ
وتعقبه ابن القطان فقال: خفي على أحمد من أمره ما علمه غيره، قال الدوري عن
ابن معين: إنه ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال
السعدي: ليس بحجة، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال
أبو حاتم البستي: هو منكر الحديث يروي مراسيل كثيرة ويحدث عن المجاهيل بما
لا يثبت، استحق الترك. اهـ
وقال عبد الحق: هو أحسن ما فيه -أي: الحديث المرسل - فيما أعلم.اهـ
وتعقبه ابن القطان فقال: إبراهيم بن عبد الرحمن العذري لا نعرفه البتة في شيء من
العلم غير هذا، ولا أعلم أحدًا ممن صنف في الرجال ذكره، مع أن كثيرًا منهم ذكر
مرسله هذا في مقدمة كتابه؛ كابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي ثم لم يذكروه في
باب من اسمه إبراهیم فهو عندهم غاية المجهول.اهـ.
انظر: ((شرف أصحاب الحديث)) ٦٧، ((الأحكام الوسطى)) ١٢١/١، ((بيان الوهم
والإيهام)) ٣٩/٣-٤٠.
قلت: وصل هذا الحديث البيهقي في ((الكبرى)) ٢٠٩/١٠ من طريق الوليد بن =

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال أبو عبيد في كتاب ((القضاء)): من ضيع شيئًا مما أمره الله به
أو ركب شيئًا مما نهى عنه فليس بعدل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، الأمانة:
جميع الفرائض اللازمة واللازم تركها.
وعن أبي يوسف ومحمد والشافعي: من كانت طاعته أكثر من
معاصيه وكان الأغلب عليه الخير -زاد الشافعي- والمروءة، ولم يأت
كبيرة يجب فيها الحد أو ما يشبه الحد قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم
أحد من ذنب، ومن أقام على معصية أو كان كثير الكذب غير مستتر
به لم تجز شهادته(١).
وقال الطحاوي: لا يَخْلو ذكر المروءة أنْ يكونَ فيما يحل أو يحرم،
فإن كانت فيما يحل فلا معنى لذكرها، وإن كانت فيما يحرم فهي من
المعاصي، فالمراعاة هي إتيان الطاعة واجتناب المعصية(٢).
مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: ثنا الثقة من أشياخنا.
=
وأما الموصول: فروي عن أبي هريرة، وابن مسعود، وابن عمر، ومعاذ، وابن
عمرو، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة، وأسامة بن زيد.
انظر: ((الضعفاء)) للعقيلي ٩/١، ١٠، ((مسند الشاميين)) ٣٤٤/١ (٥٩٩)، ((الكامل
في الضعفاء)) ٤٥٧/٣-٤٥٨ (٥٩٣)، ((شرف أصحاب الحديث)) ص٣٢، ٦٥،
((الجامع لأخلاق الرواي)) ١٢٨/١، ((التمهيد)) ٥٩/١، ((كشف الأستار)) ٨٦/١.
قال الزين العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ص١٣٥.
روي متصلا -أي: الحديث المرسل- عن عليّ، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن
عمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة، وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء يقوي
المرسل المذكور.اهـ
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٣/٣، ((مختصر المزني)) ٢٥٦/٥.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٤/٨.

٤٨٥
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
وقال الداودي: العدلُ أن يكونَ مستقيمَ الأمرِ، مُؤدیًا لفروضه، غيرَ
مخالفٍ لأمرِ العدول في سيرَتِهِ وخلائقه، وغير كثير الخوض في الباطِلِ،
ولا يتهم في حديثه، ولم يطلع منه على كبيرة أصر عليها، وكثر ذلك في
معاملته وصحبته في السفر، قال: وزعم أهل العراق أن العدالة المطلوبة
هي إظهار الإسلام، مع سلامته من فسق ظاهر، ويطعن فيه خصمه
فيتوقف في شهادته، حتى تثبت له العدالة.
وهو ظاهر كلام عمر إلى أبي موسى وغيره، وقال الشافعي في
((الرسالة)): العدل هو العامل بطاعة الله، فمن رئي عاملًا بها فهو
عدل، ومن عمل بخلافها كان خلاف العدل(١).
