النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
ـ كِتَابُ الهِبَةِ
رابعها: من حديث معاوية، أخرجه أحمد من حديث ابن عقيل، عن
ابن الحنفية، عنه: سمعت رسول الله له يقول: ((العمرى جائزة
لأهلها))(١).
خامسها: حديث الحسن عن سمرة أن نبي الله وَالر قال: ((العمرى
جائزة لأهلها -أو- ميراث لأهلها)) أخرجه الترمذي(٢).
سادسها: عبد الله بن الزبير: أخرجه الترمذي في ((علله الكبير)) قال
رسول الله ◌َّة: ((العمرى لمن أعمرها)) يريد من يرثه، ثم قال: سألت
محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو عندي حديث معلول، ولم يذكر
علته، ولم يعرفه حسنًا في العمرى(٣).
إذا تقرر ذلك؛ فقد قال الترمذي: العمل على هذا عند بعض أهل
العلم إذا قال في العمرى: هي لك حياتك ولعقبك، فإنها لمن أعمرها
لا ترجع إلى الأول، فإذا لم يقل: لعقبك.
فهي راجعة إلى الأول إذا مات المعمر.
وهو قول الشافعي ومالك (٤).
وروي من غير وجه مرفوعًا: ((العمرى جائزة لأهلها))(٥). والعمل
على هذا عند بعض أهل العلم قالوا: إذا مات المعمر فهي لورثته،
وإن لم يجعل لعقبه، وهو قول سفيان بن سعيد، وأحمد، وإسحاق(٦).
(١) أحمد ٤ / ٩٧.
(٢) الترمذي (١٣٤٩).
(٣) ((علل الترمذي)) ١/ ٥٥٠-٥٥١.
(٤) أنظر: ((المدونة)) ٣٢٥/٤٠، ((الحاوي)) ٥٤٠/٧-٥٤١.
(٥) أبو داود (٣٥٥٨)، والترمذي (١٣٤٩)، والنسائي ٢٧٤/٦، وأحمد ٤٢٩/٢،
وأصله في مسلم (١٦٢٦) كتاب: الهبات، باب: العمرى.
(٦) ((سنن الترمذي)) عقب حديث (١٣٥٠)، وانظر: ((رءوس المسائل)) ٦٦٢/٢.

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم
أن الرقبى جائزة مثل العمرى، وهو قول أحمد وإسحاق، وفرق بعض
أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بينهما، فأجازوا العمرى ولم
يجيزوا الرقبى، قال: وتفسير الرقبى. أن تقول: هذا الشيء لك
ما عشت، فإذا مت قبلي فهي راجعة إليَّ.
وقال أحمد وإسحاق: الرقبى مثل العمرى، وهي لمن أعطيها
ولا ترجع إلى الأول(١).
قلت: ونقل ابن بطال، عن الكوفيين والشافعي في أحد قوليه
وأحمد: العمرى تصير ملكًا للمُعْمر ولورثته ولا تعود ملكًا إلى
المعطي أبدًا (٢).
وفضَّل أصحابنا العمرى فقالوا: إنها ثلاث صور (٣):
الأولى أن يقول: أعمرتك هذِه الدار، فإذا مت فهي لورثتك
ولعقبك، فتصح قَطْعًا ويملك بهذا اللفظ رقبة الدار، وهي هبة، لكنه
طول العبارة.
وقوله: فهي لورثتك باليد لملكه، ولا ينبغي أن يحمل على الباقين
والشرط، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا تعود
إلى الواهب بحال؛ لرواية مسلم السالفة: ((أيما رجل أعمر عمرى .. ))(٤)
إلى آخره. ولا فرق في العمرى بين العقار وغيره، وإن كان كثير من
أصحابنا إنما فرضوها في العقار، وجماعة منهم صرحوا بها في كل
(١) ((سنن الترمذي)) عقب حديث (١٣٥١).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٤٣/٧.
(٣) أنظر: هذِه الصورة في ((الحاوي)) ٧/ ٥٤٠-٥٤١، و((روضة الطالبين)) ٣٧٠/٥.
(٤) سبق تخريجها.

