النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كِتَابُ العَارِيَةِ
=
واختلف العلماء في عارية الثياب، والعروض وما يعاب عليه
وما لا يعاب، وقد سلف في الباب قبله واضحًا.
وممن قال بنفي الضمان الحسن والنخعي والأوزاعي والثوري وأبو
حنيفة وأصحابه، وروي عن عمر أيضًا(١).
وحديث صفوان السالف(٢) قال فيه ابن بطال: قد اضطرب جدًّا
فلا حجة فيه، وأيضًا لو وجب على الشارع ضمان فيه لم يقل: ((إن
شئت غرمناها لك)).
واحتجوا بالقصعة التي أهدتها بعض أمهات المؤمنين، وقد سلف
أنه غرّمها(٣).
وقال ابن القصار: اختلفت ألفاظ خبر صفوان فاستعملنا ما ورد منها
بالضمان فيما يعاب عليه كما كان في سلاح صفوان وفي القصعة،
واستعملنا ما ورد بإسقاط الضمان فيما لا يعاب عليه؛ لأنه (يمكن) (٤)
كتمانه، فيكون قد استعملنا كل خبر على فائدة غير فائدة صاحبه،
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٨٥/٤، ((الإشراف)) ١٤٦/٢، ورواه عن
النخعي: عبد الرزاق ١٧٩/٨ (١٤٧٨٤)، وعن الحسن: ابن أبي شيبة ٣٢١/٤
(٢٠٥٤٣)، وعن عمر: عبد الرزاق ١٧٩/٨ (١٤٧٨٥).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٦٢، ٣٥٦٣)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٠٩/٣-٤١٠، وأحمد
٤٠١/٣، والدارقطني في ((السنن)) ٣٩/٣ - ٤٠، والطحاوي في ((شرح مشكل
الآثار)) ٣٣٤/٤-٣٣٦ (٢٦٨٣-٢٦٨٨)، والحاكم ٤٧/٢، البيهقي ٨٩/٦،
والبغوي في (شرح السنة)) ٢٢٤/٨ (٢١٦١). وصححه الألباني في ((السلسلة
الصحيحة)) (٦٣٠).
(٣) برقم (٢٤٨١) كتاب: المظالم، باب: إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره.
(٤) في الأصل: (لا يمكن)، ولعل المثبت هو المناسب للسياق، وكذا ذكره ابن بطال
في ((شرحه)) ١٤٨/٧.

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ولا يمكن المخالفين استعمالها إلا على معنى واحد فيما يعاب عليه من
العارية وما لا يعاب عليه.
أما في وجوب الضمان على قول الشافعي، أو إسقاطه على قول
أهل العراق فاستعمالنا أولى؛ لكثرة الفوائد.
قال المهلب: وإنما ألزمه ملك الضمان فيما يعاب عليه؛ لئلا يدعي
المستعير هلاك العارية، فيتطرق بذلك إلى أخذ مال غيره(١).
٠٠
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٤٨.
ورد بهامش الأصل: آخر الجزء السابع من الثامن من تجزئة المصنف.

٤٤٣
كِتَابُ العَارِيَةِ
=
٣٥ - باب فَضْلِ المَنِيحَةِ
٢٦٢٩ - حَذَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِيِ الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَيِّ قَالَ: ((نِعْمَ المَنِيحَةُ اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً،
وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ)). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ،
عَنْ مَالِكِ قَالَ: ((نِعْمَ الصَّدَقَةُ)). [٥٦٠٨ - مسلم: ١٠١٩، ١٠٢٠ - فتح: ٢٤٢/٥]
٢٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَنَا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ
وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ -يَغْنِي: شَيْئًا- وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرَضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمْ
الأَنَّصَارُ عَلَى أَنْ يُغْطُوهُمْ ثَمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمُ العَمَلَ وَالَمْثُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ
أُّ أَنَسِ أُمُّ سُلَيْم. كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَكَانَتْ أَغْطَتْ أُمُّ أَنَسِ رَسُولَ اللهِ
عِذَاقًا، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ◌َِّ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ. قَالَ ابن شِهَابٍ:
وَ
فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ لَا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ،
رَدَّ اُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنَّصَارِ مَنَائِحَهُمُ التِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثَمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ◌َ
إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ وَِّ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ. [٣١٢٨، ٤٠٣٠،
٤١٢٠ - مسلم: ١٧٧١ - فتح: ٥/ ٢٤٢]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ أَخْبَنَا: أَبِي، عَنْ يُونُسَ بهذا، وَقَالَ: مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ.
٢٦٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ
ابْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَْزِ، مَا مِنْ عَامِلِ يَعْمَلُ
بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنَّةَ)).
قَالَ حَشَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ،
وَإِمَاطَةِ الأَدَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ ◌َمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً. [فتح:
٢٤٣/٥]