ومنع القاضي أبو عبيد علي بن الحسين شاهدين تسارًا في مجلسه،
ونسبها في ذلك إلى قلة الأدب، قال: ولا مروءة مع قلة الأدب.
وعن أبي ثور: من كان أكثر أمره الخير، وليس بصاحب خربة في
دين ولا مصرٍّ على ذنب وإن صغر قُبل وكان مستورًا، وكل من كان
مقيمًا على ذنبٍ وإنْ صغر لم تُقبلْ شهادته.
وقال أبو عبيد: أما أصحاب الأهواء فأكثر من يقتدى به على إسقاط
شهادة أهلها، منهم: مالك وسفيان، وقد كان بعض قضاة العراق يرى
إجازتها إذا كان أصحابها فيما سوى ذلك عدولاً، ويذهب إلى أنها منهم
تدين، وليس يفسق إلا الخطابية(٢).
والذي عندنا أن البدع والأهواء نوع واحد في الضلال، كما قال ابن
مسعود: وكل بدعة ضلالة(٣).
(١) (الرسالة)) ص٣٤.
(٢) أنظر: ((اختلاف الفقهاء)» للمروزي ص٥٦٣.
(٣) جاء في ذلك عن ابن مسعود حديث مرفوع رواه ابن ماجه (٤٦).

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فلا نرى أن يقبل لأحد منهم شهادة إذا ظهر فيها غلوه وميله عن
السنة، قلنا ذلك للآثار المتواترة فيهم، وفي حديث مرفوع وإن لم
يكن له إسناد: ((مَنْ وقَّر صاحبَ بدعةٍ فقد أعانَ على هدم الإسلام))(١).
فأي توقير أكبر من أن يكون مقبول الشهادة مؤتمنًا على دماء
المسلمين وفروجهم.
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ١٦٩/٣، الطبراني في ((الأوسط)) ٣٥/٧ (٦٧٧٢)
والهروي في ((ذم الكلام)) ١٥٧/٤-١٥٩ (٩٣٨)، وابن الجوزي في
((الموضوعات)) ٤٤٤/١ من طرق عن عائشة.
قال ابن حبان في ((الضعفاء)) ٢٣٦/١، وابن الجوزي فى ((الموضوعات)) ٤٤٥/١ :
موضوع اهـ وقال العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)) ٤٣٢/١ (١٦٤٨):
ضعيف.اهـ
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٩٦/٢٠ (١٨٨)، و((مسند الشاميين)) ٢٣٣/١ (٤١٣) وأبو
نعيم في «الحلية)) ٦/ ٩٧، والهروي في ((ذم الكلام)) ١٦٢/٤ (٩٣٩) عن معاذ.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٨٨/١: فيه بقية وهو ضعيف. اهـ
وقال الألباني في ((الضعيفة)) ٣٤٣/٤: سنده قوي لو سلم من الانقطاع بين خالد بن
معدان ومعاذ اهـ
ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢١٨/٥، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٤٤٤/١
(٥٢٥) عن عبد الله بن بسر. قال ابن الجوزي: موضوع. اهـ وضعفه الألباني في
((ضعيف الجامع)) (٥٨٧٧).
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٢٤٩/٢، وابن الجوزي في ((الموضوعات))
٤٤٣/١-٤٤٤ (٥٢٤) عن ابن عباس. قال ابن الجوزي: موضوع.
ورواه البيهقي في ((الشعب)) ٧/ ٦١ (٩٤٦٤)، والهروي في ((ذم الكلام) ٤/ ١٦٤
(٩٤١) عن إبراهيم بن ميسرة مرسلًا.
قال الألباني في تعليقه على ((المشكاة)) ٦٦/١ (١٨٩): ضعيف.اهـ
ورواه الهروي في ((ذم الكلام)) ٤/ ١٦٤-١٦٥ (٩٤٢، ٩٤٣، ٩٤٤) عن إبراهيم
ابن ميسرة، ومحمد بن مسلم، وابن عيينة موقوفًا عليهم.
قلت: وبالجملة فالحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) ٤/ ٣٤٠-٣٤٣ (١٨٦٢).