٤٢٣
=ِ كِتَابُ الهِبَةِ
شيء، ولا خلاف في ذلك.
وذكر الرافعي العبدَ (١)، وعن أحمد في الجارية يعمرها: لا أرى له
وطأها، أيْ: تورعًا(٢).
الثانية: أن يقتصر على: أعمرتك. فالجديد: الصحة وله حكم
الهبة؛ لحديث أبي هريرة في الباب.
وفي القديم ثلاثة أقوال: أشهرها بطلانها؛ لقول جابر السالف عند
مسلم(٣)؛ ولأنه تمليك مؤقت فبطل كالبيع وكما لو أقتها سنة.
والثاني: أنها تكون للمعمر في حال حياته، فإذا مات رجعت إلى
المعمر؛ لحديث جابر السالف، وهو غريب.
والثالث: أنها عارية، يستردها المعمِر متى شاء، فإذا مات المعمَر
عادت إلى صاحبها وهو الواهب.
الثالثة: أن يقول جعلتها لك عمرك، فإذا متَّ عادت إليَّ أو إلى
ورثتي إن كنت متُّ.
فالأصح عندنا الصحة وإلغاء الشرط؛ لإطلاق الأحاديث الصحيحة (٤)؛
وأغرب بعض أصحابنا فقال: يصح ولا يُلغى الشرط.
حكاه صاحب ((النبيه مختصر التنبيه))(٥) وهو ابن يونس، وكأنهم
عدلوا به عن سائر الشروط الفاسدة، والقياس البطلان.
(١) ((العزيز)) ٣١٥/٦.
(٢) أنظر: ((المغني)) ٢٨٧/٨.
(٣) مسلم (١٦٢٥).
(٤) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٣٧٠/٥، ٣٧١.
(٥) كذا في الأصل، ولعله يقصد كتاب: ((النبيه في اختصار التنبيه)) لتاج الدين
عبد الرحيم بن محمد الموصلي، والله أعلم.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحاصل المذهب الصحة في الثلاث وأن الموهوب له يملكها ملكًا
تامًّا، يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرف، وقال أبو حنيفة بالصحة
كمذهبنا، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيد(١).
وقال ابن بطال: اختلف العلماء في العمرى، فقال مالك: إذا قال:
أعمرتك داري أو ضيعتي، فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته،
فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو المعمر، وإذا قال: قد
أعمرتك وعقبك فإنه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منه إنسان،
فإذا أنقرضوا رجعت الرقبة إلى المالك المعمر؛ لأنه وهب له المنفعة
ولم يهب الرقبة.
وروي مثله عن القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط(٢).
وهو أحد قولي الشافعي(٣)، وقال الكوفيون والشافعي في الآخر
وأحمد: تصير ملكًا للمعمر ولورثته ولا تعود إلى المعطي أبدًا(٤).
واحتجوا بما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر
أنه التَّيْه قال: ((أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها،
لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث)) (٥)
وقالوا: إن مالكًا روي هذا الحديث وخالفه وقال: ليس عليه العمل.
واحتج أصحابه بأن الإعمار عند العرب، والإفقار، والإسكان،
والمنحة، والعارية، والإعراء: إنما هو تمليك المنافع لا الرقاب.
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٦/٤، ((غريب الحديث)) ٢٥٠/١.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) ٢٣٠/٢.
(٣) أنظر: ((البيان)) ١٣٩/٨.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٦/٤، ((غريب الحديث)) ٢٥٠/١.
(٥) ((الموطأ)» برواية يحيى ٤٧١.