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ، عَنْ جَابِ
رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ، فَقَالُوا: تُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ
وَالنَّصْفِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنَّ
أَبَى فَلْيُمْسِْ أَرْضَهُ)). [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ - فتح: ٢٤٣/٥]
٢٦٣٣ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي
عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَائِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَسَأَلَهُ عَنِ الهِجْرَةِ،
فَقَالَ: ((وَيْحَكَ، إِنَّ الهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
((فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًاً؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
(فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ
يَتِرََكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا)). [انظر: ١٤٥٢ - مسلم: ١٨٦٥ - فتح: ٢٤٣/٥]
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرٍو،
عَنْ طَاؤُسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ - يَغْنِي: ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما - أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعَا فَقَالَ: ((لِمَنْ هَذِه)). فَقَالُوا: أَكْتَرَاهَا فُلَانٌ.
فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا)).
[انظر: ٢٣٣٠ - مسلم: ١٥٥٠ - فتح: ٢٤٣/٥]
ذكر فيه أحاديث :
أحدها: حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((نِعْمَ المَنِيحَةُ
اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ)). وفي
رواية: ((نِعْمَ الصَّدَقَةُ))(١).
(١) في هامش الأصل: الرواية المذكورة قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف
وإسماعيل عن مالك، قال: ((نِعْم الصدقة)).
[قلت: وعند البخاري (٥٦٠٨) كتاب: الأشربة، باب: شرب اللبن. بلفظ
((الصدقة))].

٤٤٥
ـ كِتَابُ العَارِيَةِ
وأخرجه مسلم بلفظ: ((ألا رجل يمنح أهلَ بيتٍ ناقةً تغدو (بعس)(١)
وتروح (بعس)(٢) إِنَّ أجْرها لعظيم)) (٣).
وفي لفظ: ((منحة غَدَت بصدقةٍ وراحت بصدقةٍ صبُوحها وغبُوقها))(٤).
ثانيها: حديث أنس: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ .. الحديث
وفيه: وَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ.
وقد سلف.
ثالثها: حديث عبد الله بن عمرو: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أَرْبَعُونَ
خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلِ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ
ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَاَ الجَنَّةَ)). قَالَ حَسَّانُ - يعني
ابن عَطية -: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ
العَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذىُ عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا أَسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ
خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً.
رابعها : حديث جابر.
خامسها: حديث أبي سعيد(٥).
سادسها: حديث ابن عباس.
وقد سلفت في مواطنها.
(١) في الأصل: (بعشاء) والمثبت من مسلم.
(٢) السابق.
مسلم (١٠١٩) كتاب: الزكاة، باب: فضل المنيحة.
(٣)
(٤) مسلم (١٠٢٠).
(٥) في هامش الأصل: قال فيه البخاري: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ.
فهو مُعلق عند قوم، ومحمول على المذاكرة عند آخرين.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
و(المنيحة): هي الناقة والشاة ذات الدر، يعار لبنها ثم يرد إلى
أهلها (١) كما أسلفناها فيما مضى، والمنيحة عند العرب كالإفقار
والرقبى والعمرى والعارية كما سلف، وهي تمليك المنافع لا الرقاب،
ألا ترىُ قوله في حديث أنس: فلما فَتَحَ الله علَى رسولِه غنائمَ خَيْبَرَ رَدَّ
المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ وثِمَارَهُمْ.
وقوله في حديث جابر: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا
أَخَاهُ))، إنما يريد يهبه الانتفاع بها ولا يكريها منه بأجر؛ يبينه قوله في
حديث ابن عباس: ((أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ لكان خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ
عَلَيْهَا أَجْرًا)).
وقوله في حديث أبي سعيد: بعد أن سأل رسول الله صاحب الإبل
أنه كان يؤدي صدقتها قال: ((فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا؟)). فدل على أن المنيحة
غير الصدقة؛ لأنها قد تضمنها الزكاة، فدلت هذه الآثار على أن المنيحة
التي حض الشارع أمته عليها من الأرض والثمار والأنعام هي تمليك
المنافع لا الرقاب.
و(اللقحة): الناقة التي لها لبن يحلب، جمعها لقاح وهي بكسر
اللام(٢)؛ لأنه بالفتح المرة الواحدة من الحلب، وقيل: فيهما بالفتح
والكسر (٣).
والصَّفيُّ: الغزيرة اللبن.
(١) ((المجمل)) ٨١٧/٢ (منح)، ((العين)) ٢٥٣/٣ (منح).
(٢) ورد بهامش الأصل: الجمع بالكسر لا غير والمنحة: العطية.
(٣) أنظر: ((المجمل)) ٨١٢/٢ (لقح)، ((العين)) ٤٧/٣ (لقح).