٤٨٧
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
فرع :
قال مالك ومحمد بن الحسن والشافعي: لا يقبل في الجرح والتعديل
أقل من رجلين(١). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقبل فيهما واحد(٢).
قلت: وصححه المحدثون؛ لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر،
فلم يشترط في جرح رواته وتعديله بخلاف الشهادة.
وقال أبو عبيد: روي ذلك عن شريح.
وقال أبو عبيد: أدنى التزكية ثلاثة فصاعدًا لحديث قبيصة في
الزكاة، فإذا كان لا يقنع في السؤال عن حال الرجل في نفسه بأقل
من ثلاثة، فحاله في إمارات الناس أشد وقد قال الكليه لرجل سأله:
يا رسول الله، كيف أعلم أني إذا أحسنت أني قد أحسنت؟ ((إذا قال
جيرانُك أحسنتَ فقد أحسنت))(٣) قال أبو عبيد: فلا أرى النبي
وَسـ
رضي بدون إجماع الجيران على الثناء.
فرع :
[إذا](٤) اجتمع الجرح والتعديل، فالجرح أولى، وممن نص عليه
مالك وابن نافع، وفي رواية أشهب عنه: ينظر إلى أعدل البينتين
فيقضى بها.
(١) بهامش الأصل بخط سبط: (أي في الجرح والتعديل عند الحكام).
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٢/٣، ((المنتقى)) ١٩٤/٥، ((الأم)) ٢٩/٧.
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢٢٢)، وابن حبان (٥٢٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) ١٢٥/١٠
(٢٠٣٩٦)، والطبراني في ((الكبير)) ١٩٣/١٠ (١٠٤٣٣)، وقال الهيثمي في
((المجمع)) ٢٧١/١٠: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني
في ((الصحيحة)) (١٣٢٧).
(٤) ليست في الأصل، وما أثبتناه مناسب للسياق.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حجة الأول ما يأتي من تصديق الجارحين للمعدلين، وإخبارهم بما
أنفردوا به دونهم، وكذلك لو كثر عدد المعدلين على عدد الجارحين كان
قول الجارحين أولى، وهو قول الجمهور(١).
فرع :
الجرح لا يقبل إلا مبينًا بخلاف التعديل(٢)، قال المهلب: وفي
الحديث دليل أن سلف الأمة كانوا على العدالة بشهادة الله تعالى لهم
أنهم خير أمة أخرجت للناس.
وقال الحسن البصري وغيره وذكره ابن شهاب: إنَّ القضاةَ فيما
مضى كانوا إذا شهد عندهم الشاهد قالوا: قد قبلناهُ لدينه.
وقالوا للمشهود عليه: دونك بجرح؛ لأن الجرحة كانت فيهم شاذة،
فعلى هذا كان السلف ثم حدث في الناس غير ذلك.
قال ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي على أن الشهود
اليوم على الجرح؛ حتى تثبت العدالة، قال أبو حنيفة: إلا شهود
النكاح فإنهم على العدالة.
وهذا قول لا سلف فيه ولا دليل عليه، ولو عكس عليه هذا القول لم
يكن أحد القولين أولى بالحكم من صاحبه.
وحجة الفقهاء أن الشهود على الجرح قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ
عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] و﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
فخاطب الحكام ألا يقبلوا إلا من كان بهذِه الصفة، ودل القرآن أن
في الناس غير مرضي ولا عدل، فكذلك يكلف الطالب إذا جهل
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٨٧/٨، ((شرح ابن بطال)) ٢٦/٨.
(٢) في هامش الأصل: على الصحيح.

٤٨٩
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
القاضي أحوال الشهود أن يعدلوا عنده(١).
فائدة :
قول عمر: (إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْي) إلى آخره. كان الناس
في الزمن الأول على العدالة، حتى ظهر منهم خلافها، فالتمس منهم
إذن العدالة، وقد ترك بعض ذلك في زمن عمر، فقال له رجل: أنبئك
بأمر لا رأس له ولا ذنب. فقال: وما ذاك؟ قال: شهادة الزور ظهرت
في أرضنا. قال عمر: في زماني وفي سلطاني لا والله لا يؤسر رجل
بغير العدول(٢).