٤٢٥
= كِتَابُ الهِبَةِ
وللإنسان أن ينقل منفعة الشيء الذي يملك إلى غيره مدة معلومة
ومجهولة، إذا كان ذلك على غير العوض؛ لأن ذلك فعل خير
ومعروف، ولا يجوز أن يخرج شيء من ملك مالكه إلا بيقين ودليل
على صحة.
وقد قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم فيما
أعطوا(١).
والدليل على أن العمري لا تقتضي نقل الملك عن الرقبة أنه لو قال:
بعتك شهرًا أو تصدقت به عليك شهرًا، وأراد نقل ملك الرقبة لم يصح،
وكذلك إذا قال: أعمرتك؛ لأنه علقه بوقت مقيد، وهو عمره.
وأما حديث جابر الذي احتجوا به فهو حجة عليهم، وذلك أن
المعمر إذا أعمر زيدًا وعقبه، فليس له أن يرجع فيما أعطى زيدًا،
فكذلك فيما أعطى عقبه، والكوفي خالف هذا الحديث ولم يقل
بظاهره كما زعم؛ لأنه يقول: إن للمعمر بيع الشيء الذي أعمره ومنع
ورثته منه، وهذا خلاف شرط المعمر؛ لأنه أعطى عقبه كما أعطاه.
وليس هو بأولى بالعطية من عقبه، وهو معنى قوله القليهي: ((لأنه أعطى
عطاءً وقعت فيه المواريث)) يعني: التداول للمنفعة لا ميراث الرقبة،
وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]،
فلم يملكوها بالمواريث التي فرض الله تعالى، وإنما أخذوا منهم
ما كان في أيديهم، فكذلك العقب في العمرى يأخذ ما كان لأبيه
بعطية المالك.
(١) ((الموطأ)) برواية يحيى ٤٧١.

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال(١): واختلفوا في الرقبى: فأجازها أبو يوسف والشافعي (٢)
كأنها وصية عندهم، وقال مالك والكوفيون ومحمد: لا يجوز(٣).
واحتجوا بحديث ابن عمر السالف، ولفظه: نهى رسول الله وَ له عن
الرقبى، وقال: ((من أرقب رقبى فهي له)) (٤).
والرقبى عند مالك أن يقول: إن متّ قبلك فداري لك وإن مثَّ قبلي
فدارك لي، فكأن كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل
له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه.
وليس كذلك العمرى؛ لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذي أخرج
عن يده(٥).
فرع:
لو قال: جعلتها لك عمرئ أو عمر زید.
فقيل: هو كما لو قال: جعلتها لك عمرك أو حياتك. لشمول اسم
العمرى، فالأصح عندنا البطلان لخروجه عن اللفظ المعتاد، ولما فيه
من تأقيت الملك (٦).
فرع :
قال: داري لك عمرك، فإذا متَّ فهي لزيد، أو عبدي لك عمرك فإذا
(١) أي: ابن بطال.
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٣٩، ((البيان)) ١٤١/٨.
(٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٣٩، ((الكافي)) لابن عبد البر ص ٥٤٢.
(٤) النسائي ٢٧٤/٦، وأحمد ٢٦/٢، ((البيهقي)) ١٣١/٤.
(٥) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١٤٢- ١٤٤.
(٦) انظر: ((روضة الطالبين)) ٣٧١/٥.

٤٢٧
■ِ كِتَابُ الهِبَةِ
مثَّ فهو حر. صحت عندنا على الجديد، ولغي المذكور بعدها(١).
وقد أوضحت فروع العمرى وتفاصيل الرقبى في كتب الفروع فهو
أليق به منها.
لو باع على صورة العمرى فقال: ملكتها بعشرة عمرك.
(فيه)(٢) وجهان؛ لأنه تطرق الجهالة إلى الثمن (٣).
خاتمة :
قال ابن التين: تفسير العمرى أن يقول الرجل للآخر: أعمرتك عمر
العطاء.
وقال بعض أهل اللغة: عمر المعطى، وقيل: يصح فيهما فهي عند
مالك هبة الدار حياة المعطى(٤)، وعند الشافعي يملكها المعطي(٥).
(١) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٣٧٣/٥.
(٢) في الأصل: وفيه، وما أثبتناه هو الأليق بالسياق.
(٣) انظر: ((العزيز)) ٣١٤/٦-٣١٥.
(٤) انظر: ((الكافي)) لابن عبد البر ص ٥٤٢.
(٥) أنظر: ((الأم)) ٢٨٥/٣.
وورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد السبعين كتبه مؤلفه.