٤٤٧
-- كِتَابُ العَارِيَةِ
وقوله: ( ((تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ)) ) يعني أنها تغدو بأجرِ حلبها في
الغدوِّ والرواح. كذا في ابن بطال(١). وقال ابن التين: أي بحلب إناء
بالغداة وإناء بالعشي.
ومَنْ روى ((نِعْمَ الصَّدقة)) روى أحدهما بالمعنى؛ لأن المنيحة العطية
والصدقة أيضًا العطية.
والصبوح: الشرب في وقت الغداة.
والغبوق: شرب العشى(٢).
والسُّنَّة أن تؤد المنيحة إلى أهلها إذا استغنى عنها، كما رد التَّئه إلى
أم سليم عذاقها، وكما رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم حين استغنوا
بخيبر.
والمنيحة وغيرها مما تقدم من باب الصلة لا من باب الصدقة؛ لأنها
لو كانت صدقة لما حلت للشارع، ولكانت عليه حرامًا ولو كان في
أخذها غضاضة لما قبلها.
وأما قوله: ( ((أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ)) ) أي: المعز ولم
يذكرها، ومعلوم أنه التَّيْه كان عالمًا بها أجمع؛ لأنه لا ينطق عن الهوى
وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها؛ وذلك -والله أعلم - خشية
أن يكون التعيين لها والترغيب فيها زهدًا في غيرها من أبواب المعروف
وسبل الخير، وقد جاء عنه التَّ من الحض على أبواب من أبواب الخير
والبر ما لا يحصى كثرة.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٥١.
(٢) أنظر: ((المجمل)) ٦٩١/٢ مادة: (غبق)، ((أعلام الحديث)) ١٢٩٣/٢.

٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وليس قول حسان بن عطية السالف: (فما استطعنا أن نبلغ خمس
عشرة خصلة)؛ بمانع أن يجدها غيره فقصرت أفهامهم عن إدراكها.
قال ابن بطال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها في
الأحاديث فوجد حسابها يبلغ أزيد من أربعين خصلة، فمنها أن رجلا
سأل رسول الله ◌َ# عن عمل يدخله الجنة فقال له: ((إن كنت قصرت
في الخطبة لقد أعرضت المسألة)) فذكر له عتاقات، ثم قال له:
((والمنحة الركوب الغزيرة الدر، والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن
لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن)) (١) فهُذِه ثلاث خصال،
أعلاهن المنحة وليس الفيء على ذي الرحم منها؛ لأنها أفضل من
منيحة العنز، وإنما شرط أربعين خصلة أعلاهن منيحة العنز.
ومنها السلام على من لقيت، وفي الحديث: ((من قال: السلام
عليك كتبت له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله كتب له عشرون،
ومن زاد: وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة»(٢).
وتشميت العاطس؛ وفي الحديث: ((ثلاث تثبت لك الود في صدر
أخيك: إحداهن تشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق)).
(١) رواه أحمد ٢٩٩/٤، والدار قطني ١٣٥/٢، والحاكم ٢١٧/٢، وابن حبان ٩٧/٢
(٣٧٤)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) ص ٣٧ (٦٩).
(٢) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) ٤٢٣/١ (٤٦٩)، وابن الجوزي في ((العلل
المتناهية)) ٢٣١/٢ (١١٩٥) والحديث فيه موسى بن عبيده، قال ابن الجوزي: قال
أحمد: لا يحل عندي الرواية عن موسى، وقال يحيى: ليس بشيء اهـ
والحديث رواه أبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩) عن عمران بن حصين
بلفظ: جاء رجل إلى النبي ◌ّ﴾ فقال: السلام عليكم، قال النبي ◌َّر: ((عشر)) ثم
جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال النبي ◌َّةٍ: ((عشرون)) ......
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