فرع :
قال ابن التين: التعديل إنما يكون سرًّا لا أختلاف فيه أنه يجزئ،
واختلف هل يجتزئ بتعديل العلانية دونه؟
قال سحنون: ولا يقبل تعديل الأبْله وليس كل من تقبل شهادته يجوز
تعديله ولا يعدل إلا الفطن المهر الناقد الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل
في رأيه بحال(٣)، واختلف: هل من شرط العدل أن يكون ذا مروءة
أو لا يكون؟ يقرأ بالألحان أو يمتنع من حضور جمعة واحدة لغير
عذر؟(٤).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٥/٨.
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) برواية يحيى ص٤٤٨، والبيهقي في ((الكبرى)) ١٦٦/١٠.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ١٩٥/٥.
(٤) بهامش الأصل: بلغ في التاسع بعد السبعين. كتبه مؤلفه.

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٦ - باب تَعْدِيلٍ كَمْ يَجُوزُ؟
٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ
رضي الله عنه قَالَ: مُزَّ عَلَى النَّبِيِّ ◌ََّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)).
ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرِىٌ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا - أَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). فَقِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ لهذا: وَجَبَتْ، ولهذا: وَجَبَتْ؟ قَالَ: ((شَهَادَةُ القَوْمِ، المُؤْمِنُونَ
شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ)). [انظر: ١٣٦٧ - مسلم: ٩٤٩ - فتح: ٢٥٢/٥]
٢٦٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِيِ الفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ
ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: أَتَيْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا
ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه، فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ، فَأَثْنِيَ خَيْرٌ، فَقَالَ عُمَرُ:
وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرِىٌ، فَأَثْنِيَ خَيْرًا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأَثْنِيَ شَرًّا، فَقَالَ:
وَجَبَتْ. فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((أَيُّمَا
مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرِ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ)). قُلْنَا: وَثَلَاثَةُ؟ قَالَ: ((وَثَلَاثَةٌ)). قُلْتُ:
وَاثْنَانَّ؟ قَالَ: ((وَاثْنَانٍ)). ثُمَّ لَمْ نَسْأَلَّهُ عَنِ الوَاحِدِ. [انظر: ١٣٦٨ - فتح: ٢٥٢/٥]
ذكر حديث أنس: مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: (وَجَبَتْ)) ..
الحدیث.
وحديث عمر: ((أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ ... )) الحديث. وقد
سلفا في الجنائز في باب: ثناءًّ الناسِ على الميتِ(١).
ومعنى: (موتًا ذريعًا): كثيرًا.
وقوله: (فأُثْنِي شرًّا) قال الداودي: إنما جاز هذا في الموتى أن
تذكر مساوئهم؛ لقوله ◌َّ: ((مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))(٢). قال تعالى:
(١) سلفا برقمي (١٣٦٧)، (١٣٦٨).
(٢) سيأتي رقم (٦٥١٢) كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت، ومسلم (٩٥٠)
كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في مستريح ومستراح منه.

٤٩١
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨] فكان
هؤلاء ممن ظلم، قال: ولا يكون بقرب موته، ولا ينبغي إلا ذلك؛
فيدخل في الحديث الآخر في سب الموتى. وقيل: كان هذا الميت
مجاهرًا.
وقيل: إنه ليس بمخالف لحديث: ((نكبوا حتى ذي قبر))(١). لأنه لم
يقبر بعد.
ومعنى: ((وَجَبَتْ)) أي: الجنة وكذا النار، إلا أن يغفر الله.
وهذا في ثناء العدول إذا أراد الله بأحد خيرًا أو سوءًا يقيض له من
يشهد بذلك من الصالحين عند موته، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في عدد
من يجوز تعديله.
وحديث عمر حجة لمن عدد، واحتج الطحاوي لذلك، فقال: لما
لم ينفذ الحكم إلا برجلين، فكذا الجرح والتعديل، ولما كان من شرط
المزكي والجارح العدالة؛ وجب أن يكون من شرطهما العدد.