-

*
*

W
هي بتشديد الياء وتخفيفها، وجمعها عواري كذلك، وفيها لغة ثالثة:
عارة، حكاها الجوهري وابن سيده(١) وحكاها المنذري فقال: عاراه
بالألف وهي مشتقة، كما قال الأزهري: من عار الرجل إذا ذهب
وجاء(٢)، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار؛ لكثرة ذهابه ومجيئه. وقال
البطليوسي: هي مشتقة من التعاور وهو التناوب.
وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب(٣).
وهذا خطأ ؛ لأنه القرية استعار.
وهي في الشرع: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه؛
ليردها عليه، وقيل: هي هبة المنافع بعد بقاء ملكها الرقبة.
(١) ((المخصص)) ٢٣٤/٣.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٢٢٧٣/٣ مادة: (عار).
(٣) ((الصحاح)) ٧٦٤/٢.

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٣ - باب مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ
٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا يَقُولُ كَانَ فَزَعُ
بِالْدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ◌ََّ فَرَسَا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الَمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ فَلَمَّا رَجَعَ
قَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧،
٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٥ /٢٤٠]
ذكر فيه حديث أنس: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ونَ فَرَسًا مِنْ
أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ المَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ،
وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)).
الشرح: قال الخطابي: (إنْ) هنا بمعنى النفي، واللام بمعنى (إلا)،
كأنه قال: ما وجدناه إلا بحرًا، تقول: إن زيدًا لعاقل. تريد: ما زيد
إلا عاقل، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ﴾ [طه: ٦٣]
بتخفيف (إن) المعنى: ما هذان إلا ساحران وقد قرأه حفص عن
عاصم(١).
قلت: هذا هو مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين أنَّ (إنْ) مخففة
من الثقيلة واللام زائدة، وقد نبه على ذلك ابن التين.
وقوله: ( ((ما رأينا من شيء))) أي: عدوًا والمندوب علم على فرس
وأفراسه وَلير جمعها بعضهم(٢) في بيت:
والخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْف سَبْحَةٌ ظَرِبٌ لِزَازُ مُرْتَجَزٌ وَرْدٌ لَها أسْرَارُ(٣)
(١) ((أعلام الحديث)) ١٢٨٨/٢.
(٢) بهامش الأصل: عزا هذا البيت ابن القيم في ((هديه)) [١٣٣/١] لأبي عبد الله
محمد بن أبي إسحاق بن جماعة. يعني به القاضي بدر الدين.
(٣) ورد بهامش الأصل: المرتجز هو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت الأنصاري،
وقيل: بل هو الظرب، بكسر الظاء، وكان المرتجز أبيض، وأما اللحيف: فأهداه =