٤٤٩
=
كِتَابُ العَارِيَةِ
وفي الحديث أن رجلًا أخذ غصن شوك من الطريق فشكر الله له
فغفر له(١).
وإعانة الصانع والصنعة لأخرق، وإعطاء صلة الحبل، وإعطاء شسع
النعل، وأن يؤنس الوحشان.
وسأل رجل النبي ◌َّل عن المعروف فقال: ((لا تحقرنَّ منه شيئًا ولو
شسع النعل ولو أن تعطي الحبل ولو أن تؤنس الوحشان))(٢).
وقال أبو سليمان الخطابي: وقيل في تأويل أنس الوحشان وجهان:
أحدهما: أن تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل.
والوجه الآخر: أنه أريد به المنقطع بأرض الفلاة المستوحش بها
يحمله فيبلغه مكان الأنس والأول أشبه.
وكشف الكُرْبة عن مسلم، قال التَّه: ((من كشف عن أخيه كربة
كشف الله عنه كربة من كربات يوم القيامة)) (٣).
وكون المرء في حاجة أخيه قال ◌َله: ((والله في عون العبد ما دام
العبد في عون أخيه))(٤).
وستر المسلم، قال الثفيه: ((من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))(٥).
(١) سلف برقم (٢٤٧٢) كتاب: المظالم، باب: من أخذ الغصن، ورواه مسلم
(١٩١٤) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(٢) أحمد ٤٨٢/٣، ٤٨٣، والحاكم ١٨٦/٤ من طريق جعفر بن عون، عن سعيد
الجريري به، وقد سمى الصحابي أيضًا جابر بن سليم، وقال: صحيح الإسناد.
(٣) سبق برقم (٢٤٤٢) ورواه مسلم (٢٥٨٠) من حديث ابن عمر.
(٤) مسلم (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن
وعلى الذكر بلفظ: ((ما كان العبد)).
(٥) مسلم (٢٦٩٩).

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والتفسح لأخيك في المجلس، قال تعالى: ﴿فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ
[المجادلة: ١١] وقال ◌َّلير: ((ثلاث تثبت لك الود في صدر أخيك:
إحداهن أن توسع له في المجلس، وإدخال السرور على المسلم،
ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم)) (١) وقال اهلية: ((انصر أخاك
ظالمًا أو مظلومًا))(٢).
والدلالة على الخير: قال ◌َله: ((الدال على الخير كفاعله))(٣).
والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس: قال تعالى: ﴿لَّ خَيْرَ فِى
كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾
[النساء: ١١٤]
وقول طيب ترد به المسكين، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ
مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَّىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] وقال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَْ قَوْلًا
مَّغُروفًا﴾ [النساء: ٨] وقال التَّه: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم
يجد فبكلمة طيبة))(٤).
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ١٩٢/٨ (٨٣٦٩)، ابن جُميع في ((معجم الشيوخ))
ص٢٤٦ -٢٤٧، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٣٠/٦ (٨٧٧٢) بغير هذا اللفظ، من
طريق موسى بن عبد الملك عن أبيه عن شيبة الحجبي عن عثمان بن طلحة قال:
قال رسول الله وَّل: ((ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له
في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه)).
قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، وموسى ضعيف الحديث اهـ
انظر: ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٦٢/٢ (٢٢٧٩).
(٢) سلف برقم (٢٤٤٣) كتاب: المظالم، باب: أعن أخاك ظالما أو مظلومًا.
(٣) مسلم (١٨٩٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله.
(٤) سلف برقم (١٤١٣) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة قبل الرد، ورواه مسلم
(١٠١٦) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة.