واتفقوا (٢) على أنه لو عدل رجلان وجرح واحد أن التعديل أولى،
فلو كان الواحد مقبولًا لما صح التعديل مع جرح الواحد(٣).
واتفقوا لو أستوى الجرح والتعديل أن الجرح أولى أن يعمل به من
التعديل، وهو قول مالك في ((المدونة)).
(١) لم أقف على تخريجه. وقد ذكره ابن بطال في ((شرحه)) ٣٥٤/٣ لكن بلفظ:
((أمسكوا عن ذي قبر)).
(٢) بهامش الأصل بخط سبط: إذا جرَّح واحد وعدَّل جماعة فالقول قول الواحد إذا
بين السبب، والذي حكى عليه الاتفاق إنما هو قول، وهو: إن العبرة بقول الأكثر.
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٢/٣.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والحجة لذلك أن الجرح باطن والعدالة ظاهر، والجارح يصدق
المعدل ويقول: قد علمت من حاله مثل ما علمت أنت، وانفردت أنا
بعلم ما لم تعلم أنت من أمره. بعلم انفردت به: لا ينافي خبر المعدل،
وخبر المعدل لا ينفي صدق الجارح فوجب أن يكون الجرح أولى من
(١)
التعديل (١).
(١) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ٢٥/٨-٢٦ بتصرف، وأنظر لمزيد بيان ٣٥٤/٣-٣٥٥
حيث الموضع الأول للحديث.

٤٩٣
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
٧ - باب الشّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ،
وَالْمَوْتِ القَدِيمِ
وَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ)). وَالتََّّبُّتِ فِيهِ.
٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، أَخْبَرَنَا الحَكَمُ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ عُزْوَةَ
بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: أَسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ:
أَخْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟! فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ آَمْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ
أَخِي. فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((صَدَقَ أَفْلَحُ، آَتْذَنِي لَهُ)).
[٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١، ٥٢٣٩، ٦١٥٦ - مسلم: ١٤٤٥ - فتح: ٢٥٣/٥]
٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
زَيْدِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: ((لَا تَحِلَّ
لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)).
[٥١٠٠ - مسلم: ١٤٤٧ - فتح: ٢٥٣/٥]
٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ
عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِّ- أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وََّ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَقْصَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُرَاهُ فُلَانَا. لِعَمِّ حَقْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَ: ((أُرَاهُ فُلَانًا)). لِعَمِّ
خَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ: عَائِشَةُ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا - لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - دَخَلَ
عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ)).
[٣١٠٥، ٥٠٩٩ - مسلم: ١٤٤٤ - فتح: ٢٥٣/٥]
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّغْثَاءِ، عَنْ
أَبِيِهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ نَّهِ وَعِنْدِي
رَجُلٌ، قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَنْ هذا). قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ: (يَا عَائِشَةُ،

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أَنْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)). تَابَعَهُ ابن مَهْدِيٍّ، عَنْ
سُفْيَانَ. [٥١٠٢ - مسلم: ١٤٥٥ - فتح: ٢٥٤/٥].
ذكر فيه حديث عائشة: اُسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ ... الحديث.
وحديث ابن عباس قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَلَّهِ فِي (بِنْتِ)(١) حَمْزَةَ:
((لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وهِيَ ابنة أَخِي
مِنَ الرَّضَاعَةِ)).
وحديث عائشة: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَّهِ وَعِنْدِي رَجُلٌ يَسْتَأُذِنُ فِي بَيْتِ
حَفْصَةَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. قَالَتْ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أُرَاهُ فُلَانًا)). لِعَمِّ حَقْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ .. الحديث،
وفي آخره: ((إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ».
وحديث عائشة: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَ لَهِ وَعِنْدِي رَجُلٌ، قَالَ: ((يَا
عَائِشَةُ، مَنْ هذا؟)). قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَنْظُرْنَ
مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)). تَابَعَهُ ابن مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ.
الشرح:
التعليق الأول أسنده فيما سيأتي(٢)، وحديث عائشة الأول أخرجه
مسلم والأربعة(٣)، والمتابعة الأخيرة أخرجها مسلم، عن زهير بن
حرب، عن ابن مهدي، عن سفيان به (٤).