٤٣٣
- ڪِتَابُ العَارِيَةِ
كما جمعت أسيافه في بيت:
جاءت بأسمائهن السبع أخبار
إن شئت أسماء أسياف النبي فقد
وقل عضب رسوب وقلعي وبتار(١)
قل: مخدم ثم حتف ذو الفقار
وذكر القاضي عياض أن في خيل رسول الله وَ لل فرس يقال له:
البحر، اشتراه من تجر، قدموا به من اليمن سبق عليه مرات، ثم قال
بعد: فيحتمل أنه يصير إليه بعد أبي طلحة.
وهذا نقض للأول، لكن لو قال: يحتمل أنهما فرسان أتفقا في
الأسم لكان أقرب.
وزعم نفطويه: أن البحر من أسماء الخيل، وهو الكثير الجري الذي
لا يفنى جريه كما لا يفنى ماء البحر مجازًا. ونبه ابن بطال على أنه لاَّ
أول من تكلم بهذا(٢).
وعن القزاز: هو الواسع الجري، ومنه سمي البحر بحرًا لسعته،
= له ربيعة بن أبي البراء، ولزاز: أهداه له المقوقس، والظرب: أهداه له فروة بن
عمرو الجذامي، وأما الورد: فأهداه له تميم الداري، فأعطاه النبي وَّ عمر فحمل
عليه في سبيل الله قاضيًا عنه الدين عنده، ووجده يباع برخص. وهُذِه السبعة متفق
عليها، وبقي خمسة عشر مختلف فيها أشار إليها الدمياطي وعددها ابن سيد الناس
في ((سيرته)).
(١) ورد بهامش الأصل: القلعي بفتح اللام منسوب إلى مرج قلعة بالبادية، وسكن
لامه للشعر، وبقى من أسيافه مما لم يذكره، مأثور ورثه من أبيه وقدم به المدينة،
والصمصامة سيف عمرو بن معدى كرب، والقضيب.
فأما العضب فأرسل به سعد بن عبادة عند توليه إلى بدر، وذو الفقار كان
للعاصي بن منبه السهمي، والقلعي والبتار والحتف من بني قينقاع، وأما الرسوب
والمخدم أصابهما مما كان على الفلس صنم طيء، وهو بضم اللام وسكون.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٤/٥.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومنه فلان متبحر في العلم؛ إذا أتسع فيه.
وقال الأصمعي: فرس بحر إذا كان واسع الجري.
قال الداودي: هو على أتساع اللغة والاستكثار مثل قوله وَ له: ((أما
أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)).
إذا تقرر ذلك؛ فاختلف العلماء في عارية الحيوان والعقار
وما لا يعاب عليه.
فروى ابن القاسم عن مالك: أن من استعار حيوانًا أو غيره مما لا يعاب
عليه فتلف عنده، فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي(١)، وهو قول
الكوفيين(٢)، فإن كان مما يعاب عليه من ثوب أو غيره فهو ضامن
ولا يقبل قوله في هلاكه إلا أن يكون ظاهرًا معروفًا تقوم له بينة من
غير تفريط، ولا يضمن(٣). وقال عطاء(٤): العارية مضمونة على كل
حال كانت مما لا يعاب عليه أم لا، وسواء تعدى فيها أو لم يتعد،
وبه قال الشافعي وأحمد(٥).
قلت: إلا إذا بلغت من الوجه المأذون فيه فلا ضمان عندنا،
واحتجوا بأحاديث خارج الصحيح صحيحة:
أحدها: حديث إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني
قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إنه سمع النبي ◌َّ في حجة الوداع
يقول: ((العارية مؤداة والزعيم غارم)) أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي،
(١) أنظر: ((المدونة)) ٣٦١/٤.
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١١٦، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٨٥/٤.
(٣) أنظر: ((المدونة)) ٣٦١/٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣٢١/٤ (٢٠٥٤٤) بلفظ: ((العارية مضمونة)).
(٥) انظر: ((مختصر المزني) ٣٢/٣، ((المغني)) ٢٤١/٧.