٤٥١
كِتَابُ العَارِيَةِ
وأن تفرغ من دلوك في إناء المستقي أمر به الشريف الذي سأله عن
المعروف(١).
وغرس المسلم وزرعه؛ قال الكليّة ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع
زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة))(٢).
والهدية إلى الجار؛ قال العمليه: ((لا تحقرن))(٣) الحديث.
والشفاعة للمسلمين فإن الله تعالى قال: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً﴾
الآية [النساء: ٨٥] وقال ◌َله: ((اشفعوا تؤجروا))(٤).
ورحمة عزيز ذل وغني قوم افتقر وعالم بين جهال، روي ذلك في
حديث عن رسول الله وَله.
وعيادة المرضى؛ وفي الحديث: ((عائد المريض على مخارف
الجنة))(٥)، و((عائد المريض يخوض في الرحمة، فإذا جلس عنده
استقرت به الرحمة))(٦).
والرد على من يغتاب أخاك المسلم وفي الحديث: ((من حمى مؤمنًا
من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكًا يوم القيامة يحمي لحمه من النار (٧)
(١) رواه أحمد ٦٣/٥، وابن حبان ٢٨١/٢ (٥٥٢)، من طريق جابر بن سليم.
(٢) سلف برقم (٢٣٢٠) كتاب: المزارعة، باب: فضل الزرع والغرس، ورواه مسلم
(١٥٥٣) كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع.
(٣) مسلم (٢٦٢٦) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء.
(٤) سلف برقم (١٤٣٢) كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة، ورواه مسلم
(٢٦٢٧) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة.
(٥) رواه أحمد ٢٦٨/٥، والطبراني ٢١١/٨ (٦٨٥٤)، من حديث أبي أمامة.
(٦) رواه أحمد ٦٣/٥، وابن حبان ٢٨١/٢ (٥٢٢)، من طريق جابر بن سليم.
(٧) رواه أبو داود (٤٨٨٣)، أحمد ٤٤١/٣، الطبراني ١٩٤/٢ (٤٣٣)، وضعفه
الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٣٥٥).

٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومصافحة المسلم، ففي الحديث: ((لا يصافح مسلم مسلمًا فتزول
يده من يده؛ حتى يغفر لهما))(١).
وفي آخر: ((تصافحوا يذهب الغل))(٢).
والتحاب في الله والتجالس في الله والتزاور في الله والتباذل في الله،
قال تعالى: ((وجبت محبتي لأصحاب هذه الأعمال الصالحة))(٣).
وعون الرجل للرجل في دابته يحمله عليها أو يرفع عليها متاعه
صدقة، روي ذلك عن رسول الله وَّليل، وذكر النصح لكل مسلم(٤).
قلت: ومن الخصال: الحب في الله، والإعلام بالمحبة، وفي الإعلام
بالبغض قولان.
تنبيهات :
أحدها: قوله في حديث أنس: (فقاسمهم الأنصار) قال الداودي
يعني: حالفوهم كالحلف الذي كان في الجاهلية بالأيمان، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف ٢١]
و(العذاق) -بالكسر -: جمع عذق، وهي النخلة، ككلب وكلاب.
(١) أبو داود (٥٢١٢)، وأحمد ٢٨٩/٤، ٣٠٣، باختلاف في الألفاظ، وصححه
الألباني في ((الصحيحة)) ٥٦/٢ (٥١٥).
(٢) ((الموطأ)» برواية يحيى ص٥٦٦.
(٣) رواه بلفظ ((المتحابين في)) أحمد ٢٣٣/٥، ٢٤٧، وابن حبان ٣٣٥/٢ (٥٧٥)،
والطبراني في «الكبير)) ٢/ ٨٠، ٨١ (١٥٠، ١٥٢)، و((الأوسط)) ٦١/٦ (٥٧٩٥)،
والحاكم ١٦٩/٤، وقال: إسناد صحيح، على شرط الشيخين ولم يخرجاه،
والبيهقي في ((الكبرى)) ١٥/١٠، ((الشعب)) ٤٨٣/٦، وصححه الألباني في
((صحيح الجامع)) ٧٩٨/٢ (٤٣٣١).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٥٢-١٥٤.