(١) ذكر فوق هذِه الكلمة: في نسخة (ابنة).
(٢) سيأتي برقم (٥١٠٣) كتاب: النكاح، باب: لبن الفحل.
(٣) مسلم (١٤٤٥) كتاب: الرضاع، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل، أبو داود
(٢٠٥٧)، والترمذي (١١٤٨)، والنسائي ٦/ ٩٩، وابن ماجه (١٩٤٨).
(٤) مسلم (١٤٥٥) كتاب: الرضاع، باب: إنما الرضاعة من المجاعة.

٤٩٥
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
ومعنى الباب أن ما صحَّ من الأنساب والموت والرضاع
بالاستفاضة، وثبت علمه بالنفوس وارتفعت فيه الريب والشك أنه
لا يحتاج فيه إلى معرفة لعدد الذين ثبت لهم علم ذلك، ولا يحتاج
إلى معرفة الشهود؛ ألا ترى أن الرضاع الذي في هذِه الأحاديث كلها
كان في الجاهلية وكان مستفيضًا معلومًا عند القوم الذين وقع الرضاع
فيهم، وثبتت به الحرمة والنسب في الإسلام، وتجوز عند مالك
والكوفيين والشافعي الشهادة بالسماع المستفيض في النسب والموت
القديم والنكاح(١)، وقال الطحاوي: أجمعوا أن شهادة السماع تجوز
في النكاح دون الطلاق(٢) ويجوز عند مالك والشافعي الشهادة على
ملك الدار بالسماع، زاد الشافعي: والثوب أيضًا، ولا يجوز ذلك
عند الكوفيين (٣).
قال مالك: لا تجوز الشهادة على ملك الدار بالسماع على خمس
سنين، ونحوها، إلا فيما يكثر من السنين. وهو بمنزلة سماع الولاء، قال
ابن القاسم: وشهادة السماع إنما هي فيما أتت عليه أربعون أو خمسون
سنة (٤).
قال مالك: وليس أحد يشهدُ على أحباس الصحابة إلا على
السماع(٥).
(١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٣٣٨، ((المعونة)) ٤٥٤/٢، ((روضة الطالبين))
٢٦٦/١١-٢٦٧.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٧٨/٣.
(٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٣٣٨، ((المدونة)) ٨٩/٤، ((مختصر المزني))
٢٤٩/٥.
(٤) أنظر: ((المدونة)) ٩٠/٤، ((شرح ابن بطال)) ١٤/٨.
(٥) انظر: ((المدونة)) ٨٩/٤.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال عبد الملك: أقل ما يجوز في الشهادة على السماع أربعة شهداء
من أهل العدل أنهم لم يزالوا يسمعون أن هذِه الدار صدقة على بنى فلان
محبسة عليهم مما تصدق به فلان ولم يزالوا يسمعون أن فلانًا مولى فلان
قد تواطأ ذلك عندهم وفشا من كثرة ما سمعوه من العدول وغيرهم ومن
المرأة والخادم والعبد(١).
واختلف فيما يجوز من شهادة النساء في هذا الباب: فقال مالك:
لا يجوز في الأنساب والولاء شهادة النساء مع الرجال.
وهو قول الشافعي وإنما يجوز مع الرجال في الأموال خاصة
أو متفردات في الاستهلال وما لا يطلع عليه الرجال من أمور النساء،
وأجاز الكوفيون شهادة رجل وامرأتين في الأنساب(٢).
وأما الرضاع فيجوز فيه شهادة امرأتين دون رجل، وستعرف
مذاهبهم في كتاب الرضاع إن شاء الله تعالى.
تنبيهات :
أحدها: اختلف في (أفلح) هُذا فقيل: ابن أبي القعيس.
قال ابن عبد البر: وقيل: أبو القعيس.
وقيل: أخو أبي القعيس. وأصحهما ما قال مالك ومن تابعه: عن
ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة السالف(٣)، ويقال: إنَّه من
الأشعريين، وقد قيل: إن أبا القعيس اسمه الجعد ويقال: الأفلح
يكنى أبا الجعد، وقيل: اسم أبي القعيس: وائل بن أفلح(٤) وعند ابن
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٤/٨، ((جامع الأمهات)) ص ٣٠٧.