٤٣٥
= كِتَابُ العَارِيَةِ
وصححه ابن حبان(١).
ثانيها: حديث أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، أن رسول الله وَال
استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: ((لا، بل عارية
مضمونة)) رواه أبو داود والنسائي والحاكم قال: وله شاهد صحيح على
شرط مسلم، عن ابن عباس فذكره(٢).
وأما ابن حزم فأعله بشريك كعادته(٣)، وتبعه ابن القطان قال: وأمية
أخرج له مسلم(٤).
قلت: لا، بل البخاري في ((الأدب))، وأما صاحب ((الإلمام)) فقال
بعد أن عزاه إلى ((المستدرك)): لعله علم حال أمية.
قلت: قد ذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٥).
وعن جابر مرفوعًا مثله، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٦).
ثالثها: حديث يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله وَله: ((إذا أتتك
رسلي فادفع إليهم ثلاثين درعًا)) فقلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أم
عارية مؤداة؟ فقال: ((بل عارية مؤداة)) رواه أبو داود والنسائي، وصححه
(١) أبو داود (٣٥٦٥)، الترمذي (١٢٦٥) وقال: حديث أبي أمامة حديث حسن
غريب، وابن حبان ٤٩١/١١ (٥٠٩٤) بلفظ: ((العارية مؤداة والمنحة مردودة،
ومن وجد لقحة مصراة فلا يحل له صرارها حتى يريها))، صححه الألباني في
((الصحيحة)) (٦١٠).
(٢) أبو داود (٣٥٦٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٧٩)، الحاكم ٢/ ٤٧، وصححه
الألباني في ((الصحيحة)) (٦٣١).
(٣) ((المحلى)) ١٧١/٩.
(٤) ((بيان الوهم والإيهام)) ٥٣٤/٣ (١٣١٣).
(٥) ((الثقات)) ٤١/٤.
(٦) ((المستدرك)) ٤٩/٣.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ابن حبان(١) وقال ابن حزم: حديث حسن. ليس في شيء مما روي في
العارية خبر يصح غيره، وأما ما سواه فليس يساوي الاشتغال به (٢).
رابعها: حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله وَله: ((على
اليد ما أخذت حتى تؤديه)) رواه أصحاب السنن الأربعة، وحسنه الترمذي
والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري(٣).
ونازعه صاحب ((الإلمام))، وذكره ابن حزم بأن قال: الحسن لم
يسمع من سمرة (٤).
وهو أحد مذاهب ثلاثة فيه ورأى البخاري وجماعة أنه سمع
منه مطلقًا، وروي أن ابن عباس وأبا هريرة ضمنا العارية، واحتج
الأول بأن معنى أدائها هو بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُواْ
اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فإذا بلغت الأمانة لم يلزم المؤتمن
غرمها، فكذلك العارية إذا علم أنها قد تلفت؛ لأنه لم يأخذها على
الضمان ولا هو متعد بالأخذ فهي أمانة على المستعير، فإذا تلفت
بتعديه عليها لزمه قيمتها بجنايته عليها بمنزلة ما لو تعدى عليها، وهي
في يد ربِّها فعليه قيمتها، روي عن علي وابن مسعود أنه ليس على
مؤتمن ضمان(٥).
(١) أبو داود (٣٥٦٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٧٦)، وابن حبان (٤٧٢٠).
(٢) ((المحلى)) ٩/ ١٧٣.
(٣) الترمذي (١٢٦٦)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤١١/٣ (٥٧٨٣)، وابن ماجه
(٢٤٠٠)، والحاكم ٤٧/٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط
البخاري ولم يخرجاه.
(٤) ((المحلى)) ٩/ ١٧٢.
(٥) البيهقي ٢٨٩/٦ (١٢٦٩٩).

٤٣٧
- كِتَابُ العَارِيَةِ
وممن كان لا يضمِّنُ المستعير الحسن والنخعي(١). وقال شريح:
ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل
ضمان(٢). وكتب عمر بن عبد العزيز في العارية: لا يضمن صاحبها
إلا أن يُطلع منه على خيانة(٣).
(١) ابن أبي شيبة ٣٢٠/٤-٣٢١ (٢٠٥٤١، ٢٠٥٤٣).
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٤٠/٣-٤١ (٢٩٢٨).
(٣) ابن أبي شيبة ٣٢٠/٤ (٢٠٥٣٨).

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٤ - باب الاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ البِنَاءِ
٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: أَرْفَعْ
بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي، أَنْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ
دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَمَا كَانَتِ أَمْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْدِينَةِ إِلَّ أَزْسَلَتْ إِلَّ تَسْتَعِيْرُهُ.
[فتح: ٢٤١/٥]
ذكَرَ فيه حديث عبد الواحد بن أيمن: حَدَّثَنِي أَبِي - وهو أيمن
الحبشي المكي مولى ابن أبي عمرو - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا
دِرْعُ قِظْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: أَرْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي، أَنْظُرْ
إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرٌْ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ
وو
تَسْتَغِیرُهُ.
هذا الحديث من أفراد البخاري.
و(الدرع): القميص، وهو مُذَكَّر بخلاف درع الحديد فإنها مؤنثة(١).
و(قطر) بقاف مكسورة ثم طاء مهملة، كذا ساكنة في أصل
الدمياطي، وفسره بأن قال: القطر: ضرب من البرود(٢) يقال: برود
قطرية(٣).
وقال ابن بطال: القطريات من غليظ القطن (٤). ولم يذكر غيره، وهو
(١) ((العين)) ٣٤/٢ مادة: (درع)، ((المجمل)) ٣٢٢/١ مادة: (درع).
(٢) ورد بهامش الأصل: وهو ما في ((الصحاح)).
(٣) ((الصحاح)) ٧٩٦/٢ مادة (قطر).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٤٦/٧.