٤٥٣
ـ كِتَابُ العَارِيَةِ
ثانيها: قول ابن شهاب: (لما فرغ من خيبر أنصرف إلى المدينة رد
المهاجرون للأنصار منائحهم) كذا هنا، وفي رواية أخرى: لما أفاء الله
عليه أموال بني النضير وأراد قسم ما سوى الرباع قال للأنصار: إن شئتم
يقسم على ما كنتم عليه وقسمت لكم معهم وإن شئتم رجعت إليكم
أموالكم وقسمت إليهم دونكم. فاختاروا أخذ أموالهم.
فيحتمل أن يكون بعض الأنصار تركوا أخذ أموالهم وأخذ بعضهم.
قال ابن شهاب: وكانت وقعة النضير سنة ثلاث في المحرم. وخالفه
غيره، فقال: سنة أربع، وغزوة خيبر كانت سنة ست.
وقوله: (أعطاها من حائطه) وفي رواية أخرى بعدها: من خالصه
والمعنى واحد؛ لأن حائطه صار له خاصًّا.
ثالثها: معنى: (يترك): ينقصك لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾
[محمد: ٣٥] أي: لن ينقصكم.
وقوله: ( ((اعمل من وراء البحار))) أي: إذا فعلت هذا فالزم أرضك
وإن كانت من وراء البحار، فإنك لا تحرم أجر الهجرة، وذلك أنه جمع
بين أقطار الخير الواجبة والمنحة التي هي بر وصلة.
وقوله: (فيحلبها يوم وردها) أي: يسقي لبنها، وهو معروف.
وحديث أبي سعيد في الأصول: (حدثنا محمد بن يوسف). وفي
بعض النسخ: وقال محمد بن يوسف، والآخر صواب، لأنه عرض
ومذاكرة.

٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٦ - باب إِذَا قَالَ:
أَخْدَمْتُكَ هذِه الجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ،
فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هذا
الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ.
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا
آجَرَ ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟)). وَقَالَ ابن
سِرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَلَ: ((فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ)). [انظر: ٢٢١٧ - مسلم: ٢٣٧١
- فتح: ٢٤٦/٥]
ثم ساق قصة هاجر من حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ثم قال: وَقَالَ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ: ((فَأَخْدَمَهَا
هَاجَرَ )).
وهذا التعليق أسنده في النكاح وغيره، كما ستعلمه.
قال ابن بطال: ولا خلاف بين العلماء فيما علمت أنه إذا قال له:
أخدمتك هذِه الجارية أو هذا العبد؟ أنه قد وهب له خدمته لا رقبته وأن
الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة عند العرب، كما أن الإسكان لا يقتضي
تمليك رقبة الدار، وليس ما استدل به البخاري من قوله: فأخدمها هاجر
بدليل على الهبة، وإنما تصح الهبة في الحديث من قوله: ((فأعطوها
هاجر))، فكانت عطية تامة.
واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال: وهبت خدمة عبدي لفلان،
فقال ابن القاسم: يخدمه حياة العبد، فإن مات فلان فلورثته خدمة العبد

٤٥٥
كِتَابُ العَارِيَةِ
==
ما بقي العبد إلا أن يستدل من قوله إنما أراد حياة المخدوم ولا تكون هبة
لرقبة العبد.
وقال أشهب: يحمل على أنه أراد حياة فلان ولو كانت حياة العبد
كانت هبة لرقبته. والأول أصح؛ لأنه لا يفهم من هبة الخدمة هبة الرقبة،
والأموال لا تستباح إلا بيقين، ولم يختلف العلماء أنه إذا قال كسوتك
هذا الثوب مدة يسميها فله شرطه، فإن لم يذكر أجلًا فهو هبة؛ لأن لفظ
الكسوة يقتضي الهبة للثوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةٍ
مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم
تختلف الأمة أن ذلك تمليكًا للطعام والثياب(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٥٥/٧ -١٥٦.

٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ
فَهْوَ كَالْعُمْرِى وَالصَّدَقَّةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ
أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ
اللهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ يَّةِ، فَقَالَ: (لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)).
[انظر: ١٤٩٠ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح: ٢٤٦/٥]
ثم ذكر حديث عُمر في النَّهي عن شراء فرسه الذي تصدَّق بِهِ، وقد
سلف(١).
قال الداودي: قوله: (فهو كالعمرى والصدقة) تحكم بغير تأمل.
وقول: من ذكر من الناس أصح؛ لأنهم يقولون: المسلمون على
شروطهم.
قال ابن التين: فحمل على البخاري أنه أراد العارية وليس كذلك.
واحتجاجه بقصة عمر يدل على أنه لم يرد ذلك؛ ولأن الحمل على
و جھین :
أحدهما: أن يعلم أن فيه بحده فيملكه الفرس وينكأ به العدو.
والثاني: أن يكون وقفه لمن هو مواظب على الجهاد على سبيل
التحبيس له في هذا الوجه.
وأحدهما أراد البخاري واحتج بحديث عمر بقوله: ((لا تشتره)).
وبعض الناس هنا أظنه أبا حنيفة؛ لأنه يقول (بقبض الأجنبي من
(١) سلف برقم (١٤٩٠) كتاب: الزكاة، باب: هل يشتري الرجل صدقته.

٤٥٧
= كِتَابُ العَارِيَةِ
وهب له)(١). فرد عليه بالحديث.
وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن العمرى إذا قبضها المعمر
لا يجوز الرجوع فيها، وكذلك الصدقة لا يجوز لأحد أن يرجع في
صدقته؛ لأنه أخرجها لله تعالى، فكذلك الحمل على الخيل في سبيل
الله لا رجوع فيه؛ لأنه صدقة لله، فما كان من الحمل على الخيل
تمليكًا للمحمول عليه بقوله: هو لك، فهو كصدقة المنقولة إذا
قبضت؛ لأنها ملك للمتصدق عليه، وما كان منه تحبيسا في سبيل الله
فهو كالأوقاف لا يجوز فيه الرجوع عند جمهور العلماء، وخالف
ذلك أبو حنيفة، وجعل الحبس باطلًا في كل شيء(٢)، ولهذا قال
البخاري هنا: (وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها)؛ لأنه عنده
حبس باطل راجع إلى صاحبه(٣).
وفيه: جواز تحبيس الخيل، وهو رد على أبي حنيفة، ولا يخلو
الفرس الذي حمل عليه عمر وأراد شراءه من أن يكون حبسه في سبيل
الله أو حمل عليه وجعله ملكًا للمحمول عليه، وإن كان الأول
فلا يجوز بيعه عند العلماء، إلا أن يضع ويعجز عن اللحاق بالخيل،
فيجوز حينئذٍ بيعه ووضع ثمنه في فرس عتيق إن وجده، وإلا أعان به
في مثل ذلك.
(١) كذا في الأصل، وهي عبارة مضطربة لا تدل على معنى في ذاتها، وأصل المسألة
عندهم: أن من وهب لأجنبي رجع إن شاء ما لم يثب منها أو يريد في نفسه.
انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤/ ١٥٢.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٧/٤.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٥٦/٧، ١٥٧.

٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وإن كان الثاني فهو ملك للمتصدق عليه كالصدقة المبتولة، فجاز له
التصرف فيه وبيعه من الذي حمله عليه لغيره.
وإنما أمره التَّل بتركه؛ تنزيهًا لا إيجابًا، وسيأتي في الجهاد في
باب: إذا حمل على فرس في سبيل الله فرآها تباع اختلاف العلماء
فيمن حمل على فرس في سبيل الله، ولم يقل: هو حبس في سبيل الله.
وفي كتاب الوقف اختلافهم في تحبيس الحيوان؛ في باب وقف
الكراع والدواب(١)، إن شاء الله.
(١) سيأتي برقم (٢٧٧٥).

٠
+
٥٢
كِتَابَ السَّهَادَاتِ
*
28