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٥/٣، ((المدونة)) ٨٤/٤، ((الأم)) ٤٣/٧.
(٣) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٣٧٢.
(٤) أنظر: ((الاستيعاب)) ١٩٢/١-١٩٣ (٦٨).

٤٩٧
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
الحذاء: قيل: أفلح بن أبي الجعد، رواه عبد الرزاق(١) وقيل أيضًا:
عمي أبو الجعد وفي ((صحيح الإسماعيلي)): أفلح بن قعيس أو ابن
أبي القعيس.
وقال ابن الجوزي، عن هشام بن عروة: إنما هو أبو القعيس أفلح.
وليس بصحيح، إنما هو أبو الجعد أخو أبو القعيس وقال القابسي :
لعائشة عمَّان؛ الأول هذا، والثاني أرتضع هو وأبو بكر من أمرأة واحدة.
وقيل هما عم واحد (٢)، ورجح القاضي عياض الأول فقال: إنه
أشبه؛ لأنه لو كان واحدًا لفهمت حكمه من المرة الواحدة ولم
تحتجب منه بعد(٣).
فإن قلت: فإذا كانا عمين فكيف سألت عن الميت بقولها: لو كان
فلان حيًّا دخل عليها لعمها، فقال وَّه: ((إِنَّ الرَّضَاعَةَ ... )) إلى آخره،
واحتجبت عن الآخر أخي أبي القعيس حتى أعلمها رسول الله وَّه،
قيل: يحتمل أن أحدهما كان عمَّا من أحد الأبوين منهما أو عمّا
أعلى والآخر أدنى، أو نحو ذلك من الأختلاف فخافت أن تكون
الإباحة مُختصة بصاحب الوصف المسئول عنه أولًا، أو يُحتمل -
كما قال القرطبي: أنها نسيت القصة الأولى فأنشأت سؤالًا آخر،
[أو](٤) جوزت تبديل الحُكْم، وهو حجة لمن يرى أن لبن الفحل
يحرم، وهم الجمهور من الصحابة وغيرهم(٥).
(١) الذى وقع في ((المصنف)) ٧/ ٤٧٢ (١٣٩٣٧): أفلح بن أبي القعيس، وفي
٧/ ٤٧٣ (١٣٩٣٩): عمي من الرضاعة أبو الجعد.
(٢) أنظر: ((المفهم)) ١٧٦/٤ -١٧٧.
(٤) في (الأصل: (و)، والمثبت من ((المفهم)).
(٥) ((المفهم)) ٤/ ١٧٧، ١٧٩.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٦٢٧.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال القاضي عياض: لم يقل أحدٌ بسقوط حرمته إلا أهل الظاهر
وابن علية(١)، وفيما ذكره نظر ستعرفه في النكاح.
ووجه الاستدلال من حديث عائشة أنه القيمه أثبت لأَفْلح عمومة
عائشة، وإنما ارتضعت من لبن أمرأة أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس قد
صار أباها.
ومنهم من قال هما عمان؛ لأن سؤالها كان مرتين وفي زمنين (٢).
وقال النووي: يحتمل أن أحدهما كان عمَّا من أحد الأبوين أو عمّا
أعلى والآخر أدنى، فخافت أن تكون الإباحة مختصة بصاحب
الوصف المسئول عنه أولًا(٣).
والمحفوظ عند الحفاظ أن عمها من الرضاعة هو أفلح أخو أبي
القعيس، وكنية أفلح: أبو الجعد.
الثاني: عند أبي حنيفة لا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه
إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي، فإنه يسعه أن
يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بهما من يثق به. قال في ((الهداية)):
هذا استحسان والقياس ألا يجوز فيها؛ لأن الشهادة مشتقة من
المشاهدة، ويجوز للشاهد في الأوائل أن يشهد بالإشهار -وذلك
بالتواتر - أو بخبر من يثق به، إما أن يكونا رجلين أو رجل وامرأتان،
وقيل: في الموت يكفي إخبار واحد وواحدة، وينبغي أن يطلق
الشهادة ولا يفسرها.