٤٣٩
- كِتَابُ العَارِيَةِ
رواية أبي الحسن، ولأبي ذر: قطن بالنون.
وقال ابن فارس بعد أن ضبطه بكسر القاف: هو جنس من البرود (١).
وقال الخطابي: ضرب من المروط غليظ(٢).
قال ابن فارس: والمرط ملحفة يؤتزر به(٣).
وقال صاحب ((المطالع)): وللقابسي وابن السكن بالفاء وهو ضرب
من ثياب اليمن بها حمرة.
(تزهى): تتكبر، قال ثعلب في باب (فُعِل) بضم الفاء: وقد زهيت
علينا يا رجل وأنت مزهو(٤)، وعن التدميري(٥): مأخوذ من التيه
والعجب، وأصله من البشر إذا حسن منظره وراقت ألوانه. وقال ابن
درستويه: العامة يقولون: زها علينا فتجعل الفعل له، وإنما هو مفعول
لم يسم فاعله(٦).
وعند ابن دريد: زها زهوًا. أي: تكبر(٧).
ومنه قولهم: ما أزهاه، وليس هو من باب زهى؛ لأن ما لم يسم
فاعله لا يتعجب منه. قلت: حكى ابن عصفور وغيره التعجب منه في
ألفاظ معدودة منها ما أجنه.
(١) ((المجمل)) ٧٥٩/٢ مادة: (قطر).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٢٩١/٢.
(٣) ((مقاييس اللغة)) مادة: (مرط).
(٤) ((فصيح ثعلب)) ص١٤.
(٥) التدميري: هو أحمد بن عبد الجليل، أبو العباس التدميري أديب لغوي، توفى
بفاس سنة خمس وخمسين وخمسمائة، من تأليفه: ((توطئة في النحو))، ((شرح
أبيات الجمل الكبيرة)) للزجاجي في النحو، ((شرح الفصيح)) لثعلب في اللغة،
وغيرها. انظر: ((هداية العارفين)) ص ٤٥.
(٦) ((تصحيح الفصيح)) ص١٠٦.
(٧) ((جمهرة اللغة)) ٢/ ٨٣١.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأنشد الجوهري:
لنا صاحبٌ مولعٌ بالخلاف كثير الخطاء قليل الصواب
وأَزْهى إذا ما مَشَىْ من غراب (١)
ألجّ لجاجًا من الخنفساء
(وتقين) -بضم أوله- تزين. قال صاحب ((الأفعال)): قان الشيء قيانة
أصلحه. والقينة: الأمة ومنه قيل للحداد: ڤين(٢).
قال أبو عمرو: وأصله من اقتان البيت أقتيانًا إذا حسن، ومنه قيل
للمرأة: مقينة؛ لأنها تزين(٣)، والقينة: الماشطة(٤)، وقيل: التي
تجلى على زوجها، والقين: إصلاح الشعر، والقينة: المغنية أيضًا.
والقينة: الجارية، وكل صانع عند العرب قين(٥).
وروي بالفاء أي: تعرض وتجلى على زوجها، حكاه ابن التين.
إذا تقرر ذلك: فعارية الثياب في العرس من فِعْل المعروفِ والعمل
الجاري عندهم؛ لأنه مرغب في أجره؛ لأن عائشة لم تمنع منه أحدًا.
وفيه: أن المرأة قد تلبس في بيتها ما خشن من الثياب وما يلبسه
بعض الخدم.
وفيه: تواضع عائشة وأخذها بالبلغة في حال اليسار، وقد أعانت
المنكدر في كتابته بعشرة آلاف، وذكرت ما كانوا عليه لتتذكر ذلك
وتشكر نعم الله.
(١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٣٧٠.
(٢) ((الأفعال)) ص٢٢٤.
(٣) أنظر: ((المجمل)) ٧٣٩/٢ (قين)، ((الصحاح)) ٢١٨٥/٦، ((المحكم)) ٣١٤/٦
مادة: (قین).
(٤) انظر: ((الصحاح)) ٢١٨٩/٦.
(٥) أنظر: ((المحكم)) ٣١٤/٦.