(١) ((إكمال المعلم)) ٦٢٩/٤.
(٢) انظر: ((المفهم)) ٤/ ١٧٧، ١٧٩.
(٣) ((شرح النووي)) ٢١/١٠.

٤٩٩
- كِتَابُ الشّهَادَاتِ
أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته وإن رأى
إنسانًا جلس مجلس القضاء فدخل عليه خصوم حل له أن يشهد على
كونه قاضيًا، وكذا إذا رأى رجلًا وامرأة يسكنان بيتًا وينبسط كل واحد
إلى الآخر أنبساط الأزواج.
وعن أبي يوسف: يجوز في الولاء.
وعن محمد: يجوز في الوقف(١).
وقال أبو عبد الرحمن محمد بن محمد العتقي: الشهادة على النسب
المشهور بالسماع جائزة عند جميع الفقهاء، وما أعلم أحدًا ممن يحفظ
عنه من أهل العلم منع من ذلك.
الثالث: فيه إثبات لبن الفحل كما سلف، قال مالك في ((المبسوط)):
نزل ذلك برجال واختلف الناس عليهم، فأما محمد بن المنكدر وابن أبي
خيثمة ففارقوا نساءهم، وسائر الفقهاء على التحريم. واختلف فيهم
عبد الله بن عمر وابن الزبير وعائشة. قال مالك في ((الموطأ)): كانت
عائشة تُدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها، ولا تدخل من
أرضعته نساء إخوتها(٢).
وقولها: (فلم آذن له)، وفي الرواية التي بعدها: (لو كان فلان حيًّا
-لعمها من الرضاعة- دخل عليَّ)، في الأول أنه حي، وفي الثاني أنه
ميت، وقد أسلفنا أن لها عمين.
واعترض ابن التين فقال: نص الحديث خلاف ما قاله الشيخ
أبو الحسن لقوله: أرضعتك أمرأة أخي بلبن أخي؛ فالعم من الرضاعة
(١) ((الهداية)) ١٣٣/٣-١٣٤.
(٢) ((الموطأ)) برواية يحيى ٣٧٣-٣٧٤.

٥٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثلاثة: أخ [الأب](١) من الرضاعة لا النسب، أخ من الأب من الرضاعة
والنسب كأفلح، أب من الرضاعة له أخٌ من الرضاعة.
وفيه: أن الرضاع لا توقيت فيه، وهو قول جماعة من المالكية(٢).
وقوله: ((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)) لفظٌ عام لا يستثنى
منه شيء، كما أوضحناه في ((شرح العمدة))(٣) وكتب الفروع، وما استثنى
لا يرد عنه عند التأمل.
وقوله: ( ((إنما الرضاعة من المجاعة)) ). ظاهر في عدم تحريم
المصة والمصتين؛ لأنها لا تسد الجوع، ولا تقوي البدن، إنما يقويه
خمس رضعات، وقالت عائشة وحفصة: عشر (٤).
وقال ابن مسعود وأبو ثور: ثلاث(٥).
وقال مالك: واحدة(٦).
(١) زيادة يقتضيها السياق ليست في الأصول.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٧٣/٥، ((المنتقى)) ١٥٤/٤.
(٣) ((الإعلام)) ٩/٩-١١.
(٤) رواهما مالك في ((الموطأ)) برواية يحيى ص٣٧٣، وروى مسلم (١٤٥٢) كتاب
الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات، عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل
من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن)، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي
رسول الله وَ﴿ وهن فيما يقرأ.
(٥) ذكر ابن المنذر في ((الإشراف)) ١/ ٩٢ عن ابن مسعود روايتين: الأولى: يحرم
قليله وكثيره.
الثانية: أنه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان. وذكر في ٩٣/١ أن أبا عبيد وأبا ثور
قالا : تحرم ثلاث رضعات.اهـ
(٦) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٣٧٤ حيث قال: الرضاعة قليلها وكثيرها في الحولين
تحرم.اهـ